الباب الثالث: مسائل الإجماع في باب الاستنجاء
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ١٬٣٦٤ إلى ١٬٧١٥
-
١/١٥٩١/١٥٩
استحباب قول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) عند دخول الخلاء]
-
الخُبُث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، وهم ذكران الجن وإناثهم (١) .
-
وإذا أراد الإنسان دخول الخلاء، فإنه يستحب له أن يقول ذلك.
-
• من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا لحديث أنس الآتي في المستند: "وقوله: (إذا دخل الخلاء) أي: إذا أراد دخوله، وكذا جاء مصرحًا به في رواية للبخاري، وهذا الذكر مجمع على استحبابه، وسواء فيه البناء والصحراء" (٢) .
-
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن هذا الذكر: "وهذا الذكر مجمع على استحبابه" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والحنابلة (٦) .
-
• مستند الإجماع: حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (٧) .
-
• وجه الدلالة: الحديث يدل على مسألة الباب بالمطابقة، ففيه قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لها، وهي سنة فعلية (٨) .
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
-
١/١٦٠١/١٦٠
كراهة الكلام عند التخلي]
-
إذا كان الرجل في الخلاء، فإنه يكره له الكلام أثناءه، حكى النووي الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وهذا الذي ذكره المصنف، من كراهة الكلام على قضاء الحاجة متفق عليه" (١) .
-
الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "والحديث (٢) دليل على وجوب ستر العورة، والنهي عن التحدث حال قضاء الحاجة، والأصل فيه التحريم، وتعليله بمقت اللَّه عليه، أي: شدة بغضه لفاعل ذلك؛ زيادة في بيان التحريم، ولكنه ادعى في " البحر " (٣) : أنه لا يحرم إجماعًا، وأن النهي للكراهة، فإن صح الإجماع، وإلا فإن الأصل هو التحريم" (٤) .
-
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول:
-
"وقيل: إن الكلام في تلك الحال مكروه فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة، الإجماع على أن الكلام غير محرم في هذه الحالة، ذكره الإمام المهدي في " الغيث "، فإن صلح الإجماع؛ صلح للصرف، عند القائل بحجيته، ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة" (٥) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، والحنابلة (٨) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-: "أن رجلا مر ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه" (٩) .
-
٢ - حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا يخرج
-
١/١٦١١/١٦١
الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان،
-
فإن اللَّه يمقت على ذلك " (١) .
-
• وجه الدلالة: في الحديث الأول: سلم الرجل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يرد عليه، ولم يتحدث معه، مما يدل على الكراهه للكلام وقت التخلي، والكراهة مأخوذة من مجرد الفعل، إذ هي غاية ما يدل عليه الفعل.
-
أما الحديث الثاني: فقد ذكر عليه الصلاة والسلام أن من يتخلى، ويتحدث، ممقوت عند اللَّه تعالى، وهذا يدل على التحريم، لا الكراهة فحسب.
-
ولكن يجاب عن ذلك بأن الحديث قيَّد المقت بأمرين إذا هما اجتمعا، وهما: كشف العورة لبعضهما، والتحدث لبعض.
-
فإذا الفعل بعض موجبات المقت فهو مكروه (٢) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
مشروعية الاستنجاء بالماء]
-
إذا تخلى المسلم، فإنه يسن له أن يستنجي بالماء، وقد حُكي الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "قال اللَّه تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} فجاء النص والإجماع بأنه غسل الفرج والدبر بالماء " (٣) .
-
العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول معددًا سنن الوضوء، وذكر منها: "والاستنجاء بالماء، وهو كان أدبًا في عصر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصار سنة بعد عصره بإجماع الصحابة كالتراويح" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٥) ،
-
١/١٦٢١/١٦٢
والشافعية (١) ، والحنابلة (٢) .
-
• مستند الإجماع: حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن أنسًا ذكر من فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يستنجي بالماء، وهذا يكفي في إثبات المشروعية.
