الباب الثامن: مسائل الإجماع في كتاب الشفعة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 16795 to 17166
-
2/8182/818
مشروعية الشفعة في العقار الذي لم يقسم]
-
• المراد بالمسألة: الشفعة لغة: مأخوذة من شفع التي هي مادة الكلمة، وهي: تدل على مقارنة الشيئين، ومنه سميت الشفعة بذلك؛ لأنه يشفع بها ماله، ويضمها إليه (١) .
-
واصطلاحًا: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه، بعوض مالي، أو مطلقا (٢) .
-
وصورة المسألة: أن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر عن الشريك،
-
فإذا كان ثمة مشاركة بين رجلين في عقار، وكانت المشاركة مشاعة بينهما، ولم يحدد نصيب واحد منهما،
-
فإذا أراد أحدهما أن يبيع نصيبه لشخص أجنبي، فللشريك أن يطالب بالشفعة، بإجماع العلماء.
-
وإذا كان نصيب كل واحد متميز عن الآخر، فلا شفعة بالإجماع.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض، أو دار، أو حائط] (٣) . نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، والشربيني، والرحيباني، وعبد الرحمن
-
2/8192/819
القاسم (١) .
-
• القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) يقول: [لا خلاف في وجوب الشفعة للشريك المخالط] (٢) .
-
• الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [والحكم بالشفعة واجب بالنص والإجماع، إلا من شذ عن الكافة من الأصم وابن علية. . .،
-
فإذا ثبت وجوب الشفعة، فهي مستحقة في عراص الأرضين، ويكون ما اتصل بها من البناء والغراس تبعا،
-
وإن كان المبيع منها مشاعا، كانت الشفعة فيه على قول (٣) من أوجبها، إجماعا] (٤) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [أجمع العلماء على أن الشفعة في الدور، والأرضين، والحوانيت، والرباع، كلها بين الشركاء في المشاع من ذلك كله، وأنها سنة مجتمع عليها، يجب التسليم لها] (٥) . وقال لما أورد حديث ابن شهاب وهو "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء. . . " (٦) : [وحديث ابن شهاب هذا، قد اتفق جماعة العلماء على القول به؛
-
لأنهم يوجبون الشفعة للشريك في المبتاع من الدور والأرضين، وكل ما تأخذه الحدود، ويحتمل القسمة من ذلك كله، وما كان مثله] (٧) . وقال أيضا: [فالشفعة واجبة بهذا الحديث - أي: حديث ابن شهاب السابق- في كل أصل مشاع: من ربع، أو أرض، أو نخل، أو شجر، تمكن فيه القسمة والحدود، وهذا في الشريك، في المشاع دون غيره، إجماع من العلماء] (٨) .
-
وقال أيضا: [وليس في الشفعة أصل، لا اعتراض فيه،
-
ولا خلاف، إلا في الشريك المشاع] (٩) .
-
2/8202/820
• البغوي (٥١٦ هـ) يقول: [اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك في الربع المنقسم، إذا باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة] (١) .
-
• ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول: [واتفق أهل العلم، على إيجاب الشفعة في الأصول، اتفاقا مجملا] (٢) .
-
• ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [اتفق علماء الأمصار، على أن الشفعة إنما تكون في العقار، دون المنقول] (٣) .
-
• القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [وقد أجمع العلماء، في وجوب الشفعة للشريك، في الربع المبيع، فيما لم يقسم] (٤) .
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن الشفعة تجب في الخليط] (٥) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [اتفق المسلمون، على أن الشفعة واجبة، في الدور والعقار والأرضين كلها] ويقول أيضا في معرض بيانه لحديث جابر: [فكأنه قال: الشفعة فيما تمكن فيه القسمة، ما دام لم يقسم، وهذا استدلال بدليل الخطاب، وقد أجمع عليه في هذا الموضع فقهاء الأمصار، مع اختلافهم في صحة الاستدلال به] (٦) .
-
• أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [الشفعة إنما تستحق في العقار المشترك الذي يقبل القسمة، وهذا هو المحل المتفق على وجوب الشفعة فيه، واختلف فيما عدا ذلك] (٧) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [وأجمع المسلمون، على ثبوت الشفعة للشريك في العقار، ما لم يقسم] (٨) .
