الفصل الخامس: مسائل الإجماع في ميراث الغرقى والمفقودين
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٣٥٬٧٥٦ إلى ٣٥٬٨٣١
-
٨/٧٦١٨/٧٦١
يرث المتأخر من الغرقى والهدمى إذا عُلِم تأخره عن صاحبه المتأخر
-
• المراد بالمسألة: الغرقى: جمع غريق هم: من ماتوا غرقًا في الماء، والهدمى هم: من ماتوا تحت البنيان (١) ، وبجري هذا على كل موت جماعي فيه أقارب يتوارثون، كانقلاب السيارات، وغرق السفن، وسقوط الطائرات، وكوارث الزلازل وغيرها.
-
والمراد أنه إذا تيقن سبق موت أحد الغرقى أو الهدمى أو من في حكمهم من يتوارث،
-
فإن المتأخر موتًا يرث المتقدم، أما إذا جهل، أو علم ثم نسي فالمسألة خلافية.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن من مات إثر مورثه بطرفة عين أن حقه في ميراث الأول موروثًا قد ثبت، وأنه يرثه ورثة الميت الثاني] (٢) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [في معرض كلامه على المتوارثين إذا ماتوا فجهل أولهم موتًا: ولأن توريث كل واحد منهما خطأ يقينًا؛ لأنه لا يخلو من أن يكون موتهما سبق أحدهما به، وتوريث السابق بالموت والميت معه خطأ يقينًا مخالف للإجماع فكيف يعمل به] (٣) .
-
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [إذا مات متوارثان كالرجل وابنه أو كالزوجين
-
٨/٧٦٢٨/٧٦٢
بالغرق أو الهدم، فإن علم أن أحدهما مات أولًا وعرف عينه ورث الثاني من الأول،
-
وإن علم أن أحدهما مات أولًا وعرف عينه ثم نسي، وقف الأمر إلى أن يتذكر من الأول منهما فيرث منه الثاني, لأن الظاهر ممن علم ثم نسي أنه يتذكر، وهذا لا خلاف فيه] (١) عبد الرحمن ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [.
-
. وإن علم ولو بلحظة ورث المتأخر إجماعًا] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) .
-
قال السرخسي (٤٨٣ هـ) : اتفق أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وزيد ابن ثابت -رضي اللَّه عنهم- في الغرقى والحرقى إذا لم يعلم أيهم مات أولًا أنه لا يرث بعضهم من بعض، وإنما يجعل ميراث كل واحد منهم لورثته الأحياء به قضى زيد في قتلى اليمامة حين بعثه أبو بكر لقسمة ميراثهم، وبه قضى زيد في قتلى الحرة، وهكذا نقل عن علي -رضي اللَّه عنه- في قتلى الجمل وصفين، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه أخذ جمهور الفقهاء (٥) .
-
قال العمراني (٥٥٨ هـ) :
-
وإذا مات متوارثان -كالرجل وابنه، أو كالزوجين- بالغرق أو الهدم،
-
فإن عُلم أن أحدهما مات أولًا وعُرف عينه، ورث الثاني من الأول (٦) .
-
قال الدسوقي (١٢٣٠ هـ) :
-
ولا يرث من جهل تأخر موته عن مورثه بأن ماتا تحت هدم مثلًا أو بطاعون ونحوه بمكان ولم نعلم المتأخر منهما فيقدر أن كل واحد لم يخلف صاحبه وإنما خلف الأحياء من ورثته (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
٨/٧٦٣٨/٧٦٣
الأول: عن إياس المزني -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن قوم وقع عليهم بيت؟ فقال: (يرث بعضهم بعضًا) (١) .
-
• وجه الاستدلال: أنه نص ظاهر على توريث الهدمى بعضهم من بعض.
-
الثاني: عن عمر -رضي اللَّه عنه- عندما كتب له في طاعون عمواس أنه قال: (ورثوا بعضهم من بعض) (٢) .
-
• وجه الاستدلال: أن فيه دليل على توريث المتأخر من المتقدم (٣) .