-
• الخلاف في المسألة: نُقل قول لمالك وابن حبيب أنهما أنكرا كون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استنجى بالماء.
-
نقله الحطاب المالكي في "المواهب" ، وقال: "قلت: وهذان النقلان غريبان، والمنقول عن ابن حبيب، أنه منع الاستجمار مع وجود الماء، بل لا أعرفهما في المذهب" (٤) .
-
وقوى كونهما يقصدان الماء العذب (٥) .
-
وهذا القول محكي عن سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء (٦) .
-
واستدلوا بكون هذا الفعل، غير موجود في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلا أنهم محجوجون بالأحاديث الصريحة الصحيحة في ذلك.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف من الصحابة والتابعين في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
جواز الاستجمار بالأحجار]
-
إذا دخل الإنسان الخلاء، وتغوط، فإنه يشرع له أن يستجمر بالحجارة، وهذا على وجه العموم، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الاستنجاء
-
١/١٦٣١/١٦٣
بالحجارة، وبكل طاهر، ما لم يكن طعامًا، أو رجيعًا، أو نجسًا، أو جلدًا، أو عظمًا، أو فحمًا، أو حُمَمَة جائز " (١) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأيُّ الأمرين كان، فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر " (٢) .
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أيضًا على أن الحجارة تزيلها - النجاسة - من المخرجين " (٣) .
-
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار " (٤) .
-
ونقله عنه ابن قاسم (٥) .
-
الزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: "لأن الطهارة من الأنجاس بالماء، شرط جواز الصلاة، فلا بد منها، إلا أنه اكتفى بغير الماء في موضع الاستنجاء؛ للضرورة؛ أو الإجماع " (٦) .
-
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "قال في "البحر" (٧) : والاستجمار مشروع إجماعًا " (٨) .
-
ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) حيث يقول: "ولنا أن القليل عفو إجماعًا؛ إذ الاستنجاء بالحجر كاف بالإجماع " (٩) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (١٠) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه-، قال: "أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار" (١١) .
-
١/١٦٤١/١٦٤
• وجه الدلالة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره بأن يأتيه بثلاثة أحجار، وهذا تشريع منه عليه الصلاة والسلام، فدل على أن هذا العمل مشروع.
-
٢ - حديث سلمان -رضي اللَّه عنه-، قال: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (١) .
-
• وجه الدلالة: ظاهر من أمره عليه الصلاة والسلام بعدم الاكتفاء بدون ثلاثة أحجار، مما يدل على المشروعية وزيادة.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.
-
مشروعية الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء]
-
إذا أراد الإنسان تطهير المحل، فإنه يشرع له أن يستجمر،
-
ثم يتبعه بالاستنجاء، وقد حكى الكاساني الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) بعد ذكره فعل الصحابة، أنهم أصبحوا يتبعون الحجارة الماء حيث يقول:
-
"ثم صار بعد عصره من السنن بإجماع الصحابة، كالتراويح" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} .
-
• وجه الدلالة: أنه لما نزلت هذه الآية في أهل قباء، سألهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شأنهم، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء (٦) ، فقد ذكروا أن فعلهم الذي أثنى اللَّه تعالى عليهم به هو الجمع بين الاستجمار والاستنجاء (٧) .
-
١/١٦٥١/١٦٥
٢ - أن الحجر يزيل عين النجاسة؛
-
فلا تصيبها يده، ثم يأتي بالماء فيطهر المحل، فيكون أبلغ في التنظيف وأحسن (١) .
-
• الخلاف في المسألة: يأتي هنا الخلاف السابق في مسألة مشروعية الاستنجاء بالماء،
-
ومن خالف هناك يخالف هنا بالتبع.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف المعتبر، وعلى هذا، لا يتحقق إجماع في هذه المسألة، حيث يوجد من قال بعدم شرعية الاستنجاء بالماء أصلًا، واللَّه تعالى أعلم.
