المبحث الثاني تعريف السرقة لغةً واصطلاحًا
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٣٧٬٢٤٧ إلى ٣٧٬٣١٤
-
١٠/١٩١٠/١٩
• أولًا: تعريف السرقة لغة: يقال: سَرَق الشيء يسْرِقه سَرَقًا، وسَرِقًا واستَرَقَه، وقد بيَّن ابن فارس أصل هذه المادة فقال: "السين والراء والقاف: أصل يدل على أخذ شيء في خفاء وستر، ومما شذ عن هذا الباب: السَّرَق: جمعَ سَرَقة، وهي القطعة من الحرير" (١) .
-
ومنه يُقال: استراق فلان السمع: إذا سمعه مختفيًا، ويُقال: فلان يُسارِق النظَر إليه: إذا ترصَّد غَفلتَه لينظر إليه (٢) .
-
والسرقة عند أهل اللغة: نقل ابن منظور (٣) والزبيدي (٤) أن السارق عند
-
١٠/٢٠١٠/٢٠
العرب: "من جاء مُسْتَتِرًا إلى حِرْزٍ فأخذ منه ما ليس له" (١) .
-
وقال الفيروزآبادي (٢) : "سرق منه الشيء يسرق سَرَقًا. . .: جاء مستترا إلى حرز فأخذ مالًا لغيره" (٣) .
-
وقال التهانوي (٤) : "سرق منه شيئًا: أي جاء مستترًا إلى حرز فأخذ مال غيره" (٥) .
-
وبهذا يتبيَّن أن السرقة في الإطلاق اللغوي تتضمن ثلاثة أمور:
-
الأول: أن يأخذ الإنسان ما ليس له.
-
الثاني: أن يكون الأخذ بخفية.
-
الثالث: أن يأخذه من حرز.
-
أما ما زاد على هذه القيود الثلاثة كتقدير الشيء المسروق بنصاب معيَّن فغير وارد في حد السرقة عند أهل اللغة، بل تطلق حتى على أخذ الشيء التافه.
-
وقد نقل ابن حزم إجماع أهل اللغة على عدم اعتبار الحرز في تعريف
-
١٠/٢١١٠/٢١
السرقة من حيث اللغة، حيث قال: "أما الإجماع فإنه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، والسارق هو المختفي بأخذ ما ليس له" (١) .
-
وقال: "باللغة يدري كل أحد يدري اللغة أن من سرق -من حرز أو من غير حرز- فإنه سارق، وأنه قد اكتسب سرقة، لا خلاف في ذلك" (٢) .
-
وما ادعاه ابن حزم فيه نظر، والصواب اعتبار قيد الحرز عند العرب كما سبق من كلام أهل اللغة، وقد أشار إلى هذا بعض الفقهاء، منهم الصنعاني حيث قال في الاستدلال لكون الحرز معتبر في قطع السارق: "الإحراز مأخوذ في مفهوم السرقة، فإن السرقة والاستراق هو المجيء مستترًا في خفية؛ لأخذ مال غيره من حرز، كما في القاموس وغيره، فالحرز مأخوذ في مفهوم السرقة لغة، ولذا لا يقال لمن خان أمانته: سارق" (٣) .
-
وقال الشوكاني: "مما يؤيد اعتباره -أي الحرز- قول صاحب القاموس: " السرقة والاستراق: المجيء لأخذ مال غيره من حرز "، فهذا إمام من أئمة اللغة جعل الحرز جزءًا من مفهوم السرقة" (٤) .
-
• ثانيًا: تعريف السرقة اصطلاحًا: ختلفت عبارات الفقهاء في ضابط السرقة الموجبة للحد، وذلك لاختلافهم في الشروط الموجبة للقطع، أذكرها على سبيل الإجمال،
-
ثم أذكر تعريفًا جامعًا للسرقة مع بيان محترزاته،
-
ثم أذكر في محتزاته من خالف فيه من أهل العلم.
-
١٠/٢٢١٠/٢٢
فعند الحنفية: قال الزيلعي (١) هي أخذ مكلف، خفية، قدر عشرة دراهم مضروبة، محرزة بمكان أو حافظ " (٢) .
-
وعند المالكية: قال ابن عرفة (٣) : "أخْذ مكلفٍ، حرًا لا يعقل لصغره، أو مالًا محترمًا، لغيره، نصابًا، أخرجه من حرزه، بقصد واحد، خفية، لا شبهة له فيه " (٤) .
