فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

المبحث الأول: تعريف الإمامة لغة واصطلاحًا:

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٧٬٨٣٥ إلى ٢٧٬٨٨٥

  1. ٥/٤٧٥/٤٧

    المطلب الأول: الإمامة في اللغة: الإمامة مصدر من "أمَّ" ، والأمُّ -بالفتح-: القصد، يُقال: أَمّه وأممه وتأممه إذا قصده (١) . وأمَّهم وأمَّ بهم: تقدمهم، وهي الإمامة.

  2. والإمام: كل ما ائتم به من رئيس أو غيره (٢) ، يقول الأزهري: "الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين" (٣) . وفي التنزيل: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} (٤) ، أي: إمام هدى أو إمام ضلالة، في أحد وجوه التفسير (٥) .

  3. والجمع: أئمة، أصلها: أممة، مثل: مثال وأمثلة، ولكن الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية، وألقيت حركتها على الهمزة، فقيل: أئمة.

  4. وإمام كل شيء قيِّمُه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وإمام الجند قائدهم، وهذا أيَّمُ من هذا وأوَّم من هذا، أي: أحسن إمامة منه، قلبوها إلى الياء مرة وإلى الواو أخرى كراهية التقاء الهمزتين.

  5. وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به: اقتدى به.

  6. والإمام: الخيط الذي يُمَدُّ على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه سقف البناء،

  7. ٥/٤٨٥/٤٨

    وإمام الغلام في المكتب ما يتعلمه كل يوم، والإمام: المثال، أي: ما امتثل عليه (١) .

  8. والإمام: الطريق الواسع، وبه فُسِّر قول اللَّه -تعالى-: {وَإِنَّهُمَا لبَإِمَامٍ مُّبِينٍ} (٢) ، أي: بطريق يأتمون به في سفرهم ويهتدون به، يبين لمن ائتم به استقامته (٣) .

  9. والدليل: إمام السفر، والحادي: إمام الإبل،

  10. وإن كان وراءها لأنه الهادي لها (٤) . إلى غير ذلك من المعاني المقاربة.

  11. وخلاصة ما سبق: أن الإمام في اللغة: القائد، والقدوة، وقيِّم الأمر المصلح له، والإمامة: القيادة.

  12. المطلب الثاني: الإمامة في الاصطلاح: ورد عن أهل السنة والجماعة ومخالفيهم عدة تعريفات للإمامة، منها:

  13. ١ - هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (٥) .

  14. ٢ - الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٦) .

  15. ٣ - الإمامة: رياسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا (٧) .

  16. ٤ - هي: نيابة عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم في إقامة الدين، بحيث يجب

  17. ٥/٤٩٥/٤٩

    على كافة الأمم الاتباع (١) .

  18. ٥ - هي خلافة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم في إقامة الدين، بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة (٢) .

  19. ٦ - وذهب الزيدية إلى أن الإمامة: رئاسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ليس فوقه يد إلا يد اللَّه سبحانه وتعالى (٣) .

  20. ٧ - وذهب الإمامية إلى أن الإمامة: رئاسة الدين والدنيا، ومنصب إلهي يختاره اللَّه بسابق علمه، ويأمر النبي بأن يدل الأمة عليه، ويأمرهم باتباعه (٤) .

  21. ويُلاحظ أن التعريفات الخمسة الأولى تتفق في اعتبار الإمامة خلافة للنبوة شاملة لأمور الدنيا والدين، أما تعريفا الزيدية والإمامية فيظهر فيهما أثر عقيدة الفرقتين في الإمام والإمامة.

  22. وأشمل هذه التعريفات هو التعريف الأول: "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها" .

  23. • شرح التعريف ومحترزاته: قولنا: [حمل الكافة] يخرج به ولايات الأمراء والقضاة وغيرهم؛ لأن لكل منهم حدوده الخاصة به وصلاحيته المقيدة.

  24. وقولنا: [على مقتضى النظر الشرعي] تقييد لسلطة الإمام بأن تكون موافقة للشريعة الإسلامية، وفيه أيضًا وجوب سياسة الدنيا بالدين، لا بالأهواء والشهوات والمصالح الفردية.

  25. وقولنا: [في مصالحهم الأخروية والدنيوية] بيان لاشتمال مسؤولية الإمام لمصالح الدين والدنيا، لا الاقتصار على أحدهما.

  26. ويصف العلماء "الإمامة" أحيانًا بـ "الإمامة العظمى" أو "الإمامة الكبرى" تمييزًا لها عن الإمامة في الصلاة، على أنهم إذا أطلقوا لفظ "الإمامة" فإنهم

  27. ٥/٥٠٥/٥٠

    يريدون به "الإمامة الكبرى" أو العامة، كما نُقل ذلك عن ابن حزم رحمه اللَّه (١) .

  28. المطلب الثالث: لفظ "الإمام" في الكتاب والسنة: لم يرد لفظ "الإمامة" في القرآن الكريم، بينما ورد لفظ "الإمام" في مواضع عدة، فجاء بصيغة الإفراد، في قول اللَّه -تعالى-: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (٢) ، أي: مُصَيِّرُك للناس إمامًا يؤتم به، ويُقتدى به (٣) .

  29. وقول اللَّه -تعالى-: {وَاْجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (٤) ، أي: أئمة يقتدي بنا من بعدنا (٥) .

  30. وجاء بصيغة الجمع، في قول اللَّه -تعالى-: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} (٦) ، أي: أئمة يؤتم بهم في الخير في طاعة اللَّه في اتباع أمره ونهيه، ويقتدى بهم (٧) . وقول اللَّه -تعالى-: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَّارِثيِنَ} (٨) ، أي: ولاة وملوكًا (٩) .

