Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

الباب الأول: مسائل الإجماع في باب المياه

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 363 to 1084

  1. 1/1011/101

    • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سمى الأرض طهورًا، والمقصود التراب، في إشارة للتيمم، فالطهور إذا خالط طهورًا لا يغير من حكمه شيئًا، واللَّه تعالى أعلم.

  2. • الخلاف في المسألة: حُكي عن إمام الحرمين الجويني، أنه قال بأن التراب غير مطهر، وإنما علقت به إباحة بسبب الضرورة.

  3. وقد أنكر عليه ذلك النووي وأبطله (٧) .

  4. وهذا خلاف شاذ، لم أقف على من وافقه، ولا عبرة به.

  5. 1/1021/102

    النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة،

  6. وأما خلاف إمام الحرمين فخلاف شاذ منه رحمه اللَّه،

  7. ولا ينقض الإجماع، واللَّه تعالى أعلم.

  8. طهارة الماء المتغير بمجاورة دون مماسة]

  9. إذا كان شيء نجس قريبًا من الماء، مجاورًا له، ولكنه خارجه،

  10. ولا يمسه، فإنه لا يؤثر على طهارة الماء.

  11. • من نقل نفي الخلاف: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام الماتن: "وقوله: (كما لو تغير بجيفة بقربه) يعني: جيفة ملقاة خارج الماء قريبة منه، وفي هذه الصورة لا تضر الجيفة قطعًا، بل الماء طهور بلا خلاف" (١) .

  12. ونقله عنه ابن قاسم (٢) .

  13. ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث يقول عن حالات التغير للماء: "أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه، بغير خلاف نعلمه؛ لأنه تغير بمجاورة" (٣) ،

  14. ثم قال بعد ذكر الحالات كلها: "فهذا كله طاهر مطهر يرفع الأحداث" (٤) . ونقله عنه البهوتي (٥) .

  15. الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول عن الماء: "إذا تغير بمجاورة شيء له، فإن تغيره بالمجاورة لا يسلبه الطهورية، وسواء كان المجاور منفصلًا عن الماء، أو ملاصقًا له، فالأول؛ كما لو كان إلى جانب الماء جيفة، أو عذرة، أو غيرهما، فنقلت الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغير، ولا خلاف في هذا" (٦) .

  16. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧) .

  17. • مستند نفي الخلاف:

  18. ١ - أن الماء في هذه الحالة لم يحصل له تغير، بحيث اختلطت به النجاسة فغيرته، فهو باق على أصله الطاهر، واللَّه تعالى أعلم.

  19. ٢ - أن الماء هنا يصح أن يطلق عليه بأنه من الماء المطلق، وهو ما يكفي في كونه طهورًا، واللَّه تعالى أعلم.

  20. النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

  21. 1/1031/103

    طهارة ما تغير بمجاورة دون مخالطة]

  22. إذا تغير الماء بمجاورة طاهر من غير مخالطة، ولم تخرج به عن كونه ماء مطلقًا، فإنه يجوز الوضوء به، وهو ماء طهور.

  23. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "الضرب الثالث من المضاف: ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: . .، الرابع: ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة، كالدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة، كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يهلك في الماء، ولم يمع فيه، لا يخرج به عن إطلاقه، . .، ولا نعلم في هذه الأنواع خلافًا" (١) .

  24. • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٢) ، والمالكية في قول (٣) ، والشافعية في قول (٤) .

  25. • مستند نفي الخلاف:

  26. ١ - أن هذا التغير الطارئ على الماء، لا يخرجه عن كونه ماء مطلقا؛ فيجوز التطهر به؛ لأنه ماء مطلق (٥) .

  27. ٢ - أن هذا الماء تغير بالمجاورة، وهي أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه دون مخالطة، وهي متفق على أنها لا تؤثر على الماء (٦) .

  28. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (٧) ، والشافعية في قول (٨) ، والحنابلة في وجه (٩) ، فقالوا بأنه لا يتطهر بهذا الماء.

  29. ولم أجد لهم دليلًا إلا التعليل بالتغير، فما دام أنه تغير؛ فقد خرج عن أوصاف الماء المطلق، فلا يكون طهورًا.

  30. النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، ويظهر مما سبق شهرة الخلاف وكثرته، واللَّه تعالى أعلم.

  31. 1/1041/104

    ماء البحر طهور]

  32. إذا أراد المسلم أن يتوضأ،

  33. فإن ماء البحر له طهور، وعليه حُكي إجماع العلماء.

  34. • من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "أرأيت رجلًا بال في البحر، أينجس بوله ماء البحر؟ فإن قال: لا، قيل: ماء البحر ماء دائم، وقيل له: أفتنجس المصانع الكبار؟ فإن قال: لا، قيل: فهي ماء دائم، وإن قال: نعم، دخله عليه ماء البحر، فإن قال: وماء البحر ينجس؛ فقد خالف قول العامة مع خلافه السنة" (١) .

  35. ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء، أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء جائز به، إلا ما روي عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك، ولا عرض عليه ولا التفت إليه" (٢) .

  36. وقال: "فإن فقهاء الأمصار وجماعة من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور، . . وهذا إجماع من علماء الأمصار الذين تدور عليهم وعلى أتباعهم الفتوى" (٣) .

