الفصل الخامس: مسائل الإجماع في باب الهبة والعطية
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 30487 to 31156
-
8/2738/273
ولا يقضى به، ولا أعلم خلافًا أن ذلك مستحسن، يستحق صاحبه الحمد والشكر على الوفاء به، ويستحق على الخلف في ذلك الذم] (١) .
-
• وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) .
-
قال القرافي: (قال ابن يونس: إذا سألك أن تهب له دينارًا، فقلت: نعم،
-
ثم بدا لك، قال مالك: لا يلزمك. . . قال سحنون: الذي يلزم من العدة: اهدم دارك وأنا أسفلك، أو اخرج إلى الحج، أو اشتر لعملعة كذا، أو تزوج امرأة وألْا أسفلك، لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجردًا لوعد فلا يلزم، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق) (٥) .
-
قال النووي: (الوفاء بالوعد مستحب استحبابًا متأكدًا،
-
ويكره إخلافه كراهة شديدة) (٦) .
-
قال الخطيب الشربيني: (ويتأكد استحباب الوفاء بالعهد، كما يتأكد كراهة إخلافه) (٧) .
-
قال الرملى: (ويتأكد استحباب الوفاء بالعهد، كما يتأكد كراهة خلافه) (٨) .
-
8/2748/274
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن زيد بن أرقم -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (إذا وعد الرجل وينوي أن يفي به فلم يف به فلا جناح عليه) (١) .
-
• وجه الاستدلال: فيه دليل على عدم وجوب الوفاء بالوعد (٢) .
-
الثاني: عن صفوان بن سليم الزرقي، أن رجلًا قال لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أكذب لامرأتي؟ فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: (لا خير في الكذب) فقال: يا رسول اللَّه: أفأعدها وأقول لها؟ فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا جناح عليك" (٣) .
-
• وجه الاستدلال: فيه دليل على أن إخلاف الوعد ليس قسيم الكذب، وأنه لا جناح على من أخلف وعده (٤) .
-
الثالث: ويمكن الاستدلال أيضًا بأن الوعد تبرع محض من الواعد،
-
ولا دليل على وجوب التبرع على أحد، خاصة وأن الهبة من عقود التبرعات، وهي بطبيعتها عقود غير لازمة، يجوز فسخها قبل القبض (٥) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية (٦) ، وبعض أهل الظاهر (٧) .
-
8/2758/275
وذهبوا إلى وجوب الوفاء بالوعد، وأنه يلزم مطلقًا.
-
• دليلهم: وحجة ما ذهبوا إليه نصوص الوحيين التي فيهما الأمر بالوفاء بالوعد، منها:
-
الأول: قوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) } .
-
• وجه الاستدلال: فيها أن من ألزم نفسه عقدا لزمه الوفاء به، والوعد مما ألزم الشخص نفسه به،
-
وإذا أخلف فهو كاذب.
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذ وعد أخلف،
-
وإذا أؤتمن خان) (١) .
-
• وجه الاستدلال: أن إخلاف الوعد قد عده النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في خصال المنافقين، والنفاق مذموم شرعًا، وعلى هذا يكون إخلاف الوعد محرمًا فيجب الوفاء بالوعد.
-
الثالث: عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه) (٢) .
-
• وجه الاستدلال: أن فيه النهي عن إخلاف الوعد، والنهي يفيد التحريم.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن جواز الرجوع بالوعد بالهبة، وذلك للخلاف في المسألة.
-
يجوز لبني هاشم وبني المطلب أن يأكلوا من الهبة]
-
• المراد بالمسألة: لما كانت الصدقة محرمة على محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وآل محمد،
-
8/2768/276
وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، جاءت النصوص تفيد بحل الهبة، والعطية، للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن الهبة والعطية حلال لبني هاشم وبني المطلب ومواليهم] (١) .
-
ابن عبد البر (٦٥٠ هـ) قال:
-
[ولا خلاف علمته بين العلماء في بني هاشم وغيرهم في قبول الهدايا والمعروف سواء] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) ، والشوكاني (٦) .
-
قال ابن قدامة: (والصدقة والهدية متغايران فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة) (٧) .
-
قال ابن تيمية: (الصدقة ما يعطى لوجه اللَّه عبادة محضة من غير قصد في شخص معين ولا طلب غرض من جهته لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات،
-
وأما الهدية فيقصد بها اكرام شخص معين، إما لمحبة وإما لصداقة،
-
وإما لطلب حاجة، ولهذا كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقبل الهدية، ويثيب عليها،
-
فلا يكون لأحد عليه منة،
-
ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم، وهي الصدقات، ولم يكن يأكل الصدقة لذلك وغيره) (٨) .
