أما الاتجاهات فهي
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٣٧٬٨١٦ إلى ٣٧٬٨٣٧
-
١١/٣١١١/٣١
الاتجاه الأول: أن الإجماع السكوتي إجماع وحجة، وبه قال أكثر الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو مروي عن الإمام أحمد (٢) .
-
وقد استدلوا على هذا بأدلة، منها (٣) :
-
١ - أن سماع رأي كل مجتهد متعذر عادة، والمعتاد، أن تنتشر الفتوى من بعض أكابر العلماء وسكوت الباقين، الأمر الذي يدل على موافقتهم على رأي من أبدى رأيه في المسألة، فيكون بذلك إجماعًا وحجة.
-
٢ - أن سكوت المجتهدين بعد علمهم بقول الآخرين دليل على الموافقة عليه غالبًا؛ لأن المجتهدين الربانيين لا يخافون في إظهار الحق مهما كانت التبعة، فدل ذلك على أن سكوتهم في هذه الحال، دليل على موافقتهم.
-
١١/٣٢١١/٣٢
الاتجاه الثاني: أنه ليس إجماعًا ولا حجة، وبه قال: داود (١) ، وعيسى بن أبان (٢) ، والباقلاني (٣) ، والغزالي (٤) ، وبعض المعتزلة، ونسب القول به إلى الشافعي (٥) .
-
والقائلون بهذا استدلوا بأدلة، منها:
-
أن سكوت الباقين ليس قرينة على موافقتهم على الحكم الذي صرح به آخرون،
-
ولا ينسب إلى ساكت قول؛ لأن السكوت قد يكون لأسباب، منها:
-
عدم الاجتهاد في المسألة، أو لتجنب الضرر فيما لو أظهر رأيه، أو لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، لكون المسألة اجتهادية، أو لتعارض الأدلة عنده، أو غير ذلك (٦) .
-
وقد أجيب عن هذه الاستدلالات والاحتمالات بما يلي:
-
١١/٣٣١١/٣٣
أن سكوت المجتهد في معرض الحاجة إلى البيان بيان،
-
ويلزم العالم أن ينكر المنكر، وإلا، دل سكوته على موافقته للفتوى أو الحكم، يقول الدكتور/ عياض السلمي: وما ذكر من الاحتمالات التي يمكن أن يحمل عليها سكوته، كلها احتمالات ضعيفة، إذ لو تحقق بعضها لقامت عليه قرائن تدل عليه، ولما سكت عن الإنكار إلى وفاته،
-
ثم إن عادة العلماء الجهر بالحق وعدم الخوف من سلطان أو غيره،
-
وإذا سكت العالم عن الإنكار علانية، فلن يسكت عن بيان الحق لطلابه وخاصته وناقلي فقهه،
-
وأما سكوته لعدم نظره في المسألة،
-
فلا ينافي الإجماع؛ لأنه حينئذ لا قول له في المسألة (١) .
-
الاتجاه الثالث: أنه حجة، وليس إجماعا، وبه قال بعض المعتزلة، وهو المشهور في مذهب الشافعية (٢) .
-
واستدلوا بأن سكوت من سكتوا يدل ظاهرًا على الموافقة، فيكون الحكم حجة يجب العمل به، مثل خبر الواحد والقياس، وإنما أنكروا كونه إجماعًا، لما وجد من احتمالات كثيرة حول سكوت الساكتين -كما سبق بيانه آنفًا-، ولوجود تلك الاحتمالات،
-
فإن الاستدلال به يضعف، الأمر الذي يمنع كونه إجماعا (٣) .
-
وقد سبقت مناقشة هذه الاحتمالات، عند مناقشة أدلة الاتجاه الثاني.
-
الترجيح: الظاهر في هذه المسألة -واللَّه أعلم- هو رجحان الاتجاه الأول القائل بحجية الإجماع السكوتي، فأدلة القائلين به أقوى من أدلة غيرهم، ولأنه
-
١١/٣٤١١/٣٤
لو اشترط لحجيته تصريح جميع المجتهدين بآرائهم لاستحال انعقاد الإجماع، الأمر الذي يؤدي إلى بطلان الإجماع من الأصل، وعدم الاستفادة منه، ومعلوم أن الإجماعات التي يحكيها العلماء، أغلبها من هذا النوع (١) .