الفصل الأول: مسائل الإجماع في الخلع
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 21796 to 22095
-
3/4363/436
مشروعية الخلع، وأنه مستمر الحكم غير منسوخ]
-
الخلع (١) من الأمور المشروعة عند سوء الحال بين الزوجين، وهذا الحكم مستمر غير منسوخ،
-
فإذا كرهت المرأة زوجها، لخَلْقه، أو خُلُقه، أو دينه، أو نحو ذلك، وخشيت ألا تؤدي حق اللَّه تعالى في طاعته، جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال بعد أن أجاز عمر، وعثمان -رضي اللَّه عنهما- الخلع لمن طلبته: ". . . وهذه قضية إمامين بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الخلع، لم يخالفهما من الصحابة أحد، فدل على إجماعهم وعلى ثبوت حكمه" (٢) .
-
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وبهذا قال جميع الفقهاء بالحجاز والشام، قال ابن عبد البر: ولا نعلم أحدًا خالفه، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم من الصحابة، لم نعرف لهم في عصرهم مخالفًا، فيكون إجماعًا" (٣) .
-
٣ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، وهو أن الرجل
-
3/4373/437
إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها، ولم تؤت من قِبَله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به " (١) .
-
٤ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "وأصل الخلع مجمع على جوازه " (٢) .
-
٥ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "إذا كانت مبغضة له مختارة لفراقه، فإنها تفتدي نفسها منه، فترد إليه ما أخذته من الصداق، وتبرئه مما في ذمته، ويخلعها كما في الكتاب والسنة، واتفق عليه الأئمة " (٣) .
-
٦ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "جواز الخلع كما دل عليه القرآن. . .، ومنع الخلع طائفة شاذة من الناس خالفت النص والإجماع " (٤) .
-
٧ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "الخلع مستمر الحكم بالإجماع. . . واتفق الأئمة على أن المرأة إذا كرهت زوجها لقبح منظر، أو سوء عشرة؛ جاز لها أن تخالعه على عوض " (٥) .
-
٨ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "وأجمع العلماء على مشروعيته، إلا بكر بن عبد اللَّه المزني. . . وانعقد الإجماع بعده على اعتباره " (٦) .
-
٩ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "وأجمع العلماء على مشروعية الخلع " (٧) .
-
١٠ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: "اتفق الأئمة على أن المرأة إذا كرهت زوجها لقبح منظر، أو سوء عشرة؛ جاز لها أن تخالعه على عوض " (٨) .
-
١١ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) ، فذكره كما قال ابن حجر (٩) .
-
١٢ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "والأصل في جواز وقوعه الكتاب، والسنة، والإجماع، وإجماع الأئمة، كما حكاه غير واحد" (١٠) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على مشروعية الخلع، وأنه
-
3/4383/438
مستمر الحكم غير منسوخ، وافق عليه ابن حزم (١) ، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم من الصحابة -رضي اللَّه عنه- (٢) .
-
• مستند الإجماع:
-
• وجه الدلالة: إذا خاف الزوجان ألا يقيما ما افترضه اللَّه لكل واحد منهما من الحقوق لصاحبه،
-
فلا جناح على المرأة فيما افتدت به نفسها من زوجها،
-
ولا حرج على الزوج فيما أخذ منها (٣) .
-
٢ - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن امرأة ثابت بن قيس (٤) أتت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتردين عليه حديقته؟ " .
-
قالت: نعم. قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة" (٥) ،
-
• وجه الدلالة: هذا نص من سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يبين مشروعية الخلع،
-
وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أرشد ثابتًا بقبول الحديقة على أن يفارق زوجته.
-
٣ - إذا جاز أن يملك الزوج البضع بعوض، جاز أن يزيل ملكه عنه بعوض، كالشراء والبيع، فيكون عقد النكاح كالشراء، والخلع كالبيع (٦) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف بكر بن عبد اللَّه المزني؛ فقال: الخلع منسوخ.
-
أدلة هذا القول: قال بكر بن عبد اللَّه المزني: قوله تعالى: {خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: الآية ٢٢٩] منسوخ بقوله تعالى:
-
{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) } [النساء: الآية ٢٠] .
-
3/4393/439
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الخلع مشروع، وأنه مستمر الحكم غير منسوخ،
-
ولا يلتفت لخلاف بكر بن عبد اللَّه المزني؛ لما يأتي:
-
١ - قبل بيان أسباب تحقق الإجماع لا بد أن يقال: كأن الحديث لم يثبت عند بكر؛ أو لم يبلغه (١) ، فيلتمس له العذر بهذا.
-
٢ - إن بلغه هذا الحديث؛
-
فإن قوله هذا مخالف للسنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين أمر ثابت بن قيس بن شماس أن يأخذ من زوجته ما أعطاها، ويفارقها (٢) .