  37. الباجي (٤٧٤ هـ) حيث يقول:

  38. "ولا خلاف في جواز التطهير بماء البحر، إلا ما يروى عن عبد اللَّه بن عمر" (٤) .

  39. ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًا" (٥) ، وهذا يعني أنه يرى أن خلافهم غير معتبر، حيث حكم عليه بالشذوذ.

  40. ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما؛ فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم" (٦) .

  41. 1/1051/105

    ويقول: "قد دلت هذه المسألة على أحكام، منها: إباحة الطهارة بكل ماء موصوف بهذه الصفة التي ذكرها، على أي صفة كان من أصل الخلقة، من الحرارة والبرودة، والعذوبة والملوحة، نزل من السماء، أو نبع من الأرض، في بحر أو نهر أو بئر أو غدير أو غير ذلك. . . وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا أنه حكي عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، أنهما قالا في البحر: التيمم أعجب إلينا منه، هو نار، وحكاه الماوردي (١) عن سعيد بن المسيب" (٢) .

  42. ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "والبحر لا ينجسه شيء بالنص والإجماع" (٣) . ونقله عنه ابن قاسم (٤) .

  43. الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول:

  44. "وكذا ما قيد بإضافة لمحله كماء البحر، ولا خلاف في جواز التطهير به، وإن كان قد حكى عن ابن عمر كراهة الوضوء به؛ فقد انعقد الإجماع على خلافه" (٥) .

  45. الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "ودخل في تعريف المؤلف للمطلق - أي الماء المطلق - ما إضافته بيانية كماء المطر. . .، والبحر، فقد انعقد الإجماع على جواز التطهير به" (٦) .

  46. الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول عن أقوال الصحابة المخالفة:

  47. "ولا حجة في أقوال الصحابة، لا سيما إذا عارضت المرفوع والإجماع" (٧) .

  48. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو بكر، وعمر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم- (٨) ، والحنفية (٩) .

  49. • مستند الإجماع:

  50. ١ - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} .

  51. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى شرط جواز التيمم بعدم الماء، والماء مطلق هنا، فما يطلق عليه ماء؛ يجوز التطهر به سواء كان عذبًا أو مالحًا،

  52. ومن خصص فعليه بالدليل،

  53. 1/1061/106

    ولا دليل مخصص، فبقي الحكم على الأصل المبيح، واللَّه تعالى أعلم.

  54. ٢ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١) .

  55. • وجه الدلالة: حيث نص النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على طهورية ماء البحر،

  56. ولا عبرة بالاجتهاد بمقابل النص (٢) .

  57. • الخلاف في المسألة: روي الخلاف في هذه المسألة عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة -رضي اللَّه عنهم-، وأبي العالية (٣) ، وابن المسيب (٤) ، ونسب الترمذي مسألة الباب إلى أكثر الفقهاء،

  58. ثم نقل القول المخالف ونسبه لبعض الصحابة (٥) .

  59. وقد أشار ابن حزم لوجود خلاف في هذه المسألة (٦) .

  60. واستدلوا بقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} ، فمنعه من التسوية بينهما يمنع من تساوي الحكم في الطهارة بهما (٧) .

  61. وبعد طول بحث في هذه المسألة، لم أجد من قال بهذا القول غير هؤلاء الخمسة،

  62. 1/1071/107

    بل صرح ابن عبد البر بأنه لم يتابعهم أحد من علماء الأمصار (١) ، مما يعني أن قولهم اندرس بعد ذلك، واللَّه تعالى أعلم.

  63. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في الصدر الأول بلا إشكال، ولكن هناك من قال بتحققه بعد ذلك كما سبق.

  64. وبهذا يكون قد تحقق الإجماع بعد الخلاف، وقد اختلف الأصوليون على قولين في هذه المسألة،

  65. والصحيح أنه إجماع ظني معتبر، تحرم مخالفته ويجب العمل به على من أخذ بهذا القول (٢) ، واللَّه تعالى أعلم.

  66. ماء السماء طهور]

  67. الماء الذي ينعم اللَّه تعالى به على الناس فينزله من السماء، لا شك أنه طهور، يُتطهر وينتفع به، وقد حُكي الإجماع على ذلك.

  68. • من نقل الإجماع: ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على جواز الطهارة بماء السماء" (٣) .

  69. الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "ودخل في تعريف المؤلف للمطلق - أي الماء المطلق - ما إضافته بيانية كماء المطر، . .، والبحر، فقد انعقد الإجماع على جواز التطهير به" (٤) .

  70. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) .

  71. • مستند الإجماع:

  72. ١ - قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} .

  73. ٢ - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} .

  74. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى علل إنزال الماء من السماء للتطهير، وفي الآية

  75. 1/1081/108

    الأخرى وصف الماء الذي ينزله من السماء بأنه طهور، مما يدل على طهارة ماء السماء، واللَّه تعالى أعلم.

  76. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.

  77. جواز استعمال الماء الجاري في الطهارة]

  78. الماء الجاري هو ما يقابل الدائم والراكد،

  79. فإن استعماله في الوضوء جائز، وقد قيد ابن حزم المسألة بما لم تظهر في نجاسة، وهو قيد مهم.

