المبحث السادس: خلاف أهل الظاهر
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٣٧٬٨٥٦ إلى ٣٧٬٩٠٠
-
١١/٤٢١١/٤٢
يراد بأهل الظاهر: أتباع الإمام داود بن علي الأصفهاني، وقد سموا بذلك، لأخذهم بظواهر النصوص الشرعية، ويردون بقية الأدلة الشرعية الأخرى، من قياس، واستحسان، واستصلاح، وقول صحابي، وسد ذرائع، وعرف. . وغيرها، إلا الاستصحاب فقط (١) .
-
وقد اختلف العلماء في الاعتداد
-
بخلاف أهل الظاهر (٢) على أربعة أقوال:
-
القول الأول: أن خلافهم لا يعتبر مطلقًا، ولا يعتد به.
-
نسب هذا القول إلى جمهور الفقهاء، يقول النووي (٣) : ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور (٤) .
-
وقال الزركشي (٥) : ولم يعدهم المحققون من أحزاب الفقهاء (٦) .
-
١١/٤٣١١/٤٣
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
-
أنهم ينكرون القياس، الأمر الذي يدل على عدم معرفتهم بطرق الاجتهاد، مع العلم بأن معظم الشريعة صدرت عن اجتهاد، والنصوص لا تكاد تفي بعشر معشار الشريعة، وهذا الإنكار للقياس، إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنه قد دل عليه الدليل القاطع، فخالفوا بذلك صريح العقول وصحيح المنقول، ولأن كثيرًا من أهل البدع قد وافقوهم في قولهم،
-
ومن كان هذا حاله،
-
فلا اعتبار بخلافه (١) .
-
ويجاب عن هذه الأمور بما يلي:
-
أولا: ما قيل بأن النصوص الشرعية لا تفي بجميع الأحكام الشرعية، وأنه يلزم إعمال القياس لإظهار الأحكام الشرعية، فقد رد على ذلك الإمام الشوكاني (٢) بقوله: أن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها، وتدبر آيات الكتاب العزيز، وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة، علم بأن نصوص الشريعة جمع جم،
-
ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قياس مقبول. . . نعم، قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها، ولكنها بالنسبة إلى ما وقع في مذهب غيرهم من العمل بما لا دليل عليه البتة قليلة جدا (٣) .
-
١١/٤٤١١/٤٤
ثانيًا: وما قيل في أنهم أنكروا القياس، وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، فخالفوا بذلك صريح العقول وصحيح المنقول: فيقال: إن هذا هو محل النزاع بين أهل الظاهر وغيرهم، فكل واحد من الفريقين أداه إلى ما قال اجتهاده.
-
ثالثًا: وما قيل بأن كثيرًا من أهل البدع وافقوا أهل الظاهر في قولهم: فيقول ابن حزم (١) في ذلك: ولسنا ننكر أن تقول اليهود: لا إله إلا اللَّه ونقولها نحن (٢) .
-
القول الثاني: اعتبار خلاف الظاهرية مطلقا.
-
ومن القائلين بهذا: القاضي عبد الوهاب، حكى ذلك عنه الزركشي حيث يقول: "وقال القاضي عبد الوهاب. . . يعتبر (أي خلافهم) ، كما يعتبر خلاف من ينفي المراسيل، ويمنع العموم، ومن حَمْلِ الأمر على الوجوب، لأن مدار الفقه على هذه الطرق (٣) .
-
وكذا قال به أبو منصور البغدادي (٤) ، يقول ابن الصلاح (٥) : والذي اختاره
-
١١/٤٥١١/٤٥
الأستاذ أبو منصور في هذا، وذكر أنه الصحيح من المذهب، أنه يعتبر خلافه (أي داود) (١) .
-
ومن حجة هذا القول (٢) :
-
١ - أن الظاهرية جزء من أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- مثل غيرهم من المجتهدين، وكونهم أنكروا القياس، لا يخرجهم من هذه الدائرة، وعليه، فإنه يلزم الاعتداد بخلافهم.
-
٢ - أن مخالفتهم للإجماع القطعي قليل،
-
وأن جل ما انفردوا به من قبيل الإجماع الظني.
-
٣ - أنه لا يرد اجتهاد بمثله، فخلاف الظاهرية إنما كان مبنيا على اجتهاد منهم، والذين يرون عدم الاعتداد بخلافهم، إنما بنوا ذلك على اجتهاد منهم كذلك.
