الفصل الثالث: مسائل الإجماع في الحدود
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٥٬٠٧٦ إلى ٢٥٬٢٨٤
-
٣/٧٠٢٣/٧٠٢
وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها]
-
إذا توفي الزوج لزم امرأته أن تعتد للوفاة، ويلزمها أيضًا الإحداد (١) عليه، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "ثبت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: " لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا " (٢) ، وأجمعوا على ذلك" (٣) .
-
٢ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "فالمتوفى عنها زوجها، يجب الإحداد عليها، قاله جميع الفقهاء" (٤) .
-
٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن الإحداد واجب" (٥) . وقال أيضًا: ". . . العدة واجبة في القرآن، والإحداد واجب بالسنة المجتمع عليها" (٦) .
-
٤ - علاء الدين السمرقندي (٥٤٠ هـ) حيث قال:
-
"فإن كانت معتدة عن وفاة زوجها؛ يجب الإحداد بالإجماع" (٧) .
-
٥ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: "الإحداد فرض على المتوفى، بإجماع من
-
٣/٧٠٣٣/٧٠٣
الأمة " (١) .
-
٦ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "لا خلاف بين الفقهاء أن المتوفى عنها زوجها يلزمها الإحداد " (٢) .
-
٧ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "أجمع المسلمون على أن الإحداد واجب على النساء الحرائر المسلمات في عدة الوفاة " (٣) .
-
٨ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "هذا يسمى الإحداد، ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها " (٤) .
-
٩ - الرافعي (٦٢٣ هـ) حيث قال: "قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث؛ إلا على زوج" ، أجمعوا على أنه أراد الوجوب " (٥) .
-
١٠ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها " (٦) .
-
١١ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها، وهو مجمع عليه في الجملة " (٧) .
-
١٢ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "الإحداد: وهو في عدة الوفاة اتفاقًا " (٨) .
-
١٣ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "فالإحداد على الزوج عزيمة، وعلى غيره رخصة، وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفى عنها زوجها " (٩) .
-
١٤ - البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث قال: "وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها بلا خلاف " (١٠) .
-
١٥ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: "اتفق الأئمة على أن عدة الحامل مطلقًا بالوضع، وعلى أن الإحداد واجب في عدة الوفاة" (١١) .
-
٣/٧٠٤٣/٧٠٤
١٦ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: " لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث؛ إلا على زوج "، أجمعوا على أنه أراد الوجوب" (١) .
-
١٧ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال:
-
"ويلزم الإحداد مدة العدة كل امرأة متوفى عنها زوجها، في نكاح صحيح، بلا نزاع بين أهل العلم" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وافق عليه ابن حزم (٣) . وهو قول ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة -رضي اللَّه عنهم-، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وعروة بن الزبير، ويحيى الأنصاري، وربيعة، والزهري، والنخعي، وسفيان الثوري، وإسحاق (٤) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - عن أم حبيبة -رضي اللَّه عنها- قالت: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" (٥) .
-
٢ - عن زينب بنت أبي سلمة أنها سمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها؛ أفنكحلها؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا، مرتين أو ثلاثًا" ، كل ذلك يقول: لا،
-
ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" (٦) .
-
• وجه الدلالة: نفى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الحِل عن الإحداد فوق ثلاث على ميت غير الزوج، وبين أن الإحداد على الزوج أربعة أشهر وعشر، فلما نفى الحل عن غير الزوج، دل على وجوبه على الزوج.
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الحسن البصري، والشعبي، والحكم بن عتيبة (٧) ، إلى القول بعدم وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلها أن تتزين، وتمتشط، وتكتحل، ونحو ذلك.
-
٣/٧٠٥٣/٧٠٥
• دليل هذا القول:
-
١ - عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد (١) عن أسماء بنت عميس (٢) -رضي اللَّه عنه- قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب فقال: "لا تحدي بعد يومك هذا" (٣) .
-
٢ - عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر -رضي اللَّه عنه- أمرني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "تسلبي (٤) ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت" (٥) .