-
2/8212/821
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذى يقبل القسمة، قسمة الإجبار: كالقرية، والبستان، ونحو ذلك] (١) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٢) .
-
• أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [تثبت - أي: الشفعة- للشريك في الملك، باتفاق الأئمة] (٣) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر بن الأصم من إنكارها] (٤) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في شريك لم يقسم ربعه] (٥) .
-
• مولى خسرو (١٠٧٨ هـ) يقول: [وإنما تجب - أي: تثبت الشفعة- للخليط: وهو الشريك الذي لم يقاسم، في نفس المبيع، وهذا بالإجماع] (٦) .
-
• الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [الألفاظ في هذا الحديث قد تضافرت في الدلالة على ثبوت الشفعة للشريك في الدور والعقار والبساتين، وهذا مجمع عليه، إذا كان مما يقسم] (٧) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [وهي - أي: الشفعة- ثابتة بالسنة والإجماع] (٨) . ويقول أيضا: [إن كان كل واحد من الشركاء، متميز ملكه، وحقوق الملك،
-
فلا شفعة إجماعا] (٩) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو:
-
ما جاء عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "قضى رسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة" . وفي رواية:
-
2/8222/822
"الشفعة في كل شرك: في أرض، أو رَبْع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أثبت الشفعة فيما حصلت فيه الشركة في العقار الذي لم يقسم؛ لوجود الضرر، أما المقسوم بين الشريكين لا يسمى بعد القسمة مشتركا؛ لأن كل واحد محدد نصيبه من العقار، فلا ضرر حينئذ.
-
• المخالفون للإجماع:
-
أما المخالفون للإجماع فقد نص ابن حزم على نفي وقوع الإجماع في الشفعة (٢) ، بل إنه كذب من ادعى الإجماع في ذلك، فقال: [وقد جسر بعضهم -على جاري عادته في الكذب- فادعى الإجماع على وجوب الشفعة في الأرض، والبناء، والأشجار فقط، وادعى الإجماع على سقوط الشفعة فيما سواها.
-
قال أبو محمد: أما الإجماع على وجوب الشفعة في الأرض وما فيها من بناء وشجر، فقد أوردنا عن الحسن وابن سيرين وعبد الملك بن يعلى (٣) وعثمان البتي خلاف ذلك، وهؤلاء فقهاء تابعون] (٤) .
-
وكذا نص جماعة من العلماء على أن الأصم وابن علية قد خالفا الإجماع، وقالا: بعدم جواز الشفعة مطلقا (٥) . ونُقِل إنكارها أيضا عن جابر بن زيد من التابعين (٦) .
-
واستدل هؤلاء المخالفون بدليل عقلي، وهو:
-
أن في إثبات الشفعة إضرارا بأرباب الأملاك،
-
فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ
-
2/8232/823
منه إذا ابتاعه، لم يتبعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر المالك (١) .
-
أما ما أورده ابن حزم عن هؤلاء التابعين: فقد ذكر كلامهم قبل هذا الكلام، فقال: [. . . فقال عبد الملك بن يعلى -وهو تابعي قاضي البصرة-: لا يجوز بيع المشاع، روينا ذلك من طريق حماد بن زيد أنا أيوب السختياني قال: رفع إلى عبد الملك بن يعلى -قاضي البصرة- رجل باع نصيبا له غير مقسوم، فلم يجزه، فذكر لمحمد بن سيرين، فرآه غير جائز.
-
وقال محمد بن سيرين: لا بأس بالشريكين يكون بينهما المتاع، أو الشيء الذي لا يكال ولا يوزن، أن يبيعه قبل أن يقاسمه. وقال الحسن: لا يبع منه ولا من غيره حتى يقاسمه، إلا أن يكون لؤلؤة، أو ما لا يقدر على قسمته.
-
وأجاز عثمان البتي بيع المشاع، ولم ير الشفعة للشريك] (٢) .
-
وهذا الكلام فيما يظهر -واللَّه أعلم- إنما هو في حكم بيع المشاع، وليس في حكم الشفعة في العقار، وفرق بين المسألتين، وقد فرق ابن حزم نفسه في هذا فقال: [وها هنا خلاف بين أربعة مواضع: أحدها هل يجوز بيع المشاع أم لا؟
-
والثاني: هل يكون في بيعه شفعة أم لا؟ . . .] (٣) .
