المسألة (١) .
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 6762 to 7249
-
1/6261/626
أما مستند الاتفاق، وتوثيقُ المسألةِ،
-
فلا يختلف عن المسألة السابقة (نجاسة الميتة وأجزائها) ؛ إذ أن السلى جزءٌ رطبٌ من الأم - الميتة - وليس صلبًا كالعظام ونحوها، فيأخذ حكمَ لحمِ الميتة.
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
طهارة السمك والجراد إذا ماتا]
-
السمك والجراد يشتركان في أنه لا يتصور تذكيتهما كالبهائم،
-
فمن يسر الإسلام أنهما لا ذكاة لهما.
-
• من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فالسمك والجراد إذا ماتا؛
-
1/6271/627
طاهران بالنصوص والإجماع " (١) .
-
الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول:
-
"وأما ميتة السمك والجراد؛ فللإجماع على طهارتهما " (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والحنابلة (٥) ، وابن حزم (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته " (٧) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على حل ميتة البحر، ومنها السمك،
-
ومن المعلوم أن حل الأكل طهارة وزيادة.
-
٢ - حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالطحال والكبد " (٨) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص على حل ميتة الجراد والحوت، وهو طهارة وزيادة، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة, واللَّه أعلم.
-
طهارة القرد]
-
القرد له أنياب يمكن أن يقاتل بها، وهو يعد من السباع، ولذا يشمله الحكم الذي ينطبق على السباع؛ لأنه منها، فهو ليس بنجس.
-
• من نقل الاتفاق: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "القرد ليس بنجس اتفاقًا" (٩) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية، وفي جواز أكله عندهم
-
1/6281/628
قولان (١) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - النجاسة حكم شرعي،
-
ولا تطلق على شيء إلا بدليل شرعي، ولم يدل على نجاسة القرد دليل؛ فيبقى على الأصل وهو الطهارة.
-
٢ - أن مسَّ القرود، قد يتعرض له الناس كثيرًا،
-
ولو كانت نجسة لنجست ما يلامسها،
-
ولو كان كذلك لبينه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في وقته، لحاجة الناس إليه، وترك البيان عند الحاجة لا يجوز (٢) ، فدل على أنها على الأصل وهو الطهارة، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف الحنفية (٣) ، والحنابلة (٤) ، فقالوابنجاسة القرد، وكل ما لا يؤكل من الطير والسِّباع، مما هو فوق الهر خلقةً.
-
واستدل الحنفية على نجاستها بنجاسة سؤرها؛ لما روي عن ابن عمر وعمرو بن العاص -رضي اللَّه عنهما-، أنهما وردا حوضًا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، أترد السباع ماءكم هذا. فمال ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنه: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا (٥) .
-
فقالوا: لولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله؛ لما نهاه عن ذلك (٦) .
-
أما الحنابلة فلم أجد لهم دليلًا؛ إلا وصفَهم له بأنه خبيث ومستقبح، وقولهم بتحريم أكله لأنه سبع (٧) .
-
وكأن ابن حزم يميل إلى هذا القول -نجاسة القرد- وإن لم يصرح به، إلا أنه يشبهه بالخنزير، وأنه من الخبائث، فقد يفهم منها أنه يقول بنجاسته (٨) ، واللَّه أعلم.
-
1/6291/629
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
غسالة النجاسة المتغيرة نجسة]
-
النجاسة إذا غسلت بالماء، وانفصل الماء متغيرًا بها، فهو نجس يأخذ حكمها (١) ، وهنا قيد مهم، وهو أن ينفصل الماء متغيرًا.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "والمنفصل من غسالة النجاسة، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن ينفصل متغيرًا بها؛ فهو نجس إجماعًا؛ لأنه متغير بالنجاسة، فكان نجسًا، كما لو وردت عليه" (٢) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فغسالة النجاسة، إن انفصلت متغيرة الطعم، أو اللون، أو الريح بالنجاسة؛ فهي نجسة بالإجماع" (٣) . ونقل عبارته ابن قاسم دون إشارة (٤) .