-
• وجه الدلالة: قال أصحاب هذا القول: حديث عبد اللَّه بن شداد بن الهاد عن
-
٣/٧٠٦٣/٧٠٦
أسماء ناسخ لأحاديث الإحداد؛ لأنه بعدها،
-
فإن أم سلمة روت حديث الإحداد، وإنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرها به بعد موت أبي سلمة،
-
ولا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر (١) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، لما يأتي:
-
١ - أن كثيرًا من العلماء الذين نقلوا الإجماع على وجوب الإحداد لم يحكوا الخلاف إلا عن الحسن البصري فقط،
-
ثم وصفوا هذا القول بالشذوذ.
-
٢ - تبين بعد النظر في كتب الفقهاء والمحدثين أن الخلاف ثبت عن ثلاثة هم: الحسن البصري، والشعبي، والحكم بن عتيبة (٢) .
-
٣ - أن هناك من العلماء من نفى تحقق الإجماع بسبب هذا الخلاف؛ قال ابن حجر: "ومخالفتهما -أي الحسن، والشعبي- لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها رد على من ادعى الإجماع" (٣) .
-
وقال ابن حزم: "ولم يتفقوا في وجوب الإحداد على شيء يمكن ضمه؛ لأن الحسن لا يرى الإحداد أصلًا" (٤) .
-
٤ - أن قول المخالفين بأن أحاديثهم نسخت الأحاديث الدالة على الوجوب؛ دليل على أنهم علموا بتلك الأحاديث الدالة على الوجوب.
-
٥ - أن ما قيل من ضعف أحاديث المخالف، ووصفها بالانقطاع والإرسال، غير صحيح، فقد ذكر ابن حجر أنها ثبتت بسند قوي،
-
فلا يقدح فيها ما وصفت به من الشذوذ ومخالفتها للسنة (٥) ، لكونها ثبتت بسند قوي.
-
٦ - كل ما يقال في المسألة: إن رأي الجمهور هو الراجح.
-
٣/٧٠٧٣/٧٠٧
لا تلبس الحادة المصبوغ من الثياب]
-
إذا توفي زوج المرأة لزمها الإحداد، وتمتنع فيه عن لبس الثياب المعصفرة (١) ، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على منعها من لبس المعصفر" (٢) . ونقله عنه القرطبي (٣) ، والنووي (٤) ، وابن حجر (٥) ، والصنعاني (٦) ، والشوكاني (٧) ، وابن قاسم (٨) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن المعتدة تجتنب لبس الثياب المصبوغة، وافق عليه الحنفية (٩) ، وابن حزم الظاهري (١٠) . وهو قول عائشة، وابن عمر، وأم سلمة، وأم عطية (١١) -رضي اللَّه عنه-، والزهري، وإسحاق، وأبي ثور (١٢) .
-
• مستند الإجماع: عن أم عطية -رضي اللَّه عنهما-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عصب (١٣) ، ولا تكتحل، ولا تمسَّ طيبًا، إلا إذا طهرت نُبذةً من قُسطٍ، وأظفار (١٤) " (١٥) .
-
٣/٧٠٨٣/٧٠٨
• الخلاف في المسألة: ذهب الحسن البصري، والشعبي، والحكم بن عتيبة إلى عدم وجوب الإحداد -الذي هو ترك الزينة-،
-
ومن ثم كل ما ينبني على القول بعدم الوجوب، إباحة التزين والتطيب، ولبس الثياب المصبوغة وغيرها (١) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع في أن الحادة لا تلبس الثياب المصبوغة؛ وذلك لخلاف الحسن البصري، والشعبي، والحكم بن عتيبة، القائل بعدم وجوب الإحداد أصلًا.
-
لا تلبس الحادة الحلي]
-
إذا كانت المرأة في الإحداد على زوجها فلا تلبس العلي، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على منع المرأة المحدة من لبس الحلي" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الإجماع على أن الحادة لا تلبس الحلي، وافق عليه الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والحنابلة (٥) . وهو قول عائشة، وابن عمر، وأم سلمة -رضي اللَّه عنهم-، وسعيد بن المسيب، وأبي ثور (٦) .
-
• مستند الإجماع: عن أم سلمة -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة (٧) ، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل" (٨) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم (٩) إلى القول بإباحة الحلي للحادة، وهو قول
-
٣/٧٠٩٣/٧٠٩
عطاء، إلا أن عطاء رخص في الفضة فقط، إن مات زوجها وهي عليها،
-
فإن لم تكن عليها حين مات؛
-
فلا تبتدئ لبسها (١) .
