الفصل السابع: مسائل الإجماع في أنكحة الكفار
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 20488 to 20728
-
3/3273/327
حكم أنكحة الكفار]
-
أنكحة الكفار صحيحة، ولا يحكم ببطلانها، إذا وقع العقد على امرأة ممن يجوز ابتداءً نكاحها؛
-
ولا ينظر إلى صفة عقدهم،
-
ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي، والشهود، وغير ذلك؛ ونفي الخلاف في هذه المسألة.
-
• من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "أنكحة الكفار صحيحة، يقرون عليها إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا، إذا كانت المرأة ممن يجوز ابتداءً نكاحها في الحال، ولا ينظر إلى صفة عقدهم وكيفيته، ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي، والشهود، وصيغة الإيجاب والقبول، وأشباه ذلك، بلا خلاف بين المسلمين" (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من عدم الخلاف في أن أنكحة الكفار صحيحة، وأنهم إذا أسلموا فإنهم يبقون على أنكحتهم وافق عليه الحنفية (٢) ، والشافعية (٣) ، وابن حزم (٤) . وهو قول الزهري، والأوزاعي (٥) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} .
-
٢ - وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} .
-
• وجه الدلالة من الآيتين: أضاف اللَّه سبحانه وتعالى المرأة إلى زوجها، مما يدل على اعتبار نكاحهما شرعًا، وهما على الكفر.
-
٣ - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجم يهوديين زنيا (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يرجم إلا محصنًا، والمحصن لا يكون إلا بنكاح؛ ولأنها أنكحة يقر عليها أهلها،
-
3/3283/328
وجب أن يحكم بصحتها قياسًا على أنكحة المسلمين (١) .
-
٤ - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولدت من نكاح لا من سفاح" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن مناكح آبائه -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت في الشرك، فدل على صحتها،
-
وأن هناك فرقًا بين ما كان نكاحًا لديهم، وما كان سفاحًا (٣) .
-
٥ - أسلم خلق كثير في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأسلم نساؤهم، وأُقِرُّوا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شروط النكاح،
-
ولا كيفيته، ولم يؤمروا بتصحيح عقود أنكحتهم، أو يؤمروا بعقد جديد، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة، فكان يقينًا (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: يرى زفر من الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والشافعية في قول حكاه الخراسانيون منهم (٧) ، ورواية عن الإمام أحمد (٨) أن أنكحة الكفار فاسدة، والإسلام هو الذي يصححها عند إسلامهم، أو ترافعهم إلينا.
-
• دليل هذا القول: ثبت أن صحة النكاح مفتقرة إلى شروط هي معدومة في أنكحتهم، منها الولي، ورضى المرأة المنكوحة،
-
وأن لا يكون في عدة؛ وأنكحتهم خالية من هذا، فيجب فسادها، قياسًا على نكاح المسلم، فإنه لو خلا عن هذه الشروط لفسد، فأنكحة أهل الشرك أولى (٩) .
-
النتيجة: أولًا: ما ذكر من أنه لا خلاف في صحة أنكحة الكفار، غير صحيح؛ لخلاف زفر من الحنفية، والمالكية، وقول عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، بأنها فاسدة.
-
ثانيًا: يمكن أن يقال للمخالفين ما يلي:
-
3/3293/329
١ - قال السرخسي فيما إذا نكح الكافر بغير شهود ونحوه، مما لا يقبل في الإسلام: نعرض عنهم لمكان عقد الذمة، لا لأننا نقرهم على ذلك، كما نتركهم وعبادة النار والأوثان، على سبيل الإعراض لا على سبيل التقرير، والحكم بصحة ما يفعلون (١) .
-
٢ - قال القرافي من المالكية: اعلم أن قولنا: أنكحة الكفار فاسدة، مُشْكِل،
-
فإن ولاية الكافر للكافر صحيحة، والشهادة ليست لدينا شرطًا في العقد، حتى نقول: لا تصح شهادتهم لكفرهم، وغاية ما في الباب: أن صداقهم قد يقع بما لا يحل،
-
وكذلك المسلمون، وتختل بعض الشروط أو كلها أحيانًا،
-
وكذلك المسلمون، فكما لا يقضى بفساد أنكحة عوام المسلمين وجهَّالهم من أهل البادية وغيرهم، بل نفصِّل ونقول: ما صادف الشروط فهو صحيح، سواء أسلموا أم لا، وما لم يصادف فباطل، أسلموا أم لا (٢) .
