الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 8698 to 11410
-
2/2022/202
قالت: فأرسلت إليها، فسلخت مسكها فدبغته، فاتخذت منه قِرْبة، حتى تخرَّقت (٧) .
-
2/2032/203
• وجه الدلالة: قال الطحاوي: [ففي هذا الحديث أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما سألته عن ذلك، قرأ عليها الآية التي نزل فيها تحريم الميتة، فأعلمها بذلك أن ما حرم عليهم بتلك الآية من الشاة حين ماتت إنما هو الذي يطعم منها إذا ذكيت لا غير،
-
وأن الانتفاع بجلودها إذا دبغت، غير داخل في ذلك الذي حرم منها] (١) .
-
وإذا جاز الانتفاع بها جاز بيعها.
-
الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن الميتة الأصل فيها التحريم، فيكون ثمنها محرما، ويستثنى منه ما استثناه الدليل، وهو جلدها المدبوغ.
-
• المخالفون للإجماع:
-
هذه المسألة يمكن جعلها على قسمين:
-
الأول: بيع جلود الميتة قبل الدبغ: وهذه خالف فيها الليث بن سعد (٣) ، والزهري (٤) ، ورواية عن الإمام مالك (٥) ، قالوا بجواز البيع.
-
واستدل هؤلاء قالوا: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أذن في الانتفاع بجلود الميتة، والانتفاع عام يدخل فيه البيع (٦) .
-
الثاني: بيع جلود الميتة بعد الدبغ: فالمشهور عند المالكية (٧) ، والقول القديم
-
2/2042/204
عن الشافعي (١) ، ورواية عند الحنابلة (٢) ، وقال به إبراهيم النخعي من التابعين (٣) ، وهو القول بمنع بيعها (٤) .
-
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
-
الأول: أن الجلد جزء من الميتة،
-
فلا يكون قابلا للعوض، أخذا من النصوص الدالة على تحريم ثمنه وبيعه (٥) .
-
الثاني: أنه حرم التصرف فيه بالموت،
-
ثم رخص في الانتفاع به، فبقي ما سوى الانتفاع على التحريم (٦) .
-
أما ما جاء في القسم الأول: فالليث والزهري فهو وإن كان المشهور عنهما هذا، إلا أن لهم أقوالا ثابتة توافق الإجماع،
-
وإذا جاء عن الإمام قولان متقابلان، لا يعلم الناسخ من المنسوخ،
-
ولا الأول من الآخر، فالقاعدة أن يسقط عنه القولان، كما قرر ذلك ابن المنذر رحمه اللَّه (٧) .
-
وما جاء عن الإمام مالك، فقد حكم عليه ابن عبد البر بالشذوذ، والشاذ لا يعتد به (٨) .
-
2/2052/205
النتيجة: صحة الإجماع في تحريم بيع جلود الميتة قبل الدبغ؛ وذلك لشذوذ الأقوال المخالفة فيها؛ ولذا حكى الاتفاق من ذَكَر هذه الأقوال: كابن المنذر والطحاوي.
-
أما بيع جلود الميتة بعد الدبغ،
-
فلا يصح فيه الإجماع، وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
بطلان البيع بالميتة والدم]
-
• المراد بالمسألة: إذا جعل الميتة - وهي: التي زالت عنها الحياة بغير ذكاة شرعية- أو الدم المسفوح، ثمنا لسلعة أيَّا كانت هذه السلعة،
-
فإن البيع باطل، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [ (البيع بالميتة والدم باطل) لا فاسد، بإجماع علماء الأمصار] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
2/2062/206
الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (١) .
-
• وجه الدلالة: أن جعل الميتة والدم ثمنا في البيع، يعد من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنها نجسة،
-
ولا يحصل بها منفعة للمسلم، أو تحصل منفعة يسيرة، فتكون كأنها غير منتفع بها أصلا (٢) .