-
وعند الشافعية: قال ابن حجر الهيتمي (٥) : "أخذ المال خفية من حرز مثله" (٦) .
-
١٠/٢٣١٠/٢٣
وعند الحنابلة: قال الحجاوي (١) : "أخْذ مال، محترم، لغيره، وإخراجه من حرز مثله، لا شبهة له فيه، على وجه الاختفاء" (٢) .
-
والمختار في تعريف السرقة في الاصطلاح الشرعي أن يُقال: هي أخذ المكلف، مالًا، محترمًا، محرزًا، يبلغ نصابًا، ملكًا للغير، لا شبهة له فيه، على وجه الخفية (٣) .
-
• بيان محترزات التعريف:
-
أَخْذ: أي أن يأخذ الشخصُ ذلك الشيء المسروق، ويخرج بهذا القيد أمران:
-
الأول: ما لو أُعطي ذلك الشيء عن طريق الهبة ونحوه، وهذا القيد ظاهر في جهة المعنى اللغوي والشرعي.
-
الثاني: ما لو هتك الحرز أو دخله، ولم يُخرج المتاع منه، بأن قُبض عليه وهو في الحرز.
-
فهذا لا قطع عليه باتفاق الأئمة الأربعة (٤) ، وخالف فيه ابن حزم بناءً على أن الحرز ليس شرطًا في الأصل (٥) .
-
١٠/٢٤١٠/٢٤
العاقل: خرج بهذا القيد المجنون، والمعتوه، والنائم، والمغمى عليه، فإنه لا حد على أحد من هؤلاء بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن حزم (١) ، وابن عبد البر (٢) ، وابن قدامة (٣) ، والنووي (٤) ، وغيرهم (٥) .
-
البالغ: خرج بهذا القيد ما لو سرق غير البالغ (٦) ، فإنه لا حد عليه بإجماع
-
١٠/٢٥١٠/٢٥
أهل العلم.
-
١٠/٢٦١٠/٢٦
كما نقله الشافعي (١) ، وابن قدامة (٢) ، وشمس الدين ابن قدامة (٣) .
-
مالًا: أن أن يكون المسروق مما يجوز أن يجري عليه البيع والشراء، ويخرج بهذا القيد ما ليس بمال مما لا يُباع ويُشترى، إما لحرمة بيعه وشراءه شرعًا كالإنسان الحر،
-
وإما لكونه من التافه الذي لا قيمة له،
-
ولا يلتفت إليه أحد، وهذا القيد هو محل اتفاق بين المذاهب الأربعة (٤) .
-
إلا أن المالكية وابن حزم استثنوا من ذلك سرِقة الحر الصغير فأوجبوا فيها القطع (٥) .
-
محترمًا: أي أن يكون المال المسروق محترمًا من جهة الشرع، بكونه مباحًا غير محرَّم، وخرج به ما كان محرم شرعًا كآلات المعازف، والخمر ونحوهما،
-
وكذا مال الحربي الذي ليس له أمان، فإنه لا حرمة له، وهذا القيد محل اتفاق بين المذاهب الأربعة (٦) .
-
محرزًا: أي أن يكون في حرز، هو ما نُصب لحفظ أموال الناس عادة (٧) ، وخرج بهذا القيد ما لو كان المال غير محرز،
-
فإن أخذه حينئذٍ لا يوجب الحد،
-
١٠/٢٧١٠/٢٧
وهذا القول حَكى عليه الإجماع جماعة من أهل العلم منهم ابن المنذر (١) ، وأبو بكر الجصاص (٢) ، وابن عبد البر (٣) ، وابن العربي (٤) ، وابن هبيرة (٥) ، وابن قدامة (٦) ، وغيرهم (٧) .
-
وخالف في ذلك ابن حزم فلم ير للحرز اعتبارًا في وجوب الحد (٨) .
-
يبلغ نصابًا: أي أن يبلغ المال المسروق نصابًا (٩) ، وهذا الشرط نقل فيه غير واحد من أهل العلم الإجماع عليه، منهم الطحاوي (١٠) ، والكاساني (١١) ، وابن قدامة (١٢) ، وشمس الدين ابن قدامة (١٣) ،
-
١٠/٢٨١٠/٢٨
وابن مفلح (١) (٢) ، وغيرهم (٣) .