-
الاستجمار بغير الحجارة]
-
إذا أراد المسلم الاستجمار،
-
فإن استعماله للطاهر المنقي جائز، ما لم يكن طعامًا.
-
• من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الاستنجاء بالحجارة، وبكل طاهر، ما لم يكن طعامًا، أو رجيعًا، أو نجسًا، أو جلدًا، أو عظمًا، أو فحمًا، أو حُمَمَة جائز" (٢) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣) ، والمالكية في قول (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة على المذهب (٦) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - حديث سلمان -رضي اللَّه عنه-، قال: "لقد نهانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم" (٧) .
-
٢ - حديث جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-، قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتمسح بعظم أو ببعر" (٨) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد خص في هذين الحديثين هذه الأشياء؛ فيدل بمفهوم المخالفة أن ما عدا المستثنى في النصوص غير داخل في الحكم معها، بل
-
١/١٦٦١/١٦٦
يجوز الاستجمار بها.
-
٣ - أن العبرة بتنقية المحل،
-
وأن لا يكون المنقي شيئا محترمًا،
-
ولا نجسًا، فإذا لم يكن هذا،
-
ولا ذاك، وكان منقيًا للمحل؛
-
فلا مانع من استِخدامه.
-
• الخلاف في المسألة: نقد ابن تيمية هذه الدعوى بأن الخلاف في المسألة معروف،
-
وأن هناك روايتين معروفتين عن أحمد (١) ، إحداهما بأن الاستجمار بغير الحجارة لا يجزئ (٢) .
-
ولم أجد لهم دليلًا، وقد يستدل لهذا القول بأن الوارد في النصوص، إنما هو مقتصر على ذكر الحجارة فقط؛ فيقتصر عليه.
-
وقد وجدته قولًا للمالكية أيضًا، ونقله الحطاب عن داود، وأصبغ (٣) .
-
وقد عللوا ذلك: بأن الاستنجاء بالأحجار رخصة؛ فيجب الاقتصار عليها (٤) .
-
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
جواز الاستجمار مع وجود الماء]
-
إذا أراد الإنسان تنقية المحل، فإنه يجوز له أن يستجمر مع وجود الماء، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء.
-
• من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: "اتفاق الجميع على جواز صلاة المستنجي بالأحجار مع وجود الماء، وعدم الضرورة، في العدول عنه إلى الأحجار" (٥) .
-
الباجي (٤٧٤ هـ) حيث يقول: "وجميع الفقهاء على أن الاستجمار يجزي مع وجود الماء، وقال ابن حبيب: ليس الاستجمار يجزي؛ إلا مع عدم الماء، ولعله أراد بذلك وجه الاستحباب، وإلا فهو خلاف الإجماع، فيما علمناه" (٦) .
-
الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولأنا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء
-
١/١٦٧١/١٦٧
بالماء، ومعلوم أن الاستنجاء بالأحجار لا يستأصل النجاسة " (١) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول:
-
"وإن اقتصر على الحجر أجزأه، بغير خلاف بين أهل العلم؛ لما ذكرنا من الأخبار، ولأنه إجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- " (٢) .
-
الزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: "لأن الطهارة من الأنجاس بالماء، شرط جواز الصلاة، فلا بد منها، إلا أنه اكتفى بغير الماء في موضع الاستنجاء؛ للضرورة؛ أو الإجماع " (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٤) .
-
• مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه " (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "تجزئ عنه"، ولم يفصل بوجود الماء، أو مع عدمه، وترك التفصيل في المقال، ينزل منزلة العموم في المقال، كما يقول الأصوليون، فيكون دليلًا على إجزاء الاستجمار، مع وجود الماء.
-
• الخلاف في المسألة: نقل الخلاف في هذه المسألة، عن بعض المالكية منهم ابن حبيب، أنهم يقولون بأنه لا يجوز الاستجمار؛ إلا مع عدم الماء (٦) .