-
• دليل هذا القول: ضعّف ابن حزم دليل الجمهور؛ فقال: في هذا الخبر ذكر الحلي،
-
ولا يصح؛ لأن إبراهيم بن طهمان ضعيف،
-
ولو صح لقلنا به (٢) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الحادة لا تلبس الحلي؛ وذلك لما يأتي:
-
١ - خلاف الحسن، والشعبي، والحكم بن عتيبة، الذين لا يرون وجوب الإحداد.
-
٢ - خلاف عطاء في إباحة لبس حلي الفضة إن مات الزوج، وهي على المرأة.
-
٣ - خلاف ابن حزم الذي يرى جواز لبس الحلي للحادة،
-
وإن كان يرى وجوب الإحداد.
-
منع الحادة من الطيب والزينة]
-
تمنع الحادة من الطيب والزينة؛ لتناقض ذلك مع الإحداد، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على منع المرأة فى الإحداد من الطيب والزينة" (٣) . وذكره في الإشراف (٤) .
-
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وتجتنب الحادة أربعة أشياء؛ أحدها: الطيب، ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد" (٥) .
-
٣/٧١٠٣/٧١٠
٣ - ابن القيم (٧٥١ هـ) فذكره كما قال ابن قدامة (١) .
-
٤ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على منع الأدهان المطيبة" (٢) .
-
٥ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) فذكره كما قال العيني (٣) .
-
٦ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "تحريم الطيب على المعتدة، وهو كل ما يسمى طيبًا، ولا خلاف في ذلك" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم الطيب والزينة على الحادة، وافق عليه المالكية (٥) ، وابن حزم (٦) . وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، وعطاء، والزهري (٧) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - عن زينب بنت أم سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة -رضي اللَّه عنهما- حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية،
-
ثم مست بعارضيها، ثم قالت: واللَّه ما لي بالطيب من حاجة؛ غير أني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" (٨) .
-
٢ - عن أم عطية -رضي اللَّه عنهما- قالت: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تحد فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها لا تكتحل، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا؛ إلا أدنى طهرها إذا طهرت، نبذة من قسط، أو أظفار" (٩) .
-
٣ - أن الطيب يحرك الشهوة، ويدعو إلى المباشرة، وهذا ينافي معنى الإحداد (١٠) .
-
• الخلاف في المسألة: في المسألة خلاف سبق ذكره عن الحسن، والشعبي، والحكم بن عتيبة، إذ يرون أن الإحداد غير واجب، فللحادة أن تتطيب وتتزين بعد ثلاث ليال،
-
ولا تمنع من شيء بعد ذلك (١١) .
-
٣/٧١١٣/٧١١
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الحادة تمنع من الطيب والزينة ونحوها بسبب الإحداد؛ لخلاف الحسن، والشعبي، والحكم؛ في عدم إيجاب الإحداد، وإباحة الزينة والطيب للحادة بعد ثلاث.
-
جواز استعمال السدر والزيت للحادة في مشط رأسها]
-
يجوز للحادة أن تمشط شعرها بالسدر، والزيت، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
من نفى الخلاف: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "تجمع الحادة رأسها بالسدر، والزيت، لا أعلم في ذلك خلافًا" (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن عبد البر من المالكية من أنه لا خلاف في جواز استعمال السدر للحادة في مشط رأسها، وافق عليه الحنفية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم (٥) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - عن أم سلمة -رضي اللَّه عنهما- قالت: دخل عليّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرًا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ " ، فقلت: إنما هو صبر يا رسول اللَّه، ليس فيه طيب، قال: "إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعينه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب والحناء، فإنه خضاب" ، قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول اللَّه؟
-
قال: "بالسدر تغلفين به رأسك" (٦) .
-
٢ - عن مالك أنه بلغه أن أم سلمة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت تقول: تجمع الحاد رأسها بالسدر والزيت (٧) . قال ابن عبد البر: ويشبه ألا يكون مثله رأيًا (٨) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية (٩) ، والشافعية (١٠) ،
-
٣/٧١٢٣/٧١٢
والحنابلة (١) ، وابن حزم (٢) ، إلى عدم إباحة استعمال الزيت في دهن الشعر.