-
الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) حيث يقول: "فيه (٥) أن غسالة النجاسة طاهرة. .، فإن تغيرت؛ كانت نجسة إجماعًا" (٦) .
-
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي عن الماء النجس: "أو انفصل عن محل نجاسة متغيرًا" ، قال: "أي: فينجس بمجرد الملاقاة بالإجماع" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨) ، والمالكية (٩) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (١٠) .
-
زاد أبو أمامة الباهلي -رضي اللَّه عنه- في روايته: "إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" (١١) .
-
1/6301/630
• وجه الدلالة: الحديث ينص على أن الماء في الأصل طهور، لا ينجسه شيء، ولكن إذا غلب على ريحه، أو طعمه، أو لونه نجاسة،
-
فإن الماء في هذه الحالة يأخذ حكم ما غيَّره،
-
فإن غيَّرته نجاسة أخذ حكمها، هذا هو مفهوم الحديث، وغسالة النجاسة يرد عليها هذا الكلام،
-
فإذا تغيرت الغسالة بالنجاسة المغسولة؛ فإنها تتنجس، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - أن الماء إذا غسل به النجاسة، فقد انتقلت إليها؛ إذ لا يخلو كل ماء غسل به نجاسة عن نجاسة، فأوجب تنجيسها للماء (١) .
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
المحل النجس لا يطهر بالماء القليل إذا تغير]
-
إذا أدخل المحل النجس في إناء أو إجانة (٢) ، فغسله فيها، وتغير الماء،
-
فإن المحل لم يطهر.
-
• من نقل الإجماع: ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "إذا أدخل المحل النجس في إجانة، وهي القصعة، فغسلها فيها، فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا، . .، هذا إن كان الماء يسيرًا" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة في أحد الوجهين عندهم (٦) .
-
• مستند الإجماع: أن الماء الذي تغير بالنجاسة، أصبح نجسًا، والنجس لا يرفع النجاسة؛ إذ نجس في ذاته،
-
فلا يطهر المحل النجس (٧) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف ابن سريج في المسألة (٨) ، وقال: إن قصد إزالة النجاسة لم ينجس الماء، وطهر المحل.
-
1/6311/631
وخالف الحنابلة في أحد الوجهين (١) ، فقالوا: هو طاهر.
-
ولم أجد دليلًا، للقولين.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
المحل النجس يطهر بالماء الكثير]
-
إذا أدخل المحل النجس في ماء كثير، وغسله فيه، فإنه يطهر بالإجماع.
-
• من نقل الإجماع: ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "إذا أدخل المحل النجس في إجانة، وهي القصعة فغسلها فيها، فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا، . .، هذا إن كان الماء يسيرًا، فإن كان كثيرًا طهر المحل إجماعًا" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
• مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن الماء إذا كان كثيرًا، فإنه لا يحمل الخبث ولا ينجس،
-
فإذا أدخل المحل النجس فيه، فإنه يطهر؛ لأنه أدخل في ماء طاهر، لم يتأثر بإدخال النجاسة، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
النجس يطهر بالغسل في الماء الجاري]
-
إذا غسل المحل النجس في الماء الجاري، فإنه يطهر بلا خلاف.
-
وتعبيره بالماء الجاري دون تقييد يدخل فيه الكثير والقليل.
-
• من نقل نفي الخلاف: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وأما طريق التطهير
-
1/6321/632
بالغسل، فلا خلاف في أن النجس يطهر بالغسل في الماء الجاري " (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على هذا الإجماع المالكية (٢) ، والشافعي في القديم (٣) ، والحنابلة في رواية (٤) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء " (٥) .
-
• وجه الدلالة: عموم الحديث، فهو يدخل فيه الماء الجاري،
-
فلا ينجس حتى يتغير،
-
وإذا غسل في المحل النجس طهر (٦) .