-
قال البهوتي: (قال الشيخ: والصدقة أفضل من الهبة لما ورد فيها مما لا يحصر إلا أن يكون في الهبة معنى تكون الهبة به أفضل من الصدقة مثل الإهداء لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- محبة له) (٩) .
-
8/2778/277
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن عائشة قالت: (كانت في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والبرمة على النار، فدعا بطعام فأتى بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟
-
فقالوا: بلى يا رسول اللَّه، ذلك لحم تصدق به على بريرة فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا منها هدية) (١) .
-
الثاني: عن أم عطية -رضي اللَّه عنها- قالت: (بعث إليَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بشاة من الصدقة، فأرسلت إلى عائشة منها بشيء، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: عندكم شيء؟ فقالت: لا، إلا ما أرسلت به نسيبة من تلك الشاة، فقال: هات فقد بلغت محلها) (٢) .
-
الثالث: عن جويرية بنت الحارث زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دخل عليها، فقال: (هل من طعام؟ قالت: لا واللَّه، إلا عظم من شاة أعطيته مولاتي من الصدقة، فقال: قربيه، فقد بلغت محلها) (٣) .
-
• وجه الاستدلال من هذه الأحاديث الثلاث التي هي بمعنى واحد: أن المتصدق عليها قد ملكت تلك الصدقة بوجه صحيح جائز، فقد صارت كسائر ما تملكه بغير جهة الصدقة،
-
وإذا كان كذلك، فمن تناول ذلك الشيء المتصدَّق به من يد المتصدَّق عليه بجهة جائز غير الصدقة، جاز له ذلك، وخرج ذلك الشيء عن كونه صدقة بالنسبة إلى الآخذ من يد المتصدَّق عليه،
-
وإن كان ممن لا تحل له الصدقة في الأصل (٤) .
-
8/2788/278
النتيجة: صحة الإجماع في أنه يجوز لبني هاشم وبني المطلب أن يأكلوا من الهبة.
-
تجوز هبة الكافر للمسلم]
-
• المراد بالمسألة: أنه يجوز للمسلم أن يقبل هبة الكافر إذا كانت مما يباح في شريعتنا، وكان الكافر ذميًا أو معاهدًا.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٩ هـ) قال: [وأجمعوا على أنه إذا وهب المسلم للذمي أو وهب الذمي للمسلم، وقبض ذلك الموهوب وكان شيئا معلومًا أن ذلك جائز] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) ، وابن حزم من الظاهرية (٦) ، والشوكاني (٧) .
-
قال ابن حزم: (وإعطاء الكافر مباح، وقبول ما أعطى هو كقبول ما أعطى المسلم) (٨) .
-
قال النووي: (وأنه يجوز قبول هدية الكافر) (٩) .
-
قال الشوكاني: (الأحاديث المذكورة في الباب تدل على جواز قبول هدية الكافر) (١٠) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي حميد الساعدي -رضي اللَّه عنه- قال: (غزونا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تبوك وأهدى ملك آيلة للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بغلة بيضاء وكساه بردًا) (١١) .
-
8/2798/279
الثاني: عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال: (أهدى كسرى إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقبل منه) (١) .
-
• وجه الاستدلال من الحديثين: ما قاله الشوكاني: (والأحاديث المذكورة في الباب تدل على جواز قبول هدية الكافر) (٢) . والهبة في حكمها.
-
الرابع: هم بعقد الذمة يكونون قد ساووا المسلمين في المعاملات (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز هبة الكافر للمسلم.
-
جواز هبة المسلم للحربي]
-
• المراد بالمسألة: أنه يجوز أن يهب المسلم للكافر الحربي المعين، بشرط أن لا يكون في هذا الشيء المُهدى عونًا على أذية المسلمين.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [الإجماع على جواز الهبة، والوصية في معناها. . للحربي في دار الحرب] (٤) .
-
القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [له الصرف للحربي وفي المباح حاله الحياة،
-
ولو وهب الحربي ثلث ملكه إجماعًا] (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦) ، والشافعية (٧) ، وابن حزم من
-
8/2808/280
الظاهرية (١) ، والشوكاني (٢) .
-
قال ابن حزم: (وما وهب أهل الحرب للمسلم الرسول إليهم أو التاجر عندهم فهو حلال، وهبة صحيحة ما لم يكن مال مسلم أو ذمي) (٣) .
-
قال المرغيناني: (وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فأوصى لمسلم أو ذمي بماله كله جاز. . .
-
وكذلك لو أوصى له مسلم أو ذمي بوصية جاز، لأنه ما دام في دار الاسلام فهو في المعاملات بمنزلة الذمي) (٤) .
