الباب السادس: مسائل الإجماع في باب المسح على الخفين
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٣٬٢١٣ إلى ٣٬٥٨٩
-
١/٣١٢١/٣١٢
جواز المسح على الخفين]
-
إذا توضأ المسلم، ثم لبس خفيه، فإنه يجوز له المسح عليهما، إذا أراد الوضوء، ويُكتفى بذلك من خَلع الخف غسل القدمين.
-
• من نقل الإجماع: ابن المبارك (١٨١ هـ) حيث يقول: "ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز" (١) .
-
ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين وأحدث؛ أن له أن يمسح عليهما" (٢) .
-
وقال: "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وكل من لقيت منهم؛ على القول به" (٣) . ونقله عنه النووي (٤) ، والعيني (٥) ، وابن قاسم (٦) .
-
القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث يقول: "اتفق أهل العلم ومالك رحمه اللَّه على جواز المسح على الخفين" (٧) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول عن المسح على الخفين: "فأهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في ذلك، بالحجاز والعراق والشام وسائر البلدان؛ إلا قوما ابتدعوا؛ فأنكروا المسح على الخفين" (٨) .
-
وقال: "لا أعلم أحدًا من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخفين، من لا يختلف عليه فيه؛ إلا عائشة، وكذلك لا أعلم أحدًا من فقهاء المسلمين روي عنه إنكار ذلك؛ إلا مالكًا، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك، " مُوَطؤه " يشهد للمسح على الخفين في الحضر والسفر، وعلى ذلك جميع أصحابه وجماعة أهل السنة" (٩) . ونقله
-
١/٣١٣١/٣١٣
عنه الشوكاني (١) .
-
البغوي (٥١٦ هـ) حيث يقول: "أما المسح على الخفين، فجائز عند عامة أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم" (٢) .
-
محمد السمرقندي (٦١٥ هـ) حيث يقول في المسح على الخفين: "وثبوته بالإجماع" . نقله عنه ابن عابدين (٣) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على جواز المسح على الخفين في السفر" (٤) .
-
وقال أيضًا: "وأجمعوا على من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وهو مسافر سفرًا مباحا تقصر في مثله الصلاة، ثم أحدث، فله أن يمسح عليهما" (٥) .
-
والإجماع هنا يصب في المسح عمومًا دون التفصيل.
-
الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "فالمسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء، وعامة الصحابة -رضي اللَّه عنهم-؛ إلا شيئًا قليلًا، رُوي عن ابن عباس -رضي اللَّه عنه- أنه لا يجوز" (٦) .
-
وقال أيضًا: "وكذا الصحابة -رضي اللَّه عنهم-؛ أجمعوا على جواز المسح قولًا وفعلًا" (٧) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم" (٨) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين، في الحضر والسفر" (٩) .
-
وعبارة "كافة" من عبارات الإجماع الضعيفة.
-
ونقل بعد ذلك اتفاق الصحابة على الجواز (١٠) .
-
وقال أيضًا: "وأجمع من يعتد به في الإجماع، على جواز المسح على الخفين، في
-
١/٣١٤١/٣١٤
السفر والحضر؛ سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازِمة بيتها، والزَّمِن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج،
-
ولا يعتد بخلافهم " (١) .
-
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول:
-
"وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءًا كاملًا، ثم لبس الخفين؛ جاز له المسح بلا نزاع " (٢) .
-
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقد ذكر في الباب الأول أن المسح على الخفين مجمع عليه بين الصحابة " (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد اللَّه، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبو مسعود الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبو أمامة الباهلي؛
-
وأبو زيد الأنصاري، وسلمان، وبريدة، وعمرو بن أمية، ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأسامة بن زيد، وصفوان بن عسال، وأبو هريرة، وعوف بن مالك، وابن عمر، وأبو بكرة، وبلال، وخزيمة بن ثابت (٤) ، والمشهور عند المالكية (٥) ، وابن حزم (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه-، قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما (٧) .
-
٢ - حديث حذيفة بن اليمان -رضي اللَّه عنهما-، قال: "كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (٨) .
-
١/٣١٥١/٣١٥
٣ - حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (١) .
-
• وجه الدلالة: في الأولين من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي سنة فعلية.
-
أما الثالث؛ ففيه ذكر أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للماسح أن يعمل به يوما وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، فيدل على مشروعيته (٢) ، وهو بالمناسبة من رواية علي رضي اللَّه تعالى عنه، خلافا لما رُوي من إنكاره للمسح على الخفين.