-
فيبقى ما أورده عن عثمان البتِّي فقط، وهو قول -إن صح عنه- فهو شاذ، محجوج بالسنة الصحيحة.
-
أما الأصم وابن علية: فقد نص العلماء على شذوذ قولهما، وهما أيضا من المعتزلة الذين لا يعتد بخلافهم.
-
أما ما جاء عن جابر بن زيد: فلعله لم يصح عنه كما ذكر ذلك الدميري (٤) (٥) ، ومما يؤيد ذلك أني لم أجده عنه مسندا، ولم يذكره عنه سوى الرافعي (٦) .
-
2/8242/824
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم صحة المخالفة فيها، أو لشذوذها وذلك لمخالفتها لصريح السنة.
-
صحة الشفعة المنتقلة بعقد البيع]
-
• المراد بالمسألة: من شروط الشفعة: أن يكون الشقص منتقلا إلى من طلبت منه الشفعة بعوض،
-
فإذا كان طريق المعاوضة البيع، صحة الشفعة، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [اتفق العلماء على أن الشفعة إنما يترتب حكمها في عقد معاوضة] (١) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) لما ذكر الشرط الرابع من شروط الشفعة وهو: أن يكون الشقص منتقلا بعوض، تحدث عن حكم الشفعة المنتقلة بغير عوض،
-
ثم ذكر المنتقلة بعوض، فقال:
-
[فأما المنتقل بعوض، فينقسم قسمين: أحدهما: ما عوضه المال، كالبيع، فهذا فيه الشفعة، بغير خلاف] (٢) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٣) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [المنتقل بعوض على ضربين: أحدهما: ما عوضه المال، كالبيع، فهذا فيه الشفعة، بغير خلاف] (٤) .
-
• الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [وفي قوله: (أن يبيع) ما يشعر بأنها إنما تثبت فيما كان بعقد البيع، وهذا مجمع عليه] (٥) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [الشفعة إنما تثبت فيما كان بعقد البيع بالإجماع] (٦) .
-
2/8252/825
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (١) .
-
يستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو:
-
عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الشفعة في كل شركٍ: في أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على البيع، فدل على أنه الأصل في الشفعة (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
الأخذ بالشفعة في البناء والغراس يباع مع الأرض]
-
• المراد بالمسألة: إذا اشترك اثنان في أرض فيها بناء أو غراس، وأراد أحدهما أن يبيع نصيبه، وطلب الآخر الشفعة،
-
فإن له الحق في الشفعة في الجميع، الأرض وما حوته من بناء وغراس، دون أن يطالب بشفعة البناء والغراس استقلالا، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [الشرط الثاني: أن يكون المبيع أرضا. . .،
-
وأما غيرها فينقسم قسمين: أحدهما: تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض، وهو البناء والغراس يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض، بغير خلاف في المذهب،
-
ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا] (٤) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [الشرط الثاني: أن يكون المبيع أرضا. . .،
-
وأما غيرها فينقسم قسمين: أحدهما: تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض،
-
2/8262/826
وهو البناء والغراس يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض، بغير خلاف في المذهب،
-
ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا] (١) . نقله عنه برهان الدين ابن مفلح (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان له شريك في ربعة أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك" . وفي رواية: "ربعة أو حائط" (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن من الربعة والحائط البناء والغراس، فتجوز فيهما الشفعة (٥) .
-
الثاني: أن طلبه للشفعة فيهما ليس استقلالا وإنما تبعا للأرض، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا (٦) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
ثبوت الشفعة للغائب]
-
• المراد بالمسألة: إذا أراد الشريك أن يبيع حصته في شراكة لم تقسم بعد، وكان شريكه غائبا ولم يعلم بالبيع، فإنه يبقى له حق الشفعة ولا يسقط، حتى يعلم
-
2/8272/827
بالبيع، وإن طالت المدة، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [أما شفعة الغائب فإن أهل العلم مجمعون على أنه إذا لم يعلم ببيع الحصة التي هو فيها شريك من الدور والأرضين،
-
ثم قدم فعلم، فله الشفعة، مع طول مدة غيبته] (١) . نقله عنه ابن القطان (٢) .