-
٣ - هذا القول شاذ مخالف للإجماع، الذي عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم، على جواز أخذ الزوج الفدية من زوجته عند الكراهية، ونفور الحال، وعدم استقامته (٣) .
-
٤ - إن آية سورة النساء حرّم اللَّه فيها على زوج المرأة أخذ شيء مما آتاها إذا أراد استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هناك نشوز وكراهية، وهناك استقامة للحال (٤) .
-
٥ - لا يستقيم القول بالنسخ إلا عند العلم بالمتقدم في النزول والمتأخر، وعدم إمكان الجمع، وهما منتفيان فيما ذهب إليه بكر بن عبد اللَّه المزني (٥) .
-
جواز الخلع مع استقامة الحال]
-
إذا كانت الحال بين الزوجين مستقيمة، وليس فيها إضرار من أحدهما على الآخر، وطلبت المرأة الخلع من زوجها، فإنه يجوز على هذه الحال، ونقل الاتفاق على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الاتفاق:
-
١ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: "واتفقت الأمة عن بكرة أبيها على أن الخلع يجوز مع استقامة الحال" (٦) .
-
٢ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه يصح الخلع مع استقامة الحال
-
3/4403/440
بين الزوجين " (١) . ونقله عنه ابن قاسم (٢) .
-
٣ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "واتفق الأئمة على أن المرأة إذا كرهت زوجها لقبح منظر، أو سوء عشرة؛ جاز لها أن تخالعه على عوض، وإن لم يكن من ذلك شيء وتراضيا على الخلع من غير سبب جاز، ولم يكره" (٣) .
-
٤ - الشعراني (٩٧٣ هـ) فذكره كما قال قاضي صفد (٤) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على جواز الخلع مع استقامة الحال، وافق عليه الحنفية (٥) . وهو قول الثوري، والأوزاعي (٦) .
-
• مستند الاتفاق: قال تعالى:
-
{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: الآية ٢٢٩] .
-
وقال تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: الآية ٤] . وجه الدلالة من الآيتين: خصّ اللَّه سبحانه وتعالى حالة خوف التقصير في حقوق كل من الزوجين على الآخر بالذكر؛ لأنه الغالب في جريانهم،
-
فإن أعطته المرأة شيئًا جاز بطيب نفسها،
-
وإن لم يكن هناك ضرورة ولا خوف (٧) .
-
• الخلاف في المسألة: يرى الإمام أحمد في رواية عنه، رجحها ابن قدامة (٨) ، وابن المنذر (٩) ، وابن حزم (١٠) ، أن الخلع مع استقامة الحال غير جائز،
-
ولا يجوز إلا إذا كرهت زوجها، وخافت ألا توفيه حقه، أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها.
-
• أدلة هذا القول: قال تعالى:
-
3/4413/441
اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: الآية ٢٢٩] .
-
• وجه الدلالة: هذا نص صريح في تحريم الخلع إذا لم يخافا ألا يقيما حدود اللَّه، وكانت الحال مستقيمة،
-
وأن الجناح والإثم لاحق بهما إن افتدت من غير خوف، بدليل ما غلّظ به من الوعيد لمن يفعله (١) .
-
عن ثوبان (٢) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة" (٣) ، وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات" (٤) .
-
• وجه الدلالة من الحديثين: دل الحديثان على تحريم المخالعة من غير حاجة (٥) في طلب المرأة الخلع مع استقامة الحال ضرر بالزوج، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة (٦) .
-
النتيجة: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على أن الخلع يصح مع استقامة الحال؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام أحمد في رواية عنه، وابن حزم، وابن المنذر، أن الخلع مع استقامة الحال غير جائز،
-
ولا يجوز إلا أن تكره زوجها، فخافت ألا توفيه حقه، أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها.
-
جواز الخلع دون إِذن السلطان، لا يشترط في الخلع أن يتم بحضرة السلطان،
-
ولا يكون بإذنه، ونقل الإجماع على ذلك:
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن الخلع يجوز دون
-
3/4423/442
إذن السلطان" (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الإجماع على أن الخلع يجوز دون إذن السلطان، أو حضوره، وافق عليه الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم (٥) . وهو قول عمر، وعثمان، وابن عمر -رضي اللَّه عنه-، وشريح، والزهري، وإسحاق (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - أن عمر -رضي اللَّه عنه- أجاز الخلع دون السلطان (٧) .
-
٢ - أن الخلع عقد معاوضة لا يحتاج إلى حاكم كالبيع والنكاح (٨) .
-
٣ - أنه قطع عقدٍ بالتراضي بين الزوجين؛ أشبه الإقالة (٩) .
-
٤ - أن النكاح والطلاق يجوزان دون السلطان، فكذلك الخلع (١٠) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب سعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، وأبو عبيد (١١) ، إلى أنه لا بدّ من إذن السلطان في الخلع.
