الفصل الثاني: مسائل الإجماع في باب الوديعة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٨٬٧١٥ إلى ٢٩٬٠٩٨
-
٨/٦٥٨/٦٥
حكم حفظ الوديعة: الجواز]
-
• المراد بالمسألة: الوديعة: فعيلة بمعنى مفعولة، يقال: أودعت زيدًا مالًا: دفعته إليه ليكون عنده وديعة، وجمعها: ودائع، واشتقاقها من الدعة: وهي الراحة، أو أخذته منه وديعة، فيكون الفعل من الأضداد، لكن الفعل في الدفع أشهر، واستودعته مالًا: دفعته له وديعة يحفظه (١) .
-
وفي اصطلاح الفقهاء: المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض (٢) .
-
• والمراد بالمسألة: جواز الإيداع والاستيداع، فللإنسان أن يودع من غيره، وللآخر أن يودعه، وذكر الفقهاء أن الوديعة من عقود التبرعات،
-
وأن الأصل في ذلك الجواز والحل.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [أجمع أهل العلم على أن الأمانات مؤداة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار] (٣) . العمراني (٥٥٨ هـ) قال: [إن الأمة أجمعت على جواز الإيداع] (٤) . ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [أجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع] (٥) .
-
القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [وأجمعت الأئمة في جميع الأمصار والإعصار على
-
٨/٦٦٨/٦٦
حسن الإيداع] (١) .
-
ابن مفلح (٨٨٤ هـ) قال: [والإجماع في كل عصر على جوازها] (٢) البهوتي (١٠٥١ هـ) قال: [والإجماع في كل عصر على جوازها] (٣) . الشوكاني (١٢٥٥ هـ) : [الوديعة. . وهي مشروعة إجماعًا] (٤) المطيعي (١٣٥٤ هـ) :
-
[وأما الإجماع فأجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع] (٥) عبد الرحمن بن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [وأجمعوا في كل عصر على جوازها للأمر بأدائها في الكتاب والسنة] (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٧) ، وابن حزم من الظاهرية (٨) .
-
قال الماوردي: (فإذا قبل الوديعة كان قبولها من العقود الجائزة له المقام عليها والرجوع فيها) (٩) . وقال ابن حزم:
-
(ومن البر حفظ مال المسلم أو الذمي) (١٠) . وقال السرخسي: (الايداع عقد جائز) (١١) . قال الخطيب الشربيني: (أحكام الوديعة ثلاثة: الأول: الجواز. . .) (١٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة, منها:
-
الأول: قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ
-
٨/٦٧٨/٦٧
-
والثاني: قوله سبحانه وتعالى:
-
والثالث: قوله سبحانه وتعالى:
-
{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} .
-
• وجه الدلالة من هذه النصوص: أنها دلت بمجموعها على أن للأمانة أصلًا في الشرع،
-
وأن حاجة الناس داعية إليها، والودائع أمانات (١) .
-
الرابع: وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن الأمانة بين الطرفين كانت معروفة، وأقرها الشارع الحكيم، وأمر بأن يحافظ عليها.
-
الخامس: والعبرة تقتضيها أيضًا،
-
فإن بالناس إليها حاجة، فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم، ويحتاجون إلى من يحفظها لهم (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن حكم حفظ الوديعة الجواز (٤) .
-
٨/٦٨٨/٦٨
يجب حفظ الوديعة في حرز مثلها]
-
• المراد بالمسألة: أن الوديع يجب عليه حفظ الوديعة وإحرازها متى ما قبلها، وحفظها يكون بما جرت به عادة الناس من حفظ أموالهم.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [أجمع أهل العلم على أن على المودَع إحراز الوديعة وحفظها] (١) . وابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وبالجملة فعند الجميع أنه يجب عليه أن يحفظها مما جرت به عادة الناس أن تحفظ أمولهم، فما كان بيّنًا من ذلك اتفق عليه، وما كان غير بيّن أنه حفظ اختلف فيه] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والحنابلة (٤) ، والشافعية (٥) ، وابن حزم من الظاهرية (٦) .
-
قال ابن حزم: (وصفة حفظها هو أن يفعل فيها من الحفظ ما يفعل بماله،
-
وأن لا يخالف فيها ما حد له صاحبها إلا أن يكون فيما حد له يقين هلاكها فعليه حفظها لأن هذا هو صفة الحفظ وما عداه هو التعدي في اللغة ومعرفة الناس) (٧) .
-
قال السرخسي: (وبعد القبول عليه أداء ما التزم وهو الحفظ حتى يؤديها إلى صاحبه) (٨) . قال العمراني:
-
(وإذا أودعه وديعة فلا يخلو إما أن يطلق المودع الحرز أو يعيّن له الحرز،
-
فإن أطلق المودع الحرز، فعلى المودع أن يحفظها في حرز مثلها كداره ودكانه، لأن الإطلاق يقتضي حرز المثل،
-
وإن عيّن له المودع الحرز، بأن قال: أودعتك لتحفظها في هذا البيت،
-
٨/٦٩٨/٦٩
فإن حفظها المودَع في ذلك البيت ولم ينقلها منه،
-
فلا كلام) (١) .
