الباب الخامس: مسائل الإجماع في كتاب الجعالة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ١٦٬١٥٨ إلى ١٦٬٣٢٥
-
٢/٧٦٢٢/٧٦٢
مشروعية الجعالة]
-
• المراد بالمسألة: الجعالة بالفتح، والاسم منه بالضم وهي في اللغة: مأخوذة من الجُعل، وهو ما يجعل للإنسان على الأمر يفعله (١) .
-
• وفي الاصطلاح: التزام عوض معلوم، على عمل معين، معلوم أو مجهول، يعسر عمله (٢) .
-
والعلماء مجمعون -من حيث الأصل- على جواز الجعالة بهذا المعنى.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [الجعالة في رد الضالة والآبق وغيرهما جائزة، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي،
-
ولا نعلم فيه مخالفا] (٣) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [الجعالة: أن يجعل جعلا من رد آبق، أو ضالة، أو بناء حائط، أو خياطة ثوب، وسائر ما تجوز الإجارة عليه. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي،
-
ولا نعلم فيه مخالفا] (٤) .
-
• زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول بعد أن ذكر تعريف الجعالة: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (٥) .
-
٢/٧٦٣٢/٧٦٣
• ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) يقول: [وأصلها قبل الإجماع. . . .] (١) .
-
• الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (٢) .
-
• الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول: [والأصل فيها: الإجماع] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (٥) .
-
• وجه الدلالة: أنهم جعلوا جعلا لمن جاء بصواع الملك الذي فقدوه، وهو حمل بعير، وكان معروفا عندهم، فدل على جواز الجعالة، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه (٦) .
-
الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- أن ناسًا من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يُقْروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء، أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تُقْرونا،
-
ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألوه؟ فضحك، وقال: "وما أدراك أنها رقية! خذوها، واضربوا لي بسهم" (٧) (٨) .
-
• وجه الدلالة: أن هؤلاء النفر من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- رفضوا أن يرقوا سيد القوم إلا
-
٢/٧٦٤٢/٧٦٤
بجعل يجعلوه لهم، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرهم على ذلك، ولم ينكر عليهم، فدل على جواز فعلهم.
-
الثالث: أن الحاجة داعية لمثل هذا العقد، فقد يشرد العبد وتضل الضالة،
-
ولا يجد من يتبرع له في البحث عنهما،
-
ولا يمكن له أن يستأجر عليهما، وذلك للجهالة في العمل الذي يمنع صحة الإجارة، فلم يبق إلا أن يصح له أن يضع جعلا يستحقه من أدى له هذا العمل، والشارع الحكيم لا يمنع ما فيه منفعة للناس (١) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: ابن حزم الظاهري، قال: لا يجوز الحكم بالجعل على أحد،
-
ولا يقضى له بشيء لو أحضره، لكن يستحب له الوفاء بما وعده إياه (٢) .
-
واستدل لقوله: بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن إضاعة المال (٣) ، واللَّه أمر بالتعاون على البر والتقوى، وحق على كل مسلم أن يحفظ مال أخيه إذا وجده،
-
ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفس منه (٤) ،
-
فلا يحل لمن أتى بآبق؛ لأنه فعل ما هو واجب عليه تجاه أخيه (٥) .
-
أما استحباب الوفاء بما وعده إياه، فلأنه وعد، والوعد غير واجب الوفاء به في هذه الحالة، وإنما هو على الاستحباب (٦) .
-
ولم أجد من وافقه من المتقدمين أو من المتأخرين على قوله هذا.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها.
-
عدم استحقاق الجعل على عمل غير رد الآبق]
-
• المراد بالمسألة: من عمل لغيره عملا كرد لقطة أو ضالة ونحوها، ولم يكن صاحب العمل قد حدَّد جُعلا لهذا العمل، وهذا العمل لم يكن تخليص متاع لغيره من هلكة متحققة كفلاة أو بحر أو فم سبع، وهو - أي: العامل- غير مُعدٍّ لأخذ
-
٢/٧٦٥٢/٧٦٥
الأجرة -وهو الذي يرصد نفسه للتكسب بالعمل- وكان العمل غير رد الآبق، فإنه لا يستحق الجعل على هذا العمل، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملا غير رد الآبق، بغير جعل، لم يستحق عوضا، لا نعلم في هذا خلافا] (١) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٢) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [ (ومن عمل لغيره عملا بغير جعل،
-
فلا شيء له، إلا في رد الآبق) لا نعلم في هذا خلافا] (٣) .