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا كان الشفيع غائبا فله المطالبة بالشفاعة ولو تناقل المبيع جماعة] (٣) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٤) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول:
-
[فأما الغائب: فأجمع العلماء على أن الغائب على شفعته، ما لم يعلم ببيع شريكه] (٥) .
-
• البابرتي (٧٨٦ هـ) يقول: [الشفيع إذا كان غائبا، لم تبطل شفعته بتأخير هذا الطلب بالاتفاق] (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" (٨) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حكم بالشفعة حكما عاما، لم يفرق فيه بين الحاضر والغائب، فكانا في الحكم سواء،
-
ولو كان ثمة فرق بينهما لما غفل عن
-
2/8282/828
ذكرهما (١) .
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا" (٢) .
-
• وجه الدلالة: بين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن مستحق الشفعة لا يسقط حقه بها، وإن كان غائبا.
-
الثالث: القياس على الإرث: فكما أن حق الإرث لا يسقط بالغيبة فكذلك الشفعة، والجامع أن كلا منهما حق مالي وجد سببه بالنسبة لهما، فيثبت ولا يسقط (٣) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
-
القول الأول: أن الغائب ليس له شفعة. وهذا قال به: إبراهيم النخعي (٤) .
-
القول الثاني: التفريق بين من غيبته قريبة أو بعيدة،
-
فمن كانت غيبته قريبة فله
-
2/8292/829
شفعة، ومن كانت غيبته بعيدة فلا شفعة له. وهذا قال به: الحارث العكلي (١) وعثمان البتي (٢) .
-
استدل أصحاب القولين بعدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا شفعة لصغير ولا لغائب" (٣) .
-
الثاني: أن إثبات الشفعة للغائب يوقع الضرر بالمشتري، ويمنع من استقرار ملكه،
-
وكذا تصرفه على حسب اختياره؛ لأنه يخشى أن يؤخذ منه،
-
فلا يثبت له الحق كثبوته للحاضر على التراخي (٤) .
-
ويمكن أن يضاف للقول الثاني: أن هذا الضرر المتوقع منتفٍ في حق من غيبته قريبة، ولذا حكم ببقاء حق الشفعة له دون البعيد.
-
أما قول النخعي فقد ذكر الطحاوي أن له قولا يوافق قول الجمهور (٥) ،
-
ثم إن الراوي عنه مغيرة بن مقسم (٦) ، وهو وإن كان ثقة إلا أن الإمام أحمد لين روايته عن إبراهيم (٧) .
-
2/8302/830
فلم يبق بعد هذا إلا قول العكلي والبتي، ويقال فيهما: أنه إن ثبت هذا القول عنهما، فإنه يحكم بشذوذه؛ لمخالفته ظواهر الأدلة، وإجماع العلماء. واللَّه اعلم.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وذلك لشذوذ الخلاف فيها.
-
بقاء الشفعة لمن عجز الإشهاد في سفره]
-
• المراد بالمسألة: من كان مسافرا، وعلم أن شريكه الذي لم تقع المقاسمة بينهما قد باع، فأراد أن يَشفع في نصيبه، فعجز عن الإشهاد على طلبه، فإنه لا تسقط شفعته، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[ولا خلاف في أنه إذا عجز عن الإشهاد في سفره، أن شفعته لا تسقط] (١) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[فإن عجز عن الإشهاد في سفره، لم تبطل شفعته بغير خلاف] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: القياس على من لم يعلم بالشفعة: بجامع أن كلا منهما قصد أن يؤدي ما عليه فلم يتمكن، فكان معذورا في تركه (٤) .
-
2/8312/831
الثاني: أن حق الشفعة قد ثبت للشريك بحكم الشارع،
-
فلا يسقط حقه إذا كان معذورا.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز تأخير الشفعة بسبب العذر]
-
• المراد بالمسألة: إذا استحق الشفيع الشفعة، كان له المطالبة بها من حين علمه ببيع صاحبه،
-
فإذا حبسه العذر عن المطالبة، لم يسقط حقه بها حتى وإن طالت المدة، بإجماع العلماء. والعذر الذي يعذر به، هو: عدم قدرته على المطالبة مطلقا: كالمرض المعيق، أو الحبس بغير حق، ونحوهما، ولم يستطع التوكيل ولا الإشهاد.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الزيلعي (٧٤٣ هـ) يقول:
-
[ولو كان التأخير بعذر من مرض، أو حبس، أو عدم قاض يرى الشفعة بالجوار في بلده، لا تسقط بالإجماع] (١) .