-
قال ابن مفلح: (. . . ويلزمه حفظها في حرز مثلها عرفًا، كسرقة، وكما يحفظ ماله، ولأنه تعالى أمر بأدائها،
-
ولا يمكن ذلك إلا بالحفظ) (٢) .
-
قال البهوتي: (ويلزمه أي الوديع حفظها أي الوديعة بنفسه أو وكيله، أو من يحفظ ماله كزوجة وعبد، كما يحفظ الوديعة ماله في حرز مثلها عرفًا) (٣) .
-
قال المطيعي: (الإيداع يقتضي الحفظ،
-
فإذا أطلق حمل على المتعارف، وهو حرز المثل) (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (آية المنافق ثلاث. .
-
وإذا ائتمن خان) (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن فيه تحذيرًا للمسلم، وتنبيهًا له على أن يحترز عما هو من علامات المنافق، وذلك بأن يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ به مال نفسه، فيضعها في بيته أو صندوقه لأنه وعد لصاحبها ذلك وخلف الوعد مذموم (٦) .
-
الثاني: ولأن الإيداع من جانب المالك استحفاظ،
-
ومن جانب المودع التزام الحفظ، وهو من أهل الالتزام فيلزمه.
-
النتيجة: صحة الإجماع في أنه يجب حفظ الوديعة في حرز مثلها (٧) .
-
إذا حفظ المودَع الوديعة فتلفت فلا ضمان عليه
-
• المراد بالمسألة: أن الوديعة بيد المودع أمانة،
-
فإذا تلفت عنده فلا
-
٨/٧٠٨/٧٠
يضمنها؛ إلا بالتعدي أو التفريط؛ كسائر الأمانات،
-
فلو ضمن كل أمين لما تصدى للأمانات أحد، ولوقع الناس في حرج وضيق، فالقاعدة أن ما كان من جنس الأمانات فلا ضمان فيه إلا بالتعدي والتفريط.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [أجمع أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة بنفسه في صندوقه، أو حانوته، أو بيته، فتلفت أن لا ضمان عليه] (١) وابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [في أحكام الوديعة، فمنها أنهم: اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة، إلا ما حكي عن عمر بن الخطاب] (٢) والمطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [والوديعة أمانة في يد المودع،
-
فإن تلفت من غير تفريط لم تضمن. . وهو إجماع فقهاء الأمصار] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٤) ، والحنابلة (٥) ، وابن حزم من الظاهرية (٦) .
-
قال ابن حزم: (فإن تلفت من غير تعد منه ولا تضييع لها فلا ضمان عليه فيها) (٧) قال السرخسي:
-
(فإن وضعها في بيته أو صندوقه فهلكت لم
-
٨/٧١٨/٧١
يضمنه) (١) . قال الدردير: (. . .
-
فإن لم يأمر بشيء لم يضمن حيث وضعها بمحل يؤمن عادة، كما لا يضمن إذا تلفت بغير سرقة) (٢) . قال عبد الرحمن بن قاسم: (إذا تلفت الوديعة من بين ماله، ولم يتعد ولم يفرط لم يضمن) (٣) .
-
• مستند الإجماع: ويستند الإجماع إلى عدة أدلة, منها:
-
الأول: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي اللَّه عنه- قال، إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (من أودع وديعة فلا ضمان عليه) (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن الوديعة من الأمانات،
-
وأن المستودع محسن، فإذا تلفت الوديعة عنده فلا يضمن، إلا إذا تعدى أو فرط.
-
الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي اللَّه عنهم- قال، إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (ليس على المستودع -غير المغل- ضمان) (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن الوديعة من الأمانات،
-
وأن المستودع محسن، فإذا تلفت الوديعة عنده فلا يضمن، إلا إذا تعدى أو فرط، فإنه مغل.
-
٨/٧٢٨/٧٢
الثالث: ما روي عن أبي بكر (١) ، وعمر (٢) ، وعلي (٣) ، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهم- (٤) أنهم كانوا لا يضمنون الودائع.
-
الرابع: ولأنه لو وجب على المودَع الضمان من غير تفريط، لامتنع الناس من قبولها، فيؤدي ذلك إلى الضرر بالمودعين (٥) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه (٦) ، فذهب إلى تضمين المودع فرط أم لم يفرط، وهو مروي عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-.
-
• دليلهم: حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-: (أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- ضمنه وديعة ذهبت من بين ماله) (٧) .
-
قالوا وهو حكم أحد الخلفاء الراشدين في محضر من الصحابة، ولم ينكر فكان إجماعًا مع توفر دواعي الإنكار.
-
لكن أصحاب القول الأول وهم جماهير أهل العلم حملوا كلام الإمام أحمد بن حنبل المستند على قضاء عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- على التفريط، أو التهمة. وقد ذكر ذلك: البيهقي (٨) ، وابن قدامة (٩) ، وابن مفلح (١٠) .
-
٨/٧٣٨/٧٣
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن المودع إذا حفظ الوديعة فتلفت لا ضمان عليه (١) .
