المطلب الثاني: الإجماع السكوتي وحجيته
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ١٧٬٤٥١ إلى ١٧٬٤٩١
-
٣/٤٢٣/٤٢
• الإجماع السكوتي هو: أن يقول بعض المجتهدين قولًا، أو يعمل عملًا في مسألة اجتهادية، قبل استقرار المذاهب، ويسكت باقي المجتهدين عن إبداء الرأي بالموافقة، أو المخالفة، بعد علمهم بهذا الرأي، وقد مضت مدة التأمل والنظر في العادة (٢) .
-
ويدخل فيه الإجماع المبني على الاستقراء، كأن تُستقرأ أقوال العلماء في مسألة،
-
فلا يُعلم فيها خلاف (٣) .
-
• ويلاحظ في هذا التعريف أنه اشتمل على عدد من الشروط التي إن وجدت سمي إجماعًا سكوتيًّا،
-
وإن انتفت فقد انتفت التسمية، وهذه الشروط (٤) :
-
١ - أن يظهر القول وينتشر حتى لا يخفى.
-
٢ - أن يكون القول أو الفعل صدر في مسألة اجتهادية مما يدخله التكليف، أما غيرها فلا يصدق عليه اسم الإجماع السكوتي، كأن يوصف فلان بأنه أفضل من فلان، ويسكت من سمعه، فإنه لا حاجة إلى الموافقة أو المخالفة.
-
٣ - ألا يصاحب السكوت علامة تدل على الرضا، فإنه بمنزلة الإجماع الصريح عندئذٍ، كأنه قال: رضينا بهذا القول.
-
وكذلك ألا يصاحبه علامة أو قرينة تدل على
-
٣/٤٣٣/٤٣
المخالفة، فإنه بمنزلة المخالفة الصريحة، والإجماع لا يتحقق مع المخالفة.
-
٤ - أن يكون السكوت قبل استقرار المذاهب؛ لأن الساكت يمكن أن يكون سكوته بناءً على معرفة حكم هذه المسألة في المذهب،
-
فلا حاجة لإبداء الرأي في ذلك؛ كأن يسكت شافعي عن قول لحنفي، وقد يكون الخلاف معلومًا في المذهب.
-
٥ - مضي مدة كافية للتأمل والنظر في حكم الحادثة، حتى ينقطع الاحتمال أن السكوت كان بعد مدة حدث فيها تأمل ونظر في حكم المسألة.
-
• حجية الإجماع السكوتي: اختلف العلماء في حجية الإجماع السكوتي على مذاهب كثيرة، ذكر الزركشي (١) أنها ثلاثة عشر مذهبًا (٢) ، والشوكاني اثنا عشر مذهبًا (٣) ، وابن قدامة ثلاثة مذاهب (٤) ، والآمدي أربعة مذاهب (٥) . أذكر منها أشهرها؛ وهي:
-
القول الأول: أن الإجماع السكوتي حجة وإجماع، وهو قول أكثر الحنفية (٦) ، وأكثر المالكية (٧) ، وأكثر الشافعية (٨) ، والحنابلة (٩) ، والجبائي (١٠) من المعتزلة (١١) . ويمكن أن يوصف هذا القول بأنه قول الجمهور.
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - لو شرط لانعقاد الإجماع التنصيص من كل واحد من العلماء لأدى إلى أن لا ينعقد إجماع أبدًا؛ لتعذر اجتماع أهل العصر على قول يسمع
-
٣/٤٤٣/٤٤
منهم جميعًا (١) .
-
٢ - أنه لما كان القول المنتشر مع السكوت من الباقين إجماعًا صحيحًا في مسائل الاعتقاد، كان إجماعًا في الفروع، لمعنى جامع بينهما، وهو أن الحق واحد (٢) .
-
٣ - أن السكوت من بعض المجمعين على حكم شرعي يُعد تقريرًا منهم لهذا الحكم؛ قياسًا على تقرير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المعتد به في الأحكام الشرعية (٣) .
-
٤ - أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة، فنُقل إليهم قول صحابي منتشر وسكوت الباقين كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع منهم على أنه حجة (٤) .
-
القول الثاني: أن الإجماع السكوتي ليس حجة ولا إجماعًا. وهو قول عيسى بن أبان (٥) من الحنفية (٦) ، والإمام الشافعي في الجديد (٧) ، وقال به بعض الشافعية؛ كالجويني (٨) (٩) ، والغزالي (١٠) ، وداود الظاهري، وابنه محمد (١١) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: صلى بنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا- قال: فصلّى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد؛
-
فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم
-
٣/٤٥٣/٤٥
أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول؛ يقال له ذو اليدين (١) ، قال: يا رسول اللَّه، أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس، ولم تقصر" ، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: نعم.
-
فتقدم، فصلى ما ترك،
-
ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول،
-
ثم رفع رأسه، وكبر،
-
ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول،
-
ثم رفع رأسه وكبر،
-
ثم سلم فيقول: نبئت أن عمران بن حصين (٢) قال:
-
ثم سلَّم (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن السكوت لو كان حجة ما استنطق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الناس بصدق ما يقول ذو اليدين (٤) .
-
٢ - أن السكوت كما يكون للموافقة، فقد يكون للمهابة من إظهار الخلاف، أو أنه لم يجتهد بعد في حكم الواقعة، أو اجتهد ولم يؤده اجتهاده إلى شيء، أو أداه لشيء مخالف، فلم يظهره؛ للتروي، أو أن القائل مجتهد، وكل مجتهد مصيب، ومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوت من سكت مع انتشار قول المجتهد إجماعًا أو حجة (٥) .
-
القول الثالث: أن الإجماع السكوتي حجة، وليس إجماعًا (٦) . وهو قول الكرخي (٧) من الحنفية (٨) ،
-
٣/٤٦٣/٤٦
وأبو هاشم (١) (٢) ، واختاره الآمدي (٣) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - معتمد أصحاب هذا القول: ما قاله الإمام الشافعي: لا ينسب لساكت قول (٤) .
-
٢ - قد ينكر الساكت، لكن لم ينقل قوله، فحمله على الرضا تحكم بلا دليل (٥) .
-
• الترجيح: يترجح القول بمذهب الجمهور أن الإجماع السكوتي حجة وإجماع، ولكنه دون حجية الإجماع الصريح، فتكون حجيته ظنية إذا غلب على الظن موافقة الجميع، وعدم العلم بالمخالف.