المبحث الأول: تعريف الخمر لغة واصطلاحًا:
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٣٧٬١١٠ إلى ٣٧٬١٣٠
-
٩/٦٦١٩/٦٦١
• أولًا: تعريف الخمر لغة: أصل مادة الخاء والميم والراء بمعنى التغطية والمخالطة، قال ابن فارس: "الخاء والميم والراء أصلٌ واحد يدلُّ على التغطية، والمخالطةِ في سَتْر" (١) ، ومنه الخمار: وهو ما يُغطي وجه المرأة، والمخامرة: بمعنى المخالطة، ومنه يقال: رجل خَمر: أي خالطه داء.
-
ومنه شراب الخمر، وهو يُذكر ويؤنث، فيقال: هو الخمر، وهي الخمر، والتأنيث أشهر (٢) . والخمر: كل ما أسكر العقل،
-
وقيل: هو ما أسكر من عصير العنب خاصة، قال الفيروزآبادي: "الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو عام، والعموم أصح" (٣) . سميت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، وتُخمِّره: أي تغطيه وتستره (٤) .
-
ومما سبق يتبيَّن أن حقيقة الخمر اللغوية وقع فيها الخلاف هل هي خاصة بعصر العنب، أو هي عامة بكل مُسكر.
-
• ثانيًا: تعريف الخمر اصطلاحًا: اختلف الفقهاء في حقيقة الخمر الشرعية، بناء على اختلافهم في حقيقتها اللغوية، على قولين: القول الأول: أن الخمر هو اسم للنيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد. وهو مذهب الحنفية (٥) ، وبه
-
٩/٦٦٢٩/٦٦٢
قال بعض الشافعية (١) .
-
القول الثاني: أن الخمر هو كل ما أسكر من كل شراب، سواء أكان من عصير العنب، أو الشعير، أو الزبيب، أو التمر، أو القمح، أو الأرز، أو غيره، وسواء أسكر قليله أو كثيره.
-
وهو قول المالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم (٥) .
-
• ثمرة الخلاف بين القولين: من القولين السابقين يمكن تحصيل ما يلي:
-
أولًا: اتفق الفقهاء على أن عصير العنب النيئ إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، فإنه خمر،
-
ويحرم شرب قليله وكثيره، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم منهم الطحاوي (٦) ، وأبو بكر الجصاص (٧) ، وابن حزم (٨) ، والبيهقي (٩) ، وابن عبد البر (١٠) ، والقاضي عياض (١١) ، وابن هبيرة (١٢) ، وابن حجر (١٣) ، وغيرهم (١٤) .
-
٩/٦٦٣٩/٦٦٣
ثانيًا: اختلف الفقهاء فيما سوى ذلك من الأشربة المُسكرة على قولين: فذهب الحنفية إلى التفريق بين الخمر وبين المُسكر، فالخمر خاص بعصر العنب، والمسكر عام في بعصر العنب ويُحد بشرب القدر المسكر منها وغير المسكر.
-
وأما ما عداها من الأشربة فلا يُحد إلا بشرب القدر المسكر منها.
-
أما الجمهور فلم يذهبوا إلى هذه التفرقة، فما أسكر كثيره، فالقليل منه حرام،
-
ويجب به الحد، سواء كان من عصير العنب أو غيره.
-
• الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- ترجيح القول الثاني، وهو قول الجمهور؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) (١) .
-
الدليل الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت عمر -رضي اللَّه عنه- على منبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة، من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه (٢) .
-
الدليل الثالث: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: "نزل تحريم الخمر، وإن في المدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب" (٣) .
-
الدليل الرابع: عن جابر -رضي اللَّه عنه-: أن رجلًا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المِزْر، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: (أوَمسكر هو) ؟ قال: نعم، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: كل مسكر حرام، إن على اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة
-
٩/٦٦٤٩/٦٦٤
الخبال)، قالوا: يا رسول اللَّه وما طينة الخبال؟ قال: (عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار) (١) .
-
• وجه الدلالة: الأحاديث صريحة في تحريم كل مسكر من العنب، أو التمر، أو العسل، أو الذرة، أو غيره.