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - قال تعالى:
-
{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه} [البقرة: الآية ٢٢٩] .
-
• وجه الدلالة: أول الكلام في الآية خطاب للحكام، وآخره خطاب للأزواج، وكما أن حضور الزوجين فيه شرط، فكذلك حضور الحاكم شرط فيه أيضًا (١٢) .
-
٢ - أن ثابت بن قيس لما طلبت امرأته فراقه، ذهبت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو سلطان
-
3/4433/443
المسلمين، فأمره بفراقها، وأخْذ الحديقة (١) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الخلع يجوز دون إذن السلطان؛ وذلك لوجود خلاف عن سعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، وأبي عبيد، بوجوب إذن السلطان في ذلك.
-
إذا أضر الرجل بزوجته،
-
فلا يأخذ منها شيئًا، ليخالعها:
-
إذا تعمد الزوج الإضرار بزوجته، من أجل أن تفتدي منه،
-
فلا يجوز له أن يأخذ منها شيئًا، ونقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الرجل لا يحل له أخذ شيء مما أعطى، إلا أن يكون النشوز من قِبَلِهَا" (٢) .
-
٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن الزوج إذا أضر بامرأته ظلمًا، أنه لا يأخذ منها شيئًا على مفارقتها أو طلاقها" (٣) .
-
٣ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على تحظير أخذ مالها؛ إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قِبلهَا" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أنه لا يجوز للزوج أن يضر بامرأته ليأخذ منها شيئًا على مخالعتها، وافق عليه ابن الهمام من الحنفية (٥) ، والحنابلة (٦) . وهو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والقاسم ابن محمد، وعروة، والزهري، والثوري، وقتادة، وإسحاق، وأبي ثور (٧) .
-
• مستند الإجماع: قال تعالى:
-
{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: الآية ٢٢٩] وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: الآية ١٩] .
-
3/4443/444
وجه الدلالة من الآيتين: حرّم اللَّه سبحانه وتعالى على الزوج أن يأخذ من امرأته شيئًا مما آتاها، إلا بعد الخوف الذي ذكره اللَّه تعالى، من عدم إقامة حدود اللَّه (١) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية (٢) إلى القول بجواز أخذ العوض،
-
وإن كان لا ينبغي له؛
-
فإن فعَل لم يجبر على رده.
-
• دليل هذا القول: قال تعالى:
-
{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا} .
-
• وجه الدلالة: ورد النهي عن فعل حسي، وهو الأخذ،
-
ومثله يقتضي عدم المشروعية، لكن هذا النهي ورد لمعنى في غيره؛ وهو زيادة الإيحاش،
-
فلا يعدم المشروعية في نفسه (٣) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على منع ما يأخذ الرجل من زوجته إذا كان الضرر من قِبَله؛ وذلك لوجود خلاف عن الحنفية، بجواز أخذه.
-
جواز الخلع بمقدار الصداق،
-
ولا تجوز الزيادة عليه]
-
لا يجوز للرجل أن يأخذ من امرأته عند الخلع أكثر مما أعطاها من الصداق،
-
ولا يأخذ إلا مقدار الصداق، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على إجازة الخلع بالصداق الذي أصدقها إذا لم يكن مضرًا بها، وخافا ألا يقيما حدود اللَّه" (٤) . وقال أيضًا: "وأجمع الجمهور منهم أن الخلع، والفدية، والصلح، أن كل ذلك جائز بين الزوجين في قطع العصمة بينهما، وأن كل ما أعطته على ذلك حلال له، إذا كان مقدار الصداق فما دونه، وكان ذلك من غير إضرار منه بها، ولا إساءة إليها" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن عبد البر من الإجماع على جواز الخلع على مقدار الصداق،
-
ولا تجوز الزيادة عليه، وافق عليه الإمام أحمد في رواية عنه (٦) . وهو
-
3/4453/445
قول علي -رضي اللَّه عنه- (١) ، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، والحكم بن عتيبة، وحمّاد بن أبي سليمان، والزهري، وإسحاق، وأبي عبيد، والأوزاعي (٢) .
-
• مستند الإجماع: جاء في بعض الروايات في قصة ثابت بن قيس أن امرأته جاءت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: واللَّه ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضًا، فقال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتردين عليه حديقته؟ " ، قالت: نعم، فأمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأخذ منها الحديقة،
-
ولا يزداد (٣) .
-
• وجه الدلالة:
-
١ - لو كان أخذ الزيادة على المهر جائزًا لما نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثابتًا عن أخذها،
-
ولو كان جائزًا لما أمره بالاقتصار على أخذ ما أعطاها (٤) .