-
٣ - وقال السبكي: والمختار عندي فيها أنها إن وقعت على حكم وفق الشرع فصحيحة، وإلا فمحكوم لها بالصحة إن اتصلت بالإسلام رخصة وعفوًا من اللَّه تبارك وتعالى، وما كان مستجمعًا لشروط الإسلام فصحيح،
-
ولا أرى أن فيه خلافًا، بل يقطع بصحته لوجود شروطه الشرعية، وحكم اللَّه واحد (٣) .
-
٤ - وقال الشربيني: والصواب في "زيادة الروضة" (٤) تخصيص الخلاف بالعقود التي يحكم بفساد مثلها في الإسلام لا في كل عقودهم،
-
فلو عقدوا على وفق الشرع صح بلا خلاف (٥) .
-
إسلام الزوجين الكافرين معًا يبقيهما على نكاحهما:
-
إذا أسلم الزوجان الكافران معًا فإنهما على نكاحهما لا ينفك أبدًا، ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
3/3303/330
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنهما لو أسلما معًا، أنهما على نكاحهما، كانت مدخولًا بها، أو لم يكن" (١) .
-
٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معًا في حال واحدة، أن لهما المقام على نكاحهما، ما لم يكن بينهما نسب، أو رضاع يوجب التحريم، وأن كل من كان له العقد عليها في الشرك، كان له المقام معها إذا أسلما معًا، وأصل العقد معفي عنه؛ لأن عامة أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كانوا كفارًا فأسلموا بعد التزويج، وأُقروا على النكاح الأول، ولم يعتبر في أصل نكاحهم شروط الإسلام، وهذا إجماع وتوقيف" (٢) ، ونقله عنه ابن قدامة (٣) ، والشربيني (٤) ، وابن قاسم (٥) .
-
٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "إن الزوجين إذا أسلما معًا، فهما على النكاح، سواء قبل الدخول أو بعده، وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف بحمد اللَّه" (٦) . ونقله عنه ابن قاسم (٧) .
-
٤ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "لو أسلم الزوجان الكافران أُقرا على نكاحهما بالإجماع" (٨) .
-
٥ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال:
-
"ولو أسلما معًا على أي كفر كان، قبل الدخول أو بعده، دام النكاح بالإجماع" (٩) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الزوجين الكافرين إذا أسلما معًا فإنهما يقران على نكاحهما وافق عليه الحنفية (١٠) ، وابن حزم (١١) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) } .
-
٢ - وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} .
-
وجه الدلالة من الآيتين: أضاف اللَّه سبحانه وتعالى المرأة إلى زوجها، مما يدل على اعتبار
-
3/3313/331
نكاحهما شرعًا.
-
٣ - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: أسلمت امرأة على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فتزوجت، فجاء زوجها إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسول اللَّه، إني قد كنت أسلمت وعَلِمَتْ بإسلامي، فانتزعها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من زوجها الآخر، وردها إلى زوجها الأول (١) .
-
• وجه الدلالة: أنه لما أسلم الرجل، وأسلمت المرأة معه، ردها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إليه؛ لبقائهما على نكاحهما.
-
٤ - أسلم خلق كثير في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأسلم نساؤهم، وأُقروا على أنكحتهم، ولم يؤمروا بتصحيح عقد النكاح، أو يؤمروا بعقد جديد (٢) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الزوجين الكافرين إذا أسلما معًا، فهما على نكاحهما؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
إسلام الزوج إذا كانت امرأته كتابية]
-
إذا أسلم الزوج، سواء كان الزوج كتابيًّا، أو غير كتابي، وكانت امرأته من أهل الكتاب، وسواء في ذلك ما كان قبل الدخول وبعده،
-
فلا يفسخ عقد نكاحهما؛ لإباحة نكاح المسلمين للكتابيات، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن النصرانيين الزوجين، إذا أسلم الزوج قبل المرأة أنهما على نكاحهما" (٣) .
-
٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال:
-
"ولو كان هو المسلم؛ بقي على نكاحه معها، بإجماع لا خلاف فيه" (٤) .
-
٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "إذا أسلم زوج الكتابية قبل الدخول أو بعده، أو أسلما معًا، فالنكاح باقٍ بحاله، سواء كان زوجها كتابيًّا أو غير كتابي؛ لأن للمسلم أن يبتدئ نكاح كتابية، فاستدامته أولى، ولا خلاف في هذا" (٥) .
