فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الفصل الثاني مسائل الإجماع في الطلاق

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٢٬٠٩٦ إلى ٢٣٬٥١٦

  1. ٣/٤٦٢٣/٤٦٢

    مشروعية الطلاق]

  2. الطلاق (١) من الأمور المشروعة لحَلّ قيد النكاح بين الزوجين، فهو من الأمور المباحة، وليس في النهي عنه ولا في المنع منه خبر يثبت، كما قال ابن المنذر (٢) ، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.

  3. • من نقل الإجماع:

  4. ١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "الأصل في إباحة الطلاق: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة" (٣) .

  5. ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "اتفقوا أن طلاق المسلم العاقل البالغ -الذي ليس بسكران، ولا مكرهًا، ولا غضبان، ولا محجورًا، ولا مريضًا- لزوجته التي قد تزوجها زواجًا صحيحًا، جائز إذا لفظ به بعد النكاح مختارًا له" (٤) .

  6. ٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "القرآن ورد بإباحة الطلاق، وطلّق رسول اللَّه

  7. ٣/٤٦٣٣/٤٦٣

    بعض نسائه، وهو أمر لا خلاف فيه " (١) .

  8. ٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "الطلاق حل قيد النكاح، وهو مشروع، والأصل فى مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع، وأجمع الناس على جواز الطلاق " (٢) .

  9. ٥ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "فدل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، أن الطلاق مباح غير محظور " (٣) .

  10. ٦ - ابن مودود الموصلي (٦٨٣ هـ) حيث قال: "وهو قضية مشروعة بالكتاب، والسنة، والإجماع، وعلى وقوعه انعقد الإجماع " (٤) .

  11. ٧ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "والأصل فيه قبل الإجماع: الكتاب، والسنة. . . " (٥) .

  12. ٨ - البهوتي (١٠٥١ هـ) ، حيث قال عند شرحه لكتاب الطلاق: "وأجمعوا على جوازه " (٦) .

  13. ٩ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "والأصل في جوازه: الكتاب، والسنة، والإجماع" (٧) .

  14. • مستند الإجماع:

  15. ١ - قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: الآية ٢٢٩] وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: الآية ١] .

  16. ٢ - عن ابن عباس، عن عمر -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طلَّق حفصة ثم راجعها (٨) .

  17. • وجه الدلالة: طلق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حفصة،

  18. ولو لم يكن الطلاق مباحًا لما فعله -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  19. ٣/٤٦٤٣/٤٦٤

    ٣ - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه طلق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر بن الخطاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مُرهُ فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء" (١) .

  20. • وجه الدلالة: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ابن عمر بمراجعة زوجته بعدما طلقها، ولم ينهه عن الطلاق، مما يدل على إباحته.

  21. ١ - أن العبرة دالة على جوازه،

  22. فإن الحال ربما فسدت بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة، وضررًا مجردًا بإلزام الزوج النفقة والسكنى، وحبس المرأة، مع سوء العشرة، من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح؛ لتزول المفسدة الحاصلة منه (٢) .

  23. النتيجة: تحقق الإجماع على أن الطلاق مشروع؛ وذلك لعدم وجود مخالف.

  24. كراهية الطلاق في حال استقامة الحال بن الزوجين]

  25. إذا كانت الحياة بين الزوجين مستقيمة، وليس فيها ما يدعو إلى فصل العلاقة القائمة بينهما؛

  26. فان الطلاق يكره عندئذٍ، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.

  27. • من نقل الإجماع:

  28. ١ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الطلاق في حال استقامة الزوجين مكروه غير مستحب" (٣) .

  29. ٢ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال:

  30. "فإن الطلاق منهي عنه مع استقامة حال الزوج باتفاق العلماء" (٤) .

  31. ٣ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "هو مع استقامة حال الزوجين مكروه بالاتفاق" (٥) .

  32. ٤ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن الطلاق مكروه في حالة استقامة

  33. ٣/٤٦٥٣/٤٦٥

    الزوجين " (١) .

  34. • الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الشافعية، والحنابلة من الإجماع على أن الطلاق يكره في حال استقامة الحال بين الزوجين، وافق عليه المالكية (٢) .

  35. • مستند الإجماع: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "أبغض الحلال إلى اللَّه تعالى الطلاق " (٣) .

  36. • وجه الدلالة: الطلاق مباح؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سماه حلالًا، لكنه عند استقامة الحال يكون مكروهًا، لما فيه من قطع للنكاح (٤) .