-
• الخلاف في المسألة: رُوي الخلاف عن عائشة، وعلي، وابن عباس، وأبي هريرة، ومجاهد، وسعيد بن جبير (٣) ، ورُوي عن أهل البيت (٤) ، وخالف الشيعة والخوارج أيضًا، فقالوا: لا يجوز، وحكي عن أبي بكر بن داود (٥) .
-
ولكن ذكر ابن المبارك، أن كل من روي عنه أنه كره المسح على الخفين؛ رُوي عنه خلاف ذلك (٦) .
-
ورُوي ذلك عن مالك، ولكن أنكر صحتَها عنه أكثرُ القائلين بقوله (٧) .
-
واحتجوا بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} .
-
فقراءة النصب تقتضي وجوب غسل الرجلين مطلقا؛ لأنه جعل الأرجل معطوفةً على الوجه واليدين، إذ حكمها الغسل، فكذا الأرجل.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في زمن الصحابة (٨) ؛ لوجود المخالف في المسألة من بينهم -وإن أنكر صحةَ السند إليهم بعضُ العلماء- وذلك لشهرة الخلاف في المسألة، ومالك رحمه اللَّه أنكر المسح على الخفين في بداية الأمر؛ لما رأى عمل أهل
-
١/٣١٦١/٣١٦
المدينة على ذلك، مما يدل على شهرة الخلاف في المسألة (١) ، ولكن استقر الإجماع بعد ذلك بين الفقهاء على القول بالمسح على الخفين، فلم يُذكر الخلاف بين الفقهاء بعد ذلك، لتواتر النقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلا ما روي عن مالك، وقد أنكر صحةَ الرواية عنه أكثرُ أصحابه، ولم يعملوا بها (٢) ، فالإجماع في هذه المسألة من قبيل الإجماع بعد الخلاف، وهي مسألة أصولية معروفة، سبقت الإشارة لها عدة مرات، وهو حجة على الصحيح، خاصة مع ورود النصوص المتواترة في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
اشتراط لبس الخفين على طهارة]
-
إذا أراد المسلم الوضوء والمسح على الخفين، فإنه يشترط لذلك أن يكون قد أدخل الخفين على طهارة (٣) .
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يمسح على الخفين إلا من لبسهما على طهارة" (٤) . ونقله عنه القرافي بغير لفظه (٥) .
-
البغوي (٥١٦ هـ) حيث يقول: "وفيه (٦) دليل على أن المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبسهما على كمال الطهارة، وهذا قول عامة أهل العلم" (٧) .
-
الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:
-
"ولو لبس خفيه وهو محدث، ثم أحدث قبل أن يتم الوضوء، ثم أتم، لا يجوز المسح بالإجماع" (٨) .
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول:
-
"وأما شرط المسح على الخفين؛ فهو أن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء، وذلك شيء مجمع عليه إلا خلافًا شاذًّا، وقد روي عن
-
١/٣١٧١/٣١٧
ابن القاسم عن مالك " (١) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح خلافًا " (٢) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول في نقاش له: "وجواب آخر وهو: أن المسح رخصة، واتفقوا على اشتراط الطهارة له " (٣) . ونقله عنه ابن قاسم (٤) .
-
ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث يقول: "وإنما يُمسح على خف رجل لا حدث فيها إجماعًا " (٥) .
-
ونقل ابن نجيم عبارته دون أن يشير (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن حزم (٧) .
-
• مستند الإجماع: حديث المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه-، قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فمسح عليهما (٨) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رخص في هذا الحديث بالمسح على الخفين، وعلق تركه للأصل بأنه أدخلهما طاهرتين،
-
فلا يجوز غيره إلا بدليل،
-
ولا دليل على جواز المسح دون الطهارة قبله (٩) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في المسألة مالك في روايةٍ عنه (١٠) ، وروي عن داود (١١) ، فقالوا: الطهارة ليست بشرط في المسح.
-
قالوا: المقصود في الحديث الطهارة من النجاسة (١٢) ، أو الطهارة اللغوية (١٣) .
-
ولكن الرواية عن مالك رواية شذذها ابن رشد، ولم أجدها عند غيره.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهو قول روي
-
١/٣١٨١/٣١٨
عن عالمين من مذهبين مختلفين، مما يضعف دعوى الإجماع أكثر، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح على الخفين جائز في السفر]
-
إذا كان المسلم في سفر، وأراد الوضوء وهو لابسٌ خفيه، فإنه يجوز له المسح على الخفين.
-
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على جواز المسح على الخفين في السفر" (١) .
-
وقال أيضًا: "وأجمعوا على من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وهو مسافر سفرًا مباحًا تقصر في مثله الصلاة، ثم أحدث، فله أن يمسح عليهما" (٢) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين، في الحضر والسفر" (٣) .