-
الثاني: القياس على تحريم بيع الميتة والدم: فكما أن بيع الميتة والدم محرم -وهو أمر مجمع عليه بين العلماء- فكذلك جعلها ثمنا، بل هو من باب أولى.
-
الثالث: أن ركن البيع الذي هو المالية منعدم في هذا العقد،
-
فإن الميتة والدم لا تعدان مالا عند أحد ممن له دين سماوي (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم بيع ما ليس عند العاقد]
-
• المراد بالمسألة: المشتري إذا أراد سلعة، ولم تكن عند البائع، وأراد البائع أن يبيعه سلعة معينة، غير موصوفة في الذمة، ليست له، ولم يملكها بعدُ، والغالب عدم وجودها عنده، فإنه لا يجوز له هذا البيع بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الجصاص (٣٧٠ هـ) يقول عند تفسير قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (٤) :
-
[ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد به الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو: بيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان، وبيع الغرر والمجاهيل، وعقد البيع على المحرمات من الأشياء] (٥) .
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده، وهو
-
2/2072/207
أن يبيعه شيئا ليس عنده،
-
ولا في ملكه، ثم يمضي فيشتريه له] (١) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٢) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[ولا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها، ليمضي ويشتريها ويسلمها. . .،
-
ولا نعلم فيه مخالفا] (٣) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [ (ولا يجوز بيع ما لا يملكه ليمضي ويشتريه ويسلمه) رواية واحدة، وهو قول الشافعي،
-
ولا نعلم فيه مخالفا] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن حكيم بن حزام (٦) -رضي اللَّه عنه- قال: سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قلت: يا رسول اللَّه، يأتيني الرجل يسألني بيع ما ليس عندي أبيعه منه،
-
ثم ابتاعه له من السوق؟ فقال: "لا تبع ما ليس عندك" (٧) .
-
2/2082/208
الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" (١) .
-
• وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع ما ليس عند البائع، والنهي في الأصل أنه على التحريم (٢) .
-
الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن بيع ما ليس عند العاقد من باب بيوع الغرر، ووجه الغرر فيها: أن البائع ليس على ثقة في الحصول على السلعة، بل قد تحصل له، وقد لا تحصل (٤) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
بطلان بيع المرء ما لا يملكه]
-
• المراد بالمسألة: إذا أراد المرء بيع عين من الأعيان، وليست موصوفة في الذمة، ولم تكن هذه العين مملوكة له، ولم يكن الذي تولى البيع الحاكم بحكم ولايته في قضاءِ حق أوجبه القضاء، أو وجد مالا ولم يعثر على مالكه،
-
فإن بيعه باطل، باتفاق العلماء.
-
ويدخل في هذه المسألة، ما إذا باع ملك غيره بغير إذنه، ولم يجزه مالك العين.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع المرء ما لا يملك، ولم يجزه
-
2/2092/209
مالكه، ولم يكن البائع حاكما،
-
ولا متنصفا من حق له أو لغيره، أو مجتهدا في مال قد يئس من ربه، فإنه باطل] (١) .
-
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [أما بيع نصيب الغير:
-
فلا يصح إلا بولاية، أو وكالة،
-
وإذا لم يجزه المستحق، بطل باتفاق الأئمة] (٢) .
-
• الزيلعي (٧٤٣ هـ) يقول: [وأجمعنا على أنه لو باع عينا حاضرة غير مملوكة له لا يجوز] (٣) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [ (فإن باع ملك غيره، بغير إذنه، لم يصح) بالاتفاق] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن حكيم بن حزام -رضي اللَّه عنه- قال: قلت: يا رسول اللَّه، يأتيني الرجل يسألني البيع، ليس عندي ما أبيعه،
-
ثم أبتاعه من السوق، فقال: "لا تبع ما ليس عندك" (٦) .
-
الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك، ولا وفاء نذرٍ إلا فيما تملك" (٧) .