-
• برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول:
-
[ومن عمل لغيره عملا بغير جعل،
-
فلا شيء له، بغير خلاف نعلمه] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن العامل بذل منفعته من غير شرط عوض من المالك، فلم يستحق شيئًا على عمله، فهو في هذه الحالة كالمتبرع بعمله.
-
الثاني: أن إلزام المالك بالجعل في هذه الحالة إلزام بغير دليل ولا شرط، فيكون أخذُ المال في هذه الحالة أخذٌ له من غير طيب نفس صاحبه، وهذا ممنوع شرعا (٦) .
-
٢/٧٦٦٢/٧٦٦
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تقسيم الجعل في حالة تعدد العامل]
-
• المراد بالمسألة: عندما يُحَدد الجاعل جُعلا لمن رد ضالته، ولم يخُص به أحدا بل جَعله عاما، فإنه إذا رده أكثر من واحد، يكون الجعل بينهم على عدد رؤوسهم.
-
أما عندما يحدد مجموعة، كأن يكون عددهم ثلاثة، ويُفَاوت بينهم في مقدار الجعل لكل واحد منهم، فحينئذ إذا أحضروه جميعا، يكون الجعل لكل واحد ثلث ما فُرِض له.
-
وفي حالة ما إذا حدد لواحد المقدار، ولم يحدد للآخرين المقدار، وإنما جعله عوضا مجهولا، ووقع الرد منهم جميعا، فإنه يكون للذي حدد له من المقدار ثلث ما حدد له، وللباقين أجر عملهم.
-
أما إذا جعل لواحد جعلا محددا، فردها ومعه آخران في الرد،
-
فلا يخلو من حالتين:
-
الأولى: أن يكون قصدهما من الرد إعانة الأول، ففي هذا الحالة لا شيء لهما، ويستحق الأول الجعل كله.
-
الثاني: أن يقصدا بعملهما أخذ العوض لأنفسهما، ففي هذه الحالة ليس لهما شيء، ويكون ثلث الجعل للأول.
-
وهذه المسائل لا خلاف بين العلماء فيها.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [إن قال: من رد لقطتي فله دينار، فردها ثلاثة، فلهم الدينار بينهم أثلاثا. . .،
-
فإن جَعَل لواحد في ردها دينارا، ولآخر دينارين، ولثالث ثلاثة، فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جُعِل له. . .،
-
فإن جَعَل لواحد دينارا، ولآخرين عوضا مجهولا، فردوه معا، فلصاحب الدينار ثلاثة، وللآخرين أجر عملهما،
-
وإن جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه، وقالا: رددنا معاونة له، استحق جميع الجعل،
-
ولا شيء لهما، وإن قالا: رددناه
-
٢/٧٦٧٢/٧٦٧
لنأخذ العوض لأنفسنا، فلا شيء لهما، وله ثلث الجعل. . .، وهذا كله مذهب الشافعي،
-
ولا أعلم فيه خلافا] (١) . نقله عنه الرحيباني (٢) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [إن قال: من رد لقطتي فله دينار، فردها ثلاثة، فلهم الدينار بينهم أثلاثا. . .،
-
فإن جعل لواحد في ردها دينارا، ولآخر دينارين، ولثالث ثلاثة، فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له. . .،
-
فإن جعل لواحد دينارا، ولآخرين عوضا مجهولا، فردوه معا، فلصاحب الدينار ثلاثة، وللآخرين أجر عملهما،
-
وإن جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه، وقالا: رددنا معاونة له، استحق جميع الجعل،
-
ولا شيء لهما، وإن قالا: رددناه لنأخذ العوض لأنفسنا،
-
فلا شيء لهما، وله ثلث الجعل. . .، وهذا كله مذهب الشافعي،
-
ولا أعلم فيه خلافا] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: القياس على الأجر في الإجارة: فكما أنه يجوز أن يشتركوا في العمل، فيكون العوض مستحقا بينهم، فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن كلا منهما عقدٌ فيه معاوضة.
-
الثاني: أما مسألة ما إذا فاوت في الجعل بين ثلاثة، فردوه جميعا فلكل واحد ثلث ما فُرِض له؛ فلأن كل واحد منهم قد عمل ثلث العمل، فكان مستحقا ثلث ما جُعِل له.