-
إذا أمر صاحب الوديعة المودع بحفظها في مكان عينه فحفظها ولم يبخس فتلفت فلا ضمان عليه]
-
• المراد بالمسألة: أنه لا ضمان على المودع إذا التزم بالمكان الذي عينه رب الوديعة، وتلفت فيه الوديعة من غير تفريط ولا تعد.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [إن رب الوديعة إذا أمر المستودع بحفظها في مكان عينه، فحفظها فيه، ولم يخش عليها فلا ضمان عليه بغير خلاف، (٢) والبهوتي (١٠٥١ هـ) قال:
-
[وإن عيّن صاحبها حرزًا، فجعلها في دونه ضمن، سواء ردها إليه أو لا، لأنه خالفه في حفظ ماله، ومقتضاه أنه إذا حفظها فيما عينه، ولم يخش عليها،
-
فلا ضمان عليه بغير خلاف] (٣)
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والشافعية (٦) .
-
قال السرخسي: (وإذا قال صاحب الوديعة للمودع اخبأها في بيتك هذا، فخبأها في بيت آخر في داره تلك فلا ضمان عليه استحسنًا) (٧) .
-
٨/٧٤٨/٧٤
قال النووي: (إذا عيّن للوديعة مكانًا فقال: احفظها في هذا البيت أو في هذه الدار،
-
فإما أن يقتصر عليه،
-
وإما أن ينهاه مع ذلك عن النقل،
-
فإن اقتصر عليه فنقلها إلى ما دونه في الحرز ضمن على الصحيح،
-
وإن كان المنقول إليه حرزًا لمثلها،
-
وإن نقلها إلى بيت مثل الأول لم يضمن) (١) .
-
قال البهوتي: (وإن عين صاحبها أي الوديعة حرزًا فجعلها المودع في حرز دونه ضمن الوديع سواء ردها المودع إليه أي إلى الحرز الذي عينه صاحبه أو لا لأنه خالفه في حفظ ماله،
-
وإن أحرزها بمثله أي يحرز مثل الذي عينه صاحبها في الحفظ أو يحرز فوقه أي أحرز منه. . . لم يضمن) (٢) .
-
قال ابن عابدين: (ولو قال لا تدفع إلى عيالك أو احفظ في هذا البيت، فدفعها إلى ما لا بد منه أو حفظها في بيت آخر من الدار فإن كانت بيوت الدار مستوية في الحفظ أو احرز لم يضمن وإلا ضمن لأن التقييد مفيد) (٣) .
-
قال المطيعي: (وإن عين له الحرز فقال: احفظها في هذا البيت، فنقلها إلى ما دونه ضمن لأن من رضي حرزًا لم يرض بما دونه،
-
وإن نقلها إلى مثله أو إلى ما هو أحرز منه لم يضمن) (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى:
-
أن الوديع ممتثل لأمر المودع، ومستجيب لشرطه، غير مفرط في ماله،
-
فلا ضمان عليه، كما هي القاعدة في الأمانات (٥) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أنه إذا أمر صاحب الوديعة المودع بحفظها في مكان عينه فحفظها ولم يبخس فتلفت لا ضمان عليه (٦) .
-
٨/٧٥٨/٧٥
إن خاف الوديع على الوديعة الهلاك فأخرجها من المكان المعين الى حرزها فتلفت لا ضمان عليه]
-
• المراد بالمسألة: إذا اشترط المودع على الوديع مكانًا عينه له يحفظها فيه،
-
ثم خاف الوديع عليها الهلاك فأخرجها من المكان المُعين إلى حرزها، فتلفت فلا ضمان عليه.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [إن خاف عليها سيلًا أو توى -يعني هلاكًا- فأخرجها منه إلى حرزها فتلفت،
-
فلا ضمان عليه بلا خلاف أيضًا] (١) والمرداوي (٨٨٥ هـ) قال:
-
[وإن نهاه عن إخراجها، فأخرجها لغشيان شيء الغالب فيه التوى: لم يضمن، هذا المذهب وعليه الأصحاب،
-
ولا أعلم فيه خلافًا] (٢)
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) .
-
قال السرخسي: (وإذا احترق بيت المودع وأخرج الوديعة مع متاعه ووضعه في بيت جاره، فهلك فهو ضامن في القياس لأنه ترك الحفظ الذي التزمه بالتسليم إلى غيره، وعذره يسقط المأثم عنه، ولكن لا يبطل حق المالك في الضمان، وفي الاستحسان لا ضمان عليه لأنه لا يجد بدًا من هذا في مثل هذه الحالة) (٦) .
-
قال الكاساني: (كما إذا وقع في داره حريق أو كان في سفينة فخاف الغرق فدفعها إلى غيره،
-
ولو قال له: احفظ الوديعة في دارك هذه فحفظها في دار له أخرى فإن كانت الداران في الحرز سواء أو كانت الثانية أحرز لا تدخل في ضمانه) (٧)
-
٨/٧٦٨/٧٦
قال البهوتي: (. . . إلا أن يفعله لحاجة، كما لو خاف عليها من سيل أو حريق، لأنه لا يعد مفرطًا، والأولى إن نقلها إلى الأعلى لم يضمن لأنه زاده خيرًا) (١) . قال الدردير: (إن زاد قفلًا على قفل أمره به فلا يضمن) (٢) .