-
ثانيًا: فرَّق المالكية بين ما إذا كانت الأدهان مطيبة، أو غير مطيبة؛ فقالوا: إن كانت الأدهان مطيبة فلا يجوز استعمالها في الرأس،
-
وإن كانت غير ذلك جاز (٣) .
-
أدلة هذين القولين:
-
١ - أن استعمال الزيت يحدث زينة، وهى منهى عنها زمن الإحداد (٤) .
-
٢ - أن الحادة ممنوعة من استعمال الزينة أثناء العدة، لما قد تسببه من شهوة الرجال إليها، أو شهوتها هي للرجال، والدهن من الزينة (٥) .
-
النتيجة: أولًا: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في جواز استعمال السدر في مشط الرأس وغسله؛ للأسباب التالية:
-
١ - لعدم وجود مخالف في ذلك كما قيل.
-
٢ - لا يعترض على ذلك بأن الحسن البصري ومن وافقه لا يرون وجوب الإحداد؛ لأن الجمهور هنا يقولون بإباحة استعمال السدر في مشط الرأس، والذين لا يرون وجوب الإحداد من باب أولى أن يوافقوا على استعمال السدر وغيره.
-
ثانيًا: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في جواز استعمال الزيت في مشط الرأس؛ لما يأتي:
-
١ - وجود خلاف عن الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم إذ منعوا استعمال الزيت في مشط الشعر.
-
٢ - تفريق المالكية في الزيت فإن كان مطيبًا لم يجز استعماله،
-
وإن كان غير مطيب جاز استعماله.
-
لا إحداد على غير الزوجة:
-
إذا توفي الرجل لزم امرأته أن تعتد للوفاة،
-
وأن تحد، وقد تكون هذه الزوجة حرة أو أمة،
-
فإن كانت أمة يملكها ملك يمين، أو أم ولد له،
-
فلا إحداد عليهن، ونُقل
-
٣/٧١٣٣/٧١٣
الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "لا أعلمهم يختلفون في أن لا حداد على أم الولد إذا مات سيدها" (١) .
-
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:
-
"ولا إحداد على غير الزوجات، كأم الولد إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وكذلك الأمة التي يطؤها سيدها، إذا مات عنها" (٢) .
-
٣ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن لا إحداد على أم الولد ولا على الأمة إذا توفي عنهما سيدهما" (٣) .
-
٤ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "الإحداد لا يجب على الأمة، ولا على أم الولد إذا مات سيدهما؛ لأنهما ليسا بزوجين، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الشافعية، والحنابلة من الإجماع على أن الإحداد لا يجب على غير الزوجات -فلا يجب على الإماء، وأمهات الأولاد- وافق عليه الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
• مستند الإجماع: عن أم حبيبة -رضي اللَّه عنها- قالت: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا" (٨) .
-
• وجه الدلالة: الإحداد على الزوجات بنص الحديث،
-
وأما من كانت غير زوجة مما يملكه الإنسان ملك يمين من الإماء، وأمهات الأولاد فلا إحداد عليهن؛ لأنهن لسن زوجات (٩) .
-
النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أنه لا إحداد على غير الزوجات؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
٣/٧١٤٣/٧١٤
ثانيًا: يبقى خلاف الحسن البصري ومن معه قائمًا في عدم وجوب الإحداد على الزوجات.
-
لا إحداد على غير زوج:
-
إذا توفي قريب للمرأة، أخ، أو أب، أو ابن، فليس لها أن تحدّ عليه أكثر من ثلاثة أيام، والإحداد في مدة عدة الوفاة إنما هو على الزوج فقط، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
من نفى الخلاف: ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال:
-
"ولا نعلم خلافًا في عدم وجوبه على الزوجة بسبب غير الزوج، من الأقارب" (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن الهمام من أنه لا خلاف في أنه لا إحداد على ميت غير الزوج، وافق عليه المالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم الظاهري (٥) .
-
• مستند نفي الخلاف: عن زينب بنت أم سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة -رضي اللَّه عنها- حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية،
-
ثم مست بعارضيها، ثم قالت: واللَّه ما لي بالطيب من حاجة؛ غير أني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" (٦) .
-
• وجه الدلالة: هذه أم المؤمنين أم حبيبة لما توفي أبوها أتت بطيب بعد ثلاثة أيام فمست منه، مما يدل على أن الإحداد لا يجب على غير الزوج،
-
فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نفى الحل عن الإحداد على غير الزوج (٧) .