-
وقال أيضًا: "وأجمع من يعتد به في الإجماع، على جواز المسح على الخفين، في السفر والحضر؛ سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازِمة بيتها، والزَّمِن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث صفوان بن عسال -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم" (٨) .
-
• وجه الدلالة: الحديث يدل على مسألتنا بالمطابقة، فقد روى صفوان -رضي اللَّه عنه- أن
-
١/٣١٩١/٣١٩
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأمرهم بأن لا ينزعوا خفافهم في السفر ثلاثة أيام ولياليهن، مما يدل على استحباب المسح على الخفين، وهو جواز وزيادة، واللَّه تعالى أعلم (١) .
-
٢ - حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حدد للمسافر إذا مسح خفيه ثلاثة أيام ولياليهن، مما يدل على جواز المسح للمسافر تضمنًا، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من خالف في مسألة جواز المسح على الخفين ابتداءً، وما قيل هناك يقال هنا.
-
النتيجة: أن الإجماع بعد الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعد الاختلاف قبلُ، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح على الخفين مأخوذ من الأثر]
-
بعد أن تم بحث مسألة الإجماع على شرعية المسح على الخفين، فقد حكي الإجماع على أن المسح على الخفين مأخوذ من طريق الأثر، وليس من القياس.
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن المسح على الخفين مأخوذ من طريق الأثر، لا من طريق القياس" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على ظاهر الخفين" (٨) .
-
١/٣٢٠١/٣٢٠
• وجه الدلالة: أن عليًّا -رضي اللَّه عنه- نص على أن الدين ليس بالرأي، والمقصود هنا القياس، بمعنى أن العبادات لا يدخلها القياس، ولذا استدل بهذا الحديث منكرو القياس (١) ،
-
ثم قال بأنه رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على الظاهر، وهذا استدلال منه على قوله الأول بأنه رَأَى، والواجب حينئذ الاتباع، مع أن القياس يقول بأن الباطن أولى بالمسح، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - أننا لو قلنا بأنه من طريق القياس لوجب القول بالمسح على القفازين، وعلى كل ما غيب الذراعين، من غير علة ولا ضرورة، فدل على أن المسح على الخفين خصوص لا يقاس عليه ما كان في معناه (٢) .
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح على الخفين غير واجب]
-
إذا أراد إنسان أن يتوضأ، وهو لابسٌ خفيه،
-
فلا يجب عليه أن يمسح عليهما في وضوءه (٣) .
-
• من نقل الإجماع: الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "وظاهر قوله: (يأمرنا) (٤) للوجوب، ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره؛ فبقي للإباحة وللندب" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، والشافعية (٨) ، والحنابلة (٩) ، وابن حزم (١٠) .
-
• مستند الإجماع: غسل الرجلين ركن من أركان الوضوء، والواجب فيهما الغسل، ولكن رُخص للتيسير في المسح على الخفين، وليس أمامَنا إلا أمران؛ إما الغسل وهو الأصل، أو المسح وهو الرخصة،
-
فإذا أوجبنا المسح فهو مقابل الأصل، ولا يمكن أن
-
١/٣٢١١/٣٢١
يكون البدل أقوى من المبدل منه (الأصل) ، وبهذا لا يقال بالوجوب.
-
حتى من قال: إن المسح عزيمة، فيقال له: إنها عزيمة في مقابل واجب،
-
فلا يمكن أن يقال بوجوب المسح عليه، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح مرة واحدة مجزئ]
-
إذا مسح المتوضئ على خفيه مرة واحدة، فإن ذلك مجزئ.
-
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن المسح على الخفين مرة واحدة مجزئ" (١) . ونقله عنه ابن قاسم (٢) .
-
هذه المسألة لم يفردها العلماء بالكلام في كتبهم -فيما وقفت عليه- بل هي تابعة لما ذكروه في إجزاء الغسلة الواحدة في الوضوء، فالمسح قائم مقام غسل الرجل، وهي عضو من أعضاء الوضوء، وقد سبق بيان المسألة بعنوان: (إجزاء الغسلة الواحدة إذا عمت) ، ولذا لن أكرر بحث المسألة هنا.
-
استيعاب الخف بالمسح لا يجب]
-
إذا أراد المتوضئ أن يمسح على خفيه، فإنه لا يجب عليه استيعاب الخف بالمسح.
-
• من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول عن استيعاب الخف بالمسح: "الإجماع على أنه لا يجب" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، وابن مسلمة، وجماعة من المالكية (٥) ، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
• مستند الإجماع: أن لفظ المسح على الخفين ورد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مطلقًا، وفسره عليه الصلاة والسلام بفعله، حيث ورد أنه مسح على الخفين دون أن يُحدّد تحديد
-
١/٣٢٢١/٣٢٢
محدد، فيجب الرجوع إلى تفسيره، فكل ما يصح أن يقال فيه أنه مَسَحَ خفيه فهو مجزئ (١) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في الظاهر من المذهب (٢) ، وهو وجه عند الحنابلة (٣) ، فقالوا: يجب استيعاب الخف بالمسح.