-
٢/٧٦٨٢/٧٦٨
الثالث: أما في مسألة من جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه طلبا للعوض، فيكون له الثلث؛ فلأن اللفظ يقتضي استحقاقه جميع الجعل على جميع العمل، وهو قد عمل الثلث، فاستحق ثلث الجعل، ولم يستحق الآخران شيئًا؛ لأنهما عملا من غير أن يجعل لهما الجاعل جعلا (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
مشروعية أخذ الآبق]
-
• المراد بالمسألة: الآبق هو: ذهاب العبد من سيده، من غير خوف،
-
ولا كدِّ عمل (٢) .
-
وإن كان من خوف، أو بسبب كدِّ العمل، فإنه يعد هاربا (٣) .
-
فالآبق من مولاه يُشْرع لمن وجده أخذه إذا علم من نفسه قوة على حفظه وصيانته، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[ويجوز أخذ الآبق لمن وجده، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي،
-
ولا نعلم فيه خلافا] (٤) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[ويجوز أخذ الآبق لمن وجده، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي،
-
ولا نعلم فيه خلافا] (٥) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ (الآبق أخذه أفضل في حق من يقوى عليه) أي: من يقدر على أخذه،
-
ولا نعلم خلافا بين أهل العلم] (٦) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [قوله (الآبق أخذه أفضل) من تركه (في حق من يقوى عليه) أي: يقدر على حفظه حتى يصل إلى مولاه،
-
بخلاف من يعلم من نفسه العجز عن ذلك والضعف،
-
ولا يعلم في هذا خلاف] (٧) .
-
٢/٧٦٩٢/٧٦٩
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب، وارتداده، واشتغاله بالفساد في سائر البلاد، فدرءًا لهذه المفسدة شُرع أخذه، وهو مخالف لسائر الضوال التي تحفظ نفسها،
-
فلا يشرع أخذها؛ لانعدام المفسدة فيها (٢) .
-
الثاني: أن أخذه يعتبر إحياءً له؛ فهو هالك في حق المولى، فيكون الرد إحياءً له (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع على أصل المسألة، وهو مشروعية أخذ الآبق؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
٢/٧٧٠٢/٧٧٠
تصرف الإمام بمقتضى المصلحة في العبد الآبق]
-
• المراد بالمسألة: من وجد آبقا وأخذه، ولم يجد سيده، فإنه حينئذ يدفعه للإمام أو نائبه، والإمام مخيَّر في التصرف بالعبد الآبق بحسب المصلحة،
-
فإن شاء حبسه حتى يأتي صاحبه،
-
وإن شاء باعه وحبس ثمنه لصاحبه، وهذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول بعد أن ذكر مسألة أخذ الآبق: [. . .
-
وإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحو ذلك قال مالك، وأصحاب الرأي،
-
ولا نعلم فيه مخالفًا] (١) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٢) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [. . .
-
فإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحوُه قولُ مالكٍ، وأصحاب الرأي،
-
ولا نعلم لهم مخالفا] (٣) .
-
• برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول:
-
[فإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه؛ ليحفظه لصاحبه، وله بيعه لمصلحة، بغير خلاف نعلمه] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
هذه المسألة مشتملة على مسألتين، هما:
-
الأولى: آخذ الآبق هل يلزمه دفعه للإمام، أم هو مخير بين دفعه وإمساكه؟
-
الثانية: هل الإمام مخير في التصرف بين الحفظ أو البيع، أم لا؟
-
وفي كلا المسألتين خلاف بين العلماء، سيأتي تفصيله عند ذكر المخالفين في المسألة.
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
٢/٧٧١٢/٧٧١
الأول: أن هذا العمل الذي هو التصرف بالآبق من المصالح العامة التي تتعلق بعمل الإمام، فلزم تسليمه له، وعدم التصرف فيه (١) .
-
الثاني: أن تصرف الإمام بالرعية منوط بالمصلحة، فينظر الإمام إن شاء أمسكه حتى يأتي سيده،
-
وإن شاء باعه إن كانت المصلحة في بيعه -كأن يكون محتاجا للنفقة وليس ثمة نفقة من بيت المال، أو أتى ثمنُهُ على نفقته- وحَبَس ثَمَنه حتى يأتي السيد.
-
• المخالفون للإجماع:
-
سأذكر تفصيل كل مذهب في المسألتين على حده، وهو كالتالي:
-
الأول: الحنفية: ويرون أن آخذ الآبق يلزمه دفعه للإمام على المشهور عندهم. وفي قول عندهم اختاره بعضهم أنه مخير بين دفعه للإمام وبين حبسه عنده، وقيد بعضهم هذا القول في حالة قدرة الآخذ على حفظه، وإلا فإنه يدفعه للإمام.