-
3/3323/332
٤ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "أسلم كتابي أو غيره، وتحته كتابية. . . دام نكاحه بالإجماع" (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الزوج إذا أسلم وكانت امرأته كتابية، أنها امرأته ولا يفسخ النكاح بينهما وافق عليه الحنفية (٢) ، وابن حزم (٣) .
-
وهو قول عمر، وجابر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-، وحمّاد بن زيد (٤) ، والحكم بن عتيبة، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وقتادة، والشعبي (٥) .
-
• مستند الإجماع: قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
-
• وجه الدلالة: يجوز للمسلم ابتداء نكاح الكتابية، فكان له استدامة عقد النكاح إذا أسلم من باب أولى، وإسلامه لا يفسخ العقد المتقدم، بل يصححه (٦) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع في أن الزوج الكافر إذا أسلم وبقيت زوجته على يهوديتها أو نصرانيتها، أن نكاحهما لا ينفسخ، بل يستمر لجواز نكاح المسلم للكتابية.
-
إسلام أحد الزوجين قبل الدخول]
-
إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين، وكانت المرأة غير كتابية، وكان إسلام أحدهما قبل الدخول،
-
فإن الفرقة تقع بينهما بمجرد إسلام أحدهما؛ لأنها إن أسلمت هي قبله،
-
فلا يحل لكافر نكاح مسلمة،
-
وإن أسلم هو قبلها،
-
فلا يحل لمسلم نكاح كافرة غير كتابية، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الزوجين الوثنيين إذا أسلم أحدهما قبل صاحبه، ولم يدخل الزوج بالمرأة، أن الفرقة تقع
-
3/3333/333
بينهما " (١) ، ونقله عنه ابن قدامة (٢) ، وابن قاسم (٣) .
-
٢ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "هذا الاختلاف في المدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا نعلم اختلافًا في انقطاع العصمة بينهما " (٤) .
-
٣ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال:
-
"وإن أسلمت الكتابية، أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول: انفسخ النكاح بلا نزاع" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن أحد الزوجين إذا أسلم قبل الدخول، وكانت المرأة غير كتابية،
-
فإن الفرقة تقع من حين إسلام أحدهما، وافق عليه ابن حزم (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
• وجه الدلالة: دلت الآية على أن المسلمة لا تحل لكافر،
-
وأن المسلم لا يحل له نكاح كافرة، وأنه يفرق بينهما لاختلاف الدين (٧) .
-
٢ - إن كانت هي المسلمة فلا يجوز إبقاءها في نكاح مشرك، لانعقاد الإجماع على تحريم فروج المسلمات على الكفار (٨) .
-
٣ - أنه اختلاف دين يمنع الإقرار على النكاح،
-
فإذا وجد قبل الدخول تعجلت الفرقة، قياسًا على الردة (٩) .
-
• الخلاف في المسألة: إذا كان إسلام أحد الزوجين الكافرين قبل الدخول، فهل تقع الفرقة بمجرد الإسلام، أم ينظر في مكان إسلام أحدهما، هل هو في دار الإسلام أم في دار الحرب، أم ينظر فيمن أسلم منهما أولًا؟ خلاف بين الفقهاء على قولين:
-
• القول الأول: ذهب الحنفية (١٠) إلى القول أن الفرقة لا تتعجل، بل ينظر؛ فإن
-
3/3343/334
كانا في دار الإسلام عرض الإسلام علي الآخر،
-
فإن أبى وقعت الفرقة حينئذٍ،
-
وإن كانا في دار الحرب وقف ذلك إلى انقضاء عدتها،
-
فإن لم يسلم الآخر وقعت الفرقة. وهو قول سفيان الثوري (١) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على اللَّه" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن الإسلام قد عصم مال الكافر ودمه بعد إسلامه،
-
فلا بد من سبب مناسب تضاف إليه الفرقة، فلم يبقَ إلا رفضه الدخول في الإسلام حتى تضاف إليه فرقة النكاح، وهو مناسب (٣) .
-
٢ - روي أن رجلًا من بني تغلب (٤) أسلمت امرأته، فعرض عمر عليه الإسلام فامتنع، ففرق بينهما (٥) .
