المبحث الرابع أهمية الحسبة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٧٬٩٨٦ إلى ٢٨٬٠٢١
-
٥/٤١٣٥/٤١٣
يهدف الإسلام إلى خلق مجتمع آمن مستقر، تسوده المحبة، ويجتمع أفراده في التعاون على البر والتقوى؛ حتى يتمكن الجميع من القيام بواجب الخلافة في الأرض، وتحقيق الغاية الأساسية من خلق الإنسان، وهي: عبادة اللَّه تعالى، كما قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (١) .
-
ولأن الناس محتاجون دائمًا إلى نظام يسيرون على هديه، وسلطة تحرص على تحقيق هذا النظام في حياة الناس، لزم أن يكون هناك من يذكر الناس بذلك ويتابع التزامهم به،
-
ومن هنا جاءت أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-
فالحسبة في الإسلام لها أهمية عظيمة، ومنزلة كريمة؛ لما لها من أهمية كبيرة في حياة الفرد والمجتمع، ولذلك أوجبها اللَّه على كل فرد من الأمة كل بحسبه. فالحسبة بمثابة صمام الأمان داخل المجتمع المسلم، وهي بمفهومها. الشمولي العام لا غنى لأمة من الأمم عنها، أو مجتمع يريد أن يقيم منهج اللَّه في الأرض، من خلال الأمر بالفضيلة، ومحاربة الرذيلة، فلم تكن خيرية أمة الإسلام إلا على أساس العمل على إقامة هذا النظام الربَّاني الحكيم، بحيث تدور هذه الخيرية وجودًا وعدمًا مع تطبيقه والقيام به بين أفرادها.
-
قال اللَّه -جل وعلا-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (٢) . ونظام الحسبة نظام إسلامي أصيل، وهو الوجه العملي التطبيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الشريان الذي تسري من خلاله الأخوة الإسلامية والمودة والتراحم والترابط الذي يجب إن يتم بين الأمة أفرادًا وجماعات.
-
٥/٤١٤٥/٤١٤
فكيف يمكن أن نتصور مجتمعًا من المجتمعات الإنسانية ضاع فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتشر فيه فعل المنكرات؟ !
-
فإنه مجتمع لا يمكن أن تنتظم الحياة فيه، ويأمن فيه الإنسان على ضروراته الخمس التي عليها مدار حياته وسعادته، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل.
-
وإذا ساد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين قوم صلحت أحوالهم، وتحقق لهم الفلاح في الدنيا والآخرة (١) .
-
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث اللَّه له النبيين أجمعين، لو طُوي بساطه، وأُهمل علمه وعمله؛ لفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وخربت البلاد وهلك العباد، قال اللَّه -تعالى-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) } (٢) .
-
فنعوذ باللَّه أن يندرس من هذا القطب عمله وعلمه،
-
وأن ينمحي بالكلية حقيقته ورسمه،
-
وأن تستولي على القلوب مداهنة الخلق، وتنمحي عنها مراقبة الخالق،
-
وأن يسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم،
-
وأن يعز على بساط الأرض مؤمن صادق، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم،
-
فلا معاذ إلا به،
-
ولا ملجأ إلا إليه (٣) .
-
وهذا هو الواقع الذي يُشاهد في الأماكن التي لا يُؤمر فيها بالمعروف،
-
ولا يُنهى فيها عن المنكر، فبهما تتم المحافظة على عقائد المسلمين من الانحراف، وعباداتهم من الابتداع، ودنياهم من الفساد، وبهما تتم المحافظة على الآداب العامة، والمعاملات التجارية، والأمن والسلامة في المجتمعات.
-
٥/٤١٥٥/٤١٥
وفيما يلي نذكر شيئًا مما يوضح أهمية الحسبة من الكتاب والسنة:
-
أولًا: فضائل القيام بها:
-
١ - القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومهامه العظام، التي بُشر بها في الكتب السابقة، قال اللَّه -تعالى-: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} (١) .
-
٢ - وهو كذلك من صفات عباد اللَّه المؤمنين التي مدحهم بها، والتى تميزهم عن المنافقين، قال اللَّه -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (٢) . وقال عن المنافقين: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} (٣) .
-
قال القرطبي: "فجعل اللَّه -تعالى- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدلَّ على أن أخص أوصاف المؤمن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها: الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه" (٤) .
-
٣ - كما ذكر سبحانه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات الصالحين، الذين يطمع كل مسلم أن يكون منهم، فقال -عز وجل-: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) } (٥) .
-
قال الغزالي: "فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان باللَّه واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٦) .
-
٥/٤١٦٥/٤١٦
٤ - إن قيام هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو سبب وصفها بالخيرية في قول اللَّه -تعالى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (١) .
-
٥ - وهو سبب للنصر والتمكين، وواجب من واجبات من مكَّنه اللَّه في الأرض، قال اللَّه -تعالى-: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} (٢) .
-
فإن الجزاء من جنس العمل (٣) .
-
ثانيًا: خطورة ترك الاحتساب: إن ترك الاحتساب سبب للعذاب، فالأمة التي لا يقوم أفرادها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تصبح أمةً تعمّها المعاصي والمنكرات، وتتفشى فيها الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، فتكون أمة لا تستحق البقاء، ويدل لذلك قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ على أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إلا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّه منه بِعِقَابٍ" (٤) .
-
فتبرك الاحتساب موقع في العذاب والهلاك، وعدم استجابة الدعاء، وهذه سنة اللَّه في الخلق، فأيّ أمة تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيأتيها العذاب والهلاك، قال -سبحانه-: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) } (٥) .
-
٥/٤١٧٥/٤١٧
قال الطبري: "لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم اللَّه من عذابه حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر باللَّه عذابه" (١) .
-
ولما قالت زينَبُ بِنْتُ جَحْشٍ -رضي اللَّه عنها-: يا رَسُولَ اللَّه، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ! قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم، إذا كثُرَ الخَبَثُ" (٢) . قال ابن حجر العسقلاني: "فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي" (٣) .
-
وتارك الاحتساب ملعون على لسان أنبياء اللَّه ورسله عليهم الصلاة والسلام، يدل لذلك قول اللَّه -تعالى-: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) } (٤) .
-
قال الجصاص: "قيل: إن فائدة لعنهم على لسان الأنبياء: إعلامهم الأياس من المغفرة مع الإقامة على الكفر والمعاصي؛ لأن دعاء الأنبياء - عليهم السلام - باللعن والعقوبة مستجاب" (٥) .
-
وهذا يدل على أن من ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واستغنى عن هذه الوسيلة العظيمة من وسائل الدعوة إلى اللَّه سبحانه؛ استحق أن يكون ملعونًا مطرودًا من رحمة اللَّه.
-
قال الغزالي: "وهذا غاية التشديد؛ إذ علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر" (٦) .