-
ولكن بعد طول بحث، لم أجده ذكر عن غير ابن حبيب، بل لم ينص أحد من المالكية في هذا القول بأنه قول البعض، بل ينسبونه إلى ابن حبيب فقط، هذا فيما اطلعت عليه، ورأيته عند غيرهم ينسب إلى بعض المالكية (٧) ، بل حاول الباجي تأويل قوله؛
-
بأنه لعله أراد بذلك وجه الاستحباب، وجعله خلاف الإجماع (٨) .
-
١/١٦٨١/١٦٨
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، إلا أن يعلم مخالفون غير ابن حبيب، أما خلاف ابن حبيب، فقد أوله البعض، ولم يتابعه عليه أحد، واللَّه تعالى أعلم.
-
الاستنجاء بالماء أطيب]
-
إذا تخلى الإنسان، فإن الأفضل له أن يستنجي بالماء، وعليه حكى ابن عبد البر الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "وعليه العمل عند أهل العلم؛ يختارون الاستنجاء بالماء، وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم، فإنهم استحبوا الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل" (١) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأيُّ الأمرين كان، فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الثوري، وابن المبارك؛ وإسحاق (٣) ، والحنفية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء" (٧) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يستنجي بالماء مع وجود الأحجار وتوفرها، فدل على أنه أطيب.
-
٢ - أن الاستنجاء بالماء يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف والإنقاء (٨) .
-
• الخلاف في المسألة: سبق نقل قول لمالك وابن حبيب أنهما أنكرا كون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استنجى بالماء.
-
١/١٦٩١/١٦٩
وسبقت مناقشة ذلك (١) .
-
وأن هذا القول محكي عن سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء، والحسن (٢) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
جواز الاستجمار في السفر والحضر]
-
إذا أراد المتخلي الاستجمار، فإنه يباح له ذلك في الحضر والسفر، وعليه حكى ابن عبد البر الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول:
-
"فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والحنابلة (٦) .
-
• مستند الإجماع: أن جميع النصوص الواردة (٧) في الاستجمار عامة، ولم تقيد السفر دون الحضر، فتبقى على عمومها حتى يأتي مخصص، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
عدم وجوب الاستنجاء من النوم]
-
إذا استيقظ المسلم من نومه، وأراد الوضوء،
-
فإن الاستنجاء لا يجب عليه، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حكايته الإجماع، على أنه لا يجب
-
١/١٧٠١/١٧٠
الاستنجاء من النوم والريح (١) . نقله عنه البجيرمي (٢) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول - بعد مسألة للخرقي هي: وليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء-: "لا نعلم في هذا خلافًا" (٣) . ونقله ابن قاسم (٤) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر" (٥) .
-
المتولي (٤٧٨ هـ) حيث نقل عنه الشربيني (٦) حكايته الإجماع في هذه المسألة، فقال: "نقل المتولي وغيره الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح" .
-
ونقله عنه أيضًا الرملي (٧) ، والجمل (٨) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٩) ، والمالكية (١٠) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ} ، فأمر بالوضوء مباشرة، ولم يأمر بالاستنجاء، فدل على أنه لا يجب في كل الحالات،
-
فإذا لم يكن موجب له فلا يجب، كما في مسألتنا.
-
٢ - أن الوجوب من الشرع، ولم يرد بالاستنجاء هنا نص،
-
ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة،
-
ولا نجاسة ها هنا (١١) .
-
• الخلاف في المسألة: قال النووي حيث يقول: "وحُكي عن قوم من الشيعة أنه يجب، والشيعة لا يعتد بخلافهم" (١٢) .
-
١/١٧١١/١٧١
وهو قولٌ عند الحنابلة (١) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
عدم وجوب الاستنجاء من الريح]
-
إذا خرج من المسلم ريحٌ، وأراد الوضوء،
-
فإن الاستنجاء لا يجب عليه، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حكايته الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح (٢) .
-
نقله عنه البجيرمي (٣) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول - بعد مسألة للخرقي هي: وليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء-: "لا نعلم في هذا خلافًا" (٤) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر" (٥) .