-
قال الشوكاني: (جواز الهدية للكافر مطلقًا من القريب وغيره،
-
ولا منافاة بين ذلك وما بين قوله تعالى {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل) (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاستفتيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصلُ أمي؟ قال: (نعم، صلي أمك) (٦) .
-
• وجه الاستدلال: أن فيه صلة أهل الحرب، حيث أن أم أسماء كانت مشركة، وكان بين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقريش حربًا دائرة.
-
الثاني: عن ابن عمر: (أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كسا عمر حلة فأرسل بها إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم) (٧) .
-
• وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقر عمر حينما أهدى الحلة لأخيه
-
8/2818/281
الكافر، وقد كان حربيًا، والهبة بمعنى الهدية.
-
الثالث: أن المنهي عنه هو التولي،
-
وأما البر والصلة فجائزة.
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز هبة المسلم للحربي، بشرط أن لا يكون فيه شيء يؤذي المسلمين كالسلاح ونحوه.
-
يكره تفضيل الأولاد (الذكور) أو (الإناث) بالهبة]
-
• المراد بالمسألة: أن من كان له أولادُه ذكور فقط، أو إناثٌ فقط فأعطاهم بالسوية أن ذلك جائز،
-
وأما إذا فاضل بينهم وهم من جنس واحد، كأن يكونوا ذكورًا فقط، أو إناثًا فقط فإنه مكروه، واختلفوا في الكراهة هل هي تحريمية أم تنزيهية؟ (١) .
-
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أن تفضيل بعضهم على بعض (يعني بالهبة) مكروه] (٢) .
-
ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن من كان له بنون ذكورًا لا إناث فيهم، أو إناثًا لا ذكور فيهم فأعطاهم كلهم أو أعطاهنَّ كلهنَّ عطاء ساوى فيه ولم يفضل أحدًا أن ذلك جائز نافذ] (٣) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال:
-
[ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية، وكراهة التفضيل] (٤) .
-
8/2828/282
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، وابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
قال ابن حزم: (وأما النفقات الواجبات فقوله عليه الصلاة والسلام: اعدلوا بين أولادكم. ايجاب لأن ينفق على كل واحد ما لا قوام له إلا به،
-
ومن تعدى هذا فلم يعدل بينهم،
-
وكذلك هذا القول منه عليه الصلاة والسلام إيجاب للتسوية بين الذكر والأنثى، وليس هذا من المواريث في شيء) (٥) .
-
قال السرخسي: (أنه ينبغي للوالد أن يسوي بين الأولاد في العطية عند محمد على سبيل الإرث للذكر مثل حظ الأنثيين، وعند أبي يوسف يسوي بين الذكور والإناث) (٦) .
-
قال السمرقندي: (. . . ينبغي أن يسوي بين أولاده في الهبة) (٧) .
-
قال ابن رشد: (واختلفوا في تفضيل الرجل بعض ولده على بعض في الهبة، أو في هبة جميع ماله لبعضهم دون بعض، فقال جمهور فقهاء الأمصار بكراهية ذلك له، ولكن إذا وقع عندهم جاز) (٨) .
-
قال النووي: (ينبغي للوالد أن يعدل بين أولاده في العطية) (٩) . قال الخطيب الشربيني:
-
(ويسن للوالد العدل في عطية أولاده بأن يسوي بين الذكر والأنثى) (١٠) .
-
قال عبد الرحمن بن قاسم:
-
(فإن فضل بعضهم بأن أعطاه فوق إرثه أو خصّه سوى وجوبًا برجوع حيث أمكن أو زيادة لمفضول ليساوي الفاضل كما
-
8/2838/283
لو أعطى أحد ابنيه عشرة والآخر خمسة، زاده خمسة ليتساويا في الهبة) (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) } .
-
• وجه الاستدلال: أن فيها الأمر بالعدل في كل شيء، ومنه العدل بين الأولاد في الهبات والعطايا.
-
الثاني: عن النعمان بن بشير قال: (إن أبي بشير وهب لي هبة فقالت أمي: أشهد عليها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخذ بيدي فانطلق حتى أتينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه، إن أم هذا الغلام سألتني أن أهب له هبة فوهبتها له فقالت: أشهد عليها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتيتك لأشهدك.
-
فقال: (رويدك، ألك ولد غيره؟ ) قال: نعم. قال: أكلهم أعطيتهم كلما أعطيته؟ ) قال: لا. قال:
-
(فلا تشهدني على جور، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم) (٢) .