-
٢ - ما يأخذه الرجل من المرأة هو بدل في مقابلة الفسخ،
-
فلا يأخذ إلا ما ابتُديَ العقد به: كالعوض في الإقالة (٥) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، والشافعية (٨) ، والحنابلة في المذهب (٩) ، وابن حزم (١٠) إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ من زوجته أكثر مما أعطاها. وهو قول عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقبيصة بن ذؤيب (١١) ،
-
3/4463/446
والنخعي، وأبي ثور، وداود (١) .
-
• دليل هذا القول: قال تعالى:
-
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: الآية ٢٢٩] .
-
• وجه الدلالة: هذا نص في رفع الإثم عن أخذ ما تفتدي به المرأة نفسها من زوجها، قليلًا كان أو كثيرًا (٢) .
-
النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على جواز أخذ الزوج مقدار الصداق من زوجته في الخلع.
-
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على منع أخذ الزيادة؛ لثبوت الخلاف عن جماهير أهل العلم، في جواز أخذ الزيادة.
-
كل ما جاز أن يكون مهرًا جاز أن يكون بدلًا في الخلع:
-
إذا خالع الرجل امرأته على عوض، فإنه ينظر إن كان يجوز أن يكون هذا العوض مهرًا، فإنه يجوز أن يكون بدلًا في الخلع، وإلا فلا، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "وما جاز أن يكون مهرًا جاز أن يكون بدلًا في الخلع، وهذا بإجماع العلماء" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره العيني من الإجماع على أن ما جاز أن يكون مهرًا، جاز أن يكون بدلًا في الخلع وافق عليه المالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
• مستند الإجماع: كل ما كان يصلح أن يكون عوضًا لاستحلال الفرج بالنكاح،
-
3/4473/447
أولى أن يكون عوضًا لانتهاء هذا الاستحلال (١) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن كل ما يصلح أن يكون مهرًا جاز أن يكون بدلًا في الخلع؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
جواز خلع المرأة على رضاع ابنها]
-
يجوز أن يكون بدل الخلع أن ترضع المرأة ابنها حتى يتم الرضاعة، ونقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إذا خالعها على رضاع ولدها سنتين جاز له ذلك" (٢) . ونقله عنه ابن قاسم (٣) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن هبيرة من الاتفاق على جواز خلع المرأة على رضاع ابنها وافق عليه الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والشافعية (٦) .
-
• مستند الاتفاق: أن الرضاع يصح أخذ العوض فيه في غير الخلع، ففي الخلع أولى (٧) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم إلى عدم جواز أن يخالع الرجل امرأته على رضاع ولدها (٨) .
-
• دليل هذا القول: أن المدة المرادة لرضاع الولد غير مقدرة، فيجب أن يبطل الخلع لذلك (٩) .
-
النتيجة: أولًا: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على جواز أن يخالع الرجل امرأته على رضاع ولدها؛ لخلاف ابن حزم، في بطلان الخلع على ذلك.
-
ثانيًا: ما ذكر من الاتفاق يحمل على أنه اتفاق الأئمة الأربعة؛ لعدم خلاف بينهم في
-
3/4483/448
جواز أن يخالع الرجل امرأته على رضاع ولدها.
-
صحة المخالعة في المرض]
-
إذا وقع الخلع بين الزوجين، وكان أحد الزوجين مريضًا؛
-
فإن الخلع يصح في هذه الحالة، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة الأمر أن المخالعة في المرض صحيحة، سواء كان المريض الزوج أو الزوجة، أو هما معًا، ولا نعلم في هذا خلافًا" (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في صحة المخالعة في المرض، سواء كان الزوج هو المريض، أو الزوجة، وافق عليه الحنفية (٢) ، والشافعية (٣) ، أما المالكية فقد وافقوا الجمهور إذا كان المريض هو الزوج، واختلف القول عنهم في المريضة (٤) .
-
• مستند نفي الخلاف: أن الخلع معاوضة، فصح في المرض، كالبيع (٥) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب المالكية في قول إلى عدم جواز الخلع الواقع من الزوجة المريضة (٦) ، وقيده بعضهم فيما إذا اختلعت المريضة من زوجها بكل مالها (٧) .
-
• دليل هذا القول: أن الذي يطلق امرأته في مرضه الذي مات فيه فهو فارّ؛ فترثه المرأة،
-
ولا يرثها هو إن ماتت، فكذلك في الخلع؛ فقد تموت المرأة في مرضها هذا (٨) .
-
النتيجة: أولًا: صحة ما نفي من الخلاف في صحة المخالعة في المرض، إن كان المريض هو الزوج.
-
3/4493/449
ثانيًا: عدم صحة ما ذكر من نفي الخلاف في صحة مخالعة المرأة المريضة؛ لخلاف المالكية في قول لديهم بعدم صحة مخالعة المرأة في مرضها.