-
• البابرتي (٧٨٦ هـ) يقول: [. . . أجمعوا على أنه تركه بمرض، أو حبس، أو غير ذلك، ولم يمكنه التوكيل بهذا الطلب، لا تبطل شفعته،
-
وإن طالت المدة] (٢) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [لو ترك المرافعة إلى القاضي بعد الطلبين بعذر المرض، أو حبس، أو عدم قدرته على التوكيل، لم تبطل شفعته بالإجماع] (٣) .
-
• الطوري (كان حيا: ١١٣٨ هـ) يقول:
-
[ولو كان بعذر من مرض، أو حبس، ولم يمكنه التوكيل، أو قاض لا يرى الشفعة بالجوار في بلدته، لا تسقط بالإجماع] (٤) .
-
2/8322/832
• عبد الرحمن المعروف بـ [داماد أفندي] (١٠٧٨ هـ) يقول:
-
[ولو كان التأخير بعذر من مرض، أو سفر، أو حبس، أو عدم قاض يرى الشفعة بالجوار في بلده، لا يسقط بالإجماع] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن المانع له من المطالبة هو العذر الذي لا يملكه،
-
فلا يؤاخذ بما لا يملك (٣) .
-
الثاني: القياس على الشريك الغائب الذي لا يعلم بالشفعة: فكما أنه تثبت له المطالبة بالشفعة حتى وإن تباعد الوقت، فكذلك المعذور، بجامع عدم القدرة عليها في كل منهما.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
الأخذ بكامل الشفعة]
-
• المراد بالمسألة: إذا استحق الشِقْص جملة من الشفعاء، بعضهم أسقط حقه ولم يطالب به، وطالب الآخرون، أو كان المستحق واحدا وأراد أن يأخذ جزءا من حقه، فإنه ليس لهم إلا أن يأخذوا كامل الشقص أو يتركوا الكل، وليس لهم الاقتصار على جزء من حقهم، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن من اشترى شِقْصا من أرض مشتركة، فسلَّم بعضهم الشفعة، وأراد بعضهم أن يأخذ، فلمن أراد الأخذ
-
2/8332/833
بالشفعة، أن يأخذ الجميع، أو يدعه، وليس له أن يأخذ بقدر حصته، ويترك ما بقي] (١) . نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، والزركشي، والمرداوي، والبهوتي، والرحيباني، وعبد الرحمن القاسم (٢) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول:
-
[فأما أن الشفيع واحد، والمشفوع عليه واحد،
-
فلا خلاف في أن الواجب على الشفيع أن يأخذ الكل أو يدع] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن في أخذ بعض الحق إضرارا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والشفعة إنما شرعت دفعا لضرر الشريك الداخل، خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة،
-
فإذا أخذ بعض الشقص، لم يندفع عنه الضرر،
-
فلا تثبت له في الجزء الباقي، والقاعدة المقررة: أن الضرر لا يزال بالضرر (٥) .
-
الثاني: القياس على ما إذا كان بعض الشفعاء غائبا، فإنه ليس للحاضر إلا أن يأخذ الكل أو يتركه، بجامع وجود الضرر في تبعيض الحق على الشريك (٦) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: الشافعية في وجه غير مشهور عندهم، وقالوا: إذا أسقط أحد الشفعاء شفعته، فللشفيع الآخر أن يأخذ قسطه فقط، وليس للمشتري
-
2/8342/834
أن يلزمه بأخذ الجميع (١) .
-
ويمكن أن يستدل لهؤلاء: أن الشفيع إنما يلزمه قسطه فقط، وربما لا يقدر إلا عليه، وإلزامه بالأخذ بكامل الشفعة إلزام بما لا مقدرة له عليه، والمشتري دخل على بينة وبصيرة بالشفيع، وهو غير ملزم بالعقد أصلا،
-
فإذا دخل كان راضيا بالمشاركة.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
ثبوت شفعة الذمي والمسلم على الذمي]
-
• المراد بالمسألة: إذا كان ثمة دار بين ذميين غير مقسومة، وباع أحدهما نصيبه، فلصاحبه الذمي حق المطالبة بالشفعة،
-
وكذا إذا كانت لمسلم على ذمي، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [لا خلاف بين الفقهاء أن الشفعة تجب للمسلم على الذمي. . .، وتجب للذمي على الذمي] (٢) .