-
2/2102/210
• وجه الدلالة من الحديثين:
-
أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علق صحة البيع على الملك، فدل على أنه شرط من شروطه، وما ليس عند المرء فإنه لا يملكه.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
صحة بيع العبد المأذون له]
-
• المراد بالمسألة: العبد المكلف إذا أذن له سيده فى المتاجرة، فإنه يجوز له ذلك، في حدود ما أذن له، من غير زيادة أو نقصان، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن العبد العاقل البالغ المأذون له في التجارة، جائز له أن يبيع ويشتري، فيما أذن له فيه مولاه] (١) . نقله عنه ابن القطان (٢) .
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول: [. . . ينفذ بيع العبد المأذون، بالإجماع] (٣) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[وأما العبد المأذون له، فيصح تصرفه في قدر ما أذن له فيه، لا نعلم فيه خلافا] (٤) .
-
• الرافعي (٥) (٦٢٣ هـ) يقول:
-
[وإن أذن له سيده فى التجارة تصرف بالإجماع] (٦) . نقله عنه الشربيني (٧) .
-
• الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول:
-
[وإن أُذِن له في التجارة -من السيد أو من يقوم
-
2/2112/211
مقامه- تصرف بالإجماع] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن العبد محجور عليه لحظ سيده، فملكه بيده،
-
فإذا أذن له سيده، زال الحجر عنه.
-
الثاني: أنه لا يمكن ثبوت الملك له، فليس أهلا للملك إلا إذا أذن له سيده (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
بطلان عقد الفضولي الذي تولى طرفي العقد]
-
• المراد بالمسألة: الفضولي هو: من لم يكن وليَّا،
-
ولا وصيَّا، ولا أصيلا،
-
ولا وكيلا في العقد (٤) .
-
والفضولي إذا تولى العقد عن الطرفين من دون أن يكون وكيلا عنهما أو عن أحدهما، فقال: بعت السلعة من فلان، وقبلتها عن فلان، فأجاز مالك السلعة البيع، وأجاز المشتري الشراء،
-
فإن ذلك لا يجوز، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول: [والفضولي من الجانبين في باب البيع إذا بلغهما، فأجازا، لم يجز بالإجماع] (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٦) .
-
2/2122/212
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أنه لا يصلح أن يكون الواحد عاقدا من الجانبين في باب البيع، وذلك لأن للبيع حقوقا متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة، فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسَلِّما ومتسلما، طالبا ومطالبا، وهذا محال، فكيف إذا كان فضوليا، فهذا من باب أولى.
-
الثاني: القياس على الوكيل في الوكالة: فكما أنه لا يجوز أن يكون شخصا واحدا وكيلا من الجانبين، فكذلك لا يجوز أن يكون عاقدا من الجانبين، بجامع أن كلا منهما يترتب عليه حقوقا متضادة، مُحَال اجتماعها (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
ملك المشتري المبيع بالعقد]
-
• المراد بالمسألة: إذا تعاقد المتعاقدان، وتم الإيجاب والقبول بينهما،
-
فإن ملك المشتري للعين يكون من حين العقد، بإجماع العلماء، ما لم يكن ثمة خيار لهما، أو لأحدهما، أو كان بينهما خيار المجلس.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [ويملك المشتري المبيع بالعقد،
-
ويصح عتقه قبل القبض، إجماعا فيهما] (٢) . نقله عنه برهان الدين ابن مفلح، والمرداوي (٣) .
-
2/2132/213
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [ (ومن اشترى مكيلا ونحوه، وهو الموزون والمعدود والمذروع، صح البيع، ولزم بالعقد حيث لا خيار) أي: لزم بالبيع؛ لتمام شروطه، وملك بالعقد إجماعا، حيث لا خيار لهما، أو لأحدهما إلى أمد،
-
ولا خيار مجلس، كباقي المبيعات، وسواء احتاج لحق توفية أو لا، إلا ما يوجب الرد بنحو عيب] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي لفظ "حتى يقبضه" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيّن أنه إذا اشترى أحد طعاما، فإنه يُنهى عن التصرف به في البيع إلا بعد قبضه، فدل على أن ملكه له تام قبل القبض.