  80. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول:

  81. "فأما الجاري؛ فاتفقوا على جواز استعماله، ما لم تظهر فيه نجاسة" (١) .

  82. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية في قول (٤) ، والحنابلة في قول (٥) .

  83. • مستند الاتفاق:

  84. ١ - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} .

  85. ٢ - حديث أبي سعيد -رضي اللَّه عنه-، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (٦) .

  86. • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء أنه طهور ما لم يتغير، هذا ما يدل عليه النصان السابقان، والماء الجاري غير المتغير ينطبق عليه هذا الاستدلال، واللَّه تعالى أعلم.

  87. ٣ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (٧) .

  88. • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فرق بين الماء الدائم والجاري، فمنع من البول في الماء الدائم لمن أراد الاغتسال، فدل بمفهوم الصفة على أن الجاري لا يتأثر (٨) .

  89. 1/1091/109

    • الخلاف في المسألة: نقد ابن تيمية هذا الاتفاق؛ بأن الشافعي في الجديد (١) ، وأحمد في قول له (٢) قالا: بأن الجاري كالراكد، في اعتبار القلتين؛ فينجس ما دون القلتين من الماء الجاري بوقوع النجاسة فيه،

  90. وإن لم يتغير (٣) .

  91. واستدلوا بمفهوم حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (٤) ، فإنه لم يفصل فيه بين الماء الجاري والراكد؛ فدل على أن حكمهما سواء ما لم يكن قلتين (٥) .

  92. النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق، فيما إذا كان الماء الجاري أقل من قلتين،

  93. وأما ما زاد على ذلك؛ فلم أجد فيه خلافًا، والاتفاق فيه متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

  94. الطهارة بغير الماء المطلق غير جائزة]

  95. إذا توضأ الإنسان من غير الماء المطلق، بأن توضأ بشيء يطلق عليه ماء بالإضافة، كماء الورد أو ماء الشجر أو ماء العصفر،

  96. فإن هذا الوضوء غير جائز.

  97. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الوضوء لا يجوز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق، يقع عليه اسم الماء" (٦) . ونقله عنه ابن قدامة (٧) ، والنووي (٨) ، وابن قاسم (٩) .

  98. ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (١٠) .

  99. الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات،

  100. 1/1101/110

    أما في طهارة الحدث فبالإجماع، . .، " (١) . نقله النووي، وتعقبه بقول ابن أبي ليلى (٢) ، وابن قاسم (٣) .

  101. الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:

  102. "ولو توضأ بالماء المقيد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لأن التوضؤ به غير جائز، فلم يوجد إزالة الحدث ولا إقامة القربة " (٤) . حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا.

  103. ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ومنها: أن المضاف لا تحصل به الطهارة، وهو على ثلاثة أضرب؛ أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة، وهو على ثلاثة أنواع؛ أحدها: ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة ".

  104. . .، ثم قال: " فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها، ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافًا، إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة، أنها طهور يرتفع بها الحدث، ويزال بها النجس، ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلاء المغلي، وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم " (٥) .

  105. الزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: "اعلم أن الاتفاق على أن الماء المطلق تزال به الأحداث؛ أعني ما يطلق عليه ماء، والمقيد لا يزيل؛ لأن الحكم منقول إلى التيمم عند فقد المطلق في النص " (٦) . ونقل عبارته ابن الهمام (٨٦١ هـ) بنصها دون إشارة (٧) .

  106. العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول:

  107. "ولو توضأ بماء الورد، لا يصير مستعملًا إجماعًا " (٨) . حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا.

  108. ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وقد علمت أن العلماء اتفقوا على جواز الوضوء بالماء المطلق، وعلى عدم جوازه بالماء المقيد" (٩) .

  109. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (١٠) .

  110. • مستند الإجماع: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .

  111. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الوضوء بالماء، و (ماء) هنا مطلقه، فمن لم

  112. 1/1111/111

    يجد الماء المطلق فيصير للتيمم، ولم يقل: إنه يلجأ إلى غير الماء المطلق، فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره (١) ، واللَّه تعالى أعلم.

  113. • الخلاف في المسألة: نُقل الخلاف في هذه المسألة كما سبق عن ابن أبي ليلى، والأصم، وقد عقَّب الإمام النووي على نقل الغزالي للإجماع؛ بأنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى إن صح عنه (٢) ، وعلى قول الأصم؛ بأنه لا يعتد بخلافه (٣) .

  114. ونقد ابن تيمية نقل ابن حزم للإجماع في هذه المسألة؛ بحكاية قول ابن أبي ليلى والأصم (٤) . ونقل المرداوي في "الإنصاف" قولًا عن ابن تيمية في هذه المسألة، وأنقله بنصه، حيث قال: "الطريق الثالث: أنه ينقسم -أي الماء- إلى قسمين: طاهر طهور، ونجس.

  115. وهي طريقة الشيخ تقي الدين،

  116. فإن عنده أن كل ماء طاهر تحصل الطهارة به، وسواء كان مطلقًا أو مقيدًا، كماء الورد ونحوه. نقله في "الفروع " عنه في باب الحيض" (٥) .