-
قال المطيعي: (إذا قال له لا تنقلها وإن خفت عليها الهلاك، فخاف عليها الهلاك ونقلها لم يضمن بالمخالفة لأنه زاده خيرًا، أما إذا لم ينقلها فتلفت ففيه وجهان. . . لا يضمن لأن نهيه مع خوف الهلاك أبرأه من الضمان) (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى:
-
أن نقل الوديعة فى هذه الحال تعيّن حفظًا لها، وهو مأمور بحفظها،
-
فلا يضمن (٤) .
-
النتيجة: صحة الإجماع على أن الوديع إذا خاف على الوديعة الهلاك فأخرجها من المكان المُعين إلى حرزها، فتلفت فلا ضمان عليه (٥) .
-
إذا خلط الوديعة بغيرها ثم تلفت فلا ضمان عليه]
-
• المراد بالمسألة: هو جواز خلط الوديعُ الوديعة مع جنسها أو غير جنسها، كدراهم متميزة، وذلك لإمكان فصلها عما خلطت به، وردها بعينها إلى مالكها عند طلبه بيسر، فأشبه ما لو تركها فى صندوق فيه أكياس له، وكل ما ترتب عليها من الفساد فهو هدر، لأن ما يجري عليها يجري على مال الوديع (٦) .
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [أجمع كل من نحفظ عنه
-
٨/٧٧٨/٧٧
من أهل العلم على أن الوديعة إذا كانت دراهم، فاختلطت بغيرها، أو خلطها غير المودَع،
-
ثم تلفت، أن لا ضمان على المودَع] (١) .
-
وابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [يعني بالغلة إذا خلطها بصحاح من ماله، أو خلط الصحاح بالمكسرة لم يضمنها، لأنها تتميز منها فلا يعجز بذلك عن ردها على صاحبها، فلم يضمنها، كما لو تركها في صندوق فيه أكياس له، وبهذا قال الشافعي ومالك،
-
ولا نعلم فيه اختلافًا] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) .
-
قال السرخسي: (الخلط ثلاثة أنواع: خلط يتعذر التمييز بعده كخلط الشيء بجنسه، فهذا موجب للضمان، لأنه يتعذر به على المالك الوصول إلى عين ملكه، وخلط يتيسر معه التمييز كخلط السود بالبيض والدراهم بالدنانيير، فهذا لا يكون موجبًا للضمان لتمكن المالك من الوصول إلى عين ملكه فهذه مجاورة ليس بخلط، وخلط يتعسر معه التمييز كخلط الحنطة بالشعير، فهو موجب للضمان، لأنه يتعذر على المالك الوصول إلى عين ملكه إلا بحرج) (٦) .
-
٨/٧٨٨/٧٨
قال النووي: (إذا خلط الوديعة بمال نفسه، وفقد التمييز ضمن،
-
وإن خلطها بمال آخر للمالك ضمن أيضًا على الأصح لأنه خيانة،
-
ولو أودعه دراهم فأنفق منها درهمًا ثم رد مثله إلى موضعه، لا يبرأ من ضمانه،
-
ولا يملكه المالك إلا بالدفع إليه،
-
ثم إن كان المردود غير متميز عن الباقي، صار الجميع مضمونًا، لخلطه الوديعة بمال نفسه،
-
فإن تميز فالباقي غير مضمون) (١) .
-
قال القرافي: (إذا خلط الدراهم فضاع الجميع لم يضمن، أو ضاع بعضه فما ضاع ضمنه، وما بقي بينكما، لأن دراهمك لا تعرف من دراهمه ولو عرفت لكانت مصيبتها دراهم كل واحد منه،
-
وكذلك الحنطة إذا خلطها بمثلها للاحتراز والفرق، أو بحنطة مخالفة لها، أو بشعير،
-
ثم ضاع الجميع ضمن) (٢) .
-
قال الخطيب الشربيني (. . .
-
وإن تميز عنها فالباقي غير مضمون عليه،
-
وإن تميز عن بعضها لمخالفته له بصفة كسواد وبياض وسكة ضمن ما لا يتميز خاصة،
-
وإن رده بعينه إليها لم يضمن غيره من بقية الدراهم،
-
وإن تلفت كلها أو لم يتميز هو عنها لاختلاطه بها، لأن هذا الخلط كان حاصلًا قبل الأخذ) (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن خلط الوديعة في مثل هذه الصورة يكون مما تتميز عن غيرها،
-
فلا يعجز بذلك عن ردها إلى صاحبها، فلم يضمنها، كما لو تركها في صندوق وفيه أكياس له (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: وقد خالف في هذه المسألة: الإمام أحمد في إحدى الروايتين، فقد حكي عنه: (تضمين من خلط دراهم بيضًا بسود) (٥) .
-
وقد وجه ابن قدامة كلام الإمام أحمد بقوله: (ولعله قال ذلك لكونها
-
٨/٧٩٨/٧٩
تكتسب منها سوادًا، أو يتغير لونها، فتنقص قيمتها،
-
فان لم يكن فيها ضرر،
-
فلا ضمان عليه، واللَّه تعالى أعلم) (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن المودع إذا خلط الوديعة بغيرها ثم تلفت لا ضمان عليه.