-
٢ - أن الأصل طهارة الماء الجاري،
-
ولو أدخل فيه المحل النجس، ما لم يتغير،
-
وإذا كان كذلك فإن المحل النجس يطهر إذا زالت النجاسة (٧) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في المشهور (٨) ، والحنابلة في رواية، هي المذهب عندهم (٩) ، فقالوا: الماء الجاري كالراكد،
-
فإن كان قلتين دفع النجاسة إن لم تغيره، وإلا فإنه ينجس بوقوع النجاسة فيه،
-
فلا يطهر المحل النجس حينئذ.
-
واستدلوا بحديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١٠) ، وسواء كان الماء جاريًا أو راكدًا فلم يفرق الحديث (١١) .
-
وخالف الشافعية في قول آخر (١٢) ، وقالوا بالفرق بين النجاسة الجامدة والمائعة إذا سقطت في الماء الجاري القليل،
-
فإذا كانت مائعة مستهلكة لا ينجس الماء،
-
وإذا كانت جامدة فإنه ينجس،
-
فلا يطهر المحل النجس إذًا.
-
لأن المائعة تختلط وتستحيل مع الماء، بخلاف الجامدة.
-
النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
1/6331/633
العفو عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء]
-
إذا استجمر المسلم، فإن الأثر الباقي بعد إنقاء المحل معفو عنه، وقد نفى ابن قدامة الخلاف في ذلك.
-
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها، في ثلاثة مواضع أحدها: محل الاستنجاء، يعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء، واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه" (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) .
-
• مستند نفي الخلاف: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أباح لنا الاستنجاء بالأحجار، وهي لا تزيل النجاسة بالكلية، بل يبقى أثر لاصق لا يزيله إلا الماء، ومع ذلك أباح لنا الاستنجاء، فدل على أن هذا الأثر معفو عنه، واللَّه تعالى أعلم (٥) .
-
النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
إراقة المائع الواقع فيه نجاسة]
-
إذا وقعت نجاسة في مائع قليل،
-
فإن المائع يجب أن يراق،
-
ولا ينتفع به، وعليه حكى ابن حجر الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول في ترجيح القول بأن النهي عن إضاعة المال مخصوص بالأمر بإراقة المتنجس: "ويترجح هذا الثاني بالإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة، من قليل المائعات، ولو عظم ثمنه" (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية، والحنابلة في قول (٧) .
-
1/6341/634
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن الفأرة تموت في السمن، فقال: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوه" (١) .
-
• وجه الدلالة: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بعدم الاقتراب منه، وهو ما يعني عدم الاستفادة منه وإراقته، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - أنه لا يشق حفظ المائع من النجاسة،
-
وإن كثر، بل العادة حفظه (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ؛ فقالوا: بل ينتفع به ولا يراق.
-
واستدلوا: بأن نجاسته لم تكن لعينه، بل لمجاورة النجاسة إياه، كالثوب المتنجس (٥) .
-
خالف ابن حزم في المسألة (٦) ، وقال: إن الحكم مرتبط بالتغير،
-
فإذا تغير المائع بالنجاسة يجتنب ويراق، وإلا فينتفع به.
-
وهناك رواية عن أحمد، وهو قول الزهري وغيره، أن المائعات لها حكم الماء،
-
فلا تتنجس إلا بالتغير، واستظهر ابن تيمية هذا القول (٧) .
-
واستدلوا: بأن الحرج في الماء أقل في العادة من الأشربة والأطعمة،
-
فإن في نجاستها من المشقة، والحرج، والضيق، ما لا يخفى على الناس، وقد عُلم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب،
-
فإذا لم ينجسوا الماء الكثير رفعًا للحرج؛ فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة، والحرج في هذا أشق (٨) .
-
يظهر مما سبق، أن الإجماع واقع داخل مذهب الشافعية فقط، والعجيب أن ابن حجر نفسه أشار إلى الخلاف في موضع آخر (٩) .
-
1/6351/635
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
السمن الجامد إذا وقعت فيه نجاسة يطهر بإزالتها]
-
إذا وقع الفأر الميت أو غيرها من النجسات في السمن الجامد أو مثله،
-
فإن طرح الفأر وما حوله يكفي في التطهير.
