المبحث الأول: التعريف بالمال
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٨٬٠٢٤ إلى ٢٨٬٠٤٢
-
٥/٤٧١٥/٤٧١
المطلب الأول: المال في اللغة: مأخوذ من مادة (مَوَلَ) ، وهو: ما ملكته من جميع الأشياء (١) . قال ابن الأثير: المالُ في الأصل: ما يُملك من الذهب والفضة،
-
ثم أُطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأكثر ما يُطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، ومَالَ الرجل وتمَوَّل: إذا صار ذا مالٍ، وقد موله غيره ويُقال: رجل مال: أي كثير المال، كأنه قد جعل نفسه مالًا، وحقيقته: ذو مال (٢) .
-
ومنه قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَا آتاكَ اللَّه مِنْه مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافٍ، فَخُذْهُ وَتَمَوَّلْهُ" (٣) ، أي: اجعله لك مالًا.
-
وقيل: "المال: كل ما يملكه الفرد، أو تملكه الجماعة، من متاع، أو عروض تجارة، أو عقار، أو نقود، أو حيوان، وجمعه أموال. وقد أطلق في الجاهلية على الإبل" (٤) .
-
المطلب الثاني: المال في الاصطلاح: اختلفت تعريفات الفقهاء للمال تبعًا لاختلافهم في مالية المنافع، وعدم ماليتها.
-
فذهب السرخسي من الحنفية إلى أن المال: اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز (٥) . فقصر المال على المتمول والمحرز، إلا أن ثمة أموالًا غير متمولة ولا محرزة.
-
وقال ابن عابدين: "والمال أعم من المتمول؛ لأن المال ما يمكن ادخاره
-
٥/٤٧٢٥/٤٧٢
ولو غير مباح، كالخمر، والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة، فالخمر مال لا متقوم " (١) . وعرّف المال بقوله: " المال: ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة " (٢) .
-
ولكن طباع الناس تختلف في ميلها وتتناقض،
-
فلا تصلح أن تكون أساسًا ومقياسًا لتمييز المال من غير المال، كما أن من المال أنواعًا لا يمكن ادخارها، كالخضروات والثمار الطازجة، مع أنها أموال في نظر عامة الناس.
-
وقال الزرقا (٣) -وهو من الحنفية المتأخرين-: "المال عند فقهاء الحنفية يقتصر على الموجودات المادية ذات قيمة مادية بين الناس " (٤) .
-
فقصر المال على الأعيان، وبذلك خرجت المنافع والحقوق المحضة، مما عدوه ملكًا لا مالًا، كما خرجت الأعيان التي لا قيمة لها بين الناس، كحبة القمح والجيفة ونحوها.
-
وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يرون المنافع أموالًا، وعليه فإن المال عند الجمهور تتسع دائرته لتشمل ما يُعرف في هذا العصر بالحقوق المعنوية، وفيما يلي بعض تعريفات الجمهور للمال:
-
قال ابن عبد البر: "المعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك فهو مال" (٥) .
-
٥/٤٧٣٥/٤٧٣
وقال الشاطبي: "أعني بالمال: ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره" (١) .
-
وقال الشافعي: "لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يُباع بها، وتكون إذا استهلكها مستهلك أدى قيمتها وإن قلّت، وما لا يطرحه الناس من أموالهم، مثل الفلس وما أشبه ذلك" (٢) . ويبدو أنه تعريف يراعي أعراف الناس في اعتبارهم للقيمة، وهذا باب واسع يدخل فيه الأعيان والمنافع والحقوق، فكل هذه لها قيمة في نظر الناس.
-
وقال المرداوي وغيره: "هو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة" (٣) . فاعتبر المنفعة أساسًا في تحديد ما يعاوض عليه بين الناس، فما لا منفعة فيه لا يكون فيه ربحٌ ولا كسب.
-
ومن مجمل تعريفات الجمهور السابقة للمال استخلص بعض الباحثين تعريفًا للمال بأنه: "ما كان له قيمة مادية بين الناس، وجاز شرعًا الانتفاع به حال السعة والاختيار" (٤) .
-
وهذا التعريف متين وقوي، إلا ما قد يرد عليه في قوله: "قيمة مادية" ، فإنه قد يُفهم منها إرادة الأعيان دون المنافع، ودون الأمور المعنوية، فكان عليه إطلاق القيمة دون تقييدها بالمادية (٥) .