فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

المطلب الأول: الإجماع الصريح وحجيته

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ١٧٬٣٦٧ إلى ١٧٬٤٥٠

  1. ٣/٣٤٣/٣٤

    • تعريف الإجماع الصريح: هو ما كان اتفاق مجتهدي الأمة عليه نطقًا، بمعنى أن كل واحد من المجتهدين نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيًا أو إثباتًا (٢) .

  2. • حجيته: اختلف العلماء في حجية الإجماع الصريح على ثلاثة أقوال:

  3. القول الأول: ذهب الجمهور من المسلمين عمومًا من المذاهب الأربعة وغيرها إلى أن إجماع المجتهدين في كل عصر حجة (٣) .

  4. ٣/٣٥٣/٣٥

    أدلة هذا القول: استدل الجمهور بالقرآن والسنة والمعقول على حجية الإجماع الصريح:

  5. • أولًا: الأدلة من القرآن:

  6. ١ - قال تعالى:

  7. {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) } . هذه الآية أقوى الأدلة على حجية الإجماع، وقد تمسك بها الإمام الشافعي بعد ما استعرض القرآن ثلاث مرّات للبحث عن دليل على حجية الإجماع (١) .

  8. • وجه الدلالة: توعد اللَّه سبحانه وتعالى من يتبع غير سبيل المؤمنين بالنار،

  9. ولو لم يكن محرّمًا لما توعد عليه، وقد حسن الجمع بين اتباع غير سبيل المؤمنين ومشاقة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في التوعد (٢) .

  10. ٢ - وقال تعالى:

  11. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} .

  12. • وجه الدلالة: وصف اللَّه سبحانه وتعالى الأمة بأنهم عدول، ولمّا كانت أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- أمة عدل جعلها اللَّه سبحانه وتعالى. حجة على الأمم كلها في قبول قولها عليهم، كما جعل سبحانه وتعالى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حجة علينا في قبول قوله؛

  13. فإذا كان قول الأمة حجة على سائر الأمم، كان إجماعهم حجة على آحادهم (٣) .

  14. ٣ - وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} .

  15. • وجه الدلالة: بين اللَّه سبحانه وتعالى أن الأمة خير أمة بسبب أمرها بكل معروف، ونهيها عن كل منكر، فعلى هذا فإن الأمة -ممثلة بمجتهديها- إذا أمرت بشيء عرفنا أنه معروف،

  16. وإذا نهت عن شيء علمنا أنه منكر، فيكون أمرهم ونهيهم حجة (٤) .

  17. ٤ - وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} .

  18. • وجه الدلالة: نَهْي اللَّه سبحانه وتعالى عن التفرق، فكانت مخالفة الإجماع تفرقًا، فكان منهيًا عنه، ولا

  19. ٣/٣٦٣/٣٦

    معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته (١) .

  20. ٥ - وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} .

  21. • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه وتعالى شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، فيدل ذلك أنه عند عدم التنازع فالاتفاق على الحكم كاف عن الرجوع إلى الكتاب والسنة،

  22. ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى هذا (٢) .

  23. • ثانيًا: من السنة النبوية: قال الآمدي (٣) : وهي أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع حجة قاطعة (٤) :

  24. ١ - عن ابن عمر (٥) -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد- على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" (٦) .

  25. ٢ - عن أنس (٧) -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم" (٨) .

  26. ٣/٣٧٣/٣٧

    ٣ - عن أبي مالك الأشعري (١) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة" (٢) .

  27. ٤ - عن أبي ذر (٣) -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن اللَّه لن يجمع أمتي إلا على هدى" (٤) .

  28. ٥ - عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنهما- قال: إن اللَّه نظر إلى قلوب العباد، فوجد قلب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته،

  29. ثم نظر في قلوب العباد بعد محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللَّه سيئ (٥) .

  30. • وجه الدلالة مما سبق: يستدل مما سبق من وجهين:

  31. الأول: أن هذه الأخبار وإن كانت أخبار آحاد، فإنها تدل بمجموعها ضرورة على تعظيم هذه الأمة، وعصمتها عن الخطأ، وذلك كما علم بالضرورة سخاء حاتم، وشجاعة علي، وفقه الشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهما، وثبتت تلك بأخبار آحاد، إلا أنها نزلت منزلة المتواتر.

  32. ٣/٣٨٣/٣٨

    الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة -رضي اللَّه عنهم- والتابعين، يتمسكون بها في إثبات الإجماع،

  33. ولا يظهر أحد فيها خلافًا حتى جاء من أنكر حجية الإجماع، والعاده جارية باستحالة توافق الأمة في كل العصور -قبل ظهور الخلاف في حجية الإجماع- على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة؛ وهو الإجماع، من غير أن ينبه أحد على فساده وإنكاره (١) .

  34. • ثالثًا: من المعقول:

  35. ١ - كانت الأمم السابقة إذا ضلت عن الطريق بعث اللَّه لها نبيًّا يعيدها إلى الصواب، ومحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- آخر الأنبياء،

  36. ولا نبي بعده، وأمته معصومة عن الخطأ؛ لتكون عصمتها عوضًا عن بعث نبي (٢) .

  37. ٢ - ثبت أن نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- آخر الأنبياء، وشريعته قائمة إلى قيام الساعة، فمتى وقعت حوادث ليس فيها نص قاطع من القرآن أو السنة، وأجمعت الأمة على حكمها، ولم يكن إجماعهم حجة، فقد انقطعت الشريعة في بعض الأشياء،

  38. فلا تكون شريعة دائمة، فيؤدي إلى الخلف في إخبار الشارع، وذلك محال (٣) .