-
ثم هم يرون أن الإمام ليس مخيرا في التصرف به، وإنما ينتظر طالبه مدة،
-
ثم يبيعه ويحفظ ثمنه لصاحبه (٢) .
-
الثاني: المالكية: يرون أن آخذ الآبق يرفعه للإمام على المشهور عندهم. ولهم قول آخر بأنه مخير بين رفعه للإمام وبين حبسه عنده إلى أن يأتي طالبه. ويرون بأن الإمام يحفظه سنة كاملة،
-
فإن جاء طالبه في هذه المدة، وإلا باعه وحبس ثمنه لسيده، وفي قول عندهم أن مدة الحبس غير محددة وإنما بقدر ما يتبين أمره، اختار هذا القول سحنون وابن يونس (٣) منهم (٤) .
-
٢/٧٧٢٢/٧٧٢
الثالث: الشافعية: ويرون أن الآخذ يرفعه إلى الإمام، والإمام غير مخير فيه، بل يحبس العبد،
-
فإن أبطأ سيده باعه وحفظ ثمنه (١) .
-
استدل من قال بأن واجد الآبق مخير بين أن يأتي به للسلطان أو يحفظه بنفسه:
-
بالقياس على الضوال: فكما أن له الحق بأن يأخذها ويحفظها، فكذلك الآبق، وكل منهما مال يحتاج إلى رعاية وحفظ (٢) .
-
ويمكن أن يستدل لمن قال بأن الإمام غير مخير في التصرف في هذه الحالة:
-
أن المصلحة تقتضي أن يكون تصرفه في الآبق كذلك، ينتظر مدة سواء كانت محددة أو غير محددة،
-
ثم بعد ذلك يباع ويحفظ ثمنه، وحفظ الثمن أسهل من حفظ العبد؛ إذ هو محتاج إلى النفقة، وربما أبق مرة أخرى.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
استحقاق الجعل لراد الآبق إذا شرطه]
-
• المراد بالمسألة: إذا أبق العبد من سيده، فقال السيد: من رد عبدي فله ألف ريال، سواء كان القول لواحد بعينه أم لعموم الناس، فرده أحدهم، فإنه يلزم السيد أن يعطيه الجعل المحدد، باتفاق العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن راد الآبق يستحق الجعل برده إذا اشترطه] (٣) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٤) .
-
• أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن راد الآبق يستحق الجعل برده إذا شرطه] (٥) .
-
• الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن من رد الآبق يستحق الجعل
-
٢/٧٧٣٢/٧٧٣
برده إذا شرطه] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن هذا عقد التزمه الجاعل على نفسه، فوجب الوفاء به.
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلمون على شروطهم" (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن السيد قد ألزم نفسه بالشرط الذي اشترطه على نفسه، فيلزمه الوفاء به.
-
الثالث: أن في وجوب الجعل صيانة لأموال الناس عن الضياع، وحفظ حقوقهم عن الهدر،
-
فلو بقي الأمر على الاحتساب لما أقدم على هذا الفعل -الذي فيه معنى التعاون- كثير من الناس (٥) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: علي بن أبي طالب، والحكم بن عمرو (٦) ، وإبراهيم النخعي، روي عنهم أنهم قالوا: [المسلمون يرد بعضهم على بعض] (٧) .
-
٢/٧٧٤٢/٧٧٤
وكذلك ابن حزم من الظاهرية لكنه قال: بأنه لا يقضى للمجعول شيء حتى وإن وقع الشرط على الجعالة، لكن يستحب الوفاء له بالوعد ولا يجب (١) .
-
واستدل هؤلاء: بأن رد الآبق لسيده من باب التعاون على البر والتقوى، والمسلم مأمور بأن يحفظ مال أخيه إذا وجده،
-
ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفسه فلا شيء له؛ لأنه أتى ما هو فرض عليه، لكن لو أعطاه بطيب نفس لكان حسنا؛ لأنه من باب الوفاء بالوعد، والوفاء بالوعد في هذه الحالة مستحب وليس بواجب (٢) .
-
أما علي -رضي اللَّه عنه- فقد جاء عنه أنه جعل في جُعل الآبق دينارا أو اثني عشر درهما (٣) .
-
أما النخعي: فقد جاء عنه أنه قال: [لا بأس بجعل الآبق] (٤) .
-
فإما أن يقال قد تعارض القولان عنهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فيسقطان، أو يحمل قولهما المخالف على أنه ينبغي لمن أتى بالعبد الآبق أن لا يأخذ شيئًا لما فيه من التعاون على البر والتقوى.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ القول المخالف.