-
واحتجوا بأنه مسحٌ أُبدل عن غسل؛ فكان حكمه في الاستيعاب كالجبيرة (٤) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح إلى الكعبين غير واجب]
-
إذا أراد المتوضئ المسح على الخفين، فإنه لا يجب عليه المسح إلى الكعبين، وحكى العيني، وابن نجيم على هذا الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "المسح إلى الكعبين غير واجب إجماعًا" (٥) .
-
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وقال الجمهور: لم يثبت بالكتاب، وهو الصحيح بدليل قوله: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ؛ لأن المسح غير مقدر بهذا بالإجماع" (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٧) ، والشافعية (٨) ، والحنابلة (٩) ، وابن حزم (١٠) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث حذيفة بن اليمان -رضي اللَّه عنهما-، قال: "كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (١١) .
-
٢ - حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح
-
١/٣٢٣١/٣٢٣
من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على ظاهر الخفين " (١) .
-
• وجه الدلالة: في الحديث الأول: ذكر أنه عليه الصلاة والسلام مسح على خفيه، ولم يقل أنه مسح على الكعبين،
-
ولو كان واجبًا لبينه عليه الصلاة والسلام.
-
وفي الحديث الثاني: ذكر علي -رضي اللَّه عنه- أنه رأى مسح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنه مسح على ظاهر الخفين، ولم يذكر الكعبين،
-
وكذا كل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام لم يرد فيه أنه مسح كعبيه في المسح على الخفين، مما يدل على أن المسح عليهما غير واجب، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
عدم إجزاء مسح أسفل الخف]
-
إذا مسح المتوضئُ الذي يريد المسح على خفيه أسفلَ الخف، واكتفى بذلك،
-
فإن فعله هذا غير مجزئ.
-
• من نقل الإجماع: ابن سريج (٣٠٦ هـ) حيث يقول عن مسح أسفل الخف: "لا يجزئ ذلك بإجماع العلماء ". نقله عنه النووي (٢) .
-
إبراهيم بن جابر (٣١٠ هـ) فقد نقل عنه الكاساني حكايته الإجماعَ على أن الاقتصار على أسفل الخف لا يجوز (٣) .
-
ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "لا أعلم أحدًا يرى أن مسح أسفل الخف وحده يجزئ من المسح " (٤) . نقله عنه ابن قدامة (٥) ، وابن قاسم (٦) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول:
-
"وإنْ مَسَحَ أسفله دون أعلاه؛ لم يُجْزِهِ، لا نعلم أحَدا قال: يجزئه مسح أسفل الخف، إلا أشهب من أصحاب مالك، وبعض أصحاب الشافعي" (٧) .
-
١/٣٢٤١/٣٢٤
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور من المذهب (١) ، وقول عند الشافعية (٢) ، وابن حزم (٣) .
-
• مستند الإجماع: حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على ظاهر الخفين" (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن عليًّا -رضي اللَّه عنه- ينقل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه رآه يمسح ظاهر الخف، والوضوء فعل تعبدي تجب المتابعة فيه، وأكد ذلك بقوله أن الدين ليس بالرأي،
-
فإذا مسح غير محل الفرض، لم يجزئ مسحه كالساق، وقد ذكرنا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما مسح ظاهر الخف (٥) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة أشهب من المالكية (٦) ، وهو قول عند الشافعية، وقول أبي إسحاق المروزي (٧) ، فقالوا: بأن مسح أسفل الخف مجزئ.
-
واحتجوا بأنه إذا كان أسفل الخف عندنا محلًّا للفرض؛ جاز الاقتصار عليه في المسح إذًا (٨) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح مختص بما حاذى ظاهر القدمين]
-
إذا أراد المسلم أن يمسح على خفيه، فإنه يمسح على ما حاذى ظاهر قدميه، وقد حُكي الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن المسح يختص بما حاذى ظاهر القدمين" (٩) . ونقله عنه ابن قاسم (١٠) .
-
١/٣٢٥١/٣٢٥
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١) ، والمالكية على المشهور من المذهب (٢) ، وقول عند الشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم (٥) .