-
• من نقل الاتفاق: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول:
-
"فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك؛ أن الفأرة ومثلها من الحيوان كله يموت في سمن جامد، أو ما كان مثله من الجامدات؛ أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد" (١) . ونقله عنه ابن حجر بلفظ الاتفاق (٢) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) ، وابن حزم (٦) .
-
• مستند الاتفاق: حديث ميمونة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أن فأرة وقعت في سمن، فماتت فيه، فسئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها، فقال: "ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم" (٧) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمر بأن يلقى السمن كله، بل قيده بما حول النجاسة فقط، مما تأثر بالمجاورة، والأكل لا يقال للسمن المائع، بل هو للجامد فقط، فهو المفهوم من الحديث، فما دام أن النجاسة لم تسر في كل السمن، أو الطعام الجامد أيًّا كان؛
-
فإن النجاسة تلقى وما حولها، ويبقى الباقي طاهرًا، ويؤخذ من قوله {وَكُلُوا} التصريح بإباحة أكله وطهارته (٨) .
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
1/6361/636
السنور كالفأر إذا وقع في السمن الجامد]
-
إذا وقع السنور في السمن الجامد، فإنه يأخذ حكم الفأرة إذا وقعت، بأن يلقى السنور وما حوله، ويؤكل الباقي، وعليه حُكي الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول:
-
"فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك؛ أن الفأرة ومثلها من الحيوان كله يموت في سمن جامد، أو ما كان مثله من الجامدات؛ أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد" (١) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن السنور كالفأرة في ذلك" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
• مستند الإجماع: القياس على الفأرة،
-
فإذا رخص عليه الصلاة والسلام في الفأرة الميتة في السمن الجامد، وأمر بنزعها وما حولها مما تأثر بها، وأكل الباقي،
-
فإن السنور من باب أولى؛ إذ ليس من عادة السنور أكل النجاسات كالفأرة، فما دام أن النجاسة لم تنتشر في السمن، وأننا ألقينا المتنجس،
-
فإن العلة حينئذ واحدة،
-
ويجب العمل بالقياس، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف ابن حزم (٦) في المسألة، ورأى الاقتصار على الفأر في ذلك،
-
وأن الحكم لا يشمل غيرها، بل يجب طرح الكل عندئذٍ.
-
وقال ذلك بناء على رأيه في منع القياس (٧) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهي مبنية على اعتبار قول الظاهرية وعدم اعتباره،
-
فمن لم يعتبره كالنووي، رأى تحقق الإجماع،
-
والصحيح أن خلافهم معتبر، وأنهم جزء من علماء الأمة لا بد من اعتبار أقوالهم، واللَّه تعالى أعلم.
-
1/6371/637
غسل النجاسة يقدم على الحدث إذا لم يكف الماء]
-
إذا اجتمع نجاسة وحدث، ومع المسلم ماء لا يكفي إلا لأحدهما، فإنه يغسل النجاسة ويتيمم.
-
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول:
-
"فإن اجتمع عليه نجاسة وحدث، ومعه ما لا يكفي إلا أحدهما، غسل النجاسة وتيمم للحدث، . . .، ولا نعلم فيه خلافًا" (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية عدا رواية عن أبي يوسف (٢) ، والمالكية في قول (٣) ، والشافعية (٤) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - أن التيمم للحدث ثابت بنص الشارع والإجماع، ومختلف فيه للنجاسة، فوجب تقديم المختلف فيه دفعًا للخلاف (٥) .
-
٢ - أنه لا بدل في الشرع لغسل الجنابة،
-
بخلاف الحدث فبدل غسله بالماء غسله بالتراب (٦) .
-
٣ - أن صرف الماء إلى النجاسة يجعله مصليًّا بطهارتين؛ حقيقية وهي غسل النجاسة، وحكمية وهي التيمم، فكان أولى من الصلاة بطهارة واحدة وهي الوضوء مع بقاء النجاسة (٧) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف حماد بن أبي سليمان (٨) ، ورواية عن أبي يوسف (٩) ، والمالكية في قول (١٠) في المسألة، فقالوا: يتوضأ ولا يغسل النجاسة.