-
المتولي (٤٧٨ هـ) حيث نقل عنه الشربيني (٦) حكايته الإجماع في هذه المسألة، فقال: "نقل المتولي وغيره الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح" .
-
ونقله عنه أيضًا الرملي (٧) ، والجمل (٨) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٩) ، والمالكية (١٠) .
-
• مستند الإجماع: يستند في هذه المسألة بما استند عليه في المسألة السابقة.
-
• الخلاف في المسألة: الخلاف المذكور في النوم يندرج هنا، وما قيل هناك يقال في
-
١/١٧٢١/١٧٢
مسألتنا (١) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
الحجر ذو الثلاثة أحرف يجزئ في الاستجمار]
-
إذا استجمر المتخلِّي بحجر له ثلاثة أحرف،
-
فإن ذلك جائز له، وحُكي الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: الفرغاني (٥٩٣ هـ) حيث يقول: "فإنه لو استنجى بحجر، له ثلاثة أحرف؛ جاز بالإجماع" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في المشهور (٣) ، والشافعية على الصحيح (٤) ، والحنابلة في المشهور (٥) .
-
• مستند الإجماع: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه" (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالاستطابة بثلاثة أحجار، والمقصود هنا عدد المسحات، وليس عدد الممسوح به،
-
ولا فرق بين أن يمسح بثلاثة أحجار، أو أن يمسح بحجر كبير، له ثلاثة أحرف (٧) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (٨) ، والشافعية في وجه شاذ (٩) ، ونقل عن أبي إسحاق إبراهيم بن جابر (١٠) ، والحنابلة في رواية (١١) .
-
١/١٧٣١/١٧٣
واستدلوا (١) بقوله عليه السلام: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (٢) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
الاستنجاء بماء زمزم مجزئ]
-
إذا استنجى المتخلي بماء زمزم،
-
فإن ذلك يجزئه، وقد نُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول:
-
"ثم لو استنجى به -ماء زمزم- مع حرمته أجزأه إجماعًا" (٣) .
-
ونقله النووي (٤) ، وزكريا الأنصاري (٥) .
-
البجيرمي (١٢٢١ هـ) حيث يقول:
-
"ولو من ماء زمزم، ويجزئ إجماعا" (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧) ، والمالكية (٨) ، والحنابلة (٩) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ماء زمزم أنها "طعام طعم" (١٠) .
-
٢ - حديث جابر -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ماء زمزم لما شُرب له" (١١) .
-
• وجه الدلالة: أن هذه الأحاديث وغيرها، تدل على بركة هذا الماء، وينبغي أن يشرف ويكرم عن استخدامه في الرذائل.
-
ولكن إذا استخدم في الاستنجاء، لا يعني هذا أنه لا يجزئ، فهو ماء.
-
وقد قال تبارك وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} .
-
١/١٧٤١/١٧٤
فالأصل في الماء أنه طهور، مطهر لغيره، وأحق ما يكون ذلك في ماء زمزم.
-
• الخلاف في المسألة: هناك مسألة خلافية، وهي حكم إزالة النجاسة بماء زمزم، اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، بين الإباحة والكراهة والتحريم (١) .
-
ولكن هذه ليست مسألتنا، حيث تتحدث عن الإجزاء وعدمه.
-
وهنا إشكال! وهو: أن من قال بالتحريم، أليس معنى ذلك؛ أنه غير مجزئ؟
-
هذا محل نظر (٢) ، ولكن بعد البحث، وجدت أن ممن قال بالحرمة؛ نص على الإجزاء، فليس بلازم هذا الإلزام (٣) .
-
وبعد التأمل والبحث مزيدًا، وجدت أن ممن قال بالتحريم - وهو ابن شعبان من المالكية - نُقل عنه تعليله لهذا القول بأنه مطعوم (٤) ، والمطعوم لا يجزئ الاستنجاء به، في قولٍ للعلماء (٥) ، وبالتالي فهو غير مجزئ.