-
صحة التوكيل في الخلع]
-
تصح الوكالة في الخلع، سواء كانت من قبل الرجل أو المرأة، فلكل واحد من الزوجين أن ينيب شخصًا في القيام بالخلع عنه، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:
-
"ويصح التوكيل في الخلع من كل واحد من الزوجين، ومن أحدهما منفردًا، ولا أعلم فيه خلافًا" (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في صحة التوكيل في الخلع وافق عليه الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - كل من صح أن يتصرف بالخلع لنفسه جاز توكيله ووكالته، فكل واحد من الزوجين جاز أن يوجب الخلع، فجاز له أن يوكل فيه (٥) .
-
٢ - أن الخلع عقد معاوضة، فجاز التوكيل فيه، كالبيع (٦) .
-
النتيجة: ما ذكر من أنه لا خلاف في صحة التوكيل في الخلع، صحيح،
-
ولا مخالف في هذا.
-
إذا نوى بالخلع الطلاق وقع طلاقًا:
-
إذا خالع الرجل امرأته ونوى بالخلع الطلاق وقع طلاقًا، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "الإجماع على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن حجر من الإجماع على أن الزوج إذا نوى
-
3/4503/450
بالخلع الطلاق، وقع الطلاق وافق عليه الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والحنابلة (٣) ، وابن حزم (٤) .
-
• مستند الإجماع: للطلاق ألفاظ صريحة فيه تدل على المراد، وألفاظ كنايات لا تدل عليه إلا بالنية، والخلع من ألفاظ الكنايات في الطلاق،
-
فإن نوى به الطلاق وقع طلاقًا (٥) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الزوج إذا نوى بالخلع الطلاق وقع طلاقًا؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
إذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف، فطلقها واحدة، لزم الطلاق:
-
إذا طلبت المرأة من زوجها أن يطلقها ثلاثًا بعوض تدفعه، كألف مثلًا، فطلقها واحدة،
-
فإن الطلاق يقع، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفى الخلاف:
-
١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) ، حيث قال: "إذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف، فطلقها واحدة، لزمتها التطليقة، أما وقوع الطلاق بها، فلا خلاف فيه" (٦) .
-
٢ - الزركشي (٧٧٢ هـ) ، حيث قال: "إذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف، فطلقها واحدة، أما وقوع الطلاق فلا خلاف فيه؛ لأنه أتى بلفظه الصريح" (٧) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره علماء الحنابلة من أنه لا خلاف أن المرأة إذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف، فطلقها واحدة، فقد لزمه الطلاق، وافق عليه الحنفية (٨) ، والمالكية (٩) ، والشافعية (١٠) .
-
3/4513/451
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - الطلاق يقع بلفظه الصريح، وقد وجد، فيلزم الطلاق عندئذٍ (١) .
-
٢ - أن المرأة قد نالت بالطلقة الواحدة ما تناله بالثلاث من ملكها أمر نفسها (٢) .
-
النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن المرأة إذا قالت لزوجها: طلقني ثلاثًا بألف، فطلقها واحدة؛ لزم الطلاق.
-
صحة الخلع من الأجنبي]
-
إذا قال رجل لآخر: طلق امرأتك، ولك عليّ ألف درهم -مثلًا- ففعل الزوج، وقع الخلع ولزم الألف؛ لأن الخلع يصح من الأجنبي، ونقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق:
-
١ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) ، حيث قال:
-
"ولو قال رجل لرجل: طلق امرأتك، ولك عليّ ألف درهم، ففعل؛ وقع الطلاق، ولزمه الألف، والخلع يصح من الأجنبي، وهو مذهب الفقهاء كافة" (٣) .
-
٢ - الشعراني (٩٧٣ هـ) ، حيث قال: "واتفقوا على أن الخلع يصح مع غير زوجته؛ بأن يقول أجنبي للزوج: طلق امرأتك بألف مثلًا" (٤) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره القاضي عبد الوهاب من المالكية، والشعراني من الشافعية، من الاتفاق على أن الخلع يصح من الأجنبي، وافق عليه الحنفية (٥) ، والحنابلة (٦) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - لما جاز للزوج أن يطلق بلا بذل، جاز للأجنبي أن يبذل له ماله مطلقًا، فيجوز أن يطلق الزوج على المال الذي يبذله له الأجنبي (٧) .
-
٢ - أن العتق كالطلاق، يتنوع تارة بعوض، وتارة بغير عوض، فلما جاز أن يبذل الأجنبي مالًا في العتق،
-
وإن لم يملك به شيئًا، جاز أن يبذل مالًا في الطلاق، وإن لم
-
3/4523/452
يملك به شيئًا (١) .