-
الثالث: أن حياة كل من الغرقى أو الهدمى كانت ثابتة بيقين، والأصل بقاؤها إلى ما بعد موت الآخر (٤) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أنه إذا تيقن موت المتقدم من المتأخر من الغرقى والهدمى الذين يتوارثون،
-
فإن المتأخر يرث المتقدم.
-
٨/٧٦٤٨/٧٦٤
لا يرث الغرقى والهدمى ومن في حكمهم إذا تحقق موتهم معًا
-
• المراد بالمسألة: والمراد أنه إذا تيقن موت الغرقى أو الهدمى أو من في حكمهم جميعًا, ولم يعرف المتقدم من المتأخر، فإنهم لا يتوارثون.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن من مات إثر موروثه بطرفة عين أن حقه في ميراث الأول موروثًا قد ثبت، وأنه ورثه الميت الثاني، واتفقوا أنه إن تيقن أنهما ماتا معًا أنهما لا يتوارثان، واختلفوا إذا جهل من مات قبل أيتوارثان أم لا؟ ] (١) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال في معرض كلامه على المتوارثين إذا ماتوا فجهل أولهم موتًا: [ولأن توريث كل واحد منهما خطأ يقينًا؛ لأنه لا يخلو من أن يكون موتهما معًا أو سبق أحدهما به، وتوريث السابق بالموت والميت معه خطأ يقينًا مخالف للإجماع فكيف يعمل به] (٢) .
-
المرداوي (٨٨٥ هـ) قال في كلامه على الغرقى ومن عمي موتهم: [الثانية لو تحقق موتهما معًا لم يتوارثا اتفاقًا] (٣) . عبد الرحمن ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [ (إذا مات متوارثان -كأخوين لأب- بهدم، أو غرق أو غربة، أو نار) معًا فلا توارث بينهما إجماعًا] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والشافعية (٧) .
-
قال الماوردي (٤٥٠ هـ) : والقسم الرابع أن يقع الشك فيهم فلا يعلم هل ماتوا معًا، أو تقدم بعضهم على بعض،
-
ثم لا يعلم المتقدم من المتأخر فمذهب الشافعي أنه يقطع التوارث بين بعضهم من بعض ويدفع ميراث كل
-
٨/٧٦٥٨/٧٦٥
واحد إلى غير من هلك معه من ورثته (١) .
-
قال السرخسي (٤٨٣ هـ) : اتفق أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وزيد ابن ثابت -رضي اللَّه عنهم- في الغرقى والحرقى إذا لم يعلم أيهم مات أولًا أنه لا يرث بعضهم من بعض، وإنما يجعل ميراث كل واحد منهم لورثته الأحياء به قضى زيد في قتلى اليمامة حين بعثه أبو بكر لقسمة ميراثهم، وبه قضى زيد في قتلى الحرة، وهكذا نقل عن علي -رضي اللَّه عنه- في قتلى الجمل وصفين، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه أخذ جمهور الفقهاء (٢) .
-
قال العمراني (٥٥٨ هـ) :
-
وإن عُلم أنهما ماتا معًا، أو عُلم أن أحدهما مات أولًا ولم تعرف عينه، قال الشيخ أبو حامد: مثل أن غرقا في ماء فرئي أحدهما يصعد من الماء وينزل ولم يعرف بعينه، والآخر قد نزل ولا يصعد، فإنه يعلم لا محالة أن الذي يصعد وينزل لم يمت،
-
وأن الذي نزل ولم يصعد قد مات، أو لم يعلم: هل ماتا في حالة واحدة، أو مات أحدهما قبل الآخر، فمذهبنا في هذه الثلاث المسائل: أنه لا يرث أحدهما من الآخر، ولكن يرث كل واحد منهما ورثته غير الميت معه (٣) .
-
قال الدسوقي (١٢٣٠ هـ) :
-
ولا يرث من جهل تأخر موته عن مورثه بأن ماتا تحت هدم مثلًا أو بطاعون ونحوه بمكان ولم نعلم المتأخر منهما فيقدر أن كل واحد لم يخلف صاحبه وإنما خلف الأحياء من ورثته (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن: من شروط صحة الإرث، ثبوت حياة الوارث بعد موت المورث، وهنا لم يتبين (٥) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أنه إذا لم يعلم المتقدم من المتأخر من الغرقى والهدمى،
-
ومن في حكمهم، أنهم لا يتوارثون.