-
ولكن أنكر الحطاب كونه علل بهذا التعليل، ونقل عنه نقلًا، يفيد أنه يعلل بتكريم هذا الماء المبارك فقط (٦) .
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم التأكد من وجود المخالف المعتبر، حيث من خلال ما سبق لم يثبت مخالفة أحد من العلماء في ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
-
تحريم استقبال القبلة بالتخلي واستدبارها]
-
إذا أراد المسلم التخلي، فإنه يحرم عليه أن يستقبل القبلة بغائط أو بول،
-
ولا يستدبرها (٧) .
-
• من نقل الإجماع: ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي:
-
"ويحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة" ، قال: "إجماعًا" (٨) .
-
١/١٧٥١/١٧٥
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع مجاهد، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز (١) ، والحنفية في الاستقبال، وفي الاستدبار على رواية (٢) (٣) ، والشافعية (٤) ، وابن حزم (٥) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" (٦) .
-
٢ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" (٧) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى في الحديثين عن استقبال القبلة واستدبارها بقضاء الحاجة، وهذا يدل على التحريم (٨) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عائشة (٩) ، وابن عمر فيما رُوي عنهما، وعروة بن الزبير، وداود بن علي (١٠) ، وربيعة (١١) ، فقالوا: يجوز استقبال القبلة واستدبارها. وهي رواية عن أحمد (١٢) .
-
واستدلوا (١٣) بحديث ابن عمر، وفيه: "رقيت على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة" (١٤) .
-
وخالف الحنفية في رواية (١٥) ، بأنه يجوز الاستدبار دون الاستقبال.
-
١/١٧٦١/١٧٦
واستدلوا (١) بحديث ابن عمر السابق (٢) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
عدم تحريم استقبال بيت المقدس بالتخلي]
-
إذا أراد المسلم أن يتخلى،
-
فإن استقباله لبيت المقدس بالتخلى ليس حرامًا، وعلى ذلك حُكي الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: الخطابي (٣٨٨ هـ) حيث نقل عنه الشوكاني (٣) حكايته الإجماع في هذه المسألة (٤) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول -في معرض حديثه عن حديث النهي عن استقبال بيت المقدس بالتخلي (٥) -:
-
"فإن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه - أي: النهي-؟ قلنا: للإجماع، فلا نعلم من يعتد به حرّمه" (٦) . ونقله عنه الرملي (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨) ، والمالكية (٩) ، والحنابلة (١٠) .
-
• مستند الإجماع: قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}
-
• وجه الدلالة: حيث نسخ في هذه الآية كون بيت المقدس قبلة للمسلمين، ولهذا لا يكره استقباله بالتخلي؛ لكونه ليس قبلة (١١) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة عدد من أهل العلم، وقالوا: بتحريم استقبال بيت المقدس بالتخلي، منهم إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وعطاء، والزهري (١٢) ، وهو قول ابن عقيل من الحنابلة (١٣) .
-
١/١٧٧١/١٧٧
واستدلوا بحديث معقل بن أبي معقل الأسدي -رضي اللَّه عنه-، قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط" (١) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
جواز التخلي فيما عدا المسجد]
-
قضاء الحاجة في المسجد لا يجوز،
-
ولا إشكال في ذلك،
-
وأما ما عدا ذلك من المواطن؛ فالأصل فيها أنه يجوز، ولكن بدون الإخلال بالضوابط الأخرى.
-
فمثلا؛ لا يجوز أن يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم، أو أماكن جلوسهم، أو في الماء الراكد، وسبق الحديث عنه في مسألة سابقة، وهكذا مما يؤذي الناس ويضر بهم. أما ما عدا ذلك فإنه يجوز التخلي فيه.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وإلا فقد جاء النص والإجماع، بأن البول والغائط جائز، فيما عدا المسجد" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: لم أجد من نص على هذه المسألة، وذلك لأنها أمر بدهي، ولكن هم يشيرون لها عندما يتحدثون عن الأماكن التي يكره التخلي فيها، فمعناه أن غيرها يجوز التخلي فيها.