-
• وجه الدلالة: هذا عمر -رضي اللَّه عنه- لم يفرق بين الرجل وامرأته إلا بعد أن عرض الإسلام عليه (٦) .
-
• القول الثاني: ذهب الإمام مالك إلى أن المرأة إن كانت هي المسلمة عُرض على زوجها الإسلام،
-
فإن أسلم، وإلا وقعت الفرقة،
-
وإن كان هو المسلم تعجلت الفرقة (٧) .
-
• أدلة هذا القول: قال تعالى:
-
• وجه الدلالة: نهى اللَّه سبحانه وتعالى المسلمين أن يبقوا على نكاح الكافرات إذا دخلوا في
-
3/3353/335
الإسلام، ولم تسلم زوجاتهم.
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع في أن إسلام أحد الزوجين قبل صاحبه قبل الدخول، يوجب الفرقة مباشرة بمجرد إسلام أحدهما؛ وذلك لوجود خلاف عن الحنفية؛ بعرض الإسلام على المتخلف منهما، إن كانا في أرض الإسلام، أو انتهاء عدة المرأة إن كانا في دار الحرب، وخلاف المالكية إن أسلمت المرأة قبل الرجل، عرض عليه الإسلام،
-
وإن سبق إسلام الرجل، وقعت الفرقة مباشرة.
-
إسلام أحد الزوجين بعد الدخول]
-
إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين، وكان إسلام أحدهما بعد الدخول، وتخلف الآخر عن الإسلام حتى انقضت عدة المرأة،
-
فإن النكاح يفسخ، وهذا عندما تكون المرأة غير كتابية، ونفي الخلاف في ذلك بين أهل العلم.
-
• من نفى الخلاف:
-
١ - الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث قال: "ولم أعلم مخالفًا في أن المتخلف عن الإسلام منهما إذا انقضت عدة المرأة قبل أن يسلم انقطعت العصمة بينهما" (١) .
-
٢ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال: "والعمل على هذا الحديث (٢) عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم زوجها وهي في العدة، أن زوجها أحق بها ما كانت في العدة" (٣) .
-
٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال:
-
"ولا خلاف بين العلماء في الكافرة تسلم، ويأبى زوجها من الإسلام حتى تنقضي عدتها، أنه لا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد" (٤) . وقال أيضًا: "لم يختلف العلماء أن الكافرة إذا أسلمت، ثم انقضت عدتها، أنه لا سبيل لزوجها إليها إذا كان لم يسلم في عدتها" (٥) ، ونقله عنه ابن قدامة (٦) .
-
3/3363/336
٤ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها" (١) .
-
٥ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) فذكره بنحو ما قال ابن حجر (٢) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره الجمهور من أنه لا خلاف في أن أحد الزوجين الكافرين، إذا أسلم، وكان إسلام أحدهما بعد الدخول، وتخلف الآخر عن الإسلام حتى انقضت عدة المرأة،
-
فإن النكاح يفسخ -وافق عليه الحنفية (٣) ، والحنابلة في المذهب (٤) ، وابن حزم (٥) . وهو قول الزهري، وإسحاق (٦) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
• وجه الدلالة: دلت الآية على أن المسلمة لا تحل لكافر، وأنه يفرق بين المسلمة وزوجها الكافر لاختلاف الدين.
-
٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ردَّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد (٧) .
-
3/3373/337
٣ - أن عاتكة بنت الوليد بن المغيرة كانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها صفوان،
-
ثم دعاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الإسلام،
-
وأن يقدم عليه، فإن رضي أمرًا، وإلّا سيّره شهرين، فشهد صفوان حنينًا (١) والطائف، وهو كافر، وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين امرأته، فلما أسلم استقرت عنده امرأته بذلك النكاح (٢) .
-
٤ - أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة إلى اليمن، فلحقت أم حكيم به، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عام الفتح، فلما رآه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وثب إليه فرحًا، وما عليه رداء، حتى بايعه، وثبت عكرمة وأم حكيم على نكاحهما (٣) .
-
٥ - أن أبا سفيان بن حرب أسلم بمر الظهران (٤) ، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ظاهر عليها، فكانت بظهوره وإسلام أهلها دار إسلام، وامرأته هند بنت عتبة كافرة بمكة، ومكة يومئذٍ دار حرب،
-
ثم قدم عليها يدعوها إلى الإسلام، فأخذت بلحيته، وقالت: اقتلوا الشيخ الضال، فأقامت أيامًا قبل أن تسلم،
-
ثم أسلمت، وبايعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وثبتا على النكاح (٥) .