-
• مستند الإجماع: حديث علي -رضي اللَّه عنه-، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسح على ظاهر الخفين" (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن عليًّا -رضي اللَّه عنه- وصف ما رأى من مسح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لخفيه، وأنه مسح ظاهرهما، وأكد على ذلك بالتعجب الذي ذكره بأن الدين ليس بالرأي، وإلا لكان مسح الباطن أولى من الظاهر، مما يفيد أن الباطن لا يمسح، فصار المسح لظاهر القدمين وما حاذاهما، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من خالف في مسألة: (عدم إجزاء مسح أسفل الخف) وهم: أشهب من المالكية (٧) ، وهو قول عند الشافعية، وقول أبي إسحاق المروزي (٨) ، حيث قالوا: بإجزاء مسح أسفل الخف عن ظاهره،
-
فلا يكون المسح مختصًّا بما حاذى ظاهر القدمين بذلك (٩) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المقيم يمسح مسح مسافر إذا لم يمسح حتى سافر]
-
إذا نوى المسلم السفر، وقد لبس الخفين على طهارة،
-
ثم سافر قبل أن يمسح، فإنه يمسح مسح مسافر، سواء أحدث مقيمًا أو لا، وحكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء.
-
• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:
-
"فإن سافر قبل الحدث، أو بعد الحدث، قبل المسح، تحولت مدته إلى مدة السفر من وقت الحدث (١٠)
-
١/٣٢٦١/٣٢٦
بالإجماع " (١) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا، في أن من لم يمسح حتى سافر؛ أنه يُتم مسْحَ المسافر " (٢) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول عن مريد المسح: "لَبَس وأحدث في الحضر، ثم سافر قبل خروج وقت الصلاة؛ فيمسح مسح مسافر أيضًا، عندنا وعند جميع العلماء، إلا ما حكاه أصحابنا عن المزني أنه مسح مقيم " (٣) . ونقله عنه ابن قاسم (٤) .
-
• مستند الإجماع: حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن الحديث نصَّ على أن المسافر يمسح ثلاث ليالٍ، وهو في مسألتنا حال ابتدائه بالمسح كان مسافرًا؛ فيأخذ حكم المسافر في المدة (٦) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف مالك (٧) في التوقيت، فقال: لا توقيت للمسح مطلقًا،
-
ولا فرق بين المسافر وغيره.
-
وروي عن عمر، وعقبة بن عامر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سلمة، والحسن، وعروة بن الزبير (٨) .
-
ووجهه أنها طهارة؛ فلم تُوقت بوقت معين، كغسل الرجلين (٩) .
-
وخالف في المسألة المزني من الشافعية (١٠) ، وأحمد في رواية عنه (١١) ، فقال: يمسح مسح مقيم.
-
وأنكر هذا القولَ عن المزنيِّ بعضُ الشافعية (١٢) .
-
وهناك قول آخر للحنابلة؛ بأنه إن مضى وقت صلاة،
-
ثم سافر؛ أتم مسح
-
١/٣٢٧١/٣٢٧
مقيم (١) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المقيم إذا سافر قبل الحدث فيمسح مسح مسافر]
-
إذا سافر المتوضئ، ولم يحدث حتى سافر، فإنه يمسح مسح مسافر بالإجماع.
-
والفرق ظاهر بين هذه المسألة ومسألة: (المقيم يمسح مسح مسافر إذا لم يمسح حتى سافر) ، حيث في مسألتنا زيادة قيد السفر وهو طاهر.
-
• من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "لبس الخف في الحضر، وسافر قبل الحدث؛ فيمسح مسح مسافر بالإجماع" (٢) .
-
ونقل نحو هذه العبارة العيني، دون أن يشير (٣) .
-
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول عن من سافر قبل انتقاض وضوئه:
-
"ولا خلاف في أن مدته تتحول إلى مدة المسافر" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٥) .
-
• مستند الإجماع: حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن الحديث ينص على أن المسافر يمسح ثلاثة أيام، وهذا لم يمسح إلا مسافرًا، فيأخذ حكم المسافر لعموم الحديث، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: سبق ذكر خلاف مالك في التوقيت، وأنه لا توقيت للمسح عنده (٧) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، حيث إن مالكًا يخالف في أصل المسألة، وهو الإلزام بالتوقيت، واللَّه تعالى أعلم.
-
١/٣٢٨١/٣٢٨
المسافر إذا أقام يمسح مسح مقيم]
-
إذا مسح المسافر على خفيه،
-
ثم أقام، فإنه يتم مسحه مسح مقيمٍ، بألا يتجاوز يومًا وليلة.
-
• من نقل الإجماع: أبو العباس بن سريج (٣٠٦ هـ) حيث يقول معلقًا على قول المزني (١) بقوله: "إن كان المزني يذهب إلى أن القياس هذا، ولكن ترك للإجماع أو غيره؛ فليس بيننا وبينه كبير خلاف، وإن كان يذهب إلى أنه يحكم بهذا؛ فهو خلاف الإجماع" .