  37. • الخلاف في المسألة: يرى الحنفية (٥) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٦) ، أن الطلاق يحرُم مع استقامة الحال بين الزوجين.

  38. • أدلة هذا القول: عن ثوبان -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة" (٧) .

  39. • وجه الدلالة: دل الحديث على تحريم سؤال المرأة الطلاق في حال استقامة الحال (٨) .

  40. ٢ - أن هناك ضررًا يلحق بالزوج والزوجة من غير حاجة إليه، لما فيه من قطع للمصلحة الحاصلة لهما، فكان حرامًا (٩) .

  41. النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الطلاق في حال استقامة الحال بين الزوجين أنه مكروه؛ لخلاف الحنفية، والإمام أحمد في رواية بتحريمه، والحال هذه.

  42. ما يشترط في المطلِّق حتى يقع طلاقه:

  43. لابدّ من توفر شروط في المطلِّق حتى يقع طلاقه صحيحًا معتبرًا، ومن هذه

  44. ٣/٤٦٦٣/٤٦٦

    الشروط: العقل، والبلوغ، فإذا وقع الطلاق من زوج بالغ عاقل؛ وقع طلاقه، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.

  45. • من نقل الإجماع:

  46. ١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "اتفقوا أن طلاق المسلم العاقل البالغ -الذي ليس بسكران، ولا مكرهًا، ولا غضبان، ولا محجورًا، ولا مريضًا- لزوجته التي قد تزوجها زواجًا صحيحًا، جائز إذا لفظ به بعد النكاح مختارًا له حينئذٍ" (١) .

  47. ٢ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "شروط المطلق الجائز الطلاق واتفقوا على أن الزوج العاقل البالغ، هو الذي يقع طلاقه" (٢) .

  48. ٣ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "وأجمع المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن اللَّه فيه وأباحه إذا كان مكلفًا مختارًا عالمًا بمدلول اللفظ قاصدًا له" (٣) .

  49. ٤ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "ويقع طلاق كل زوج إذا كان بالغًا عاقلًا، وهذا بالإجماع" (٤) .

  50. ٥ - ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) حيث قال:

  51. "فإن الأُمة من الصحابة والتابعين، وأئمة السلف من أبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، أجمعت على أن طلاق المكلف واقع" (٥) .

  52. ٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال:

  53. "ويصح (٦) من زوج مكلف، بلا نزاع" (٧) .

  54. وقال أيضًا: "وحكى غير واحد اتفاق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل، فإنه مؤاخذ به" (٨) .

  55. • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على اعتبار العقل والبلوغ في المُطلِّق حتى يقع طلاقه، وافق عليه الشافعية (٩) .

  56. ٣/٤٦٧٣/٤٦٧

    • مستند الإجماع:

  57. ١ - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" (١)

  58. • وجه الدلالة: لما كانت تصرفات الصبي، والنائم، والمجنون غير معتبرة؛ لعدم وجود العقل، دل على اعتبارها عند وجوده، ويدخل في هذه التصرفات الطلاق.

  59. ٢ - يعتبر الإنسان مكلفًا مسؤولًا عن تصرفاته بالعقل والبلوغ، اللذين هما مناط التكليف،

  60. فمن تصرف بالطلاق ممن توفر فيه الشرطان وقع طلاقه صحيحًا معتبرًا (٢) .

  61. النتيجة: تحقق الإجماع على أنه الزوج العاقل والبالغ إذا أوقع الطلاق،

  62. فإن طلاقه يقع؛ وذلك لعدم وجود مخالف.

  63. الطلاق الموافق للسنة]

  64. ينقسم الطلاق من حيث وصفه الشرعي إلى طلاق سني، وطلاق بدعي، وطلاق ليس بسني ولا بدعي (٣) .

  65. فالطلاق السني معناه: أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يجامعها فيه طلقة واحدة،

  66. ثم يتركها حتى تنقضي عدتها (٤) . ونقل الإجماع على أن المراد بالطلاق الموافق للسنة هو ما ذُكر جمعٌ من أهل العلم.

  67. • من نقل الإجماع:

  68. ١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيرهم أن طلاق السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع" (٥) .

  69. ٢ - المروزي (٢٩٤ هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته للسنة، وهي ممن تحيض، أنه إن أمهلها حتى تطهر من حيضها، ثم طلقها من قبل أن يجامعها واحدة، ثم تركها حتى تنقضي عدتها، ولم يطلقها غير تلك التطليقة، أنه مطلق للسنة" (٦) .