  31. كما ورد بمعنى: من يؤتم بهم في الشر، كقول اللَّه -تعالى-: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} (١٠) ، أي: جعلنا فرعون وقومه أئمة يأتم بهم أهل العتو على اللَّه والكفر به (١١) .

  32. لكن لا ينصرف لفظ "الإمام" إلى أئمة الباطل إلا إذا قُيّد، كما في الآيات السابقة، أما إن كان على إطلاقه فإنه ينصرف إلى أئمة الهدى.

  33. ٥/٥١٥/٥١

    وقد ورد أيضًا لفظ "الإمام" و "الأئمة" في مواطن عديدة من السنة المطهرة،

  34. ومن ذلك: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّه في ظِلِّهِ يوم لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ. . . " (١) . وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الْإِمَامُ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (٢) . والمراد: الحاكم أو الخليفة.

  35. وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ولا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي" (٣) . أي: أئمة الضلالة.

  36. المطلب الرابع: الترادف بين ألفاظ: الإمام والخليفة وأمير المؤمنين: باستعراض الأحاديث النبوية والآثار المروية عن الصحابة والتابعين الواردة في باب الخلافة والإمامة، لا نجد فيها تفريقًا بين لفظ "الخليفة" ، ولفظ "الإمام" ، وبعد تولية ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أضيف إليها لفظ: "أمير المؤمنين" .

  37. وقد ذهب العلماء إلى أن هذه الألفاظ الثلاثة مترادفة،

  38. وأن هذا الترادف من قبيل دلالتها وإطلاقها على ذات واحدة، أما من حيث معانيها فلكل واحدة منها معناها الخاص بها، مثل القرآن، والفرقان، والهدى، والنور، فهي مترادفة من حيث دلالتها على القرآن، ومتباينة من حيث معانيها.

  39. قال النووي: "يجوز أن يُقال للإمام: الخليفة، والإمام، وأمير المؤمنين" (٤) .

  40. وقال الماوردي: "ويجوز أن يُقال: خليفة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (٥) .

  41. وقال البغوي: "ولا بأس أن يُسمى القائم بأمور المسلمين أمير المؤمنين، والخليفة، وإن كان مخالفًا لبعض سير أئمة العدل؛ لقيامه بأمر المؤمنين وسمع

  42. ٥/٥٢٥/٥٢

    المؤمنين له، ويُسمَّى خليفة لأنه خلف الماضي قبله وقام مقامه " (١) .

  43. وقال ابن خلدون (٢) : "قد بينا حقيقة هذا المنصب، وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا، به تسمى: خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإمامًا، فأما تسميته إمامًا فتشبيها بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال: الإمامة الكبرى، وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته، فيُقال: خليفة بإطلاق، وخليفة رسول اللَّه، واختُلِف في تسميته: خليفة اللَّه، فأجازه بعضهم اقتباسًا من الخلافة العامة التي للآدميين في قول اللَّه -تعالى-: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (٣) ، وقوله: {جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} (٤) ، ومنع الجمهور منه؛ لأن معنى الآية ليس عليه (٥) ، وقد نهى أبو بكر عنه لما دُعي به، وقال: "لست خليفة اللَّه، ولكني خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم" (٦) ،

  44. ٥/٥٣٥/٥٣

    ولأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب " (١) .

  45. ويفسر بعضهم الترادف بين الإمامة والخلافة بقوله: "سمِّيت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي صلى اللَّه عليه وسلم في إدارة شؤونهم، وتُسمى إمامة لأن الخليفة كان يُسمى إمامًا، ولأن طاعته واجبة، ولأن الناس كانوا يسيرون وراءه كما يصلون وراء من يؤمهم الصلاة " (٢) .

  46. وأرجع بعضهم سبب استعمال المسلمين ألفاظ "الإمام "، و" الخليفة "، و" أمير المؤمنين " إلى أنه ابتعاد بالمفهوم الإسلامي للدولة ورياستها عن النظام الملكي بمفهومه القديم عند الأمم الأخرى من الفرس والرومان المختلف اختلافا أساسيًا عن المفهوم الإسلامي الجديد (٣) .

  47. وقد كان الخليفة الراشد أبو بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- يُلقب بالخليفة كما يلقب بالإمام، ومع خلافة عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- استعمل المسلمون لقب: "أمير المؤمنين " (٤) .

  48. المطلب الخامس: استعمالات لفظي الخلافة والإمامة: يغلب استعمال لفظ "الإمامة " عادة عند أهل السنة في مباحثهم العقدية والفقهية، بينما يغلب استعمالهم لفظ " الخلافة" في مباحثهم التاريخية، وسبب ذلك أنهم كانوا يردون في هذه المباحث العقدية والفقهية على المبتدعة كالشيعة والخوارج.

  49. فالإمامة ركن من أركان الإيمان عند الشيعة، ولذلك يفرقون بين الإمامة والخلافة، فيعتبرون الإمامة رئاسة دين، والخلافة رئاسة دولة (٥) ، ويدَّعون أن

  50. ٥/٥٤٥/٥٤

    عليًّا -رضي اللَّه عنه- كان إمامًا زمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي اللَّه عنهم.

  51. وذهب أيضًا الرافضة الباطنية (١) ، وبعض المعتزلة (٢) إلى التفريق بين الإمامة والخلافة. وادعى بعض المعاصرين أن أهل السنة استعملوا لفظ "الإمامة" تأثرًا بالشيعة (٣) ، ويرى بعضهم أنه من اختراعات الشيعة (٤) . وهذا غير صحيح؛ لاستعمال المسلمين هذا اللفظ قبل انشقاق الشيعة عن الجماعة، ولورود لفظ "إمام" و "أئمة" في بعض الآيات والأحاديث كما سبق، ولاستعمال الصحابةُ رضوان اللَّه عليهم له.