-
نقله عنه النووي، ثم قال: "وهذا الذي قاله ابن سريج تصريح بانعقاد الإجماع على خلاف قول المزني" (٢) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول:
-
"وإذا مسح مسافر أقل من يوم وليلة، ثم أقام أو قدم؛ أتم على مسح مقيم وخلع، وإذا مسح مسافر يومًا وليلة فصاعدًا، ثم أقام أو قدم خلع، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا أعلم فيه مخالفًا" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، وقول عن مالك (٥) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث صفوان بن عسال -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (٦) .
-
٢ - حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، قال: "جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" (٧) ، يعني: في المسح على الخفين.
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَّت للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، وهذا المسافر صار مقيما، فلم يجز له أن يمسح مسح المسافر.
-
٣ - أن المسح عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر،
-
فإذا ابتدأها في السفر،
-
ثم حضر في أثنائها، غُلّب حكم الحضر، كالصلاة (٨) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف مالك في قول عنه، بعدم المسح في الحضر أصلًا (٩) .
-
١/٣٢٩١/٣٢٩
واستُدل له بأن رواية المسح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما كانت في السفر (١) .
-
وخالف أيضًا في قولٍ ثانٍ عنه، بأنه لا توقيت للمسح (٢) ، ولكن أنكر صحة هذا القول عنه بعض أصحابه (٣) .
-
ووجهه أنها طهارة فلم تتوقت بوقت معين، كغسل الرجلين (٤) .
-
وخالف في هذه المسألة المزني (٥) ، وقال: بأنه إذا مسح يومًا وليلة؛ يمسح ثلث يومين وليلتين، وهو ثلثا يوم وليلة.
-
واحتج لقوله بأنه "لو مسح ثم أقام في الحال؛ مسح ثلث ما بقي، وهو يوم وليلة، فإذا بقي له يومان وليلتان وجب أن يمسح ثلثهما" (٦) .
-
ومعنى استدلاله؛ أن الماسح ليوم وليلة وهو مسافر، لم يستكمل من رخصته إلا الثلث، وبقي له الثلثان، فيأخذ ثلث اليومين اللذين قد استحقهما من قبل ولم يستكملهما، فيكون حقه ثلثا يوم وليلة، واللَّه تعالى أعلم.
-
وخالف بعض الحنابلة، فقالوا: يتم مسح مسافر؛ إن كان مسح مسافرًا فوق يوم وليلة، وشذذه بعضهم (٧) .
-
وخالف ابن حزم بقولٍ خامس (٨) ، وقال: "إن مسح في سفر، ثم أقام أو دخل موضعه؛ ابتدأ مسح يوم وليلة؛ إن كان قد مسح في السفر يومين وليلتين فأقل، ثم لا يحل له المسح، فإن كان مسح في سفره أقل من ثلاثة أيام بلياليها وأكثر من يومين وليلتين؛ مسح باقي اليوم الثالث وليلته فقط، ثم لا يحل له المسح، فإن كان قد أتم في السفر مسح ثلاثة أيام بلياليها؛ خلع ولا بد، ولا يحل له المسح حتى يغسل رجليه" (٩) .
-
واستدل بأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يبح المسح إلا ثلاثة أيام للمسافر بلياليها، ويومًا وليلة للمقيم، فصح أنه لم يبح لأحد أن يمسح أكثر من ثلاثة أيام بلياليها، لا مقيمًا ولا مسافرًا، وإنما نهى عن ابتداء المسح، لا عن الصلاة بالمسح المتقدم (١٠) ، فالعبرة
-
١/٣٣٠١/٣٣٠
عنده بابتداء المسح، وعدم تجاوز ثلاثة أيام.
-
وخالف بعض الظاهرية في قول سادس (١) ، وقالوا: "إذا مسح في سفره أقل من ثلاثة أيام بلياليها وقدم؛ استأنف مسح يوم وليلة، فإن لم يزد على ذلك حتى سافر؛ استأنف ثلاثة أيام بلياليها" (٢) .
-
واحتج هؤلاء بظاهر لفظ الخبر في ذلك (٣) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح على الخف المخروق لا يجزئ]
-
إذا مسح المتوضئ على الخف، وكان هذا الخف مخروقًا خرقًا كبيرًا،
-
فإن المسح عليه غير جائز.
-
وقد قيد الطحاوي هذا الخرق بأن القدمين باديان أو أكثرهما، مما يعني أن الخرق كبير.
-
• من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "ولم يكن فيه حجة (٤) في جواز المسح على النعلين، التمسنا ذلك من طريق النظر، لنعلم كيف حكمه؟ فرأينا الخفين اللذين قد جوز المسح عليهما إذا تخرقا، حتى بدت القدمان منهما أو أكثر القدمين، فكلٌ قد أجمع أنه لا يمسح عليهما" (٥) .