-
النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف أنه لا إحداد على غير الزوج.
-
لا يجب الإحداد على المطلقة طلاقًا رجعيًّا بسبب الطلاق:
-
إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها فيه،
-
فلا يجب عليها أن تحد في فترة
-
٣/٧١٥٣/٧١٥
العدة، إظهارًا للحزن على الطلاق، بل سبق القول: إن لها أن تتزين له في فترة العدة، ونقل الإجماع على أنه لا يجب عليها إحداد جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "المطلقة طلاقا رجعيًّا مفارقة لزوجها بتمام عدتها، ولا خلاف في أنه لا إحداد عليها لا في العدة ولا بعد العدة" (١) .
-
٢ - ابن عبد البر (٤١٣ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن لا إحداد على المطلقة الرجعية" (٢) .
-
٣ - علاء الدين السمرقندي (٥٤٠ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أنه لا يجب الإحداد على المطلقة طلاقًا رجعيًّا" (٣) .
-
٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:
-
"ولا إحداد على رجعية، بغير خلاف نعلمه" (٤) .
-
٥ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه لا يجب الإحداد على أم الولد، ولا على الأمة إذا توفى عنها سيدها، ولا على الزوجة الرجعية" (٥) .
-
٦ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "وليس الإحداد من لوازم العدة ولا توابعها ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهة. . . ولا الرجعية اتفاقا" (٦) .
-
٧ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "أما الرجعية: فلا إحداد عليها، إجماعا" (٧) .
-
٨ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "لا إحداد على المطلقة، فأما الرجعية فإجماع" (٨) .
-
٩ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "لا يجب على المطلقة الرجعية أن تحد على زوجها الحي؛ بلا خلاف" (٩) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أنه لا يجب الإحداد على المطلقة طلاقًا رجعيًّا، هو قول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسفيان
-
٣/٧١٦٣/٧١٦
الثوري (١) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - أن الرجعية في حكم الزوجات، لها أن تتزين لزوجها، وتستشرف له، ليرغب فيها، وتنفق عنده، كما تفعل في صلب النكاح، بل هي مندوبة إلى ذلك (٢) .
-
٢ - أن الإحداد إنما يجب عند فقد الزوج، والرجعية ليست كذلك، بل هي ذات زوج، بدليل أنه يلحقها إيلاؤه، وظهاره، ولعانه (٣) .
-
النتيجة: سبق أن للرجعية أن تتزين لزوجها؛ والقول بوجوب الإحداد عليها يتعارض مع ذلك، وعليه فقد تحقق الإجماع على أنه لا يجب على المطلقة طلاقًا رجعيًّا أن تحد على زوجها في عدتها منه.
-
سقوط الإحداد عن المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل:
-
تنتهي عدة المرأة الحامل سواء كانت عدة طلاق، أو عدة وفاة بوضع الحمل،
-
فإن كانت حاملًا، وقد توفي عنها زوجها؛ لزمتها عدة الوفاة، ولزمها الإحداد على زوجها،
-
فإن وضعت فقد انتهت عدتها،
-
ومن ثم انتهى الإحداد مع العدة، ونُقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق: ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "إن الإحداد تابع للعدة بالشهور، أما الحامل؛ فإذا انقضى حملها سقط وجوب الإحداد عنها اتفاقًا" (٤) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن القيم من الاتفاق على أن الإحداد يسقط عن الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، وافق عليه الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والشافعية (٧) ، وابن حزم (٨) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - أن سُبيعة الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة، وكان ممن
-
٣/٧١٧٣/٧١٧
شهد بدرًا، فتوفي عنها في حجة الوداع؛ وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلَّت من نفاسها، تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنكِ واللَّه ما أنت بناكح حتى تمر عليكِ أربعة أشهر وعشر.
-
قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك؛ جمعت عليَّ ثيابي حتى أمسيت، فأتيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي (١) .
-
٢ - عن أم حبيبة -رضي اللَّه عنها- قالت: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" (٢) .
-
• وجه الدلالة: من الحديثين: أن زوج سبيعة قد توفي عنها وهي حامل، وقد ولدت بعد موته بقليل، وبين الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لها أن عدتها قد انتهت بوضع حملها، ولها أن تتزوج إن بدا لها،
-
وأن المرأة تحد على زوجها إن مات أربعة أشهر وعشرا، فلما كان أنّ عدتها انتهت بوضع حملها تبعها الإحداد في الانتهاء.