-
• ووجهه: أن الحدث أغلظ النجاستين؛ بدليل أن الصلاة مع الثوب النجس جائزة في الجملة للضرورة،
-
ولا جواز لها مع الحدث بحال (١١) .
-
1/6381/638
النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
النجاسة إذا زادت عن قدر الدرهم تغسل]
-
النجاسة إذا كانت على الإنسان، وزادت عن قدر الدرهم،
-
فإن إزالتها واجبة بالإجماع (١) .
-
• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وهذا كله، إذا لم يتعد النجس المخرج، فإن تعداه؛ ينظر إن كان المتعدي أكثر من قدر الدرهم؛ يجب غسله بالإجماع" (٢) .
-
العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "وما جاوز موضع الفرج، وزاد على قدر الدرهم؛ فإنه يغسل إجماعًا، ولا تكفيه الأحجار" (٣) .
-
ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث يقول عن تخصيص قدر الدرهم من النجاسة بالتجاوز عنه: "فيخص أيضًا قدر الدرهم بنص الاستنجاء بالحجر؛ لأن محله قدره، . .؛ أو بدلالة الإجماع عليه" (٤) . ونقله عنه ابن نجيم دون إشارة (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٦) ، والشافعية (٧) ، والحنابلة (٨) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) } .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بعموم تطهير الثياب، والبدن يدخل بالأولى، فيجب تطهير النجاسة على البدن أو الثوب (٩) .
-
٢ - عموم أدلة إزالة النجاسة، فهي تدل على وجوب إزالتها من البدن، وما زاد عن
-
1/6391/639
قدر الدرهم، فإنه كثير يجب إزالته قطعًا بدلالة النصوص، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
الطاهر من الأشياء]
-
الشيء الذي لا يعرف طهارته أو نجاسته، وليس عليه نجاسة حسية أو حكمية، فإنه يكون طاهرًا.
-
وهذه المسألة عامة ليس فيها تفصيل، ولم تتعرض لماهيَّة النجاسة -مثلًا- ولا ماهيَّة هذا الشيء الطاهر، فهي مطلقة، ولذا يصعب أن تجد من يتحدث عن مثل هذا الإطلاق من أهل العلم، ولكنه مفهوم من كلامهم ومن تفصيلاتهم.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن ما لم يكن بولًا، ولا رجيعًا، حاشا ما خرج من برغوث، أو نحل، أو ذباب، ولا خمرًا، ولا ما تولد منها ولامسه، ولا ما أخذ منها، ولا ما أخذ من حيٍّ، حاشا الصوف، والوبر، والشعر، مما يؤكل لحمه، ولا كلبًا، ولا حيوانًا لا يؤكل لحمه من سبع، أو غيره، ولا لعاب ما لا يؤكل، ولا صديدًا، ولا قيئًا، ولا قيحًا، ولا دمًا، ولا بصاقًا، ولا مخاطًا، ولا قلسًا، ولا ما مسه شيء من كل ما ذكرنا؛ فإنه طاهر" (١) .
-
وهذه العبارة من ابن حزم هي أشبه بحكاية الخلاف في المستثنيات التي ذكرها رحمه اللَّه منها بحكاية الاتفاق في المسألة، ولكن ذكرتها تتميمًا لعبارة الشوكاني الآتية، وبيانًا لمحترزاتها.
-
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "الإجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية، ولا حكمية؛ يسمى طاهرًا" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: لم أجد من تحدث عن نفس المسألة مباشرة، وإنما بالتبع، وهي لا شك مفهومة من كلامهم.
-
وبالتالي نقول: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) ،
-
1/6401/640
والحنابلة (١) .
-
• مستند الإجماع: حديث جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. . . " الحديث (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن الأصل في الأشياء الطهارة، ما لم يتبين عليها أثر نجاسة، ولذلك قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ، فالأصل فيما على هذه الأرض الطهارة حتى يثبت الضد، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.