-
وأما الرواية عن الإمام أحمد فمحمولة على توجيه ابن قدامة، وهي الموافقة لأصوله (٢)
-
يجوز استعمال الوديعة بإذن مالكها]
-
• المراد بالمسألة: أنه لا خلاف بين أهل العلم أن الوديع لا يجوز له استعمال الوديعة إلا بإذن المودع،
-
فإذا أذن المودع فيجوز للوديع استعمالها على شرط المودع.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [اجمعوا على إباحة استعمالها بإذن مالكها] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والشافعية (٦) ، والحنابلة (٧) .
-
قال الماوردي: (وإذا أذن المودع للمستودع في إجارة الدابة التي
-
٨/٨٠٨/٨٠
أودعها إياه فهو على أمانته في يده،
-
فإذا أخرجها وسلمها فقد ارتفعت يده،
-
فإذا انقضت مدة الإجارة لم يجز أن يسترجعها إلا بإذن) (١) .
-
قال القرافي: (وإنما يسقط الضمان إذن أرباب المال) (٢) . قال عبد الرحمن البصري الضرير:
-
(ولو أذن له صاحب الوديعة في الأخذ منها، ولم يأمره برد بدله، فأخذ ثم رد بدل ما أخذ فهو كرد بدل ما لم يؤذن في أخذه) (٣) .
-
قال علي حيدر: (كما أن للمستودع أن يستعمل الوديعة بإذن صاحبها فله أيضًا أن يؤجرها ويعيرها ويرهنها) (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى: أن إذن المودع للوديع باستعمال الوديعة يجعل الوديعة كالعارية، وقد تقرر أن العارية ينتفع بها المستعير (٥) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز استعمال الوديعة بإذن مالكها (٦) .
-
ضمان الوديعة إذا فرط المودع في حفظها أو تعدى]
-
• المراد بالمسألة: أن المودع إذا فرط في الوديعة بحيث لم يحفظها في المكان الذي يحفظ مثلها، أو تعدى عليها، بحيث استعملها من دون إذن صاحبها فتلفت، أو استعملها بإذن صاحبها استعمالًا مضرًا، فإنه يضمن الوديعة.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا على أن من اتجر في الوديعة، أو أنفقها، أو تعدى فيها مستقرضًا أكلها أو غير مستقرض فضمانها
-
٨/٨١٨/٨١
عليه] (١) . ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وبالجملة فالفقهاء يرون بأجمعهم أنه لا ضمان على صاحب الوديعة إلا أن يتعدى] (٢) . ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [إن تعدى المستودع فيها أو فرّط في حفظها فتلفت ضمنها بغير خلاف نعلمه] (٣) (١٢٥٥ هـ) قال: [وقد وقع الإجماع على أن الوديع لا يضمن إلا لجناية على العين] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٥) ، والشافعية (٦) .
-
قال العمراني: (إذا تعدى المودَع في الوديعة لزمه ضمانها) (٧) . قال الكاساني:
-
(وأما بيان ما يغير حال المعقود عليه من الأمانة إلى الضمان فأنواع: منها: ترك الحفظ، لأنه بالعقد التزم حفظ الوديعة على وجه لو ترك حفظها حتى هلكت يضمن بدلها) (٨) . قال القرافي: (لا يلزم الضمان إلا عند التقصير) (٩) .
-
قال الدردير: (. . . تضمن بتفريط رشيد لا بتفريط صبي ولا سفيه) (١٠) .
-
• مستند الإجماع: ويستند الإجماع إلى عدة أدلة, منها:
-
الأول: عن المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه-، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (إن اللَّه كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) (١١) .
-
• وجه الاستدلال: أن فيه حرمة إضاعة المال، وما ترتب عليه من التعدي
-
٨/٨٢٨/٨٢
والتفريط فهو مضمون.
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) (١) .
-
• وجه الاستدلال: أن الأصل في مال المسلم العصمة،
-
فمن تعدى عليه بتعدٍ أو تفريط فهو ضامن له.
-
الثالث: ولأنه متلف لمال غيره فضمنه، كما لو أتلفه من غير استيداع (٢) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في ضمان الوديعة إذا فرط المودع في حفظها أو تعدى (٣) .
-
الوديعة يختلف فيها المودَع والمستودع فالقول للمودَع
-
• المراد بالمسألة: أن الوديع إذا ادعى تلف الوديعة أو ضياعها بعد حرزه لها، أن القول قوله؛ لأنه أمين.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت: أن القول قوله، وقال أكثرهم: إن القول قوله مع يمينه] (٤) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [المودَع أمين، والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة بغير خلاف] (٥) المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [اتفقوا على أن قبول حفظها أمانة محضة. .
-
وأن القول قوله في تلفها وردها على الإطلاق مع يمينه] (٦) .
-
٨/٨٣٨/٨٣
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
قال ابن حزم: (ولا تخرج عين الوديعة عن ملك المودع فالقول قوله مع يمينه) (٤) .