-
• العمراني (٥٥٨ هـ) يقول: [وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي، وللذمي على الذمي. . .،
-
ولا خلاف في ذلك] (٣) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وتثبت للذمي على الذمي. . .،
-
ولا نعلم في هذا خلافا] (٤) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٥) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [وتثبت للذمي على الذمي. . .،
-
ولا نعلم في هذا خلافا] (٦) . نقله عنه برهان الدين ابن مفلح (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
2/8352/835
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان له شريك في ربعة أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن لفظة الشريك عامة تشمل كل شريك، مسلما كان أو غيره، فيدخل فيها الذمي والمسلم مع الذمي.
-
الثاني: أنهما - أي: الذمي مع الذمي- تساويا في الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر، كالمسلم على المسلم (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها.
-
بيع المشتري المشفوع فيه قبل طلب الشفيع الشفعة]
-
• المراد بالمسألة: إذا تصرف المشتري في السلعة بالبيع،
-
ثم ظهر شفيع وطالب بالشفعة، فإنه بالخيار في المطالبة، إن شاء طالب المشتري الأول وفسخ ما وقع من بيع، أو طالب المشتري الثاني، وأمضى العقد بينهما،
-
ومثله لو كان ثمة مشتر ثالث.
-
ثم إن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به، ولم يرجع على الأول بشيء،
-
وإن أخذ من الأول دفع إليه الذي اشترى به، ورجع على الثاني بما أعطاه به، وهكذا، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [. . . متى تصرف - أي: المشتري- فيه تصرفا صحيحا تجب به الشفعة، مثل أن باعه، فالشفيع بالخيار، إن شاء فسخ البيع الثاني وأخذه بالبيع الأول بثمنه. . .،
-
وإن شاء أمضى تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني. . .
-
وإن تبايع ذلك ثلاثة، فله أن يأخذ المبيع بالبيع الأول، وينفسخ العقدان الأخيران، وله أن يأخذه بالثاني، وينفسخ الثالث وحده، وله أن يأخذه
-
2/8362/836
بالثالث، ولا ينفسخ شيء من العقود،
-
فإذا أخذه من الثالث، دفع إليه الثمن الذي اشترى به، ولم يرجع على أحد. . .،
-
وإن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به، ورجع الثالث عليه بما أعطاه. . .، وأخذ الشقص منه، فيرجع بثمنه على الثاني. . .،
-
وإن أخذ بالبيع الأول، دفع إلى المشتري الأول الثمن الذي اشترى به، وانفسخ عقد الآخرين، ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه، ورجع الثاني على الأول بما أعطاه،
-
فإذا كان الأول اشتراه بعشرة،
-
ثم اشتراه الثاني بعشرين،
-
ثم اشتراه الثالث بثلاثين، فأخذه بالبيع الأول، دفع إلى الأول عشرة، وأخذ الثاني من الأول عشرين، وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين. . .،
-
ولا نعلم في هذا خلافا، وبه يقول مالك، والشافعي، والعنبري (١) ، وأصحاب الرأي] (٢) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [. . . متى تصرف - أي: المشتري- فيه تصرفا صحيحا تجب به الشفعة، كالبيع، فللشفيع الخيار، إن شاء فسخ البيع الثاني وأخذه بالبيع الأول بثمنه. . .،
-
وإن شاء أمضى تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني. . .،
-
وإن تبايع ذلك ثلاثة، فله أن يأخذ بالبيع الأول، وينفسخ العقدان الآخران، وله أن يأخذه بالثاني، وينفسخ الثالث وحده، وله أن يأخذه بالثالث،
-
ولا ينفسخ شيء من العقود،
-
فإذا أخذه من الثالث، دفع إليه الثمن الذي اشترى به، (ولم يرجع على أحد. . .،
-
وإن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به) (٣) ، ورجع الثالث عليه بما أعطاه. . .، وأخذ الشقص منه، فيرجع بثمنه على الثاني. . .،
-
وإن أخذ بالبيع الأول، دفع إلى المشتري الأول الثمن الذي اشترى به، وانفسخ عقد الآخرين، ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه، والثاني على الأول بما أعطاه،
-
فإن كان الأول اشتراه بعشرة،
-
ثم اشتراه الثاني بعشرين،
-
ثم اشتراه الثالث بثلاثين، فأخذه بالبيع الأول، دفع إلى الأول عشرة، وأخذ الثاني من الأول عشرين، وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين. . .،
-
ولا نعلم في هذا خلافا، وبه يقول مالك، والشافعي، والعنبري، وأصحاب
-
2/8372/837
الرأي] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن الشفعة وجبت للشفيع قبل تصرف المشتري، فثبت له حق التصرف في فسخ العقد الثاني وما بعده.