-
ونقله عنه ابن حجر (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٧) ، والشافعية (٨) ، والحنابلة (٩) .
-
• مستند الإجماع: أن الواجب الذي دلت عليه النصوص في القدمين هو الغسل، ولكن أتى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رخصة بالمسح على الخفين، فالمسح بدل عن الغسل،
-
١/٣٣١١/٣٣١
والغسل لا يكون إلا شاملا لمحل الفرض، فكان لا بد أن يكون البدل في حكم المبدل، فيكون شاملًا لمحل الفرض، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: نقل ابن حجر عن الطحاوي الإجماع،
-
ثم قال: "لكنه منازع في نقل الإجماع المذكور" (١) ، ولم يذكر تفصيلًا في المسألة.
-
وخالف ابن حزم في المسألة (٢) ، فقال بجواز المسح على ما يطلق عليه خف، حتى لو كان مخرقًا.
-
واحتج بأن النص يشمل كل ما يطلق عليه خف،
-
ولا دليل على إخراج الخف المخروق من الرخصة الواردة.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح على الخف المقطوع لا يجزئ]
-
الخف المقطوع هنا: هو الخف القصير الساق، الذي لا يستر محل الفرض (٣) .
-
فإذا مسح المتوضئ على خفٍ مقطوع،
-
فإن هذا المسح لا يجوز باتفاق المسلمين.
-
• من نقل الإجماع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول عن الخف المقطوع: "لأن المقطوع يصير كالنعلين، فإنه ليس بخف، ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين، فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين" (٤) . ونقله عنه ابن قاسم (٥) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية على الأظهر، فقد قالوا: بأن القطع الكبير يمنع المسح، حتى لو كان من جهة العقب، وقد اختلفوا في تقدير المتجاوز عنه، إلا أن ذلك ليس من مسألتنا (٦) ، والمالكية في المشهور عنهم (٧) ، والشافعية (٨) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - أن المسح على الخفين بدل عن الغسل، والبدل يأخذ حكم
-
١/٣٣٢١/٣٣٢
المبدل، فكان لا بد من أن يكون الخف ساترًا لمحل الفرض، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - والغسل إنما يكون مجزئا عندما يكون شاملًا لمحل الفرض،
-
وإذا كان الخف غير شامل لمحل الفرض، لا يكون ممسوحا على خفٍّ ساتر لمحل الفرض، فكان لا بد إما من الترك للباقي، أو غسل الظاهر مع مسح الخف المقطوع، وهذا الجمع غير جائز؛ لأنه زيادة على المشروع، فأصبح بدعة، مما يدل على وجوب أن يكون الخف ساترًا لمحل الفرض، واللَّه تعالى أعلم.
-
٣ - أن الخف المقطوع لا يستر محل الفرض، فكان حكمه حكم النعلين (١) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف الأوزاعي (٢) ، وابن حزم (٣) في الخف المقطوع، بأنه يجوز المسح عليه.
-
وروي عن مالك أنه أجاز المسح على الخف المقطوع، واشترط مسح الظاهر من محل الفرض، إلا أن بعض أصحابه أنكر هذه الرواية عنه، وقال: إنما هي للأوزاعي (٤) .
-
واحتجوا بأنه خف يمكن متابعة المشي فيه؛ فأشبه الساتر (٥) .
-
والعجيب أنني وجدت أن ابن تيمية نفسه يخالف الإجماع، ويقول بجواز المسح على الخف المقطوع (٦) .
-
رُوي عن علي -رضي اللَّه عنه- (٧) ، أنه يقول بجواز المسح على النعلين.
-
واحتج بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "توضأ ومسح على الجوربين والنعلين" (٨) .
-
١/٣٣٣١/٣٣٣
ومن أجاز المسح على النعلين فمن باب أولى الخف المقطوعة، ولكن نقل ابن حجر تضعيف هذه الرواية من عدد من الأئمة (١) .
-
ثم نقل قولًا بعده بأنه إنما يجوز على النعلين إذا لبسهما على الجوربين، ويمسح عليهما (٢) .
-
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
من توضأ إلا القدمين فأدخل المغسولة الخف ثم الأخرى فهو طاهر]
-
إذا توضأ المسلم إلا أحد رجليه،
-
ثم أدخل الرجل المغسولة الخف،
-
ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، فإنه يكون طاهرًا.
-
ولا يعني هذا أن هذا الإجماع على صحة المسح عليهما فيما بعد، إذ في هذه المسألة خلاف (٣) ، بل هو في صحة الطهارة فقط، كما هو ظاهر من عبارة ابن المنذر الآتية (٤) .