-
وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خذ الإداوة" ، فأخذتها فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته (٧) .
-
١/١٧٨١/١٧٨
• وجه الدلالة: في هذا الحديث وغيره من الأحاديث المشابهة، يذكر الصحابة -رضي اللَّه عنهم- فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في قضاء حاجته، ولم يذكروا عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يفرق بين مكان وآخر في الحكم، سوى الأماكن المقدسة، أو التي يكون في التخلي فيها ضرر على الناس؛
-
فدل ذلك على أن التخلي في أي مكان يجوز، بالضوابط والآداب المعروفة.
-
٢ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم" (١) .
-
• وجه الدلالة: إن الحديث استثنى بعض الأماكن، التي يردها الناس وينتفعون بها، فدل ذلك بمفهومه على إباحة ما دون ذلك.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
النهي عن الاستنجاء باليمين]
-
الاستنجاء باليمين منهي عنه في النصوص الصريحة، وقد نقل الإجماعَ فيه بعضُ العلماء، والمقصود الإجماع على أنه منهي عنه، دون الدخول في التفصيلات.
-
• من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم؛ كرهوا الاستنجاء باليمين" (٢) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب، لا نهي تحريم" (٣) .
-
ونقله عنه الشوكاني (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ،
-
١/١٧٩١/١٧٩
والحنابلة (١) ، وابن حزم (٢) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أبي قتادة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتى أحدكم الخلاء، فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" (٣) .
-
٢ - حديث سلمان الفارسي -رضي اللَّه عنه-، قال: "نهانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نستنجي باليمين" (٤) .
-
• وجه الدلالة: الحديث صريح بدلالة المطابقة على مسألة الباب.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
تحريم مباشرة الاستنجاء باليد وعدم إجزائه]
-
إذا أراد المتخلي تنظيف المحل، فإنه يحرم عليه أن يباشره بيده مباشرة،
-
ولا يجزئه ذلك لو فعله.
-
• من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "ومحل الاختلاف - أي: الاختلاف في النهي الوارد للكراهة أو للتنزيه- حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلة؛ فحرامٌ، غير مجزئ، بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى" (٥) .
-
ونقل الصنعاني كلام ابن حجر السابق، ولكن بلفظ آخر، فقال حيث يقول: "أما لو باشر بيده فإنه حرام إجماعًا" (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: لم أجد من نص على المسألة بصراحة غير الحنابلة، وابن حزم، أما غيرهم، فيستنبط من كلامهم الموافقة بلا ريب.
-
وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧) ، والمالكية (٨) ، والحنابلة (٩) ، وابن حزم (١٠) .
-
١/١٨٠١/١٨٠
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أبي قتادة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتى أحدكم الخلاء؛ فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النهي في الحديث السابق متوجه إلى الاستنجاء باليمين، وذلك مفهوم من عرف الناس؛ أنهم لا يستنجون باليد، دون ماء أو حجر،
-
فإذا كان من دونهما؛ فمن باب أولى.
-
٢ - أن في الاستنجاء باليد مباشرة انتقال للنجاسة، من مكان لآخر، من دون أن يطهر أحدهما الآخر،
-
فلا فائدة إذًا من هذا الاستنجاء.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
كراهة التخلي في مساقط الثمار]
-
إذا أراد الإنسان التخلي، فإنه يكره له أن يتخلى في مساقط الثمار، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) شارحًا لقول الماتن:
-
"ويكره أن يبول في مساقط الثمار" ، حيث يقول: "هذا الذي ذكره متفق عليه، ولا فرق بين الشجر المباح والذي يملكه، ولا بين وقت الثمر وغير وقته؛ لأن الموضع يصير نجسًا، فمتى وقع الثمر تنجس، وسواء البول والغائط، وإنما اقتصر المصنف على البول اختصارًا، وتنبيها للأدنى على الأعلى" (٢) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم" (٦) .