-
قال السرخسي: (وإذا طلب المودع الوديعة فقال المستودع قد رددتها عليك فالقول قوله مع يمينه لأنه أمين والقول قول الأمين مع اليمين) (٥) . قال العمراني:
-
(وإن ادعى المودَع أنه رد الوديعة على المالك، وأنكر المالك،
-
ولا بينة على الرد، فالقول قول المودع مع يمينه، لأنه مؤتمن على حفظ الوديعة لمالكها،
-
ولا حظ للمودَع فيها) (٦) .
-
قال الكاساني: (ان المودع مع المودع إذا اختلفا، فقال المودع هلكت، أو قال رددتها إليك، وقال المالك: بل استهلكتها فالقول قول المودع) (٧) . قال ابن مفلح: (والمودع أمين. . . والقول قوله فيما يدعيه من رد مع يمينه) (٨) .
-
قال الدردير: (وصُدق المودَع في دعوى التلف والضياع كالرد أي كما يصدق في دعواه أنه ردها لربها لأنه استأمنه عليها والأمين يصدق) (٩) .
-
٨/٨٤٨/٨٤
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى:
-
أن الوديع أمين لا منفعة له في قبض الوديعة، فقبل قوله فى الرد بغير بينة، كما لو أودع بغير بينة (١) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: مالك (٢) ، وأحمد في إحدى الروايتين (٣) .
-
فذهبوا إلى: أنه يقبل قوله إن كان دفع إليه بغير بينة،
-
وإن كان أودعه إياها لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن الوديعة يختلف فيها المودَع والمستودع؛ فالقول للمودَع (٤) .
-
المودع أحق بوديعته إذا عرفت بعينها]
-
• المراد من المسألة: أنه إذا كانت عند المودع أمانات فاختلطت، أو مات المودع، وعرفت الوديعة بعينها، فالوديع أحق بوديعته، وأنه يجب تسليمها إليه، لأنها أمانة.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [أجمع أهل العلم على أن الوديعة إذا عرفت بعينها لرجل أن صاحبها أحق بها،
-
وأن تسليمها إليه يجب] (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٦) ،
-
٨/٨٥٨/٨٥
والمالكية (١) ، والشافعية (٢) ، والحنابلة (٣) .
-
قال الكاساني: (فإن كانت الوديعة قائمة بعينها ترد على صاحبها، لأن هذا عين ماله،
-
ومن وجد عين ماله فهو أحق به على لسان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) (٤) .
-
قال ابن قدامة: (وإن مات وعنده وديعة معلومة بعينها، فعلى ورثته تمكين صاحبها من أخذها) (٥) .
-
قال الماوردي: (وإذا هلك وعنده وديعة بعينها فهي لربها) (٦) . قال الدردير: (وأُخذت الوديعة من تركته حيث ثبت أن عنده وديعة إذا لم توجد بعينها ولم يوص بها قبل موته لاحتمال أنه تسلفها) (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى: أن الوديعة من جنس الأمانات الواجب ردها، فوجودها مع مال التركة لا يسوغ للورثة تأخير ردها بعينها أو قيمتها إلى صاحبها،
-
وأن يدهم عليها يد أمانة، لا يد ملك (٨) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن المودع أحق بوديعته إذا عرفت بعينها.
-
المودع بالخيار في التضمين إذا تلفت الوديعة عند الوديع الثاني]
-
• المراد بالمسألة: أن الوديع الأول إذا استودع الوديعة غيره،
-
ثم استهلكها الثاني، فالمودع بالخيار إن شاء ضمن الأول،
-
وإن شاء ضمن الثاني، غير أنه إنْ ضمن الأول،
-
فإن الأول يرجع بالضمان على الثاني،
-
وإن ضمن الثاني؛ فلا يرجع بالضمان على الأول؛ لأن سبب وجوب الضمان
-
٨/٨٦٨/٨٦
وجد من الثاني حقيقة (١) .
-
• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) قال:
-
[فأما إذا استهلكها فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني بالإجماع] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
قال الكاساني: (المالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني) (٦) .
-
قال العيني: (ومن أودع رجلًا وديعة فأودعها أي المودع أودعها رجلًا آخر فهلكت فله أي فللمالك أن يضمن للأول أي المودع الأول وليس له أن يضمن الآخر أي مودع المودع) (٧) .
-
قال المطيعي: (وإن أودع الوديعة غيره من غير ضرورة ضمنها لأن المودع لم يرض بأمانة غيره،
-
فإن هلكت عند الثاني جاز لصاحبها أن يضمّن الأول لأنه سلم ما لم يكن له تسليمه، وله أن يضمّن الثاني لأنه أخذ ما لم يكن له أخذه) (٨) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة, منها:
-
الأول: يضمن لأن المودع إنما أذن له في حفظها تحت يده، ولم يأذن له في وضعها تحت يد غيره،
-
فإن فعل ذلك، كان متعديا، لخروجه في حفظها عن الوجه المأذون فيه.
-
٨/٨٧٨/٨٧
الثاني: ولأن الناس يتفاوتون في الحفظ والأمانة، والمودع إنما رضي بحفظه وأمانته دون غيره، ولم يسلطه على أن يودعها غيره،
-
فإذا دفعها إلى أجنبي، فقد صار تاركًا الحفظ الذي التزمه، مستحفظًا عليها من استحفظ منه، وذلك تفريط موجب للضمان.