-
الثاني: أن العقد عقد معاوضة يوجب الملك، فانتقل الملك فيه بنفس العقد، كالنكاح.
-
الثالث: أن العقد قد تمت أركانه وهي: الإيجاب والقبول والعاقدان، فتترتب
-
2/2142/214
آثاره، وأعظمها ملك المشتري للمعقود عليه.
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: الحنابلة في رواية عندهم، وقالوا: بأن ملك المشتري لا يثبت بالعقد، بل حتى يوفي البائع حقه (١) .
-
ويستدل لهؤلاء بدليل عقلي، وهو:
-
أن العقد لا يستقر إلا بقبض المبيع، ولذا لو تلف المبيع قبل قبضه، فإنه يكون من ضمان البائع لا المشتري،
-
فلا يملكه المشتري إلا بعد قبضه.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
تحريم بيع بقاع المناسك]
-
• المراد بالمسألة: البقاع والأراضي التي تؤدى عليها مناسك الحج، مثل منى وعرفة ومزدلفة،
-
وكذلك موضع السعي ونحوها، لا تجوز مبايعتها ولا إجارتها، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن عقيل (٥١٣ هـ) يقول: [والخلاف - أي: في بيع رباع مكة وإجارتها- في غير مواضع المناسك، أما بقاع المناسك كموضع السعي والرمي، فحكمه حكم المساجد، بغير خلاف] . نقله عنه ابن قدامة، وشمس الدين ابن قدامة (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
2/2152/215
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن مسيكة عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قلنا: يا رسول اللَّه، ألا نبني لك بيتا يظلك بمنى؟ قال: "لا! منى مناخ من سبق" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منع أن يوضع له شيء يظله في هذه البقعة، وعلل ذلك بأنها لمن سبق فلا يملكها أحد، فدل على عدم جواز أن يحتجز الواحد شيئا في مثل هذه البقاع، فيكون البيع من باب أولى.
-
الثاني: القياس على المساجد: فكما أنه لا يجوز بيعها؛ لأنها أوقاف غير مملوكة، فكذلك بقاع المناسك المقدسة (٢) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز بيع العقار]
-
• المراد بالمسألة: العقار في اللغة: كل ملك ثابت له أصل، من دار، أو أرض، أو نخل، أو ضيعة ونحوها، ومنه قيل: عُقْر الدار، أي: أصلها (٣) .
-
وفي اصطلاح الفقهاء: ما له أصل ثابت لا يمكن نقله ولا تحويله.
-
فلا يدخل في هذا البناء والشجر، فهي من المنقولات، إلا إذا كانت على وجه التبع (٤) .
-
وقيل: هو الأرض وما يتصل بها (٥) . فيدخل فيه البناء والشجر.
-
2/2162/216
ويراد بالمسألة: إذا أراد أن يبيع عقارا يملكه، سواء كانت أرضا، أم دارا، أم شجرة، ولم يكن هذا بمكة،
-
وكذا لم يكن من الأراضي التي فتحها المسلمون عَنْوة، وأوقفها الإمام على مصالح الإسلام، ولم يقسمها بين المجاهدين: كأرض العراق والشام ومصر،
-
فإن هذا جائز، ولا شيء فيه، باتفاق العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع المرء عقاره، من الدور والحوائط والحوانيت -ما لم يكن العقار بمكة- فهو جائز. واتفقوا أن بيع العقار، من المزارع والحوائط غير المشاعة جائز، ما لم يكن أرضَ عَنْوة غير أرضٍ مقسومة] (١) .