-
• وجه الدلالة: دلت الأحاديث على أن المرأة إذا أسلمت، ولم يسلم زوجها في عدتها، أن نكاحهما مفسوخ،
-
ولا يرجع إليها إذا أسلم، وقد انتهت عدة المرأة، إلا بمهر جديد، وعقد جديد.
-
3/3383/338
• الخلاف في المسألة: سبق بيان الخلاف في إسلام أحد الزوجين الكافرين قبل الدخول،
-
وأن هناك من رأى أن الفرقة تقع حالًا، ومنهم من قال: يعرض الإسلام على المتخلف عن الإسلام،
-
فإن أسلم، وإلا فُرِّق بينهما، ومنهم من فرق بين إسلام المرأة فيما إذا سبق إسلام الزوج أو العكس.
-
أما في هذه المسألة فهي تتعلق بإسلام أحد الزوجين بعد الدخول،
-
فإذا أسلم أحد الزوجين وبقى الآخر على الكفر حتى انتهت عدة المرأة فهل يفرق بينهما بمجرد انتهاء العدة أم لا؟
-
وقع الخلاف على أقوال:
-
• القول الأول: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أن الفرقة تتعجل بإسلام أحدهما بعد الدخول، كما هو الحال قبل الدخول (١) .
-
• القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أنه إن كانت المرأة كتابية، وأسلمت قبل زوجها بعد الدخول؛ فينتظر حتى انتهاء العدة،
-
وإن كانت غير كتابية، انفسخ النكاح في الحال (٢) .
-
• القول الثالث: ذهب علي -رضي اللَّه عنه-، وإبراهيم النخعي، وبه أفتى حماد بن أبي سليمان (٣) ، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم (٤) ، أن المرأة ترد إلى زوجها،
-
وإن طالت المدة، ما لم تنكح غيره.
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: ردّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحًا. قال أبو داود: قال محمد بن عمرو في حديثه: بعد ست سنين، وقال الحسن بن علي: بعد سنتين (٥) .
-
3/3393/339
٢ - عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها (١) .
-
٣ - أن مراعاة زمن العدة حتى يحكم بفراقهما، لا دليل عليه من نص أو إجماع، فما كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يسأل المرأة: هل انقضت عدتها أم لا؟ (٢) .
-
٤ - لو كان الإسلام هو سبب الفرقة لكانت الفرقة بائنة لا رجعية،
-
فلا أثر للعدة في بقاء النكاح، بل أثرها في منع نكاحها من الغير،
-
فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة (٣) .
-
٥ - الذي دل عليه حكمه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن النكاح موقوف،
-
فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته،
-
وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت،
-
وإن أحبت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة لتجديد النكاح (٤) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع في أن إسلام أحد الزوجين بعد الدخول، وتخلف الآخر حتى تنقضي عدة المرأة، أن ذلك يوجب الفرقة بين الزوجين.
-
إسلام الكافر وله أكثر من أربع نسوة]
-
إذا أسلم رجل كافر، وله من النساء أكثر من أربع، فأسلم هؤلاء النسوة في عدتهن، أو كنَّ كتابيات ممن يجوز نكاحهن، فليس له أن يمسك أكثر من أربع منهن، ونفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أن الكافر إذا أسلم، ومعه أكثر من أربع نسوة، فأسلمن في عدتهن، أو كنَّ كتابيات، لم يكن له إمساكهن كلهن بغير خلاف نعلمه، ولا يملك إمساك أكثر من أربع" (٥) .
-
3/3403/340
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن الكافر إذا أسلم، وله أكثر من أربع نسوة، فليس له أن يمسك أكثر من أربع منهن، وافق عليه الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، وابن حزم (٤) .
-
وهو قول الحسن البصري، وإسحاق (٥) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
-
٢ - قال تعالى:
-
• وجه الدلالة: دلت الآيتان على أنه لا يجوز لمسلم نكاح كافرة غير كتابية، أو إبقائها في عصمته بعد أن يسلم.
-
٣ - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فامره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتخير أربعًا منهن (٦) .
-
٤ - وقال نوفل بن معاوية: أسلمت، وتحتي خمس نسوة، فقال لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فارق واحدة منهن" (٧) .