-
الثاني: أنه شفيع في العقدين، فكان له الأخذ بما شاء منهما (٣) .
-
الثالث: أن سبب الشفعة الشراء، وقد وجد من كل واحد منهما، فكان له حق مطالبة من شاء منهما (٤) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
-
القول الأول: التفصيل في المسألة وهو: أن للشفيع أن يأخذ بأي بيع شاء إذا تعددت البياعات في حالة عدم علمه بتعددها، أو علم وهو غائب، أما إن علم بها وهو حاضر فإنما يأخذ بشراء الأخير فقط. وهو قول المالكية (٥) .
-
واستدلوا على أنه إنما يأخذ بشراء الأخير فقط، قالوا: إن سكوته مع علمه بتعدد المبيع دليل على رضاه بشركة ما عدا الأخير، فإنه غير راض بشركته، فلذا كان له الأخذ منه بتجدد ملكه على ملكه (٦) .
-
2/8382/838
القول الثاني: أن الشفيع له حق مطالبة من هي في يده دون من سواه. وهذا القول رواية عند الحنابلة اختارها ابن أبي موسى، وهو ظاهر كلام ابن عقيل (١) .
-
ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بأن الحق الذي ثبت له المطالبة به، وجده عند شخص واحد، فله أن يطالبه دون من سواه، ومُلْك من هي في يده مُلك صحيح،
-
فلا حاجة أن يُكلف بمطالبة الآخرين، فيطول وقت المطالبة من غير فائدة.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
عدم إجبار المشتري على قلع ما زرعه قبل حضور الشفيع]
-
• المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري الأرض وهو لا يعلم أن للبائع شريكا، واستغلها بالزراعة،
-
ثم حضر شريك البائع، وطلب الشفعة في الشقص، فإنه من حقه أخذ الشقص بالشفعة، لكن الزرع يكون للمشتري، ينتظر به إلى وقت الإدراك، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن المشتري لو زرع في الأرض،
-
ثم حضر الشفيع أنه لا يجبر المشتري على قلعه، ولكنه ينتظر إدراك الزرع،
-
ثم يقضى له بالشفعة، فيأخذ الأرض بجميع الثمن] (٢) .
-
• الإتقاني (٧٥٨ هـ) يقول:
-
[ولو أن المشتري زرع في الأرض،
-
ثم حضر الشفيع، فإن المشتري لا يجبر على قلعه بالإجماع، ولكنه ينظر إلى وقت الإدراك ثم يقضى للشفيع] . نقله عنه الشلبي، وابن عابدين (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٤) .
-
2/8392/839
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخراج بالضمان" (١) .
-
• وجه الدلالة: لما كان هذا الشقص بيد المشتري وهو من ضمانه لو تلف، كان الزرع له (٢) .
-
الثاني: أن لإدراك الزرع نهاية معلومة،
-
فلو انتظر ذلك لم يبطل حق الشفيع،
-
وإن تأخر قليلا، وإذا قلع زرع المشتري تضرر بإبطال ملكه وماليته، وضرر التأخير دون ضرر الإبطال (٣) .