-
٣ - أن الإحداد تابع للعدة من الوفاة؛
-
فإن انتهت، سواء بالحمل أو بالشهور، فقد انتهى الإحداد بانتهائها (٣) .
-
النتيجة: صحة ما ذكر من الاتفاق على أن الإحداد يسقط عن الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل؛
-
ولا مخالف في ذلك.
-
المطلقة قبل الدخول لا إحداد عليها: الإحداد مرتبط بالعدة كما سبق،
-
فإن تُوفي زوج المرأة لزمتها العدة والإحداد،
-
فإن طلقها قبل الدخول،
-
فلا عدة ولا إحداد عليها، ونقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "المطلقة قبل الدخول لا إحداد عليها اتفاقًا" (٤) . ونقله عنه الشوكاني (٥) .
-
٣/٧١٨٣/٧١٨
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن حجر، والشوكاني من الاتفاق على أنه لا إحداد على المطلقة قبل الدخول؛ لعدم وجوب العدة عليها أصلًا، وافق عليه الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والحنابلة (٣) ، وابن حزم (٤) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} .
-
٢ - أن العدة تجب لمعرفة براءة الرحم، وبراءته متيقنة هنا؛ لعدم دخول الزوج، فانتفت العدة (٥) .
-
النتيجة: صحة ما ذكر من الاتفاق على أنه لا إحداد على المطلقة قبل الدخول؛ لعدم وجود مخالف.
-
إباحة الإحداد للمطلقة البائن:
-
إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا بائنًا أُبيح لها الإحداد، وإظهار الأسف والحزن على فراقه، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال بعد أن ذكر الأقوال في الإحداد على البائن: "وحيث قلنا لا يجب الإحداد، فإنه يجوز إجماعًا" (٦) .
-
٢ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال:
-
"ويباح الإحداد لبائن من حيّ، بالإجماع" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنابلة من الإجماع على إباحة الإحداد للمطلقة البائن، وافق عليه المالكية (٨) ، والإمام ألشافعي في الجديد (٩) . وهو قوله ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، وأبي الزناد، وعطاء، وربيعة (١٠) .
-
• مستند الإجماع: أن هذه المرأة معتدة من طلاق بائن، أشبه الوفاة، فيباح لها
-
٣/٧١٩٣/٧١٩
إظهار التأسف على فراق زوجها (١) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية (٢) ، والإمام الشافعي في القديم (٣) ، والإمام أحمد في رواية عنه، وعليها أكثر الحنابلة (٤) ، إلى أن الإحداد يجب على المطلقة البائن. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي عبيد، وأبي ثور (٥) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - أن الإحداد شُرع إظهارًا للمصيبة على فوات نعمة النكاح، والنكاح في الطلاق البائن قد فات، فيجب إظهار التأسف والحزن لفواته (٦) .
-
٢ - أن المبتوتة عدتها أغلظ من عدة المتوفى عنها زوجها، إذ تمنع من الخروج نهارًا،
-
ولا تمنع منه المتوفى عنها زوجها، فكانت المبتوتة بالإحداد أولى (٧) .
-
النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن الإحداد يباح للمطلقة لبائن على فراق زوجها؛ لما يلي:
-
١ - خلاف عن الحنفية، والإمام الشافعي في القديم، ورواية عن الإمام أحمد، بوجوب الإحداد،
-
ولا يخفى الفرق بين الإباحة، والوجوب من حيث التكليف.
-
٢ - يترتب على القول بالوجوب؛ لحوق الإثم عند عدم الإحداد.
-
٣ - أن القائلين بإباحة الإحداد يرون أنه لا يسن (٨) ، فكيف يقولون إنه يباح بالإجماع؟ !
-
ثانيًا: يمكن حمل ما قيل من الإجماع على إباحة الإحداد على أنه قول الذين لا يرون وجوبه؛ فقد قال ابن المنذر: "قال الشافعي: أحب أن تفعل، ولا يبين لي أن أوجبه" (٩) . وقال الماوردي: الإحداد مستحب للمبتوتة، وفي وجوبه قولان (١٠) .