  117. وبعد مراجعة كلام ابن مفلح في الفروع، وجدت كلامه غير دال على ذلك، وهذا هو نص كلامه: "وعند شيخنا -يعني ابن تيمية- ما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بعده؛ فلهذا عنده الماء قسمان: طاهر طهور، ونجس" (٦) ،

  118. ثم عاد إلى الحديث عن مسائل الحيض.

  119. وهذا ليس فيه تصريح بما ذكره المرداوي رحمه اللَّه.

  120. وبعد التأمل ومراجعة كلام ابن تيمية في المسألة، وجدت أنه قال بقول قريب من هذا في مسألة مشابهة، ولعله اشتبهت عليه المسألتان.

  121. فهو يقصد إذا اختلط بالماء شيء من المائعات كالدهن والكافور ونحو ذلك، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم تختلف عما نحن بصدده (٧) ، أو اختلط بشيء من الطاهرات كالزعفران والأشنان والحمص وغير ذلك (٨) .

  122. 1/1121/112

    فتلك اختلفوا فيها؛ لأنها قد يشملها اسم الماء المطلق على الخلاف بينهم، ولكن هذه لا يشملها،

  123. فلا يقول إنسان لماء ورد: هذا ماء، ويسكت،

  124. وكذا ما شابهه، واللَّه أعلم (١) .

  125. ولكن بعد مزيد من البحث وجدت أن البعلي في "الإختيارات" ، قد نقل هذا القول عنه، فقال: "وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى، والأوزاعي، والأصم، وابن شعبان" (٢) .

  126. هذا ما نقله عنه، ولم أجد من يؤكد هذا الزعم. ونقل الإمام ابن القيم دعوى هذا الإجماع، ونقده بأنه ليس فيه إجماع، ونقل قول الحسن بن صالح بن حي، وحميد بن عبد الرحمن في الخل، حيث قالوا: يجوز الوضوء بالخل (٣) .

  127. وهناك مسألة أخرى، ولكنها قد تعتبر من نواقض هذا الإجماع المحكي، وهي: ما لو سال الماء من الثمر أو الشجر بدون عصر، فقد صرح بجواز الوضوء به صاحب "الهداية" المرغيناني الحنفي، وقد تفرد بذلك (٤) .

  128. وخالف ابن حزم رحمه اللَّه في الماء الذي طُبخ فيه، كالفول والحمص والترمس واللوبيا ما دام يقع عليه اسم الماء، فيجوز الوضوء به (٥) .

  129. وخالف الحنفية أيضًا، في ماء الزعفران والصابون والأشنان، ولكن بشرط عدم سلب اسم الماء عنه (٦) .

  130. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ حيث نقل الخلاف عن ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وما نقل عن ابن تيمية،

  131. وكذلك قول ابن حزم، والمرغيناني، وكل ما سبق يبين وجود الخلاف في المسألة بما لا يدع مجالًا للشك، واللَّه تعالى أعلم.

  132. الطهارة بالمائعات سوى الماء غير جائزة]

  133. إذا أراد المسلم الوضوء، ووجد مائعًا من المائعات، فإنه لا يجوز له الوضوء به،

  134. 1/1131/113

    وعليه حُكي الإجماع.

  135. وقد تشتبه هذه المسألة بالمسألة السابقة (الوضوء بغير الماء المطلق غير جائزة) ، والفرق هو: أن تلك المسألة يطلق على المائع فيها اسم الماء، ولكن بالإضافة، فيقال: ماء الورد، وماء الزعفران.

  136. أما هذه المسألة، فالمقصود المائعات التي لا يطلق عليها اسم الماء مطلقًا، إلا من حيث السيولة فقط، مثل القهوة والنبيذ واللبن. .، سواء كانت ماء تغير بمخالطة طاهر، أو طبخ فيه طاهر (١) .

  137. ويستثنى من هذه المسألة النبيذ، حيث وقع فيه خلاف مشهور، أما غيره من المائعات فداخل في هذه المسألة.

  138. ويؤكد هذا التقسيم أن ابن المنذر فصل هاتين المسألتين،

  139. وكذلك فقول ابن أبي ليلى السابق هو في المعتصر فقط كماء الشجر والورد ونحوهما (٢) .

  140. وقد جعلهما بعض العلماء واحدة (٣) ، ورأيت أن أفصل بينهما؛ نظرًا لاختلافهما، واللَّه تعالى أعلم.

  141. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا يجوز الاغتسال، ولا الوضوء بشيء من الأشربة سوى النبيذ" (٤) . ونقل القرطبي نحو هذه العبارة، دون أن يشير أنها لابن المنذر (٥) .

  142. ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (٦) .

  143. الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:

  144. "وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة، فلا خلاف في أنه لا تحصل بها الطهارة الحكمية، وهي زوال الحدث" (٧) .

  145. 1/1141/114

    ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول "فصل: فأما غير النبيذ من المائعات غير الماء؛ كالخل، والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم -فيما نعلم- أنه لا يجوز بها وضوء ولا غسل" (١) . ونقله عنه ابن قاسم (٢) .