-
• وجه الاستدلال: أنه صريح في عدم جواز التفضيل بين الأولاد، بدليل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: (أشهد على هذا غيري) وهذا ليس إذنًا بل هو تهديد لتسميته إياه جورًا.
-
الثالث: أن هذا يفضي إلى العقوق، وقطيعة الرحم، ويوقع العداوة والبغضاء بين الأولاد، وهذا مما تنهى عنه الشريعة، ولأن في التسوية تأليف القلوب، والتفضيل يورث الوحشة بينهم، فكانت التسوية أولى (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أنه يكره تفضيل الأولاد الذكور أو الإناث بالهبة.
-
8/2848/284
يكره تخصيص بعض الأولاد بالهبة دون بعض]
-
• المراد بالمسألة: في المسألة السابقة كراهية التفضيل بين الأولاد في الهبة، وهنا كراهية التخصيص، بمعنى أن يعطي بعضًا ويمنع الآخرين، فذهب الجمهور إلى الكراهة التنزيهية (١) .
-
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أن تخصيص بعضهم بالهبة مكروه] (٢) .
-
• الموافقون على الاتفاق: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) .
-
قال ابن رشد: (واختلفوا في تفضيل الرجل بعض ولده على بعض في الهبة، أو في هبة جميع ماله لبعضهم دون بعض، فقال جمهور فقهاء الأمصار بكراهية ذلك له) (٦) .
-
قال النووي: (ينبغي للوالد أن يعدل بين أولاده في العطية،
-
فإن لم يعدل، فقد فعل مكروهًا، لكن تصح الهبة، والأولى في هذه الحال أن يعطي الآخرين ما يحصل به العدل،
-
ولو رجع جاز) (٧) .
-
قال ابن تيمية: (لا يحل له أن ينحل بعض أولاده دون بعض، بل عليه أن يعدل بينهم) (٨) . قال البهوتي:
-
(فإن خص بعضهم بالعطية أو فضله في الإعطاء بلا إذن الباقي أثم. . . وعليه الرجوع فيما خص أو فضل به حيث أمكن أو إعطاء الآخر ولو في مرض الموت المخوف حتى يستووا بمن خصه أو فضله) (٩) .
-
8/2858/285
قال الشوكاني: (وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فإن فضل بعضًا صح وكره) (١) .
-
مستند الاتفاق: يستند الإجماع إلى أدلة الجمهور المسألة السابقة، وحملوها على الكراهة التنزيهية (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنابلة (٣) ، وأبو يوسف من الحنفية (٤) ، ورواية عن الإمام مالك (٥) ، وابن حزم من الظاهرية (٦) حيث ذهبوا إلى حرمة تخصيص بعض الأولاد دون بعض (٧) .
-
دليلهم: يستند الإجماع إلى أدلة المسألة السابقة، وحملوا النهي فيها على التحريم؛ لعدم الصارف (٨) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في كراهية تفضيل بعض الأولاد بالهبة دون بعض، وذلك للخلاف الوارد في المسألة.
-
يقبض الأب الهبة للطفل من نفسه]
-
• المراد بالمسألة: أن الأب إذا وهب لابنه الصغير شيئًا من عنده، فإنه يقوم مقام ابنه في القبول والقبض، وذلك لعجز الصغير عن القبض.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارًا بعينها أو عبدًا بعينه، وقبضه له من نفسه وأشهد عليه أن الهبة تامة] (٩) .
-
8/2868/286
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) .
-
قال السرخسي: (وكل شيء وهبه لابنه الصغير وأشهد عليه وذلك الشيء معلوم فهو جائز، والقبض فيه بإعلام ما وهبه له والاشهاد له ليس بشرط بل الهبة تتم بالاعلام) (٥) .
-
قال العمراني: (وإن كان وليه أباه أو جده، صح أن يقبل له الهبة من نفسه، لأنه يجوز له أن يبتاع ماله بماله) (٦) .
-
قال المرغيناني: (وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبة ملكها الابن بالعقد، لأنه في قبض الأب فينوب عن قبض الهبة،
-
ولا فرق بين ما إذا كان في يده أو في يد مودعه لأن يده كيده) (٧) .
-
قال ابن قدامة: (فإن وهب الأب لابنه شيئًا، قام مقامه في القبض والقبول إن احتيج إليه) (٨) .
-
قال البهوتي: (ويقبض لطفل وهبه وليه هبة أبوه فقط من نفسه، فيقول: وهبت ولدي كذا وقبضته له) (٩) .
-
قال الدردير: (وصح حوز واهب شيئًا وهبه لمحجوره من صغير أو سفيه أو مجنون كان وليه الواهب أبًا أو غيره، لأنه هو الذي يحوز له) (١٠) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
8/2878/287
الأول: عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- قال: (منتحل ابنًا له صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نحلته، فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي حيازة وإن وليها) (١) .