-
الثالث: لأن سبب وجوب الضمان وجد من الثاني حقيقة وهو الاستهلاك، لوقوعه إعجازًا للمالك عن الانتفاع بماله على طريق القهر، ولم يوجد من الأول إلا الدفع إلى الثاني على طريق الاستحفاظ دون الإعجاز، إلا أنه ألحق ذلك بالإعجاز شرعًا في حق اختيار التضمين صورة لأنه باشر سبب الإعجاز فكان الضمان في الحقيقة على الثاني، لأن إقرار الضمان عليه (١) .
-
• الخلاف في المسألة: اختلف العلماء في هذه المسألة إلى عدة أقوال، والخلاف في واقع الأمر متجه إلى صورتين اثنتين:
-
الصورة الأولى: أن يودعها عند غيره لغير عذر، وفي هذا قولان:
-
القول الأول: أن عليه الضمان، وهو مذهب الحنفية (٢) ، المالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) ، وإسحاق (٦) ، وحجة ما ذهبوا إليه ما يلي:
-
الأول: أنه خالف المودع فضمنها، كما لو نهاه عن إيداعها.
-
القول الثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول ابن أبي ليلى (٧) .
-
وحجة ما ذهب إليه ما يلي:
-
٨/٨٨٨/٨٨
الأول: أن الوديعة إذا كان على الوديع إحرازها وحفظها على الوجه الذي يحفظ به ماله، فالإنسان قد يودع مال نفسه عند أجنبي، فكان له أن يودع الوديعة عنده، كما لو حفظها في حرزه.
-
الثاني: ولأن من ملك شيئًا بنفسه، ملك تفويضه إلى غيره، والوديع قد ملك حفظ الوديعة، فيملك تفويضه إلى غيره (١) .
-
القول الثاني: ذهب الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والليث بن سعد (٤) ، إلى أن له أن يودعها عند ثقة مأمون،
-
ولا ضمان عليه في ذلك، سواء قدر على دفعها إلى الحاكم أو لم يقدر.
-
• دليلهم: وحجة ما ذهبوا إليه ما يلي:
-
الأول: لأنه أودعها عند الحاجة لثقة مرضى، فأشبه إيداعها عند الحاكم.
-
الثاني: ولأنه أحد سببي حفظها، فكان موكلا إلى اجتهاده كالحرز (٥) .
-
الصورة الثانية: إذا كان له عذر، مثل إن أراد سفرا، أو خاف عليها عند نفسه من حرق أو غرق أو سرقة، وهذا أيضا فيه خلاف على قولين:
-
القول الأول: ذهب الشافعية (٦) ، والحنابلة (٧) ، إلى أنه إن كان له عذر، فينبغي أن يردها إلى مالكها أو وكيله،
-
فإن تعذر وصوله إليهما، دفعها إلى
-
٨/٨٩٨/٨٩
القاضي، إذ القاضي يقوم مقام صاحبها عند غيبته.
-
فإن لم يجد قاضيا، دفعها إلى أمين ثقة، وإلا ضمنها.
-
• دليلهم: وحجة ما ذهبوا إليه: أنها موضع حاجة،
-
فإن ترك الدفع إلى المالك أو وكيله مع القدرة عليه، ودفعها إلى الحاكم العدل أو الأمين، ضمن، لأنه دفعها إلى غير مالكها بدون إذنه من غير عذر، فضمنها، كما لو أودعها عند أجنبي بلا عذر.
-
ولو دفعها إلى أمين مع القدرة على الحاكم ضمن، لأن غير الحاكم لا ولاية له (١) .
-
القول الثاني: ذهب الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، إلى أن له أن يودعها عند ثقة مأمون،
-
ولا ضمان عليه في ذلك، سواء قدر على دفعها إلى الحاكم أو لم يقدر.
-
• دليلهم: وحجة ما ذهبوا إليه ما يلي:
-
الأول: لأنه أودعها عند الحاجة لثقة مرضي، فأشبه إيداعها عند الحاكم، ولأنه أحد سببي حفظها، فكان موكلا إلى اجتهاده كالحرز (٤) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن المودِع بالخيار في التضمين إذا تلفت الوديعة عند الوديع الثاني، وذلك للخلاف القوي فيها، ولكن ممكن أن يقال بأنه لا يضمن إلا في حالة مخالفة شرط المودع، أو وضعها في يدٍ غير أمينة، فيخرج على أنه مفرط، كما تقرر سابقًا، واللَّه أعلم (٥) .
-
٨/٩٠٨/٩٠
من أخذ مال امرئ مسلم أو معاهد بغير حق وكان أخذه على سبيل الأمانة فهو خائن]
-
• المراد بالمسألة: أن الوديعة من جنس الأمانات،
-
فمن أخذ مال امرئ مسلم أو معاهد بغير حق، وكان أخذه على سبيل الأمانة فإنه يسمى خائنًا.