-
٥ - عن الحارث بن قيس -رضي اللَّه عنه- قال: أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فأتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكرت ذلك له، فقال: "اختر منهن أربعًا" (٨) .
-
• وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أولًا: لو كانت الزيادة على الأربع حلالًا لما أمرهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمفارقة من زاد على أربع؛ فدل على أن منتهى العدد المشروع هو الأربع (٩) .
-
ثانيًا: مَنَع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من استدامة الزيادة على أربع، فالابتداء أولى (١٠) .
-
النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن الكافر إذا أسلم، وله أكثر من
-
3/3413/341
أربع نساء، أنه يمسك أربعًا منهن، ويفارق من عداهن.
-
إذا نكح الكافر امرأة ممن تحرم عليه، ثم أسلم]
-
يُقَرُّ الكفّار على أنكحتهم التي يعتقدون صحتها حال كفرهم،
-
فإذا تحاكموا إلينا أو أسلموا، نظر في أنكحتهم، فما وافق الإسلام أُقِروا عليه، وما خالفه أُبطل،
-
فإذا تزوج المجوسي أو غيره من الكفّار أُمَّه أو ابنته حال كفره ثم أسلم، أو جمع بين أُمًّا وابنتها، أو جمع بين أختين ونحو ذلك، فإنه يفرق بينهما، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الرجل إذا نكح المرأة وابنتها ودخل بهما وأسلموا، أن عليه أن يفارقهما، ولا ينكح واحدة منهما بحال" (١) ، ونقله عنه ابن قدامة (٢) .
-
٢ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال:
-
"ولو أنه كان دخل بهما جميعًا، فنكاحهما جميعًا باطل بالإجماع" (٣) . وقال أيضًا:
-
"فإن كانت الأولى بنتًا، والثانية أمًا، فنكاحهما باطل بالإجماع" (٤) . وقال أيضًا:
-
"فإن كان دخل بالأولى، ثم تزوج الثانية، فنكاح الأولى جائز، ونكاح الثانية باطل بالإجماع" (٥) .
-
٣ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال:
-
"فإذا أسلما وبينها وبينه محرمية من نسب، أو رضاع، أو صهر، أو كانت أخت الزوجة أو عمتها أو خالتها، أو من يحرم الجمع بينها وبينها، فُرِّق بينهما بإجماع الأمة" (٦) .
-
٤ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال:
-
"فإذا تزوج مجوسي أُمَّه أو بنته، أو مطلقته ثلاثًا، أو جمع بين أختين في عقدة ثم أسلما، أو أحدهما، فرق بينهما إجماعًا" (٧) .
-
٥ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: "لو كانت المرأة محرمًا للكافر، فإن القاضي يفرق بينهما إذا أسلما أو أحدهما، اتفاقًا" (٨) .
-
3/3423/342
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الكافر إذا نكح امرأة ممن تحرم عليه ثم أسلم، أنه يفرق بينهما، وافق عليه المالكية (١) .
-
وهو قول الحسن البصري، والزهري، وإسحاق، وأبي عبيد، والأوزاعي (٢) .
-
• مستند الإجماع:
-
٢ - نهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها (٣) .
-
٣ - كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري فقال: ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم، واقتناء الخمور والخنازير، فكتب إليه: إنما بذلوا الجزية ليتركوا وما يعتقدون، وإنما أنت متبع ولست بمبتدع، والسلام (٤) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الكافر إذا أسلم، وكان قد نكح من تحرم عليه، أنه يفرق بينهما؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول]
-
إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول فإن النكاح يفسخ، وتقع الفرقة في الحال، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول، وقعت الفرقة في الحال بلا خلاف" (٥) .
-
٢ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "أن يكون قبل الدخول، فالنكاح باطل بردة
-
3/3433/343
أحدهما، وهو إجماع" (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره القاضي عبد الوهاب من المالكية، والماوردي من الشافعية من الإجماع على فسخ النكاح بردة أحد الزوجين قبل الدخول، وافق عليه الحنفية (٢) ، والحنابلة (٣) ، وابن حزم (٤) . وهو قول الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبي ثور (٥) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى:
-
{فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} .
-
• وجه الدلالة: دلت الآية على أن المرأة المسلمة لا تحل لكافر،
-
ولا يجوز من ثم أن ترجع إلى زوجها الذي ارتد عن دينه وكفر باللَّه.