  70. ٣/٤٦٨٣/٤٦٨

    ٣ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن طلاق السنة أن يطلقها طاهرًا في قبل عدتها" (١) .

  71. وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن من طلق امرأته واحدة، وهي طاهر عن حيضة لم يطلقها قبلها، ولم يكن جامعها في ذلك الطهر، أنه مصيب للسنة" (٢) .

  72. ٤ - ابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن من طلق امرأته طاهرًا لم يمسها فيه أنه مطلق للسنة، والعدة التي أمر اللَّه تعالى بها" (٣) .

  73. ٥ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال:

  74. "فأما طلاق السنة: فهو طلاق المدخول بها في طهر لم تجامع فيه، وطلاق السنة مجمع على وقوعه" (٤) .

  75. ٦ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن التي وطأها في ذلك النكاح، أن وقت الطلاق فيها كونها طاهرًا لم يمسها فيه، ما لم يكن طلقها قبل ذلك الطهر، وهي حائض" (٥) .

  76. ٧ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وقد أجمعوا على أن المطلق للعدة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ولا حائضًا" (٦) .

  77. وقال أيضًا: "وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته، وهي طاهر طهرًا لم يمسها فيه بعد أن طهرت من حيضتها طلقة واحدة، ثم تركها حتى تنقضي عدتها، أو راجعها مراجعة رغبة أنه مطلِّق للسنة، وأنه قد طلق للعدة التي أمر اللَّه بها" (٧) .

  78. وقال أيضًا: "قال مالك وأصحابه: طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه تطليقة واحدة، وقول مالك ومن تابعه في ذلك إجماع من العلماء" (٨) .

  79. ٨ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على أن المطلق للسنة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة" (٩) .

  80. ٩ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:

  81. "ولا خلاف في أنه إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه، ثم تركها حتى تنقضي عدتها، أنه مصيب للسنة، مطلق للعدة التي أمر اللَّه تعالى

  82. ٣/٤٦٩٣/٤٦٩

    بها " (١) .

  83. ١٠ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرًا في طهر لم يمسها فيه، أنه مطلق للسنة " (٢) .

  84. ١١ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "ثبت بالنص والإجماع، أن السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع " (٣) .

  85. ١٢ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "فالطلاق السني أن تكون المرأة طاهرًا من الحيض والنفاس حين الطلاق اتفاقًا، وأن يكون زوجها لم يمسها في ذلك الطهر اتفاقًا " (٤) .

  86. ١٣ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "وأجمع المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن اللَّه فيه، وأباحه إذا كان مكلفًا مختارًا " (٥) .

  87. ١٤ - البهوتي (١٠٥١ هـ) حيث قال: "طلاق السنة ما أذن الشارع فيه، والبدعة ما نهى عنه، ولا خلاف أن المطلق على الصفة الأولى مطلق للسنة" (٦) .

  88. • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن المراد بالطلاق الموافق للسنة هو ما كان في طهر لم يجامعها فيه طلقة واحدة،

  89. ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، وافق عليه الحنفية (٧) . وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وقتادة، وربيعة، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور (٨) .

  90. • مستند الإجماع:

  91. ١ - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: الآية ١] .

  92. • وجه الدلالة: أمر اللَّه سبحانه وتعالى الرجال إذا أرادوا تطليق نسائهم أن يطلقوهن طاهرات من غير جماع،

  93. ومن خالف ذلك فليس بمتقٍ للَّه (٩) .

  94. ٣/٤٧٠٣/٤٧٠

    ٢ - عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه طلق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر -رضي اللَّه عنه- رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مُرهُ فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء" (١) .

  95. • وجه الدلالة: نص الحديث على تحريم الطلاق في زمن الحيض، وفي الطهر الذي جامع فيه، فيكون الطلاق المسنون الذي لا إثم فيه هو الطلاق في طهر لم يجامع فيه (٢) .

  96. النتيجة: تحقق الإجماع على أن طلاق السنة هو ما أوقعه الرجل على امرأته طلقة واحدة في طهر لم يجامع فيه؛ وذلك لعدم وجود مخالف.