-
نقله عنه ابن القطان (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه جل جلاله قد أباح البيع مطلقا، فدل على أن الأصل في المبايعات الإباحة، ما لم يأت نص بالمنع، فيدخل في هذا العقار.
-
2/2172/217
الثاني: قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} (١) .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه أضاف الديار إلى المهاجرين الذين أخرجوا منها، والإضافة في الأصل تقتضي الملك،
-
فإذا ثبت لهم تملك الديار التي هي من العقار في مكة، فغيرها من باب أولى (٢) .
-
الثالث: أن الأصل في الأراضي أنها للتمليك،
-
ولا يخرج عن هذا الأصل إلا لعارض شرعي: كالوقف، ونحوه (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز بيع المحوز من الماء والكلأ والمعادن وتحريم المباح منها]
-
• المراد بالمسألة: الماء والكلأ والمعادن من الحقوق المشتركة بين الناس، لا يجوز بيعها إذا كانت في الأرض المباحة، بإجماع العلماء. أما إذا حازها أحد إلى إنائه، أو رحله، أو أخذه، فإنه يعتبر قد ملكه،
-
وإذا ملكه فقد حل له بيعه، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الماء من سيل النيل والفرات، جائز] (٤) .
-
2/2182/218
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله، أو يأخذه من المعادن، فإنه يملكه بذلك، وله بيعه بلا خلاف بين أهل العلم] (١) .
-
• أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [أما بيع الماء: فالمسلمون مجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلا، فقد ملكه،
-
وأن له بيعه، وأما ماء الأنهار والعيون والفيافي التي ليست بمملوكة، فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه،
-
ولا بيعه] (٢) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله، أو يأخذه من المعادن، فإنه يملكه بذلك، بلا خلاف بين أهل العلم] (٣) .
-
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [أما الماء الذي يكون بالأرض المباحة، والكلأ الذي يكون بها، فهذا لا يجوز بيعه باتفاق العلماء] (٤) .
-
• شمس الدين الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الماء من سيل النيل والفرات جائز] (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٦) .
-
2/2192/219
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لأن يحتزم أحدكم حُزمة من حطب، فيحملها على ظهره، فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلا يعطيه أو يمنعه" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاز البيع لمن أخذ الحطب من الفلاة، والحطب من الكلأ المباح الذي لا يملكه أحد، فدل على أن من حاز المباح فقد ملكه، وجاز له بيعه.
-
الثاني: ما جاء أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "نهى عن بيع الماء إلا ما حُمِل منه" (٢) .
-
الثالث: وهو استدلال بالعرف: يقول ابن قدامة: [وعلى ذلك مضت العادة في الأمصار ببيع الماء في الروايا، والحطب، والكلأ، من غير نكير] (٣) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:
-
القول الأول: لا يملك الماء بحال حتى وإن أحرزه إلى إنائه، وإنما يكون هو أولى به من غيره،
-
وإذا كان لا يملك فلا يجوز له بيعه. وهذه هي الرواية الثانية عند الشافعية، واختارها ابن عقيل من الحنابلة (٤) .
-
ويمكن أن يستدل لهؤلاء: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الماء، والنهي عن بيعه حتى لا يقع ملكه لأحد، بل يكون حقا مشاعا بين الناس أجمعين.
-
القول الثاني: لا يجوز بيع الماء بحال من الأحوال، وله أن يملكه إذا أحرزه إلى ساقيته ونحوها،
-
وإذا رده انتفى ملكه له. أما بيع الكلأ فيجوز بيعه مطلقا.
-
2/2202/220
وهذا رأي ابن حزم من الظاهرية (١) .
-
واستدل ابن حزم على قوله بعدة أدلة، منها:
-
الأول: عن إياس بن عبد المزني (٢) -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الماء" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن الحديث عام في النهي،
-
فلا يفرق بين المحرز وغيره.
-
الثاني: أما بيع الكلأ، فلأنه مال من مال صاحب الأرض، وكل ما تولد من مال المرء فهو من ماله، كالولد من الحيوان، والثمر، والنبات، واللبن، والصوف (٤) .