-
الثالث: أن زرعه للأرض كان بحق، فوجب إبقاؤه له، كما لو باع الأرض المزروعة (٤)
-
الرابع: القياس على ما لو اشترى أرضا مزروعة:
-
فإن الزرع يكون للبائع، والشفيع من المشتري، كالمشتري من البائع (٥) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذا المسألة: ابن حزم من الظاهرية، فهو يرى أنه يلزم المشتري رد كل ما استغل إلى الشفيع، ما لم يترك الأخذ بالشفعة فيبقى الحق حينئذ للمشتري، وهذا مقيد في حالة ما إذا كان إيذان الشريك بالشفعة ممكنا، وإلا فليس للمشتري رد الغلة (٦) .
-
واستدل لقوله فقال: [برهان ذلك: قوله عليه السلام الذي أوردنا قبل: "لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه" (٧) فلا يخلو بيع الشريك قبل أن يؤذن شريكه من أحد أوجه ثلاثة، لا رابع لها: إما أن يكون باطلا وإن صححه الشفيع بتركه الشفعة وهذا باطل؛
-
لأنه لو كان ذلك لوجب عليه رد الغلة على كل حال أخذ الشفيع أو ترك،
-
2/8402/840
والخبر يوجب غير هذا، بل يوجب أن الشريك أحق، وأنه إن ترك فله ذلك،
-
فلو كان البيع باطلا لاحتاج إلى تجديد عقد آخر وهذا خطأ، أو يكون صحيحا حتى يبطله الشفيع بالأخذ، وهذا باطل بقوله عليه السلام: "لا يصلح" فمن الباطل أن يكون صحيحا ما أخبر عليه السلام أنه لا يصلح، أو يكون موقوفا،
-
فإن أخذ الشفيع بالشفعة علم أن البيع وقع باطلا،
-
وإن ترك حقه علم أن البيع وقع صحيحا وهذا هو الصحيح؛ لبطلان الوجهين الأولين لقوله عليه السلام: "الشريك أحق" فصح أن للمشتري حقا بعد حق الشفيع، فصح ما قلناه] (١) .
-
ولم أقف على أحد قال بهذا القول غيره.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها.
-
صحة تصرف الشفيع في العين بعد أخذها من المشتري]
-
• المراد بالمسألة: الشفيع إذا لم يعلم ببيع صاحبه إلا بعد مدة،
-
ثم أراد أن يبيع نصيبه الذي عند المشتري، فإنه إذا باع بعد أخذه بالشفعة، يعد تصرفه صحيحا، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• القرافي (٦٨٤ هـ) يقول: [وله - أي: الشفيع- أن يبيع بعد الأخذ - أي: من المشتري- إجماعا] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة في المشهور عندهم (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: القياس على بيع الطعام بعد قبضه: فكما أنه يصح تصرفه في الطعام بعد
-
2/8412/841
القبض فكذلك هنا.
-
الثاني: أنه بعد الأخذ يعد ملكه تاما مستقرا على العين، وتدخل في ضمانه، فيصح تصرفه فيها بالبيع وغيره، أما قبل الأخذ فيعد من باب بيع الإنسان ما ليس عنده.
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: الحنابلة وعندهم روايتان تخالفان الإجماع، هما:
-
الأول: عدم صحة تصرف الشفيع في العين إلا بعد حكم الحاكم،
-
ولا يكفي أخذه لها (١) .
-
ويستدل لهذه الرواية: أن مثل هذا الحق قائم على مظنة المخاصمة والمنازعة؛ إذ فيه انتزاع للحق من المشتري،
-
ولا يفصل ذلك إلا حكم الحاكم.
-
الثاني: عدم ملكه للعين إلا بعد دفع الثمن، ما لم يصبر المشتري. وعليه فلا يصح تصرفه فيها قبل هذا (٢) .
-
ودليل هذه الرواية: أن الملك في الشفعة ملك قهري كالميراث،
-
ولا يمكن معرفة حقيقة مطالبته بالحق، وثباته على المطالبة، إلا إذا دفع الثمن.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
بقاء حق الشريك في الشقص المشاع المتصرف فيه]
-
• المراد بالمسألة: إذا باع الشريك نصيبه المشاع -غير المقسوم- فإن حق الشريك لا يسقط بهذا التصرف، بل هو ثابت، سواء قبض المشتري الشقص أم لا، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول:
-
[وإذا باع الشقص المشاع، وقبضه أو لم يقبضه، فقد اتفق المسلمون على أن حق الشريك باق في النصف الآخر] (٣) .