  146. ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث يقول عن الطاهر: "وهو قسمان: أحدهما غير مطهر بالإجماع، وهو ما خالطه طاهر يمكن أن يصان الماء عنه، . .، والأول ثلاثة أنواع: ما خالطه طاهر فغير اسمه، بأن صار صبغًا أو خلًّا؛ لأنه أزال عنه اسم الماء، أو غلب على أجزائه فصيره حبرًا، . .، أو طبخ فيه فغيره حتى صار مرقًا كماء الباقلاء" (٣) .

  147. ونقله عنه ابن قاسم (٤) .

  148. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، والحسن، فيما حكي عنهما في اللبن (٥) ، والشافعية (٦) .

  149. • مستند الإجماع:

  150. ١ - قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} .

  151. ٢ - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} .

  152. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أثبت الطهورية للماء المطلق، وهذه المائعات لا يقع عليها اسم الماء المطلق؛

  153. فلا يجوز الوضوء بها؛ لأنها ليست ماء (٧) ، واللَّه أعلم.

  154. • الخلاف في المسألة: سبق النقل عن الإمام ابن القيم حيث نقد دعوى الإجماع في المسألة الماضية، وقال: ليس فيه إجماع، ونقل عن الحسن بن صالح بن حي وحميد ابن عبد الرحمن أنهما يقولان بجواز الوضوء بالخل (٨) ، وهذا نقض لدعوى الإجماع في المسألتين؛

  155. حيث إن الخل لا يقال فيه ماء، فما يطلق عليه ماء بالإضافة يدخل من باب أولى حيث لا يطلق عليه ماء أصلًا. ونقل البعلي في "اختيارات ابن تيمية" (٩) عنه القول بأن المائعات كلها حكمها حكم الماء، قلت أو كثرت، وهو رواية عن

  156. 1/1151/115

    أحمد (١) ، ومذهب الزهري، والبخاري (٢) ، وحكي رواية عن مالك (٣) .

  157. ووجدت كلامًا له نحوه (٤) ، غير أنه ليس فيه توضيح، هل هو يقصد أن حكمها كالماء في الوضوء والغسل، أو أنه يقصد في التنجس والطهارة؟

  158. حيث أخذ يتحدث عن مسألة الدهن الجامد والمائع، وتنجسه من سقوط فأر وعدمه، فالكلام غير واضح، واللَّه تعالى أعلم.

  159. وعلى كل حال فالمسألة حكي فيها الخلاف، فليست محل إجماع.

  160. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف المحكي في المسألة، سواء ثبت خلاف ابن تيمية أو لا، وذلك لخلاف الحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وسبق شبهه عن ابن أبي ليلى في المعتصر، والخلاف في المطبوخ، حيث إن الخلاف هناك يجري هنا لقيام نفس العلة، فالكل ليس ماء مطلقًا، والكل من المائعات، واللَّه تعالى أعلم.

  161. طهارة الماء الملاقي لمحل طاهر]

  162. الماء الطاهر إذا لاقى محلًّا طاهرًا ليس بنجس فإن الماء يبقى على طهوريته، هذا ما تبينه هذه المسألة.

  163. والمقصود هنا هو: أن الماء الطاهر إذا لاقى محلًّا جامدًا طاهرًا، كالإناء والكأس والصخرة والتراب ونحو ذلك.

  164. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "والماء الطاهر إذا لاقى محلًا طاهرًا؛ لم ينجس بالإجماع" (٥) . ونقل ابن قاسم هذه العبارة دون إشارة (٦) .

  165. العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "الماء المستعمل ثلاثة أنواع: نوع طاهر بالإجماع كالمستعمل في غسل الأعيان الطاهرة. . . " (٧) .

  166. 1/1161/116

    • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (١) ، والشافعية (٢) .

  167. • مستند الإجماع: هذه المسألة من البدهيات التي تدرك بالعقل، فالماء لا يقدَّم أصلًا إلا في إناء طاهر،

  168. ولا يشرب إلا في كأس ونحو ذلك.

  169. ولو قلنا بتنجسه أو عدم طهارته لهذا السبب؛ لأصبح مناقضًا للعقل، وجالبًا لمشقة كبيرة.

  170. ويمكن أن يستدل أيضًا بالآية الكريمة: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .

  171. • وجه الدلالة: أن المشروع بنص الآية عدم العدول عن الماء في الوضوء، إلا بعدم وجوده، والماء الملاقي لمحل طاهرٍ هو طاهر في الأصل، ولاقى محلًّا طاهرًا، ولم يغيِّر فيه شيئًا، ولم يستخدم في رفع حدث،

  172. ولا إقامة قربة؛ فتنطبق عليه شروط الماء الطهور؛ فكان طهورًا.

  173. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.

  174. طهورية الماء المستعمَل من طاهرٍ لغير قُربة:

  175. الماء الطاهر إذا استعمله إنسان في غير رفع الحدث وإقامة القربة،

  176. فإن هذا الاستعمال لا يغير من حكم الماء في شيء.

  177. وهنا قيد مهم، وهو: أن يكون هذا المستعمِلُ للماء طاهرًا غير محدث، وإلا أصبح الكلام عن المسألة الخلافية المعروفة، وهي حكم الماء المستعمل في الوضوء أو الغسل (٣) .

