المسألة الثانية: إذا أدرك التابعي عصر الصحابة، وكان من أهل الاجتهاد، فهل يعتد بخلافه؟
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ١٧٬٥٧٩ إلى ١٧٬٦٠٧
-
٣/٦٤٣/٦٤
• اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين:
-
القول الأول: لا ينعقد إجماع الصحابة إذا خالفهم التابعي، إن كان من أهل الاجتهاد، وقال بهذا: الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، وبعض الشافعية (٦) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٧) ، قال ابن قدامة: وهي أظهر القولين (٨) ، واختاره أبو الخطاب الكلوذاني (٩) ، وابن عقيل (١٠) (١١) .
-
٣/٦٥٣/٦٥
• أدلة هذا القول:
-
١ - أن هذا المخالف من التابعين تناولته النصوص، بكونه من المؤمنين، وبكونه من الأمة، فكان قوله مؤثرًا ومعتبرًا في الإجماع (١) .
-
٢ - أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- قد سوغوا اجتهاد التابعين، ولم ينكروا عليهم، وهذه أمثلة على ذلك:
-
أ - روى أبو سلمة (٢) بن عبد الرحمن بن عوف قال: تذاكرت أنا وابن عباس (٣) وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها، وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي (٤) .
-
ب - أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- لما ولّى شريحًا القضاء قال له: "اقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم تجد فبما سنّه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه" (٥) .
-
ت - أن عليًّا تخاصم إلى شريح في درعه الذي فقده بصفين، ولم يقبل شريح شهادة ابن علي لأبيه، فقبل علي قوله، مع أنه يرى خلافه (٦) .
-
ث - وسُئل ابن عمر عن فريضة فقال: سلوا عنها سعيد بن جبير (٧) فإنه أعلم بها
-
٣/٦٦٣/٦٦
مني (١) .
-
ج - وسُئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن (٢) فقالوا: يا أبا حمزة نسألك، وتقول: سلوا مولانا الحسن، فقال: إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا (٣) .
-
• وجه الدلالة من هذه الآثار: أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- قد سوغوا للتابعين الاجتهاد، والأخذ بأقوالهم، مما يدل على اعتبار أقوالهم في صحة الإجماع، والاعتداد بخلافهم في منع الإجماع (٤) .
-
٣ - أن الاعتبار بالاجتهاد وليس بالصحبة،
-
فلو أن صحابيًّا عاميًّا في عصر التابعين، جاز له تقليد فقهائهم المجتهدين،
-
ولا يعتد بقول الصحابي لعدم بلوغه رتبة الاجتهاد (٥) .
-
٤ - أن التابعين معهم آلة الاجتهاد وقت حدوث النازلة، فكان معتدًّا بقولهم (٦) .
-
القول الثاني: إذا أدرك التابعي عصر الصحابة فلا يعتد بخلافه،
-
وإن بلغ رتبة الاجتهاد، وقال بهذا بعض الشافعية (٧) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٨) ، نصرها القاضي أبو يعلى (٩) ، وهو قول لبعض المتكلمين (١٠) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- لهم مزية الصحبة، فقد شهدوا التنزيل، وسماع التأويل، وزادوا بمزية الاجتهاد، فوجب تقديم قولهم (١١) .
-
٢ - أن الصحابة أنكروا على بعض التابعين، وهذا دليل منهم على أنهم لا يعتبرون خلافهم، ومن ذلك:
-
٣/٦٧٣/٦٧
أ - أن عليًّا -رضي اللَّه عنه- أنكر على شريح، ونقض حكمه في امرأة ماتت وتركت ابني عم، أحدهما زوج، والآخر أخ لأم، فأعطى شريح النصف للزوج، والباقي للأخ لأم، فبلغ ذلك عليا فقال: الزوج النصف، والأخ لأم السدس، والباقي بينهما (١) .
-
ب - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ مثلَ الفرُّوج، يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها (٢) ، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل (٣) .
-
• وجه الدلالة: هذا إنكار من عائشة لأبي سلمة في مناظرته للصحابة، والدخول معهم في الاجتهاد (٤) .
-
• الترجيح: يترجح لدي القول الأول القائل بأن خلافهم معتبر في منع الإجماع، وذلك لما يأتي:
-
١ - أن المجتهدين من التابعين هم بعض الأمة الذين شهدوا الواقعة، فوجب الأخذ بقولهم.
-
٢ - أن ما أنكره عليٌّ على شريح ليس لأن قوله غير معتبر، بدليل أنه حكم عليه في مخاصمته في درعه لما رد شهادة ابنه، ولم ينكر عليه علي -رضي اللَّه عنه- (٥) .
-
٣ - أما إنكار عائشة -رضي اللَّه عنها- على أبي سلمة: فيحتمل أنها لم تره بلغ مرتبة الاجتهاد، أو لأنه ترك التأدب مع ابن عباس.
-
ثم إن قولها معارض بقول أبي هريرة لما قال: أنا مع ابن أخي (٦) .