-
وخالف فيه ابن حزم فلم ير لحد السرقة نصابًا، واختار القطع في سرقة القليل والكثير (٤) .
-
ملكًا للغير: أي يشترط أن يكون المال المسروق ليس ملكًا لمن سرقه، وخرج بهذا القيد ما لو سرق ما هو ملك له في الأصل، كأن يودِع ماله عند شخص ما،
-
ثم يسرقه، فلا يُقام عليه الحد حينئذٍ، أو أن يُؤخذ منه مال عن طريق السرقة أو الاغتصاب أو غير ذلك، فيسترجعه عن طريق السرقة،
-
فلا قطع حينئذ باتفاق المذاهب الأربعة (٥) .
-
لا شبهة له فيه: خرج بهذا القيد ما فيه شبهة، كسرقة الوالد من مال ولده، وسرقة العبد من سيده، والسرقة وقت المجاعة، حكى ابن المنذر الإجماع عليه (٦) ، وذلك على اختلاف بين الفقهاء في بعض الصور هل تدخل في حد
-
١٠/٢٩١٠/٢٩
الشبهة أم لا (١) .
-
وخالف ابن حزم فذهب إلى وجوب القطع ولو كان ثمة شبهة تدرؤ الحد، إلا ما وُجد فيه نص على عدم القطع فيمتنع القطع لا لأجل الشبهة، ولكن لأجل النص المانع من إقامة الحد (٢) .
-
على وجه الخفية: أي أن السارق فعل سرقته خفية عن أنظار الناس، وخرج بهذا القيد ثلاثة أمور:
-
أولًا: الغاصب والمنتهب: وهو من أخذ المال من صاحبه جهارًا، قهرًا (٣) .
-
فهذا لا قطع عليه بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن العربي (٤) ، وابن حجر (٥) ، وغيرهم (٦) .
-
ثانيًا: الاختلاس: وهو أخذ الشيء غير المُحرَز بحضرة صاحبه جهرًا مع الهرب به، ويكون باستغفال صاحب المال بدون غلبة، وقد يتفطن له صاحب المال ويكون ثمة مغالبة (٧) .
-
١٠/٣٠١٠/٣٠
فلو سرق المختلس فلا قطع عليه، وحكى عليه الإجماع كثير من أهل العلم منهم ابن المنذر (١) ، وابن حزم (٢) ، وابن عبد البر (٣) ، وابن العربي (٤) ، وغيرهم (٥) .
-
ثالثًا: الخائن: هو الذي يؤتمن على شيء بطريق العارية أو الوديعة أو نحو ذلك، فيأخذه ويدعي ضياعه، أو ينكر أنه كان عنده وديعة أو عارية،
-
فإن هذا لا قطع عليه، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (٦) ، وابن عبد البر (٧) ، وابن حجر (٨) ، وغيرهم (٩) .
-
وخالف فيه ابن حزم فذهب إلى وجوب الحد على الخائن (١٠) ، وعن أحمد رواية -هي المذهب- بوجوب الحد على جاحد العارية (١١) .
-
• موافقة التعريف اللغوى للاصطلاحى: يمكن القول بأن السرقة على قسمين:
-
أولًا: ما يتعلق به التحريم: فهذا النوع يتوافق فيه المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فكل من أخذ مال غيره من حرز خفية، فإنه سارق لغةً، فاعل لمحرّم شرعًا.
-
١٠/٣١١٠/٣١
ثانيًا: ما يتعلق به حد القطع: فهذا النوع يزيد المعنى الشرعي عن اللغوي قيودًا يجب توفرها (١) .
-
تنبيه: المراد بالسرقة هنا: السرقة الصغرى؛ إذ السرقة عند الفقهاء تطلق على قسمين:
-
الأول: سرقة صغرى، وهي السرقة المرادة بهذا الباب.
-
الثاني: سرقة كبرى، وهي تطلق على قطاع الطريق، أما كونه "سرقة" فباعتبار أن قاطع الطريق يأخذ المال خفية عن عين الإمام الذي عليه حفظ الطريق،
-
وأما كونه "كبرى" فلأن ضرره يعم عامه المسلمين حيث ينقطع عليهم الطريق بزوال الأمن
-
بخلاف السرقة الصغيرة فإن ضررها خاص، ولأن حد قطاع الطريق بالقطع من خلاف أغلظ من حد السرقة الصغري بقطع اليد اليمنى (٢) .