  178. وهناك قيد آخر، وهو أن يكون الماء قليلًا،

  179. فأما ما زاد عن ذلك، فغير داخل؛ حيث إنه لا ينجس (٤) .

  180. وعبارة (لغير قربة) في عنوان المسألة؛ لكي تُخْرج أمرين:

  181. ١ - الاستعمال لإزالة الحدث.

  182. ٢ - الاستعمال لإقامة قربة، حتى ولو لم يكن وضوءًا كاملًا، كمن غسل يديه بعد الاستيقاظ بنية القربة.

  183. 1/1171/117

    • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:

  184. "ولو توضأ أو اغتسل للتبرد؛ فإن كان محدثًا؛ صار الماء مستعملًا، عند أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر والشافعي؛ لوجود إزالة الحدث، وعن محمد لا يصير مستعملًا؛ لعدم إقامة القربة، وإن لم يكن محدثًا؛ لا يصير مستعملًا بالاتفاق، على اختلاف الأصول" (١) .

  185. ويقول أيضًا: "فإن كان طاهرًا وانغمس لطلب الدلو أو للتبرد؛ لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة" (٢) .

  186. ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول:

  187. "ولا تختلف الرواية أن ما استُعمل في التبرد والتنظيف، أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافًا" (٣) . ونقله عنه ابن قاسم (٤) .

  188. أبو بكر الحدادي الحنفي (٨٠٠ هـ) حيث يقول:

  189. "وإذا توضأ الطاهر، ولم ينوها؛ لا يصير مستعملًا إجماعًا" (٥) .

  190. العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول:

  191. "ولو توضأ متوضئ للتبرد؛ لا يصير الماء مستعملًا بالإجماع" (٦) . ونقل ابن نجيم هذه العبارة دون إشارة (٧) .

  192. ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول -في سياق كلام له-: "لأن الطاهر -أي الرجل- إذا انغمس لطلب الدلو، ولم يكن على أعضائه نجاسة، لا يصير الماء مستعملًا اتفاقًا؛ لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة" (٨) .

  193. الرحيباني (١٢٤٣ هـ) حيث يقول: "وكاستعمال الماء في تبرد وتنظف، فلا يصير الماء مستعملًا في ذلك، ولا يكره استعماله بعد ذلك اتفاقًا" (٩) .

  194. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور

  195. 1/1181/118

    عندهم (١) ، والشافعية (٢) ، وابن حزم (٣) .

  196. • مستند الإجماع: حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (٤) .

  197. • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء الطهارة؛ إلا أن يتغير، وهذا الماء طاهر، ولم يستعمل في رفع حدث أو إقامة قربة، أشبه الماء الطاهر الذي غسل به ثوب طاهر (٥) .

  198. • الخلاف في المسألة: نقل الحطاب رحمه اللَّه قولًا لأصبغ؛ بأنه يترك هذا الماء ويتيمم،

  199. فإن صلى به؛ أعاد أبدًا، وقال: "وسواء عنده توضأ به الأول محدثًا أو مجددًا، أو غسل به ثوبًا طاهرًا" (٦) . ونقل السرخسي عن الطحاوي رحمه اللَّه، بأنه قال: إذا تبرد بالماء صار الماء مستعملًا.

  200. وعلق عليه بقوله: "وهذا غلط منه، إلا أن يكون تأويله؛ إن كان محدثًا فيزول الحدث باستعمال الماء، وإن كان قصده التبرد فحينئذ يصير مستعملًا" (٧) .

  201. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، أما ما نقل عن أصبغ، فلم أجد من قال بقوله، ولم يتابعه أحد من المالكية أو غيرهم، فهو شذوذ منه رحمه اللَّه، واللَّه تعالى أعلم.

  202. طهارة الندى الباقي على أعضاء المتطهر]

  203. الندى أو البلل الباقي على عضو المتطهر، حكمه أنه طاهر، وقد حكي الإجماع على ذلك.

  204. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قطر منه على ثيابهما طاهر؛ دليل على طهارة الماء المستعمل" (٨) . نقله عنه ابن حجر (٩) .

  205. ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول في معرض استدلاله لمن قال بطهورية الماء

  206. 1/1191/119

    المستعمل: "لأنه إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ به نجاسة؛ فهو ماء طاهر بإجماع" (١) .

  207. ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول:

  208. "فإن غسل البدن من الماء المستعمل لا يجب بالاتفاق" (٢) .

  209. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والحنابلة (٥) ، وابن حزم (٦) .

  210. • مستند الإجماع: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يغسلون أبدانهم بعدما يتوضؤون (٧) .

  211. • وجه الدلالة: حيث إذا كان يجب غسل الماء المستعمل من البدن؛ فلِمَ لم يفعله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أصحابه، ولم ينقل عنهم؛ فدل ذلك على عدم وجوبه؛ إذ الحاجة تدعو لنقله لو ثبت، واللَّه تعالى أعلم.

  212. النتيجة: أن الإجماع متحقق في طهارة الندى الباقي على العضو؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

  213. طهارة ما قطر من أعضاء المتطهر على الثياب]

  214. الندى أو البلل الباقي على عضو المتطهر، الذي يقطر من العضو على الثوب طاهر، لا يؤثر في طهارة الثوب.