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا توضأ إلا غسل إحدى رجليه، فأدخل المغسولة الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف؛ أنه طاهر" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، والشافعية (٨) ، والحنابلة (٩) ، وابن حزم (١٠) .
-
• مستند الإجماع: أن من توضأ وأدخل الخف في إحدى قدميه قبل غسل الأخرى فقد أتى بطهارة كاملة مرتبة، ولم يأت بما ينقضها، فوجب أن تكون صحيحة، واللَّه
-
١/٣٣٤١/٣٣٤
تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
من لبس الخف في إحدى قدميه قبل تمام الطهارة فنزعه بعدها جاز له المسح]
-
إذا توضأ المسلم إلا إحدى قدميه،
-
ثم لبس الخف فيها،
-
ثم غسل الأخرى، ثم نزع الخف من الأولى، ولبسه بعد مرة ثانية بعد تمام وضوئه، فإنه يجوز له المسح.
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول عن صورة مسألتنا: "وقد أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول بعد لبسه؛ جاز له المسح" (١) .
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وكلهم أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول، بعد غسل الرجل الثانية، ثم لبسها؛ جاز له المسح" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) ، وابن حزم (٦) .
-
• مستند الإجماع: أن المتوضئ إذا نزع الخف من قدمه التي قد غسلها، وغسل الأخرى، فقد أتم وضوءه،
-
ومن ثم فقد لبس الخفين على طهارة، واستكمل شروط المسح؛ فيجوز له المسح إذًا، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
لا يُمسح على الخفين الفوقيَّيْن الملبوسين بعد الحدث:
-
إذا لبس المتوضئ الخفين على طهارة،
-
ثم أحدث، ثم لبس خفين آخرين فوقهما، فإنه لا يجوز له المسح عليهما بلا خلاف.
-
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "إذا لبس خفين، ثم
-
١/٣٣٥١/٣٣٥
أحدث، ثم لبس فوقهما خفين أو جرموقين (١) ، لم يجز المسح عليهما بغير خلاف" (٢) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في المسألة الحنفية (٣) ، والمالكية في قول (٤) ، والشافعية على المذهب عندهم (٥) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - أن من لبس الخفين الفوقيين بعد الحدث، لم يحقق شرط المسح على الخفين، وهو أن يلبسهما على طهارة؛ فلم يجز له المسح عليهما (٦) .
-
٢ - أن ابتداء مدة المسح من وقت الحدث -هذا على قولٍ للعلماء-، وقد انعقد في الخف الأول؛
-
فلا يتحول إلى الخف الثاني بعد ذلك (٧) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ عندهم (٨) ، والشافعية في وجهٍ عندهم (٩) ، فقالوا: يجوز المسح عليهما.
-
وضعّف النووي هذا الوجه عندهم (١٠) .
-
قالوا: كما لو لبس الخف على طهارة،
-
ثم أحدث، ثم رقع فيه رقعة (١١) .
-
ويأتي هنا الخلاف المروي عن داود ورواية عن مالك، بعدم اشتراط الطهارة للمسح من باب أولى.
-
النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المسح خاص بالطهارة الصغرى]
-
المسح على الخفين خاص بالطهارة من الحدث الأصغر فقط، ولا يجوز في
-
١/٣٣٦١/٣٣٦
الطهارة من الحدث الأكبر بالإجماع.
-
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول في مَعْرِض شرحٍ له: "يعني: الحدث الأصغر؛ فإن جواز المسح مختص به، ولا يجزئ المسح في جنابة، ولا غسل واجب، ولا مستحب، لا نعلم في هذا خلافًا" (١) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "لا يجزئ المسح على الخف في غسل الجنابة، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد من العلماء" (٢) .
-
ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "المسح على الخفين خاص بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع" (٣) .
-
الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "وفيه (٤) دلالة على اختصاصه بالوضوء دون الغسل، وهو مجمع عليه" (٥) .
-
ونقل ابن قاسم نحو عبارته دون إشارة (٦) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٧) ، والمالكية (٨) ، وابن حزم (٩) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - حديث صفوان بن عسال قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا بسفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (١٠) .
-
• وجه الدلالة: قوله: "إلا من جنابة" يفيد بدليل الخطاب أنه كان يأمر بنزع الخفاف عندها،
-
ولا يجيز المسح، فدل على عدم جواز المسح إلا في الحدث الأصغر، وهو ما يوافق الأصل، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - أن وجوب الغسل يندر،
-
فلا يشق إيجاب غسل القدم عندئذٍ، بخلاف الطهارة
-
١/٣٣٧١/٣٣٧
الصغرى فهي تتكرر كثيرًا (١) .