-
القول الثالث: كراهة بيع الكلأ كله. قال به الحسن البصري وعكرمة (٥) (٦) .
-
أما الرواية عند الشافعية: فقد حكم عليها النووي بأنها غلط ظاهر (٧) .
-
وأما رأي ابن عقيل: فهو خرَّجه على أن النهي عن بيع الماء يمنع التمليك (٨) ،
-
ولا عبرة بالتخريج إذا خالف الإجماع (٩) .
-
2/2212/221
أما رأي الحسن وعكرمة: فلعله محمول -إن صح عنهما- على الذي لم يحرز.
-
أما رأي ابن حزم: فلم أجد من وافقه عليه مطلقا.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المنع من بيع الماء والكلأ في الأرض المباحة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. أما مسألة بيع ما حازه أو أخذه البائع إلى رحله، فكذلك الإجماع فيها صحيح،
-
وإن وجد الخلاف فيها؛ وذلك لشذوذه فيها.
-
صحة بيع العين الحاضرة المرئية]
-
• المراد بالمسألة: العين التي يراد بيعها: إما أن تكون حاضرة في مجلس العقد، أو تكون غائبة،
-
فإذا كانت حاضرة مرئية من قبل المتعاقدين،
-
فإن البيع صحيح، باتفاق العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع الضِّياع (١) والدور، التي يعرفها البائع والمشتري بالرؤية حين التبايع، جائز] (٢) . ويقول أيضا: [بيع الحاضر المرئي المقلّب بمثله، أو بدنانير، أو دراهم حاضرة، مقبوضة، أو إلى أجل مسمى، أو حالة في الذمة، فمتفق على جوازه] (٣) .
-
نقل عبارته الأولى ابن القطان (٤) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول لما ذكر كلام الإمام مالك في بيع الحاضر: [لا خلاف فيه إذا اشتري على وجهه بعد النظر إليه، وقد حلب اللبن، وجنى التمر] (٥) .
-
2/2222/222
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على صحة بيع العين الحاضرة التي يراها البائع والمشتري حالة العقد] (١) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [المبيعات على نوعين: مبيع حاضر مرئي، فهذا لا خلاف في بيعه. . .] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الغرر" (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن العين إذا كانت حاضرة مرئية في مجلس العقد، فإنها تكون قد سلمت من أهم قوادح البيع، وهو الغرر الذي نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنه.
-
الثاني: أن رؤية المشتري للسلعة حين الشراء أبلغ في معرفتها على حقيقتها، فيكون قد دخل على بينة وبصيرة.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز الغرر اليسير وتحريم الكثير]
-
• المراد بالمسألة: الغرر لغة هو: الخطر والخديعة، وتعريض المرء نفسه أو ماله للهلكة (٥) .
-
• وفي الاصطلاح: ما هو مجهول العاقبة،
-
فلا يُدْرى أيكون أم لا؟ (٦) .
-
2/2232/223
• ويقصد بالمسألة: أن ما جهلت عاقبته من البيوع،
-
فلا يدرى أيقع أم لا؟ فيقال: إن دعت الحاجة إلى ارتكابه،
-
ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرا جاز البيع، واغتفر ما فيه من الغرر، أما إذا كان كثيرا فلا يغتفر فيه، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الجصاص (٣٧٠ هـ) يقول عند تفسير قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (١) :
-
[ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم، فقد أريد به الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو: بيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان، وبيع الغرر والمجاهيل] (٢) .
-
• القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) يقول:
-
[ولا خلاف أن يسيره لا يمنع صحة البيع،
-
وأن ما تدعوا الحاجة إليه منه معفو عنه،
-
وأن الذي يُمنع ما زاد على ذلك] (٣) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [لا يختلفون في جواز قليل الغرر] ويقول أيضا: [وكثير الغرر لا يجوز بإجماع، وقليله متجاوز عنه] (٤) . نقل العبارة الأولى
-
2/2242/224
ابن القطان (١) .