-
الثاني: ولأن الطفل لا يصح قبضه لنفسه،
-
ولا قبوله لأنه ليس من أهل التصرف، ووليه يقوم مقامه في ذلك (٢) .
-
الثالث: ولأن القبض يكون من المتهب أو نائبه، والولي نائب بالشرع، فصح قبضه له، أما غيره فلا نيابة له (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن الأب يقبض الهبة للطفل من نفسه.
-
يقبض الأب الهبة للطفل إذا كانت من غيره]
-
• المراد بالمسألة: هذه المسألة تختلف عن السابقة، فتلك تتحدث عن قبض الأب الهبة لولده إذا وهبها هو إياه، وهذه تتحدث عن هبة الغير للطفل،
-
فمن الذي يقوم بقبض الهبة؟ فالإجماع المحكي هنا على أن الأب، أو من يقوم مقامه كالوصي، أو الحاكم، هم الذين يقومون بقبضها دون غيرهم، أما الأم والأولاد فلا يقبضون عنه.
-
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أنه يقبض للطفل الصغير أبوه أو وليه] (٤) .
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وجمهور فقهاء الأمصار على أن الأب يحوز لابنه الصغير الذي في ولاية نظره. . وأنه يكفي في إشهاده بالهبة والإعلان بذلك، وذلك كله فيما عدا الذهب والفضة وفيما لا يتعين] (٥) .
-
8/2888/288
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [ (ويقبض للطفل أبوه، أو وصيه، أو الحاكم، أو أمينه بأمره. .)
-
ولا يصح القبض والقبول من غير هؤلاء. . وهذا مذهب الشافعي،
-
ولا أعلم فيه خلافًا] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢) .
-
قال العمراني: (إذا وهب غير ولي الطفل للطفل هبة،
-
فإن كان له أب أو جد، وكان عدلًا، قبل له الهبة، وقبض له، لأنه هو المتصرف عنه،
-
وإن كان فاسقًا، لم يصح قبوله ولا قبضه، لأنه لا ولاية له عليه مع الفسق) (٣) .
-
قال الكاساني: (فيقبض للصبي وليه، أو من كان الصبي في حجره وعياله عند عدم الولي، فيقبض له أبوه. . .) (٤) .
-
قال النووي: (إذا كانت الهبة لمن ليس له أهلية القبول، نظر، إن كان الواهب أجنبيًا، قبل له من يلي أمره من ولي ووصي وقيم) (٥) .
-
قال ابن عابدين: (وإن وهب له أجنبي يتم بقبض وليه وهو أحد أربعة: الأب،
-
ثم وصيه، ثم الجد،
-
ثم وصيه) (٦) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- قال: (منتحل ابنًا له صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نحلته، فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي حيازة وإن وليها) (٧) .
-
الثاني: أن الطفل لا يصح قبضه لنفسه،
-
ولا قبوله، لأنه ليس من أهل
-
8/2898/289
التصرف، ووليه يقوم مقامه،
-
فإن كان له أب أمين فهو وليه لأنه أشفق عليه، وأقدر على حفظ مال الصغير (١) .
-
الثالث: إذا لم يوجد الوصي، فنائبه، أو الحاكم، لأنه نائب بالشرع فصح قبضه له، أما غيره فلا نيابة له (٢) .
-
الرابع: ولأنه يملك عليه الدائر بين النافع والضار فأولى أن يملك عليه النافع (٣) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنفية في المفتى به عندهم (٤) فذهبوا إلى أن صحة قبض كل من هو في عياله كالأم، والأخ، والعم،
-
ولو بحضور الأب، أو وصيه.
-
• دليلهم: أن فيه نفعًا للصغير،
-
فلا ينبغي أن يفوت، وأنه لو كان الغير مميزًا لجاز أن يقبض مع وجود الأب (٥) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن الأب يقبض الهبة للطفل إذا كانت من غيره.
-
قبول الإخبار بالهبة]
-
• المراد بالمسألة: أن الهبة إذا جاء بها رسول الواهب جاز للموهوب له
-
8/2908/290
قبولها، فإذا قبضها حازها.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا على استباحة الهدية وإن كانت من الرقيق لخبر الذي يأتي بها ولو أنه امرأة أو صبي أو ذمي أو عبد] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
قال البهوتي: (ولو وهب انسان لغائب هبة وأنفذها الواهب مع رسول الموهوب له أو مع وكيله ثم مات الواهب أو مات الموهوب له قبل وصولها إليه لزم حكمها وكانت للموهوب له) (٦) . قال الدسوقي: (سواء استصحب أي استصحبها الواهب معه، أو أرسلها مع رسول) (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أم سلمة -رضي اللَّه عنها- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: (إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك،
-
ولا أرى النجاشي إلا قد مات،
-
ولا أرى هديتي إلا مردودة علي،
-
فإن ردت علي فهي لك. وكان كما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) (٨) .