-
٣ - أن الزوج له حق على المرأة، يجوز لها أن تسقطه عن نفسها بعوض، فيجوز ذلك من غيرها، كما لو كان عليها دين (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب أبو ثور إلى عدم صحة الخلع من الأجنبي (٣) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - أن هذا الفعل سفه؛ لأن الأجنبي يبذل عوضًا في مقابلة ما لا منفعة له فيه،
-
فإن الملك لا يحصل له (٤) .
-
٢ - أن الخلع عقد معاوضة يملك به البضع، والبضع لا يملك بالعوض إلا زوج بنكاح، أو زوجة بخلع، فما لم يملكه الأجنبي -كالخلع- يقتضي أن يكون فاسدًا (٥) .
-
النتيجة: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على أن الخلع يصح من الأجنبي؛ وذلك لوجود خلاف عن أبي ثور، القائل بعدم صحته، إلا أن يحمل الاتفاق على أنه اتفاق الأئمة الأربعة.
-
حصول البينونة بالخلع]
-
إذا طلق الرجل امرأته على مال، فهو طلاق بائن (٦) ، ونقل الاتفاق على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الاتفاق:
-
١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) ، حيث قال: "لم يختلفوا أن الخلع طلاق بائن، لا ميراث بينهما فيه" (٧) .
-
3/4533/453
٢ - البغوي (٥١٦ هـ) ، حيث قال: "واتفق أهل العلم على أنه إذا طلقها على مال، فقبلت؛ فهو طلاق بائن" (١) .
-
٣ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) ، حيث قال: "فإنهم اتفقوا على أن البينونة إنما توجد من قبل عدم الدخول، ومن قبل عدد التطليقات، ومن قبل العوض في الخلع" (٢) .
-
٤ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: ". . . ولهذا كان حصول البينونة بالخلع مما لم يعرف فيه خلاف بين المسلمين" (٣) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على حصول البينونة بالخلع، وافق عليه الحنفية (٤) ، وهو قول عثمان، وعلي، وابن مسعود -رضي اللَّه عنه-، وسعيد ابن المسيب، والحسن، وعطاء، وقبيصة، وشريح، ومجاهد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والنخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، والأوزاعي، والثوري (٥) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الخلع تطليقة بائنة (٦) .
-
٢ - أن القصد من الافتداء في الخلع هو حصول البينونة؛ ولهذا جاز الخلع لدفع الضرر الذي يلحق بالزوجين أو أحدهما،
-
ولو كان غير بائن للحق بالمرأة ضرر؛ من إرجاع الزوج لها (٧) .
-
3/4543/454
٣ - أن المرأة بذلت العوض من أجل الفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ (١) .
-
• الخلاف في المسألة: اختلف الفقهاء في البينونة بالخلع، هل هي طلاق بائن، أم فسخ، أم غير ذلك؟ وكان هذا الخلاف على قولين (٢) :
-
القول الأول: ذهب الإمام الشافعي في القديم (٣) ، والإمام أحمد في رواية عنه، هي المذهب (٤) أن الخلع فسخ؛ إلا أن ينوي به الطلاق فهو طلاق. وهو قول ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وإسحاق، وأبي ثور (٥) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - ما ورد عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أنه احتج بقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: الآية ٢٢٩] ثم قال:
-
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: الآية ٢٢٩] ثم قال:
-
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: الآية ٢٣٠] فذكر تطليقتين،
-
ثم الخلع، ثم طلقة،
-
فلو كان الخلع طلاقًا لكان رابعًا (٦) .
-
٢ - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فأمرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تعتد بحيضة (٧) .
-
3/4553/455
٣ - عن الربيع بنت معوذ ابن عفراء (١) أنها اختلعت على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تعتد بحيضة (٢) .
-
• وجه الدلالة: في هذين الحديثين دليل على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق؛ لأن المرأتين أُمرتا أن تعتدا بحيضة،
-
ولو كان طلاقًا لاعتدتا بثلاث حيضات؛ لأن اللَّه سبحانه وتعالى يقول: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: الآية ٢٢٨] (٣) .
-
٤ - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: الخلع فرقة، وليس بطلاق (٤) .
-
القول الثاني: يرى ابن حزم (٥) أن الخلع طلاق رجعي، فللزوج أن يراجع امرأته في العدة أحبت أم كرهت، ما لم يكن طلقها اثنتين قبل الخلع، أو تكون غير مدخول بها.
-
• دليل هذا القول: بين اللَّه سبحانه وتعالى حكم الطلاق،
-
وأن {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: الآية ٢٢٨] وقال: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: الآية ٢] فلا يجوز خلاف ذلك؛ فيكون الخلع طلاقًا رجعيًّا ما لم يكن آخر الطلاق، أو تكودط غير مدخول بها (٦) .
-
النتيجة: عدم تحقق الاتفاق على أن الخلع تطليقة بائنة؛ وذلك لما يأتي:
-
١ - وجود خلاف عن الإمام الشافعي في القديم، والإمام أحمد في رواية هي المذهب، وهو قول ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وإسحاق، وأبي ثور، في أن الخلع فسخ، وليس بطلاق.