  215. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقى على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قطر منه على ثيابهما طاهر؛ دليل على طهارة الماء المستعمل" (٨) . نقله عنه ابن حجر (٩) .

  216. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية في رواية (١٠) ،

  217. 1/1201/120

    والمالكية (١) ، والحنابلة على المشهور (٢) ، وابن حزم (٣) .

  218. • مستند الإجماع: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يغسلون ثيابهم عندما يصيبهم أثر من الوضوء (٤) .

  219. • وجه الدلالة: حيث إذا كان يجب غسل الماء المستعمل من الثوب؛ فلِمَ لم يفعله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-،

  220. ولا أصحابه، ولم ينقل عنهم؛ فدل ذلك على عدم تأثره؛ إذ الحاجة تدعو لنقله لو ثبت، واللَّه تعالى أعلم.

  221. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة أبو حنيفة في رواية أبي يوسف والحسن بن زياد (٥) ، والحنابلة في رواية (٦) ، فقالوا: بنجاسة ما يقطر من العضو على الثوب (٧) .

  222. وأصل هذا القول؛ عند الحديث عن الماء المستعمل، ما حكمه؟

  223. فهناك رواية لأبي حنيفة (٨) ، ورواية لأحمد (٩) بأنه نجس،

  224. ومن ثم يجب غسله من البدن. بل هناك رواية عن أبي حنيفة، بأن الماء المستعمل مغلَّظ النجاسة (١٠) ،

  225. فلا بد إذًا من غسلها، ما دامت مغلظة النجاسة.

  226. واستدلوا بقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة" (١١) .

  227. قالوا: والبول ينجس الماء، فكذا الاغتسال؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد نهى عنهما جميعًا، أي أنه يدل على المساواة بينهما (١٢) ، فالماء المستعمل في طهارة نجس.

  228. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.

  229. الانتفاع بالماء المستعمل في غير الطهارة]

  230. إذا كان لدى المسلم ماء مستعملًا في طهارة، وأراد أن يستعمله في شرب أو طبخ أو غيره، فإن ذلك جائز.

  231. 1/1211/121

    • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول:

  232. "فإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه الماء المستعمل -منع الطهارة به، ولهذا لم يجمعوه للشرب والطبخ والعجن والتبرد ونحوها، مع جوازها به بالاتفاق" (١) .

  233. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية على القول بطهارة الماء المستعمل، وعلى القول بنجاسته نجاسةً خفيفةً (٢) ، والمالكية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم (٥) .

  234. • مستند الاتفاق:

  235. ١ - قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} .

  236. • وجه الدلالة: حيث إن الآية تدل على أن الأصل في الماء الطهورية، وهذا الماء لم يتغير بحيث أصبح لا يسمى ماء، فيبقى على أصله فيكون طاهرًا،

  237. ويجوز استعماله، واللَّه تعالى أعلم.

  238. ٢ - أن الأصل في استعمال الماء الإباحة، وهذا الماء المستعمل يشمله هذا الحكم،

  239. ولا يخرج من هذا الأصل إلا بدليل،

  240. ولا دليل يخرجه من هذا الأصل، واللَّه تعالى أعلم.

  241. • الخلاف في المسألة: يقول الشوكاني رحمه اللَّه: "الإجماع على إضاعته وعدم الانتفاع به -أي الماء المستعمل-" (٦) .

  242. وهذا الكلام يصادم كلام النووي السابق تمامًا، ولكن -واللَّه أعلم- أن الشوكاني رحمه اللَّه لا يقصد مسألتنا، بل يقصد مسألة الماء المستعمل في الطهارة.

  243. ويظهر أيضًا أنه لا يقصد الإجماع الاصطلاحي، بل يقصد العادة، حيث جرت عادة الناس جميعهم على عدم الاستفادة من الماء الذي يسقط من اليد مثلًا بعد الوضوء،

  244. ولا يقصد الإجماع الاصطلاحي، إذ الخلاف في هذه المسألة مشهور.

  245. وحتى نتأكد من ذلك؛ فالشوكاني ساق هذا الكلام في معرض الاستدلال لأبي حنيفة ومن معه على نجاسة الماء المستعمل،

  246. ثم أجاب على أدلتهم، وأجاب عن هذا الاستدلال بقوله: "وعن الثاني -أي الدليل الثاني- بأن الإضاعة لإغناء غيره عنه، لا

  247. 1/1221/122

    لنجاسته " (١) ، وبهذا يتأكد ما قلناه، واللَّه تعالى أعلم.

  248. خالف أبو حنيفة في رواية الحسن (٢) ، فقال بعدم جواز الانتفاع بالماء المستعمل على كل حال.

  249. وذلك لأن الماء المستعمل نجس نجاسة غليظة، وهو لا يجوز استعماله لتنجيسه الطاهر (٣) .

  250. وقد قال الحنابلة بنجاسة المستعمل في رواية (٤) ، ونص عليه أحمد في ثوب المتطهر (٥) ، غير أنهم لم يذكروا تفصيلًا لهذه الرواية.

  251. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.

  252. عدم جواز الوضوء بالنبيذ المشتد]

  253. القول بجواز الوضوء بالنبيذ مشهور عن أبي حنيفة رحمه اللَّه، ولكن إذا اشتد النبيذ، فأصبح مسكرًا، فإنه يتفق مع الجماهير من العلماء، فيكون إجماعًا بعدم جواز الوضوء به.