-
• الباجي (٤٧٤ هـ) يقول: [معنى بيع الغرر -واللَّه أعلم- ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه،
-
وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع، فإنه لا يكاد يخلو عقد منه] (٢) .
-
• المازري (٥٣٦ هـ) يقول: [وقد رأينا العلماء أجمعوا على فساد بعض بياعات الغرر، وأجمعوا على صحة بعضها، واختلفوا في بعضها، فيجب أن يبحث عن الأصل الذي يعرف منه اتفاقهم واختلافهم، فنقول: إنا لما رأيناهم أجمعوا على منع بيع الأجنة، والطير في الهواء، والسمك في الماء،
-
ثم رأيناهم أجمعوا على جواز بيع الجبة وإن كان حشوها مغيبا عن الأبصار،
-
ولو بيع حشوها على انفراده لم يجز. . .، قلنا: يجب أن يفهم عنهم أنهم منعوا بيع الأجنة لمعظم غررها وشدة خطرها،
-
وأن الغرر فيها مقصود يجب أن يفسد العقود، ولما رأيناهم أجمعوا على جواز المسائل التي عددناها قلنا: ليس ذلك إلا أن الغرر فيها نزر يسير غير مقصود وتدعو الضرورة إلى العفو عنه] (٣) . نقله عنه الزرقاني (٤) .
-
• ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول:
-
[ولا خلاف بين العلماء في أن يسير الغرر لغو معفو عنه] (٥) . ولما أورد حديث أبي هريرة - المذكور في مستند الإجماع - قال بعده: [وأجمعت عليه الأمة] (٦) .
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الغرر. . .، باطل] (٧) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٨) .
-
ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [وبالجملة فالفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز،
-
وأن القليل يجوز] (٩) . نقله عنه الشوكاني (١٠) .
-
2/2252/225
• أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [وبيع الغرر: هو البيع المشتمل على غرر مقصود؛ كبيع الأجنة، والسمك في الماء، والطير في الهواء، وما أشبه ذلك،
-
فأما الغرر اليسير الذي ليس بمقصود، فلم يتناوله هذا النهي؛ لإجماع المسلمين على جواز إجارة العبد، والدار مشاهرة (١) ومساناة (٢) ، مع جواز الموت وهدم الدار قبل ذلك] (٣) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون، والطير في الهواء، قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده. . . هو أنه إن دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة وكان الغرر حقيرا جاز البيع، وإلا فلا] (٤) .
-
ويقول أيضا: [والأصل أن بيع الغرر باطل. . .، والمراد: ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز عنه،
-
فأما ما تدعوا الحاجة،
-
ولا يمكن الاحتراز عنه؛ كأساس الدار، وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر، وذكر أو أنثى، وكامل الأعضاء أو ناقصها، وكشراء الشاة في ضرعها لبن، ونحو ذلك، فهذا يصح بيعه بالإجماع، ونقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير، منها: أن الأمة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة،
-
وإن لم ير حشوها،
-
ولو باع حشوها منفردا لم يصح. وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرا، مع أنه قد يكون ثلاثين يوما، وقد يكون تسعة وعشرين. وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة، وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام] (٥) .
-
نقله عنه أبو زرعة العراقي (٦) ،
-
2/2262/226
والمباركفوري (١) .
-
• القرافي (٦٨٤ هـ) يقول: [الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا: كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعا: كأساس الدار، وقطن الجبة، ومتوسط اختلف فيه: هل يلحق بالأول أو الثاني؟ ] (٢) .