-
• وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث الهدية مع أحد أصحابه، فدل فعله على جواز إرسال الرسل بالهدايا، والهبات مثلها.
-
الثاني: عن عبد اللَّه بن بسر -رضي اللَّه عنه- قال: (كانت أختي ربما بعثتني بالشيء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تطرفه إياه فيقبله مني) (٩) .
-
8/2918/291
• وجه الاستدلال: قال المجد ابن تيمية: وهو دليل على قبول الهدية برسالة الصبي، لأن عبد اللَّه بن بسر -رضي اللَّه عنه- كان كذلك مدة حياة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في قبول الإخبار بالهبة من الصغار والكبار.
-
عدم قبول الموهوب له الهبة رجوع بها إلى صاحبها]
-
• المراد بالمسألة: إذا رفض الموهوب له الهبة، فإنه يدل على عدم قبوله لها،
-
ومن ثم ترجع إلى الواهب،
-
ولا تحل لغيره إلا بطيب من نفسه.
-
• من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن المتصدق عليه أو الموهوب له أو المعطى أو المهدى إليه، إذا لم يقبل شيئًا من ذلك أنه راجع إلى من نفح له بشيء من ذلك، وأنه حلال يملكه] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) ، والشوكاني (٧) .
-
قال العمراني: (الهبة والهدية وصدقة التطوع حكمها واحد. . .
-
ولا يصح شيء من هذا كله إلا بالإيجاب والقبول) (٨) .
-
قال القرافي: (قال ابن يونس: ويكفي قولك قبلت فيما في يدك،
-
وإن لم تقل قبلت حتى مات بطلت) (٩) .
-
قال المرداوي: (لو مات المتهب قبل قبوله: بطل العقد على الصحيح من المذهب) (١٠) .
-
8/2928/292
قال الخطيب الشربيني: (وشرط الهبة إيجاب وقبول لفظًا من الناطق مع التواصل المعتاد كالبيع) (١) .
-
قال الدسوقي: (. . .
-
فلا بد من قبوله، لأن الإبراء يحتاج إلى قبول أي بناء على أنه نقل للملك، وحاصله: أنه اختلف في الإبراء، فقيل إنه نقل للملك فيكون من قبيل الهبة، وهو الراجح،
-
وقيل إنه إسقاط للحق، فعلى الأول يحتاج لقبول دون الثاني) (٢) .
-
قال عبد الرحمن بن قاسم: (وتنعقد الهبة بالإيجاب والقبول، بأن يقول: وهبتك، أو أهديتك، أو أعطيتك، فيقول: قبلت، أو رضيت، ونحوه) (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أم سلمة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: (إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك،
-
ولا أرى النجاشي إلا قد مات،
-
ولا أرى هديتي إلا مردودة علي،
-
فإن ردت علي فهي لك. وكان كما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) (٤)
-
• وجه الاستدلال: فيه دليل على اعتبار القبول، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما قبض الهدية التي بعث بها إلى النجاشي بعد رجوعها دل ذلك على أن الهدية لا تملك بمجرد الإهداء، بل لا بد من القبول،
-
ولو كانت تملك بمجرد ذلك لما قبضها -صلى اللَّه عليه وسلم-، لأنها قد صارت ملكًا للنجاشي لما بعثها إليه (٥) .
-
الثاني: القياس على البيع والنكاح، لأنه تمليك آدمي لآدمي، فافتقر إلى الإيجاب والقبول، كالبيع والنكاح (٦) .
-
الثالث: لأن السبب الناقل للملك هو صيغة الإيجاب والقبول (٧) .
-
8/2938/293
النتيجة: صحة الإجماع في أن عدم قبول الهبة رجوع بها إلى صاحبها.
-
يجوز هبة كل المال]
-
• المراد بالمسألة: يجوز للمرء أن يهب جميع ماله في حياته ما دام في حال الصحة،
-
بخلاف حال الموت فإنه راجع للثلث.
-
• من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وعمدة الجمهور (١) أن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب دون أولاده،
-
فإن كان ذلك للأجنبي فهو للولد أحرى] (٢) .
-
ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: [الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
قال السرخسي: (فإن قال: جميع ما أملك صدقة في المساكين، فعليه أن يتصدق بجميع ما يملك) (٦) . قال الموصلي:
-
(ولو نذر أن يتصدق بملكه فهو على الجميع) (٧) .
