المبحث الخامس: خلاف أهل الظاهر
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٨٬١٩٩ إلى ٨٬٢٣٧
-
٢/٥٧٢/٥٧
أهل الظاهر: هم أتباع داود بن علي (١) ، وإليه ينسب المذهب.
-
وقد اختلف العلماء في الاعتداد بقول الظاهرية على أقوال:
-
القول الأول: عدم الاعتداد بقولهم مطلقا. وعلى هذا القول جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين (٢) .
-
قالوا: لأنهم نفوا القياس الذين قَبلته الأمة وأجمعت عليه (٣) ،
-
ومن أنكره لا يعرف طرق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر، فهو كالعامي الذي لا معرفة له، ويكون حكمهم كالشيعة في الفروع،
-
فلا يبلغون رتبة الاجتهاد،
-
ولا يجوز تقليدهم القضاء،
-
ولا يلتفت إلى أقوالهم،
-
ولا ندُل مستفتيا عليهم.
-
ثم إن النصوص الشرعية لا تفي بعشر معشار ما يحتاجه الناس،
-
فلو جمد الناس على ظواهر النصوص، لوقع لهم خلل وقصور في معاملاتهم التي يحتاجونها (٤) .
-
وأجيب عن ذلك:
-
أن القول بنفي القياس هو قول أدى إليه اجتهادهم، كما أدى القول عند المثبتين إلى إثباته (٥) .
-
٢/٥٨٢/٥٨
القول الثاني: الاعتداد بقولهم في الوفاق والخلاف. وهذا قال به القاضي عبد الوهاب (١) ، والأستاذ أبو منصور البغدادي (٢) ، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، كما نسبه إليهم ابن الصلاح (٣) (٤) .
-
وهؤلاء قالوا: ما اعتددنا بخلافهم؛ لأن مفردات المسائل عندهم حجة، ولكن لأن أقوالهم مثل أقوال غيرهم من العلماء، فيها السائغ، وبعضها القوي، وبعضها ساقط لا يُعتد به،
-
ويلزم من لم يعتد بخلافهم ألَّا يعتد
-
بخلاف من ينفي المرسل، ويمنع العموم،
-
ومن حمل الأمر على غير الوجوب، وغيرها من المسائل الأصولية ولا قائل بهذا،
-
ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني،
-
٢/٥٩٢/٥٩
وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي.
-
ويشهد لهذا أيضا ما كان عليه العمل عند المتقدمين الذين أدركوا إمام المذهب أبا سليمان داود بن علي،
-
فإن مذهبه كان مشهورا، بل مما يزيد في شهرته أنه كان في بغداد، حاضرة العالم، ومعقل العلم والعلماء، ولم يُذْكر إنكار العلماء عليه، لا في فتاويه،
-
ولا في دروسه، ولا في تآليفه، وقد عاصره علماء أجلاء، وشيوخ كبار، بل كانوا يذكرونه بالعلم والخير، ولما سُئل الطبري وابن سريج (١) عن كتاب ابن قتيبة في الفقه، أين هو عندكم؟ فقالا: [ليس بشيء،
-
ولا كتاب أبي عبيد (٢) ،
-
فإذا أردت الفقه: فكتب الشافعي وداود ونظرائهما].
-
وكذلك العلماء من بعدهم، بل كانوا يتجالسون ويتناظرون فيما بينهم، ويبرز كل واحد منهم حجته،
-
ولا يسعون بالداودية إلى السلطان، بل أبلغ من ذلك أنهم ينصبون معهم الخلاف في تصانيفهم قديما وحديثا، وهذا دليل على اعتبار قولهم وخلافهم، وإلا فلا فائدة من ذلك (٣) .
-
القول الثالث: التفصيل: الاعتداد بقوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التغوط في الماء الراكد، وقوله: لا ربا إلا في ستة الأصناف المنصوص عليها، فخلافه فيها غير معتد به؛
-
لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه. وهذا القول اختاره الأبياري (٤) ، وابن الصلاح من
-
٢/٦٠٢/٦٠
الشافعية (١) .
-
ويمكن أن يستدل لهم: بأن هؤلاء من علماء الأمة،
-
ولا يمكن الإجماع إلا بقول الجميع دون استثناء أحد منهم، فيؤخذ بقولهم ويعتد به إلا ما كان مبنيا على الأمر الذي خالفوا فيه إجماع العلماء وهو ترك العمل بالقياس، وإلا فليس من العدل والإنصاف أن يطرح قولهم جملة وتفصيلا،
-
ولا يعتد به، لترك القياس، فيترك قولهم الذي كان مبنيا على المخالفة فقط.
-
الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الثالث؛ لسلوكه طريق العدل والإنصاف تجاه هؤلاء العلماء.
-
وقفتان لا بد منهما:
-
الأولى: الذي ظهر للباحث من خلال البحث أن ظاهر صنيع كثير من العلماء الذين يعتنون بنقل الخلاف بين المذاهب أنهم يعتدون
-
بخلاف الظاهرية؛ وذلك لذكر خلافهم في بطون كتبهم، لكن إذا جاءت مسائل الإجماع فإنهم يحكون الإجماع ولا ينظرون إلى خلافهم،
-
ومثلها المسائل التي انفردوا بها وهي من غرائبهم فإنهم لا يذكرونهم أصلا، أو يذكرونهم ويردون عليهم.
-
الثاني: أن مذهبهم كسائر المذاهب التي لم يُعْتنى بها، وأصبحت كالمندثرة، فلم يبق من آثارهم شيء يُعَول عليه، إلا ما ذكره ابن حزم في "المحلى" ، وابن حزم أحد أفرادهم لكنه خالفهم في مسائل ليست قليلة، وأقول: لعل من أسباب عدم الاعتداد بقولهم والتهجم على مذهبهم، ما عرف عن ابن حزم من حدة لسانه وتهكمه بالعلماء، فربما كان هذا سببا في هجران أقوالهم وعدم الالتفات إليها، خاصة وأنه لا يعرف القول بعدم الاعتداد بقولهم إلا في زمن ابن حزم، كما يفهم من دليل القول الثاني.