-
٨/٧٦٦٨/٧٦٦
لا يرثُ المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله لا من مات قبل ذلك
-
• المراد بالمسألة: المفقود، هو: من انقطع خبره، فلم تعلم له حياة،
-
ولا موت (١) .
-
والمفقود في حكم الأحياء حتى يعلم موته يقينًا، أو تمضي عليه مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش مثلها، وفي هذه الحالة لا تتزوج امرأته،
-
ولا يقسم ماله، ومن مات حال الانتظار الشرعي وقبل الحكم بوفاته من قبل القاضي فإنه لا يرث, لأنه يغلب جانب حياة المفقود، فكأنه موجود.
-
• من نقل الاتفاق: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [واتفق الفقهاء على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله لا من مات قبل ذلك ولو بيوم] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) .
-
قال الماوردي (٤٥٠ هـ) :
-
فإذا مضت عليه مدة لا يجوز أن يعيش إليها قسم ماله حينئذ بين من كان حيًا من ورثته،
-
ولو مات للمفقود ميت يرثه المفقود وجب أن يوقف من تركته ميراث المفقود حتى يتبين أمره،
-
فإن بان حيًا كان له وارثًا،
-
وإن بان موته من قبل رُدّ على الباقين من الورثة،
-
وكذلك لو أشكل حال موته (٦) .
-
قال السرخسي (٤٨٣ هـ) :
-
فإذا مضت مدة يعلم أنه لا يعيش إلى تلك المدة فإنه يحكم بموته، ويقسم ميراثه بين ورثته، وإنما يعتبر من ورثته من يكون باقيًا في هذه الحالة،
-
ولا يرثه أحد ممن مات قبل هذا شيئًا, لأنه إنما يحكم بموته في هذه الحالة، وشرط التوريث بقاء الوارث حيًا بعد موت
-
٨/٧٦٧٨/٧٦٧
المورث فلهذا لا يرثه إلا من كان باقيًا من ورثته حين حكم بموته (١) .
-
قال الموصلي (٦٨٣ هـ) : من مات في حال فقده ممن يرثه المفقود يوقف نصيب المفقود إلى أن يتبين حالة لاحتمال بقائه،
-
فإذا مضت المدة. . . ولم يعلم حاله وحكمنا بموته قسمت أمواله بين الموجودين من ورثته (٢) .
-
قال البهوتي (١٠٥١ هـ) :
-
ولا يرثه أي المفقود إلا الأحياء من ورثته وقت قسم ماله (٣) .
-
قال الدردير (١٢٠١ هـ) :
-
فإذا ثبتت حياته أو موته فالأمر واضح،
-
وإن لم يثبت ذلك -بأن مضت مدة التعمير السابقة- فيرثه أحياء ورثته غير المفقود (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قضاء عمر وعثمان في ميراث المفقود أن يقسم من يوم تمضي الأربع سنوات على امرأته، وتستقبل عدتها أربعة أشهر وعشرًا (٥) .
-
الثاني: عمل الصحابة فيمن قتل يوم الجمل، وصفين، والحرة، وقديد (٦) ، فلم يورثوا أحدًا من صاحبه شيئًا إلا من علم أنه قتل قبل
-
٨/٧٦٨٨/٧٦٨
صاحبه (١) .
-
الثالث: يمكن أن يستدل أَيضًا بالقاعدة المتفق عليها (اليقين لا يزول بالشك) (٢) ، فالأصل بقاء حياة المفقود، والموت مشكوك فيه،
-
فإذا حكم الحاكم بموت المفقود، ورثوه لكون التركة من حقهم،
-
ومن مات قبل الحكم عليه فإنه مات في فترة حياته الشرعية.
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن المفقود لا يقسم ماله،
-
ومن مات حال الانتظار الشرعي وقبل الحكم بوفاته من قبل القاضي فإنه لا يرث.