-
الخرشي (٣) (١١٠١ هـ) يقول: [والغرر ثلاثة أقسام: ممتنع إجماعا: كطير الهواء، وسمك الماء، وجائز إجماعا: كأساس الدار المبيعة، وحشو الجبة المغيبة، ونقص الشهور وكمالها في إجارة الدار ونحوها، واختلاف الاستعمال في الماء في دخول الحمام، والشرب من السقاء، ومختلف في إلحاقه بالأول أو بالثاني؟ ] (٤) .
-
• الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [قد يحتمل ببعض الغرر فيصح معه البيع، إذا دعت إليه الحاجة: كالجهل بأساس الدار، وكبيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها،
-
فإن ذلك مجمع عليه.
-
وكذا على جواز إجارة الدار والدابة شهرا، مع أنه قد يكون الشهر ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين، وعلى دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وقدر مكثهم، على جواز الشراب قي السقاء بالعوض مع الجهالة. وأجمعوا على عدم صحة بيع الأجنة في البطون، والطير في
-
2/2272/227
الهواء] (١) .
-
• الدردير (٢) (١٢٠١ هـ) يقول: [ (واغتفر غرر يسير) إجماعا (للحاجة) . . .، فخرج بقيد اليسارة الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء،
-
فلا يغتفر إجماعا] (٣) .
-
• عليش (١٢٩٩ هـ) يقول: [ (واغتفر) إجماعا (غرر) (يسير) للضرورة. . .، فخرج بقيد اليسير الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء،
-
فلا يغتفر إجماعا] (٤) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول لما ذكر ما يستثنى من رؤية المبيع مما لا يعد غررا: [ويستثنى ما يدخل تبعا، وما يتسامح بمثله: إما لحقارته، أو للمشقة في تمييزه، أو تعيينه: كأساسات البنيان، والقطن المحشو في الجبة؛ وذلك بالإجماع] (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٦) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (٧) .
-
2/2282/228
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الغرر وهو محمول على الكثير دون القليل، وذلك لاتفاق العلماء على جواز بعض البيوع التي فيها غرر يسير، مما يُحتاج إليه ولا يمكن التحرز منه.
-
الثاني: أن الغرر لا يسلم منه بيع،
-
ثم إنه لا يمكن الإحاطة بكل المبيع، لا بنظر ولا بصفة، والأغلبُ في العامِّ السلامة، إن لم يكن في تلك كان في آخر؛ لأجل هذا جاز في اليسير دون الكثير (١) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: ابن سيرين فقد ثبت عنه بإسناد صحيح أنه قال: [لا أعلم ببيع الغرر بأسا] (٢) . ورُوي عن شريح أنه كان لا يرى بأسا ببيع الغرر، إذا كان علمهما فيه سواء (٣) .
-
ولعلهم يستدلون بالعموم وهو: أن البيع قد توفرت فيه الشروط والأركان، فيبقى على أصل الإباحة.
-
وأجيب عن قولهما بعدة أجوبة منها:
-
أولًا: لعله لم يبلغهما النهي الوارد في سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
ثانيًا: لعل مقصودهما ما كان الغرر فيه يسيرا.
-
ونوقش هذا الجواب: أنه يمنع من توجيه ذلك ما جاء عن ابن سيرين أنه قال: [لا بأس ببيع العبد الآبق، إذا كان علمهما فيه واحدا] . فهذا يدل على أنه يرى بيع الغرر إن سلم في المآل (٤) .
-
ثالثًا: أن يقال بأن هذا القول شاذ لا يعتد به؛ لمخالفته الصريحة لسنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها.
-
2/2292/229
جواز بيع الأعمى الذي كان بصيرا]
-
• المراد بالمسألة: الذي يرى السلعة بعينه وهو مبصر،
-
ثم يصاب بالعمى بعد ذلك، في مدة لا تتغير فيها العين غالبا،
-
فإن عقده جائز، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول بعد أن ذكر الخلاف في بيع من هو أعمى وقت العقد: [أما إذا كان بصيرا، فعَمِي بعد ذلك، لا خلاف في جواز بيعه] (١) .