Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

المبحث الثاني مكانة الإجماع وحجيته

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 27712 to 27758

  1. 5/275/27

    المطلب الأول: مكانة الإجماع: قال ابن حزم -رحمه اللَّه-: "الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية، يُرجع إليه، ويُفزع نحوه، ويُكفَّر من خالفه، إذا قامت عليه الحجة أنه إجماع" (١) .

  2. المطلب الثاني: حجية الإجماع: ذهب جمهور الأصوليين إلى أن الإجماع حجة شرعية يجب المصير إليها والعمل بمقتضاها (٢) ، ولم يخالفهم إلا الإمام أحمد (٣) في رأي له (٤) ، وطوائف من الرافضة والخوارج والمعتزلة، وهي فرق

  3. 5/285/28

    اتفق أهل العلم على ضلالها، كما أنهم حادثون بعد الاتفاق،

  4. فلا يُعتد بقولهم (١) .

  5. وقد نقل إجماع الأصوليين كل من: القاضي البيضاوي (٢) ، وأمير بادشاه

  6. 5/295/29

    الحسيني (١) ، والآمدي (٢) ، وابن أمير الحاج (٣) . واستدلوا على حجية الإجماع بأدلة من الكتاب والسنة والقياس:

  7. أولًا: أدلة حجية الإجماع من القرآن: الدليل الأول: استدلوا بقول اللَّه -تعالى-:

  8. {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (٤) .

  9. • وجه الدلالة: أن اللَّه -تعالى- قد جمع بين مشاقة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد،

  10. فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور، فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم،

  11. وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة (٥) .

  12. 5/305/30

    كما أنه إذا أجمع المؤمنون على أمر في قضية فمن شاقهم فقد خالفهم واتبع غير سبيلهم، وبذلك كان عرضة للوعيد المذكور في الآية (١) .

  13. وقد نوقش هذا الاستدلال: بأن المراد من السبيل في قول اللَّه -تعالى-: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} ليس هو الإجماع، بل يحتمل أن يكون المراد سبيلهم وطريقهم في متابعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو في مناصرته، أو في الاقتداء به،

  14. وإذا وجد الاحتمال في الدليل سقط به الاستدلال (٢) .

  15. وأجيب عن هذه المناقشة: بأنه لو كان المراد من ما ذكره المعترضون، للزم أن تكون مخالفة سبيلهم هي عين المشاقة للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وذلك يستلزم التكرار في الآية الكريمة، مع أن العطف يقتضي المغايرة.

  16. وإذا كان كلام العقلاء يصان عن التكرار بدون فائدة،

  17. فمن باب أولى كلام اللَّه تعالى (٣) .

  18. فإن قيل: إن الوعيد في الآية إنما في مخالفة سبيل المؤمنين مع مشاقة الرسول.

  19. قلنا: هما متلازمان، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف للَّه، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بيَّنه الرسول، وهذا هو الصواب (٤) .

  20. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-: "لا يوجد قط مسألة مجمع عليها

  21. 5/315/31

    إلا وفيها بيان من الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص كالأمثال المضروبة في القرآن،

  22. وكذلك الإجماع دليل آخر كما يُقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها،

  23. فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أُخِذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه،

  24. ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص" (١) .

  25. الدليل الثاني: كما استدلوا على حجية الإجماع بقول اللَّه -تعالى-:

  26. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (٢) .

  27. • وجه الدلالة: أن الوسط: العدل الخيار، فيكون اللَّه -تعالى- قد أخبر عن خيرية هذه الأمة، وهذا يقتضي أن يكونوا عدولًا، ويوجب عصمتهم عن الخطأ،

  28. ولا يقدمون على شيء من المحظورات، وهذا يوجب أن يكون قولهم حجة (٣) .

  29. فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل،

  30. فإذا شهدوا أن اللَّه أمر بشيء فقد أمر به،

  31. وإذا شهدوا أن اللَّه نهى عن شيء فقد نهى عنه (٤) .

  32. وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية؛ بأن العدالة هي عبارة عن فعل الواجبات واجتناب المنهيات، وهذا من فعل العبد،

  33. وأن اللَّه -تعالى- قد أخبر بأنه قد جعلهم وسطًا فتكون العدالة التي فسرت بها الآية غير الوسطية التي جعلها اللَّه -تعالى- للأمة المحمدية.

  34. وأجيب عن ذلك: بأن العدالة من فعل اللَّه -تعالى- الذي عدَّل الأمة

  35. 5/325/32

    المحمدية لعلمه الأزلي بأنهم سيكونون عدولًا، وهو خبر صادق لا يحتمل الكذب (١) .

  36. الدليل الثالث: واستدلوا أيضًا بقول اللَّه -تعالى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (٢) .

  37. • وجه الدلالة: أن اللَّه -عز وجل- وصف أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنهم يأمرون بكل معروفٍ وينهون عن كل منكرٍ، فانتفى أن تجتمع الأمة - وللَّه الحمد - على ضلالة.

  38. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

  39. "فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه" (٣) .

  40. ثانيًا: أدلة حجية الإجماع من السنة: استدلوا بأحاديث منها:

  41. قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّة" (٤) . وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الجَمَاعَةَ" (٥) . وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّه لَا يجْمَعُ

  42. 5/335/33

    أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ " (١) .

  43. • وجه الدلالة من الأحاديث: هذه الأحاديث مع غيرها من الأحاديث الدالة على نفس المعنى تلقتها الأمة بالقبول، ولم يدفعها أحد من سلف الأمة وخلفها من موافقي الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه، والاستدلال بهذه الأحاديث يفيد حصول العلم الضروري بأن قصد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من جملة هذه الأخبار -وإن لم يتواتر آحادها-: تعظيم شأن هذه الأمة، والإخبار بعصمتها عن الخطأ،

  44. وكذلك أن هذه الأخبار مشهورة عن الصحابة والتابعين، وهم متمسكون بها في إثبات الإجماع من غير خلاف؛ إذ المعلوم إن كان لا أصل لها لاشتد النكير وظهر (٢) .

  45. قال الشافعي: "إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة وأبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى؛ لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمِر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة

  46. 5/345/34

    فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء اللَّه" (١) .

  47. ثالثًا: أدلة حجية الإجماع من المعقول: ثبت عن طريق التواتر المعنوي ما يفيد عصمة هذه الأمة عن الخطأ، وأنها لا تجتمع على ضلالة، وهذا موجب لصدقها قطعًا، ولذلك كان قولها حجة (٢) .