-
٢ - وقال تعالى:
-
• وجه الدلالة: دلت الآية على أنه لا يجوز للمسلم أن يمسك كافرة في عصمته، والمرأة أصبحت كافرة بردتها.
-
٣ - أن اختلاف الدين بينهما يمنع الإصابة، فيفسخ النكاح من أجل ذلك، كما لو أسلمت الذمية تحت كافر (٦) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف داود فقال: لا ينفسخ النكاح بالردة (٧) .
-
• دليل هذا القول: أن الأصل بقاء النكاح،
-
ولا يزول النكاح إلا بما يزيله من طلاق، أو خلع، أو وفاة، ونحوها (٨) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن أحد الزوجين إذا ارتد قبل الدخول، أن النكاح يفسخ في الحال؛ لخلاف داود.
-
سبي أحد الزوجين الكافرين يوجب الفرقة بينهما]
-
إذا أخذ المسلمون أسرى من الكفار، سواء كانوا رجالًا أو نساءً،
-
فإن ذلك يوجب الفرقة بين الزوجين المسبيين منهما، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
3/3443/344
• من نقل الإجماع:
-
١ - السرخسي (٤٩٠ هـ) حيث قال: "إذا سبي أحد الزوجين، تقع الفرقة بالاتفاق" (١) .
-
٢ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "إذا سبي أحدهما، وأحرز بدار الإسلام، أنها تقع الفرقة بالإجماع" (٢) .
-
٣ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "إذا سبي أحد الزوجين وقعت الفرقة بينهما اتفاقًا" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: أولًا: ما ذكره علماء الحنفية من الإجماع على أن أحد الزوجين الكافرين إذا سبي،
-
فإن النكاح يفسخ بينهما، سواء كان المسبي رجلًا أو امرأة، وافق عليه المالكية (٤) .
-
ثانيًا: وافق الشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) ، الحنفيةَ فيما ذكروه من الإجماع على فسخ النكاح، إذا سُبيت المرأة دون زوجها.
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، معطوفًا على قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} .
-
• وجه الدلالة: حرّم اللَّه المحصنات، وهن ذوات الأزواج، واستثنى المملوكات، والاستثناء من الحظر إباحة، ولم يفصل بين ما إذا سبيت وحدها أو سبيت مع زوجها (٧) .
-
٢ - عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم حنين، بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًّا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل اللَّه في ذلك: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، أي
-
3/3453/345
فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن (١) .
-
• وجه الدلالة: هذا دليل على أن السبي يوجب الفرقة بين الزوجين، إذا سبي أحدهما دون الآخر، وإلا لما جاز وطء المرأة (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، إلى أن الرجل إذا سبي وحده فلا يفرق بينه وبين امرأته.
-
• دليل هذا القول: أن الرجل المسلم لم يستولِ على حق الكافر في امرأته بالسبي، أشبه ما لو لم يُسبَ (٥) .
-
ثانيًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، نصرها أبو الخطاب (٦) ، وابن حزم (٧) ، إلى أن الزوجين الكافرين إذا سبي أحدهما أن نكاحهما باقٍ لا يفسخ، إلا أن تسلم هي قبله.
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - الأصل أن أنكحة الكفار صحيحة، وقد أقرهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عليها (٨) .
-
٢ - لم يأتِ نصٌّ بأن الزوجين الكافرين إذا سُبيا معًا، أو أحدهما، أن نكاحهما يُفسخ (٩) .
-
النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن سبي أحد الزوجين الكافرين يوجب الفرقة؛ لما يأتي:
-
١ - خلاف الشافعية، والحنابلة، في أن الرجل إذا سبي وحده،
-
فلا يفسخ نكاحه مع امرأته.
-
3/3463/346
٢ - خلاف الإمام أحمد في رواية عنه، وابن حزم في عدم فسخ نكاح الزوجين الكافرين يُسبى أحدهما، ما لم تُسلِم المرأة قبل زوجها.
-
ثانيًا: يُحمل ما ذكره الحنفية من الإجماع على أن سبي أحد الزوجين الكافرين يوجب الفرقة، على أنه إجماع الحنفية أنفسهم؛ فإنهم يذكرون أحيانًا مثل هذه العبارات -إجماع واتفاق ونفي الخلاف- ويقصدون بذلك في المذهب.