-
• من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) قال: [أجمع جميع الخاصة والعامة أن اللَّه عز وجل حرم أخذ مال امرئ مسلم أو معاهد بغير حق إذا كان المأخوذ منه ماله غير طيب النفس بأن يؤخذ منه ما أخذ. . وأنه إن أخذه على هذه السبيل مما اؤتمن عليه أنه يسمى خائن] (١) .
-
ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) ، والشوكاني (٧) .
-
قال الماوردي: (اعلم أن التعدي الذي يجب به ضمان الوديعة فعلى سبعة أقسام: القسم الرابع: الخيانة، وهو أن يخرجها ليبيعها، أو لينفقها، فهذا عدوان يجب به الضمان،
-
وكذلك لو جحدها) (٨) .
-
قال ابن قدامة: (إذا نوى الخيانة في الوديعة بالجحود أو الاستعمال، ولم يفعل ذلك لم يصر ضامنًا، لأنه لم يحدث في الوديعة قولًا ولا فعلًا. . .
-
ولو أخرجها بنية الاستعمال فلم يستعملها ضمنها) (٩)
-
قال القرافي: (إن جحدك وديعة أو عرضًا أو غيره، وصار له بيدك مثله
-
٨/٩١٨/٩١
بإيداع أو بيع أو غيره، لا ينبغي أن يجحده. . . قال صاحب المقدمات: الخيانة حرام) (١) .
-
قال الزيلعي: (فكذا إذا أقر به وعاينه يغصب شيئًا لا يعرف قدره أو يودعه، يأمره بالتسليم إلى صاحبه، فكذا إذا أقر به) (٢) .
-
قال الخطيب الشربيني: (ومنها أن ينتفع بها بأن يلبس أو يركب خيانة أي لا لعذر فيضمن لتعديه) (٣)
-
قال الشوكاني: (إن الأدلة القاضية بتحريم مال الآدمي ودمه وعرضه. . فيحرم من مال الآدمي وعرضه ودمه ما لم يكن على طريق المجازاة؛ فإنها حلال؛ إلا الخيانة، ولكن الخيانة إنما تكون في الأمانة، كما يشعر بذلك كلام صاحب القاموس، على أن الأحاديث التي يثبت معها أداء الوديعة كثيرة سيأتي كثير منها في فصول هذا الباب إن شاء اللَّه) (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} .
-
• وجه الاستدلال: أن الودائع من جنس الأمانات، والواجب المحافظة عليها، وردها إلى أصحابها، وحرمة الاستيلاء عليها بغير وجه حق.
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (٥) .
-
• وجه الاستدلال: ففيه وجوب رد الأمانات إلى أصحابها، والوديعة من جنس الأمانات.
-
قال الشوكاني: (إن الأدلة القاضية بتحريم مال الآدمي ودمه وعرضه. .
-
٨/٩٢٨/٩٢
فيحرم من مال الآدمي وعرضه ودمه ما لم يكن على طريق المجازاة؛ فإنها حلال؛ إلا الخيانة، ولكن الخيانة إنما تكون في الأمانة، كما يشعر بذلك كلام صاحب القاموس، على أن الأحاديث التي يثبت معها أداء الوديعة كثيرة سيأتي كثير منها في فصول هذا الباب إن شاء اللَّه) (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن من أخذ مال امرئ مسلم أو معاهد بغير حق وكان أخذه على سبيل الأمانة فهو خائن.
-
إن طلب المودع الوديعة وجب ردها إليه]
-
المراد بالمسألة: أن الوديعة من العقود الجائزة لكلا العاقدين (المودع والمستودع) فمتى أراد صاحب الوديعة الرجوع فيها لزم المستودع ردها إذا لم يترتب على ردها مفسدة راجحة (٢) ،
-
وكذا المستودع إن أراد ردها وجب على المودع قبولها.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أَن على كل مُودع أَن يَفِي بوديعته] (٣) . ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [لا خلاف في وجوب رد الوديعة على مالكها إذا طلبها، فأمكن أداؤها إليه بغير ضرورة] (٤) .
-
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [لا خلاف في وجوب رد الوديعة على مالكها إذا طلبها] (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٦) ،
-
٨/٩٣٨/٩٣
والمالكية (١) ، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
قال ابن حزم: (فرض على من أودعت عنده وديعة حفظها وردها إلى صاحبها) (٣) قال العمراني:
-
(وإذا طالب المودع برد الوديعة وجب على المودَع الرد) (٤) .
-
قال القرافي: (الرد واجب مهما طلب المالك) (٥) .
-
قال البهوتي: (من حصل في يده أمانة. وجبت عليه المبادرة إلى الرد مع العلم بصاحبها ومع التمكن منه
-
وكذا إعلامه) (٦) .
-
قال ابن عابدين: (. . . هذا حكمها مع وجوب الحفظ والأداء عند الطلب) (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) } .
-
• وجه الاستدلال: أن الوديعة من جنس الأمانات،
-
فإذا طلبها ربها وجب دفعها إليه.
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (٨) .
-
• وجه الاستدلال: أن فيه الحث بأداء الأمانات عند طلبها، والوديعة من جنس الأمانات (٩) .
-
٨/٩٤٨/٩٤
الثالث: ولأن الوديعة حقا لمالكها لم يتعلق بها حق غيره، فلزم أداؤها إليه، كالمغصوب والدين الحال.