الشرط الثالث: اعتماد المجمعين على مستند شرعي في إجماعهم.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٣٧٬٨٣٨ إلى ٣٧٬٨٥٥
-
١١/٣٩١١/٣٩
والمستند الشرعي: هو الدليل الذي اعتمد عليه الإجماع إبان صدوره (١) .
-
واستناد الإجماع إلى مستند شرعي، شرط عند جميع العلماء، إلا من شذ منهم. يقول الآمدي: اتفق الجميع على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها، خلافًا لطائفة شاذة، فإنهم قالوا بجواز انعقاد الإجماع عن توفيق، لا توقيف، بأن يوفقهم اللَّه تعالى لاختيار الصواب من غير مستند (٢) .
-
أدلة الجمهور: استدل الجمهور بأدلة، منها: الدليل الأول: أنه ليس للبشر الاستقلال بإصدار الأحكام الشرعية،
-
ولو قلنا إنه يجوز الإجماع بلا دليل لجاز القول في الدين بلا دليل، ومعلوم أن القول في الدين بلا دليل باطل، وعليه فيكون الإجماع الشرعي بلا دليل باطلا (٣) .
-
الدليل الثاني: أن الإفتاء من غير مستند خطأ، وذلك قول في الدين بغير علم، والقول في الدين بغير علم مما نهى اللَّه عنه، قال تعالى:
-
الدليل الثالث: أن العلماء ليسوا بآكد حالا من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، كما أنه لا يحكم إلا عن وحي، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) } ، وإذا كان
-
١١/٤٠١١/٤٠
هذا حاله عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم عن الخطإ،
-
فإن العلماء أولى ألا يقولوا في الدين إلا عن حجة ودليل (١) .
-
ومستند الإجماع قد يكون الكتاب، أو السنة، أو القياس، أو المصلحة.
-
فمثال الإجماع المستند إلى الكتاب: الإجماع المنعقد على أن الزواج بالجدة محرم (٢) ، والمستند إلى قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ، فالمراد بالأمهات في هذه الآية الأصول من النساء وإن علون، فهي بهذا المعنى تشمل جميع الجدات.
-
ومثال الإجماع المستند إلى السنة: إجماع صحابة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أن نصيب الجدة من الميراث السدس (٣) ، فقد روي أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطى الجدة السدس (٤) .
-
ومثال الإجماع المستند إلى القياس: ما أجمع عليه الصحابة رضوان اللَّه عليهم من ضرب شارب الخمر ثمانين جلدة (٥) ، وذلك، بالقياس على الحد المقرر في حق القاذف، فعن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- أن نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جلد في الخمر
-
١١/٤١١١/٤١
بالجريد والنعال، ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين (١) .
-
ومثال الإجماع المستند إلى المصلحة: إجماع الصحابة رضوان اللَّه عليهم زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- على النداء الثاني يوم الجمعة، وذلك، لما رآى عثمان أن الاقتصار على أذان واحد لا يفي بالمقصود الذي هو إشعار الناس بدخول وقت الصلاة، فلما كثر الناس، وسكن البعض بعيدا عن المسجد، فخاف أن يفوت بعضهم الصلاة، لذا، رأى أن يزاد أذان ثاني، وقد وافقه الصحابة على ذلك، فصار إجماعا مستندا إلى مصلحة إدراك عامة المسلمين الصلاة.
-
روى الإمام البخاري (٢) رحمه اللَّه: أن الذي زاد التأذين الثاني يوم الجمعة، عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مؤذن غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة، حين يجلس الإمام، يعني على المنبر (٣) .
-
تنبيه: الإجماع إذا كان مستندا إلى المصلحة، فإنه يظل كذلك ما دامت المصلحة قائمة، وإلا -بأن انتفت- فإن هذا الإجماع ينتفي، ويمكن الرجوع عنه، كما حصل للصحابة لما رأوا جواز قبول شهادة القريب على قريبه،
-
وكذا الزوج على زوجته، إلا أن الأئمة الأربعة رحمهم اللَّه خالفوا هذا الإجماع، لما رأوا انتفاء المصلحة التي كان الإجماع مستندا إليها (٤) .