-
قال القرافي: (جوّز مالك الصدقة بماله كله. . . وكره مالك والأئمة هبة ماله كله لأجل بنيه) (٨) .
-
8/2948/294
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما جاء عن: عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قال: (أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نتصدق فوافق مالًا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (ما أبقيت لأهلك؟
-
) قلت: أبقيت لهم مثله، فأتى أبو بكر -رضي اللَّه عنه- بكل ما عنده فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (ما أبقيت لأهلك؟ ) فقال: اللَّه ورسوله، فقلت لا أسابقك إلى شيء أبدًا) (١) .
-
• وجه الاستدلال: فيه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل من أبي بكر أن يتصدق بماله كله، فدل على الجواز، والهبة في معنى الصدقة، لأنها من التبرعات.
-
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في المسألة عن: عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- (٢) ، وعروة بن الزبير (٣) ، والزهري (٤) ، وابن حزم من الظاهرية (٥) . فذهبوا إلى عدم جواز هبة كل المال.
-
• دليلهم:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) (٦) .
-
• وجه الاستدلال: أنه إذا كان أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، فلا
-
8/2958/295
شك أن ما زاد في الصدقة ونقص في الخير فلا أجر فيه،
-
ولا فضل فيه، وأنه باطل ومحرم.
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه أن رجلًا أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثل البيضة من الذهب، فقال: يا رسول اللَّه هذه صدقة ما تركت لي مالًا غيرها، فحذفه بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلو أصابه لأوجعه،
-
ثم قال: (ينطلق أحدكم فينخلع من ماله،
-
ثم يصير عيالًا على الناس) (١) .
-
• وجه الاستدلال: أن في رد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صدقة الرجل دليل على حرمة التصدق بجميع المال (٢) .
-
الثالث: عن كعب بن مالك -رضي اللَّه عنه- قال: قلت يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى اللَّه وإلى رسوله. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (أمسك بعض مالك فهو خير لك) قال: فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر) (٣) .
-
• وجه الاستدلال: أن عدم إذن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لجابر بالتصدق بجميع ماله دليل على التحريم.
-
الرابع: أن كل عقد جمع حلالًا وحرامًا فهو عقد مفسوخ كله (٤) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في جواز هبة كل المال وذلك للخلاف المذكور.
-
لا تصح هبة المشاع فيما ينقسم]
-
• المراد بالمسألة: أن المشاع من الأموال إذا كان مما ينقسم فلا تجوز هبته، كالدور، والأراضين، والمذروعات، والموزونات، والمكيلات، وأما
-
8/2968/296
إذا كان مما لا يحتمل القسمة فإنه يجوز هبته، كالرأس الواحد من الحيوان، والسيف، واللؤلوة، والثوب، ونحو ذلك.
-
• من نقل الإجماع: السمرقندي (٥٣٩ هـ) قال:
-
[ولو قال وهبت لك نصفها ولهذا نصفها: لم يجز بالإجماع، لأن العقد وقع في المشاع في كل نصف] (١) .
-
الكاساني (٥٨٧ هـ) قال:
-
[فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم. . ولنا إجماع الصحابة] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع:
-
قال السرخسي: (وإذا وهب الرجل للرجل نصيبًا مسمى من دار غير مقسومة، وسلمه إليه مشاعًا، أو سلم إليه جميع الدار لم يجز) (٣) .
-
قال العمراني: (وإن كانت مما ينقسم كالدار والأرض والطعام لم يصح هبة جزء منها مشاع من الشريك ولا من غيره) (٤) .
-
قال الموصلي: (وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة، وفيما يقسم لا تجوز) (٥) .
-
قال القرافي: (هبة المشاع جائزة فيما تتعذر قسمته كالجوهر والحيوان وممتنعة فيما يمكن قسمته) (٦) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: ما رُوي من قصة أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- في حديث هبته لعائشة -رضي اللَّه عنها- حيث قال لها عند موته: (. . وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا من مالي
-
8/2978/297
بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه، وإنما هو مال الورثة. .) (١) .
-
• وجه الاستدلال: قالوا هذا دليل على منع هبة المشاع.
-
الثاني: قالوا بأن المشاع الذي ينقسم لا يمكن قبضه.
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) .
-
فذهبوا إلى جواز هبة المشاع فيما ينقسم. واحتجوا بما يلي:
-
الأول: عن قيس بن أبي حازم -رضي اللَّه عنه- قال: أتى رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بكبة شعر من الغنيمة، فقال: يا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هبها لي، فإنا أهل بيت نعالج الشعر، فقال: (نصيبي منها لك) (٥) .