  39. ٣ - إذا اتفق الجمع الغفير في كل عصر على حكم قضية، وجزموا به جزمًا قاطعًا، فالعادة تمنع على مثلهم الجزم بحكم لا يستند إلى دليل قاطع، بحيث لا يتنبه أحدهم لوجود خطأ (٤) .

  40. ٤ - أن أهل كل عصر يُخَطِّئون من خالف الإجماع ممن قبلهم، ولولا اعتبار الإجماع لما خطَّؤوا من خالفه (٥) .

  41. القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وداود الظاهري (٦) أن الحجة في إجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- دون غيرهم (٧) .

  42. ٣/٣٩٣/٣٩

    أدلة هذا القول:

  43. ١ - أن الإجماع لا يكون إلا عن توقيف، والصحابة -رضي اللَّه عنهم- الذين شهدوا التوقيف (١) .

  44. ٢ - سعة أقطار الأرض، وكثرة العدد من المجتهدين وتفرقهم في الأمصار، بحيث لا يمكن ضبط أقوالهم،

  45. ومن ادعى ذلك فلا يخفى كذبه (٢) .

  46. القول الثالث: ذهب النظّام (٣) من المعتزلة، والخوارج، والشيعة إلى أن الإجماع ليس حجة (٤) .

  47. • قال النظّام: الإجماع كل قول قامت حجته، حتى قول الواحد (٥) . هذا تعريف الإجماع عنده، ويقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون اتفاق المجتهدين حجة، وبين موافقته للعلماء في تحريم مخالفة الإجماع (٦) .

  48. • أما الخوارج: فكان إجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- حجة عندهم قبل حدوث الفرقة بينهم،

  49. وأما بعدها فلا حجة في قولهم، بل الحجة في قول طائفة منهم فقط؛ لأن العبرة بقول المؤمنين،

  50. ولا مؤمن عندهم إلا من كان على مذهبهم (٧) .

  51. ٣/٤٠٣/٤٠

    • وأما الشيعة: فالإجماع الذي يكون حجة لديهم هو قول الإمام المعصوم، وانفراد الإمام المعصوم بقول يكون حجة لا تجوز مخالفته، والإمام المعصوم غير موجود الآن،

  52. فلا يحدث إجماع أصلًا (١) .

  53. أدلة من يقول: إن الإجماع ليس حجة، وهم النظَّام، والخوارج، والشيعة.

  54. • استدلوا على عدم حجية الإجماع بأدلة من القرآن والسنة والمعقول:

  55. • أولًا: من القرآن:

  56. ١ - قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} .

  57. • وجه الدلالة: تدل الآية على أن القرآن نزل مبينًا لكل شيء، وفي هذا دليل على أنه لا حاجة للإجماع فإن الكتاب غير الإجماع (٢) .

  58. ٢ - وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول} .

  59. • وجه الدلالة: إذا تنازع المسلمون في حكم وجب رده إلى القرآن والسنة فقط،

  60. فلا حاجة إلى الإجماع (٣) .

  61. ٣ - وقال تعالى:

  62. {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} . وقال أيضًا:

  63. {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} . وقال:

  64. {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} . إلى غير ذلك من الأدلة التي ورد فيها النهي عن المعاصي.

  65. • وجه الدلالة: ما ورد في هذه الآيات وفي غيرها يدل على تصور وقوع المعاصي من هذه الأمة،

  66. ومن يتصور منه المعصية لا يكون قوله وفعله موجبًا للقطع (٤) .

  67. • ثانيًا: من السنة:

  68. ١ - عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل (٥) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب اللَّه، قال:

  69. "فإن لم تجد في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنة رسول اللَّه، قال:

  70. "فإن لم تجد في سنة رسول اللَّه، ولا في كتاب اللَّه؟ " قال: أجتهد

  71. ٣/٤١٣/٤١

    رأيي ولا آلو، فضرب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صدره وقال: "الحمد للَّه الذي وفق رسول رسول اللَّه لما يرضي اللَّه ورسوله" (١) .

  72. • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقر معاذًا لمّا سأله عن الأدلة المعمول بها، وأهمل ذكر الإجماع،

  73. ولو كان الإجماع معتبرًا لما أقره على إهماله (٢) .

  74. ٢ - عن أبي هريرة (٣) -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (٤) .

  75. • وجه الدلالة: هذا دليل على أنه يجوز خلو العصر ممن تقوم به الحجة (٥) .

  76. ثالثًا: من المعقول: أن أُمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- أُمة من الأمم،

  77. فلا يكون إجماعهم حجة، كغيرهم من الأمم (٦) .

  78. • الترجيح: أولًا: مذهب أهل السنة والجماعة القائل بحجية الإجماع الصريح يجب القول به، وعدم النظر لخلاف أهل البدع في القول بأن الإجماع ليس حجة.

  79. ثانيًا: يعتبر الإجماع الصريح حجة في كل وقت،

  80. ولا يختص ذلك بعصر الصحابة فقط؛ لما يأتي:

  81. ١ - أفادت النصوص التي استدل بها الجمهور عصمة الأمة إذا أجمعت على قول، فمتى ثبت إجماع الأمة على قول وجب المصير إليه.

  82. ٢ - أنه لا يصح حصر الإجماع بعصر الصحابة -رضي اللَّه عنهم- دون غيره من العصور؛ لأن أدلة

  83. ٣/٤٢٣/٤٢

    حجية الإجماع جاءت عامة، ولم تأتِ خاصة بعصر دون عصر.

  84. ٣ - أن هناك عددًا من التابعين كانوا في عصر الصحابة بلغوا رتبة الاجتهاد، وكانت أقوالهم معتبرة مع أقوال الصحابة (١) .