-
٤ - أن إمام المذهب الظاهري -داود- كان عالمًا وفقيها بارزا ومشهورا، درّس وأفتى في زمن ازدهر فيه العلم وكثر العلماء، ومع ذلك، لم ينكروا عليه خلافه، الأمر الذي يدل على أن خلافه كان معتبرا.
-
٥ - أنه قد دل على اعتبار خلافهم، إيراد كثير من المؤلفين خلافهم في مؤلفاتهم،
-
فلو لم يكن لخلافهم اعتبار، لما أوردوه في مؤلفاتهم.
-
٦ - أن القول بعدم اعتبار خلافهم، يؤدي إلى عدم اعتبار خلاف من ينكر العموم أو الآحاد أو المراسيل، ولا ذاهب إليه.
-
القول الثالث: اعتبار خلافهم في غير المسائل القياسية، دون المسائل المتعلقة بالقياس.
-
نقل الزركشي عن الأبياري (٣) قوله: بل إن كانت المسألة مما تتعلق بالآثار
-
١١/٤٦١١/٤٦
والتوقيف واللفظ اللغوي ولا مخالف للقياس فيها، لم يصح أن ينعقد الإجماع بدونهم، إلا على رأي من يرى أن الاجتهاد لا يتجزأ،
-
فإن قلنا بالتجزؤ، لم يمنع أن يقع النظر في فرع هم فيه محقون، كما نعتبر خلاف المتكلم في المسألة الكلامية؛ لأن له فيه مدخلًا، كذلك أهل الظاهر في غير المسائل القياسية يعتد بخلافهم (١) .
-
وهذا القول، عند التأمل، نجد أنه راجع إلى القول الأول، القائل بعدم الاعتداد بخلافهم، لأن معظم المسائل قياسية، وهذا ما صرح به الجويني بقوله:
-
فإن معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد، والنصوص لا تفي بالعشر من معشار الشريعة (٢) .
-
القول الرابع: أن يعتبر خلافهم فيما خالف القياس الخفي، دون اعتباره فيما خالف الجلي.
-
وأدلة هذا القول بالنسبة لاعتبار خلافهم في القياس الخفي، هي الأدلة التي وردت في القول الثاني،
-
وأما ما يتعلق بعدم اعتباره فيما خالف القياس الجلي؛ فلبنائه على ما يقطع ببطلانه، والاجتهاد الذي يقع على خلاف الدليل القاطع، لا يعتد به، ويُنتقض حكم الحاكم به.
-
ويمكن أن يعارض هذا القول، بالتفريق بين القياس الجلي والخفي، بأن هذا التقسيم للقياس -بحسب تقسيم الشافعية- هو تقسيم لما يطلق عليه القياس، لا القياس الشرعي المعروف بين الأصوليين، والذي نازع فيه
-
١١/٤٧١١/٤٧
الظاهرية. وعليه، فإن هذا القول (أي القول الرابع) راجع إلى القول الأول، الذي يرى عدم الاعتداد
-
بخلاف الظاهرية مطلقًا، فيكون القول فيهما واحدًا.
-
ويقال -كذلك- أن يكون عدم الاعتداد عامًا
-
بخلاف من يخالف قول الأكثر في القياس من أهل القياس أنفسهم، أو أن يكون ذلك خاصًا بأهل الظاهر فقط،
-
فإن قلنا بالأول، وهو عدم قبول قول كل من خالف في القياس الجلي، وعدم الاعتداد به، فهذا يؤدي إلى القول بأن هذا القياس قطعي، وهذا فيه نظر، لخلاف بعض القائلين بالقياس فيه.
-
وإن قلنا بتخصيص نفاة القياس فقط، ففيه تحكم؛ لأنه ربما خالف في هذه المسألة التي يدعى أن القياس فيها جلي غير الظاهرية ممن يثبت القياس، فيكون خلاف الظاهري هنا قد أهمل، وأعمل خلاف غيره في مسألة واحدة، وهو تحكم (١) .
-
الترجيح: بعد التتبع والملاحظة، ظهر لي -واللَّه أعلم- أن الراجح في هذه المسألة، هو الاعتداد بخلافهم، وأنهم إذا خالفوا، فيكون ذلك مانعًا من انعقاد الإجماع، إلا فيما خالفوا فيه كتاب اللَّه وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- فيحكم ببطلانه.