-
• وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهبه شيئا مما ينقسم، لأن حصته مشاعة غير مقسومة، ولم يكن ليملكه منها إلا ما يجوز له أن يملكه، فدل على الجواز.
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه-: (أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اشترى من رجل بعيرًا فلما أن وزن له رجح له) (٦) .
-
• وجه الاستدلال: أن الرجحان غير مفروز من الثمن الذي وزن له، فدل على أن هذه هبة مشاع لم ينقسم (٧) .
-
8/2988/298
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أنه لا تصح هبة المشاع فيما ينقسم، وما حكاه الكاساني من الإجماع إنما هو إجماع مذهبي.
-
هبة المشاع الذي لا ينقسم تامة]
-
• المراد بالمسألة: أن المشاع من الأموال إذا كان مما لا ينقسم تجوز هبته، كالرأس الواحد من الحيوان، والسيف، واللؤلوة، والثوب، ونحو ذلك، فالهبة تامة.
-
• من نقل الإجماع: السمرقندي (٥٣٩ هـ) قال:
-
[ولو وهب عبدًا من رجلين، أو شيئًا مما لا يقسم: جاز بالإجماع] (١) .
-
الزيلعي (٧٤٢ هـ) قال: [واجمعوا على أن هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة كالعبد والدابة تامة] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: المالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
قال العمراني: (كل عين صحت هبتها، صحّ هبة جزء منها مشاع) (٦) .
-
قال الكاساني: (فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم وتجوز فيما لا يقسم كالعبد والحمام والدن ونحوها) (٧) .
-
قال ابن قدامة: (وتصح هبة المشاع) (٨) قال الموصلي: (وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة) (٩) .
-
قال القرافي: (هبة المشاع جائزة فيما تتعذر قسمته كالجوهر
-
8/2998/299
والحيوان) (١) .
-
قال البهوتي: (وتصح هبة المشاع من شريكه ومن غيره منقولًا كان كجزء من نحو فرس أو غيره كجزء من عقار ينقسم كالثوب أو لا كالعبد) (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: (اشترى من رجل بعيرًا فلما أن وزن له رجح له) (٣) .
-
• وجه الاستدلال: أن الرجحان غير مفروز من الثمن الذي وزن له، فدل على أن هذه هبة مشاع لم ينقسم (٤) .
-
الثاني: عن المسور بن مخرمة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: أما بعد فإن إخوانكم هولاء جاؤنا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم،
-
فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل. . . فقال الناس: طيبنا يا رسول اللَّه لهم) (٥) .
-
• وجه الاستدلال: فيه أن النبي وهب هو وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم وهو غير مقسوم (٦) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن هبة المشاع الذي لا ينقسم تامة.
-
لا يجوز هبة جزء من إنسان أو حيوان]
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن هبة فروج النساء، أو عضوًا من عبد أو أمة، أو عضوًا من حيوان، لا يجوز ذلك،
-
8/3008/300
وكذلك الصدقة به والعطية والهدية] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
قال الكاساني: (. . . ومنها أن يكون مالًا متقومًا فلا تجوز هبة ما ليس بمال أصلًا كالحر والميتة والدم وصيد الحرم. . . وغير ذلك. . .
-
ولا هبة ما ليس بمال مطلق كأم الولد والمدبر المطلق. . .) (٦) .
-
قال النووي: (فما جاز بيعه جازت هبته وما لا فلا هذا هو الغالب) (٧) .
-
قال القرافي: (الموهوب ففي الجواهر: هو كل مملوك يقبل النقل مباح في الشرع، كان معلومًا أو مجهولًا) (٨) .
-
قال البهوتي: (وتصح هبة مصحف. . .، وهبة كل ما يصح بيعه فقط، لأنها تمليك في الحياة فصحت فيما صحّ فيه البيع، وما لا يصح بيعه لا تصح هبنه على المذهب) (٩) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قول اللَّه سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
-
8/3018/301
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) } .
-
• وجه الاستدلال: أن البُضع جزء من الإنسان، أمر اللَّه سبحانه وتعالى بالمحافظة عليه، وحرم بذله في غير طريقه الصحيح، فهبتة بذل له في طريق محرم.
-
الثاني: الإجماع أن وطء الفروج لا يحل إلا بملك تام، أو نكاح صحيح، وهذا ليس من النكاح،
-
ولا هو من ملك اليمين (١) .
-
الثالث: أن غير المقدور عليه كما لا يجوز بيعه لا يجوز هبته، فالجزء غير مقدور على تسليمه (٢) .