-
١/١٨١١/١٨١
٢ - حديث معاذ -رضي اللَّه عنه-، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل" (١) .
-
• وجه الدلالة: حيث ورد اللعن في الحديث على فاعل ذلك، وسواء كان اللعن من باب الإخبار عن حال الناس، أو لعن من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فهو يكفي في كون هذا الفعل منهيًا عنه.
-
• الخلاف في المسألة: الحديث فيه ما يدل على التحريم، حيث فيه ذكر اللعن، وهو لا يكون إلا على الكبائر المحرمات (٢) .
-
وهو قول عند الشافعية (٣) ، ووجه عند الحنابلة (٤) .
-
ولكن هذا الرأي لا يخالف مسألتنا، فالكراهة نوعان: تنزيهية، وتحريمية، وكلاهما من قبيل المنهيات.
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، أما الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه، فليس ناقضًا للمسألة؛ لأن التحريم كراهة وزيادة، واللَّه تعالى أعلم.
-
استحباب البول في موضع لين]
-
إذا أراد الإنسان البول، فإنه يستحب له أن يختار مكانا ليِّنًا، لكي لا يرتد إليه البول.
-
• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) معلقًا على قول الماتن: "ويرتاد موضعًا للبول، فإن كانت الأرض الأصلية دقها بعود أو حجر؛ حتى لا يترشش عليه البول" حيث يقول: "وهذا الأدب متفق على استحبابه" (٥) .
-
١/١٨٢١/١٨٢
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي:
-
"ويستحب. . . وارتياده لبوله مكانًا رخوًا" ، قال: "بالاتفاق" (١) ، أي: على استحبابه.
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية (٢) ، والحنابلة (٣) .
-
ولم أجد كلاما للحنفية، في هذه المسألة، بعد طول بحث، ولكن واللَّه تعالى أعلم أنها لا تخالف أصولهم، فهم قد قالوا: بكراهة البول واقفًا، وفي مهب الريح، وفي أسفل الأرض إلى أعلاها، وعللوا ذلك: بألا يعود عليه رشاش بوله؛ فيتنجس، وهي نفس علة مسألتنا، غير أني لم أجد لهم ذكرًا لمسألتنا (٤) .
-
• مستند الاتفاق: حديث أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه-، قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار فبال،
-
ثم قال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله" (٥) .
-
• وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، حيث ذكر أنه يرتاد لبوله، أي: يبحث عن مكانٍ أرضه رخوة، لا تردُّ الماء، قال العظيم آبادي: "والحديث فيه مجهول، لكن لا يضر، فإن أحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك" (٦) .
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
استحباب تقديم اليسرى للخلاء واليمنى للخروج منه]
-
إذا أراد الإنسان دخول الخلاء، فإنه يستحب له أن يدخل باليسرى، ويخرج باليمنى، وعلى ذلك حكى النووي الاتفاق.
-
• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) معلقًا على قول الماتن:
-
"ويستحب أن يقدم في الدخول رجله اليسرى، وفي الخروج اليمنى؛ لأن اليسار للأذى، واليمنى لما
-
١/١٨٣١/١٨٣
سواه "، حيث يقول: " وهذا الأدب متفق على استحبابه، وهذه قاعدة معروفة، وهي أن ما كان من التكريم بدئ فيه باليمنى، وخلافه باليسار " (١) .
-
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن مسألتنا: "وهذا الأدب متفق على استحبابه " (٢) ، ويبدو أنها عبارة النووي، إلا أنه لم يشرْ لذلك.
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "كانت يد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى " (٦) .
-
٢ - حديث حفصة -رضي اللَّه عنها-: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويساره لما سوى ذلك" (٧) .
-
• وجه الدلالة: من هذين الحديثين وغيرهما كثير، تدل على استحباب تقديم اليمين في المكارم والطاهرات، وعلى العكس في الأشياء الدنية والنجاسات،