  254. • من نقل الإجماع: ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول:

  255. "فإن كان النبيذ مطبوخًا مشتدًّا، فلا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الوضوء به، حتى جاز من أبي حنيفة " (٦) ، وهو يريد أن أبا حنيفة خرق الإجماع، ولكن الصورة التي ذكرها ابن العربي لم يخالف فيها أبو حنيفة، بدليل كلام البابرتي، والعيني الآتيان، وهما من كبار الحنفية.

  256. البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث يقول: "وما اشتد منها، وصار مرًّا؛ لا يجوز الوضوء به بالإجماع؛ لأنه صار مسكرًا حرامًا " (٧) .

  257. ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "ووجه احتجاج البخاري به (٨) في هذا الباب (٩) ،

  258. 1/1231/123

    أن المسكر لا يحل شربه، وما لا يحل شربه؛ لا يجوز الوضوء به اتفاقًا " (١) .

  259. العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول في "شرحه للهداية ": " وما اشتد منه صار حرامًا، لا يجوز التوضؤ به -أي لا يجوز الوضوء به- إجماعًا؛ لأنه صار مسكرًا حرامًا " (٢) .

  260. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٣) ، وابن حزم (٤) .

  261. • مستند الإجماع:

  262. ١ - قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} .

  263. ٢ - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} .

  264. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قيد الوضوء بالماء،

  265. فإن لم يوجد فالتيمم، ولم يقل: توضؤوا بأي مائع آخر؛ فدل على اشتراط كون المُتوضَأ به ماء، واللَّه تعالى أعلم.

  266. ٣ - حديث أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه-: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البِتْع والمِزْر، فقيل للراوي: وما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير. فقال: "كل مسكر حرام " (٥) .

  267. • وجه الدلالة: حيث إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حرم النبيذ، وذكر قاعدة تشمل كل ما أسكر؛ فهو داخل في نفس الحكم،

  268. فإذا كان شربه حرامًا؛ فالوضوء به من باب أولى.

  269. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.

  270. الطهارة المتيقنة للماء لا تزول بالشك]

  271. إذا تيقن المسلم طهارة الماء، ولكنه شك في نجاسته، فإنه يتوضأ به، ولا يعتبر الشك.

  272. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: "إذا تيقن طهارة الماء، وشك في نجاسته، توضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (٦) ، وهذه

  273. 1/1241/124

    هي الصورة الأولى.

  274. القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والغالب لا يترك للنادر، وبقي الشك غير معتبر إجماعًا" (١) .

  275. ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول عن البئر الذي سقطت فيه ميتة ولم يُعلم ذلك:

  276. "وإن لم يعلم فقد صار الماء مشكوكًا في طهارته ونجاسته، فإذا توضؤوا منها وهم متوضئون، أو غسلوا ثيابهم من غير نجاسة، فإنهم لا يعيدون إجماعًا؛ لأن الطهارة لا تبطل بالشك" (٢) .

  277. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٣) .

  278. • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شُكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٤) .

  279. • وجه الدلالة: حيث جعل الأصل عدم خروج شيء،

  280. ولا ينتقل منه إلا بيقين، وهو سماع الصوت، أو وجود الريح.

  281. وهذا يؤسس لقاعدة: اليقين لا يزول بالشك، التى هى من القواعد الخمس الكلية الكبرى (٥) .

  282. فالأصل إذًا أنه طاهر، ويبقى على هذا الأصل وهو الطهارة، حتى يثبت الضد، فيكون طاهرًا إذًا (٦) .

  283. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.

  284. 1/1251/125

    الماء المتيقن نجاسته لا تزول بالشك]

  285. إذا تيقن المسلم نجاسة الماء، وشك في طهارتها، فإنه لا يتوضأ بهذا الماء.

  286. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن:

  287. "وإن تيقن نجاسته، وشك في طهارته، لم يتوضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (١) ، وهذه الصورة الثانية.

  288. القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والغالب لا يترك للنادر، وبقي الشك غير معتبر إجماعًا" (٢) .

  289. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣) ، والحنابلة (٤) .

  290. • مستند الإجماع:

  291. ١ - أن الأصل بقاء الماء على النجاسة المتيقنة،

  292. وأما الشك فلا عبرة به (٥) .

  293. ٢ - أن الشيء إذا كان على حال، فانتقاله عنها يفتقر إلى عدمها، ووجود الأخرى وبقاؤها وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد البقاء، فيكون أيسر من الحديث وأكثر، والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، وهو أن الماء على نجاسته (٦) .

  294. وهذا الدليل يصلح للمسألتين الأولى والثانية، على حد سواء.

  295. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.

  296. طهورية الماء غير المتيقن طهارته ولا نجاسته]

  297. إذا لم يتيقن المسلم طهارة الماء ولا نجاسته، فإنه يتوضأ بهذا الماء، والأصل طهارته.

  298. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن:

  299. "وإن لم يتيقن طهارته، ولا نجاسته، توضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (٧) ، وهذه الصورة

  300. 1/1261/126

    الثالثة.