-
3/4563/456
٢ - وجود خلاف عن ابن حزم يعتبر فيه أن الخلع طلاق رجعي، فتعود المرأة إلى زوجها، أحبت أم كرهت، ما لم يكن الخلع آخر الطلقات، أو في غير المدخول بها.
-
لا رجعة في الخلع]
-
إذا وقع الخلع بين الزوجين فلا رجعة للمرأة في زمن العدة إلى زوجها، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: ". . . فإن اللَّه جعل الرجعة من لوازم الطلاق في القرآن، فلم يذكر اللَّه تعالى طلاق المدخول بها إلا وأثبت فيه الرجعة، فلو كان الافتداء طلاقًا؛ لثبت فيه الرجعة -وهذا يزيل معنى الافتداء- إذ هو خلاف الإجماع" (١) .
-
٢ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "وقد ثبت بالنص والإجماع، أنه لا رجعة في الخلع" (٢) . ونقله عنه الشوكاني (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة، والشوكاني من الإجماع على أنه لا رجعة في الخلع، وافق عليه الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والشافعية (٦) . وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق (٧) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى:
-
{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: الآية ٢٢٩] .
-
• وجه الدلالة: الافتداء هو الخلاص والاستنقاذ،
-
فلو ثبت في الخلع رجعة؛ لما حصل الخلاص والاستنقاذ، فدل على أن الافتداء يمنع الرجعة (٨) .
-
٢ - ملكت الزوجة بضعها بالخلع، كما ملكه الزوج بالنكاح، فلما كان الزوج قد
-
3/4573/457
ملك بضعها بالنكاح ملكًا تامًّا لا سلطان فيه للزوجة، وجب أن تملك الزوجة بضعها بالخلع ملكًا تامًّا لا سلطان للزوج فيه (١) .
-
٣ - أن الزوج قد ملك عوض الخلع في مقابل ملك الزوجة للبضع، فلما استقر ملك الزوج للعوض حتى لم يبق للزوجة فيه حق، وجب أن يستقر ملك الزوجة للبضع،
-
وأن لا يبقى للزوج فيه حق (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب سعيد بن المسيب، والزهري (٣) إلى أن الزوج بالخيار بين إمساك العوض ولا رجعة له، وبين رده وله الرجعة.
-
ثانيًا: ذهب أبو ثور إلى القول: إن كان الخلع بلفظ الطلاق، فلة الرجعة،
-
وإن كان بلفظ الخلع فلا رجعة له. وروي ذلك عن عبد اللَّه بن أبي أوفى -رضي اللَّه عنه- (٤) (٥) .
-
دليل هذين القولين: أن الرجعة من حقوق الطلاق،
-
فلا تسقط بالعوض (٦) .
-
ثالثًا: يرى ابن حزم (٧) أن الخلع طلاق رجعي، فللزوج أن يراجع امرأته في العدة أحبت أم كرهت، ما لم يكن طلقها اثنتين قبل الخلع، أو تكون غير مدخول بها.
-
• دليل هذا القول: بين اللَّه سبحانه وتعالى حكم الطلاق،
-
وأن {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: الآية ٢٢٨] وقال: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: الآية ٢] فلا يجوز خلاف ذلك؛ فيكون الخلع طلاقًا رجعيًّا ما لم يكن آخر الطلاق، أو تكون غير مدخول بها (٨) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أنه لا رجعة في الخلع؛ لما يأتي:
-
١ - وجود خلاف عن سعيد بن المسيب، والزهري، أن الزوج بالخيار إن شاء رد العوض وله الرجعة،
-
وإن شاء أمسكه ولا رجعة له.
-
3/4583/458
٢ - وجود خلاف عن أبي ثور، بأن الخلع إن وقع بلفظ الطلاق فله الرجعة،
-
وإن وقع بلفظ الخلع فلا رجعة له.
-
٣ - وجود خلاف عن ابن حزم بأن الخلع طلاق رجعي، إلا أن يكون آخر التطليقات الثلاث، أو في غير المدخول بها.
-
للمعتدة من الخلع النفقة والسكنى، إن كانت حاملًا:
-
تجب النفقة والسكنى في العدة، للمرأة الحامل عن مخالعتها من زوجها،
-
ولا تسقط إلا بالتسمية، أي: بأن يخالعها على أن لا نفقة لها، ونقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة الأمر أن الرجل إذا طلق امرأته طلاقًا بائنًا، فإما أن يكون ثلاثًا، أو بخلع، أو بانت بفسخ، وكانت حاملًا، فلها النفقة والسكنى بإجماع أهل العلم" (١) .
-
٢ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "ونفقة العدة لا تسقط أيضًا إلا بالتسمية، وكذا السكنى بالإجماع" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره العيني، وابن قدامة من الإجماع على أن المخالعة لها النفقة والسكنى في العدة، إن كانت حاملًا، وافق عليه المالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، وابن حزم (٥) .
-
• مستند الإجماع:
-
٢ - عن فاطمة بنت قيس -رضي اللَّه عنها-، أن أبا عمرو بن حفص (٦) طلقها البتة، وهو غائب،
-
3/4593/459
فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: واللَّه ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة" (١) . وفي رواية عند أبي داود: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا" (٢) .
-
• وجه الدلالة: دلت الآية والحديث على وجوب النفقة للمبتوتة الحامل.
-
٣ - أن الحمل ولد الزوج المطلِّق أو المخالع، فيلزمه النفقة عليه،
-
ولا يمكنه النفقة عليه إلا بالإنفاق على أمه؛ فوجبت (٣) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن المعتدة من الخلع، إن كانت حاملًا، فلها النفقة والسكنى؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
صحة نكاح المختلعة في عدتها من زوجها الذي خالعها]
-
تقرر في مسألة سابقة أنه لا رجعة للزوج على امرأته في الخلع، لكن له أن يتزوجها في عدتها بنكاح جديد، وبمهر جديد، ونقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه جائز للمختلع أن يتزوجها في عدتها" (٤) .
-
٢ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: ". . . فهنا إذا أراد أن يتزوجها في عدتها، فإنما يتزوجها بعقد جديد، قيل أولًا: هذا لا يتعلق بقدر العدة، وقيل ثانيًا: لا نص ولا إجماع يبيح لكل معتدة أن تنكح في عدتها؛ لكن الإجماع انعقد على ذلك في مثل المختلعة؛ إذ لا عدة عليها لغير الناكح" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن عبد البر، وابن تيمية من الإجماع على أنه يجوز نكاح المختلعة في عدتها من زوجها الذي خالعها، وافق عليه الحنفية (٦) ،
-
3/4603/460
والشافعية (١) . وهو قول عطاء، والحسن البصري، وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق (٢) .
-
• مستند الإجماع: العدة التي لزمت المرأة إنما هي لزوجها الذي خالعها، وإنما وجبت العدة من أجل استبراء الرحم، خشية اختلاط الأنساب، وليس هناك خوف من اختلاط الأنساب إذا تزوج الرجل امرأته في عدتها منه (٣) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب المزني من الشافعية إلى القول بعدم جواز نكاح المختلعة من زوجها الذي خالعها زمن العدة، قال الشيرازي، والعمرانى: وهذا خطأ (٤) .
-
• دليل هذا القول: أن زوج المرأة أصبح أجنبيًّا من امرأته بالخلع،
-
فلا يجوز له أن يتزوجها في العدة كما لا يجوز للأجنبي (٥) .
-
ثانيًا: ذهب سعيد بن المسيب، والزهري إلى أن للزوج أن يرجع إلى امرأته التي خالعها بغير عقد، بشرط أن يعيد ما أخذ منها (٦) .
-
ثالثًا: ذهب ابن حزم إلى أن الخلع طلاق رجعي، فللزوج مراجعة امرأته التي خالعها، أحبت أم كرهت، إلا أن يكون الخلع آخر ثلاث تطليقات (٧) .
-
وقد سبق ذكر هذين القولين بأدلتهما.
-
النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على صحة نكاح المختلعة في عدتها من زوجها الذي خالعها، بعقد جديد؛ لما يأتي:
-
١ - خلاف ابن المسيب، والزهري، بأنه إن أعاد إليها ما أخذ منها؛ فنه مراجعتها بلا عقد.
-
٢ - خلاف ابن حزم الذي يرى أن الخلع طلاق رجعي، فله مراجعتها في العدة،
-
3/4613/461
أحبت أم كرهت، ما لم يكن الخلع هو الطلقة الثالثة، أو في غير المدخول بها.
-
ثانيًا: يمكن القول بصحة نكاح الرجل لامرأته التي خالعها في زمن العدة، سواء على قول الجمهور الذين يرون أن له أن يعقد عليها في عدتها، أو على قول ابن حزم الذي يرى أن الخلع طلاق رجعي، فله أن يراجعها، أو على قول سعيد بن المسيب، والزهري بأنه إن أعاد إليها ما أخذه فله أن يراجعها.
-
ثالثًا: لا ينظر لخلاف المزني بأنه لا يجوز نكاح المعتدة من الخلع من زوجها الذي خالعها؛ لما يأتي:
-
١ - أن الشافعية اعتبروا هذا القول خطأ من المزني (١) .
-
٢ - أن هذا القول، وصفه ابن عبد البر، وابن قدامة بالشذوذ (٢) .