  97. الطلاق في الحيض، والنفاس، وفي الطهر الذي جامع فيه، طلاق بدعي مُحرّم:

  98. إذا طلق الرجل امرأته، وهي حائض، أو نفساء، أو في طهر جامع فيه فقد ارتكب محرّمًا، وكان هذا الطلاق بدعيًّا؛ لأنه غير موافق للسنة، ونقل الإجماع على تحريم الطلاق في الحيض، والنفاس، وفي الطهر الذي جامع فيه، جمعٌ من أهل العلم.

  99. • من نقل الإجماع:

  100. ١ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "طلاق الحائض حرام بإجماع" (٣) .

  101. ٢ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "طلاق البدعة في حيض، أو في طهر مجامع فيه، فهو محظور محرّم بوفاق" (٤) . ونقله عنه الشربيني (٥) .

  102. ٣ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال:

  103. "ولا خلاف بين أهل العلم قاطبة -وفي جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك- في أن الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، بدعة نهى عنها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (٦) . ونقل ذلك عنه ابن القيم (٧) .

  104. ٣/٤٧١٣/٤٧١

    ٤ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: "لا خلاف بين الأمة في أن حكم النفساء في هذا (١) حكم الحائض" (٢) .

  105. ٥ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الطلاق في الحيض لمدخول بها، والطهر المجامع فيه محرم، إلا أنه يقع" (٣) .

  106. ٦ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على أن المطلق للسنة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة، وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنة" (٤) .

  107. ٧ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:

  108. "وأما المحظور: فالطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، أجمع العلماء في جميع الأمصار، وكل الأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق البدعة؛ لأن المطلق خالف السنة" (٥) .

  109. ٨ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه" (٦) .

  110. ٩ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل" (٧) .

  111. ١٠ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "الطلاق في الحيض محرّم بالكتاب والسنة والإجماع، فإنه لا يعلم في تحريمه نزاع، وهو طلاق بدعة" (٨) .

  112. وقال أيضًا: "فإن طلقها، وهي حائض، أو وطأها وطلقها بعد الوطء قبل أن يتبين حملها، فهذا طلاق محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين" (٩) .

  113. ١١ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال:

  114. "وإذا طلق الرجل امرأته في حال الحيض وقع الطلاق، ثم بهذا الإيقاع عاصٍ بإجماع الفقهاء" (١٠) .

  115. ٣/٤٧٢٣/٤٧٢

    ١٢ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: ". . . وطلاق الموطوءة حائضًا بدعي، أي: حرام للنهي عنه. . .، ولإجماع الفقهاء على أنه عاصٍ" (١) .

  116. ١٣ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: "واتفقوا على تحريم الطلاق في الحيض لمدخول بها، أو في طهر جامع فيه، إلا أنه يقع، مع النهي عن ذلك" (٢) .

  117. ١٤ - الرملي (١٠٠٤ هـ) حيث قال:

  118. "ويحرم البدعي -وهو طلاقها في حيض أو نفاس، ممسوسة أي: موطوءة- وقد علم ذلك إجماعًا" (٣) .

  119. • مستند الإجماع:

  120. ١ - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: الآية ١] .

  121. • وجه الدلالة: أمر اللَّه سبحانه وتعالى الرجال إذا أرادوا تطليق نسائهم أن يطلقوهن طاهرات من غير جماع،

  122. وأن يطلقوهن في حال استقبال عدتهن،

  123. ولا يتصور ذلك إلا بعد الطهر من الدم، سواء في الحيض، أو في النفاس،

  124. ومن خالف ذلك فليس بمتقٍ للَّه (٤) .

  125. ٢ - عن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه طلق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر بن الخطاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مُرهُ فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء" (٥) .

  126. وفي رواية: أن عبد اللَّه بن عمر: قال: طلقت امرأتي، وهي حائض، فذكر عمر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتغيظ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-،

  127. ثم قال: فذكره (٦) .

  128. • وجه الدلالة: نص الحديث على تحريم الطلاق في زمن الحيض، وفي الطهر الذي جامع فيه، وقد أنكره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بتغيظه، مما يدل على تحريمه (٧) .

  129. النتيجة: تحقق الإجماع على أن طلاق الحائض، والنفساء، والطلاق في الطهر الذي جامع فيه بدعي مُحرّم؛ وذلك لعدم وجود مخالف.

  130. ٣/٤٧٣٣/٤٧٣

    الطلاق في الحيض لازم لمن أوقعه]

  131. سبق القول في المسألة السابقة أن الطلاق في الحيض بدعي مُحرّم، وتحقق الإجماع على ذلك،

  132. فإذا طلق الرجل زوجته في الحيض،

  133. فإن طلاقه يقع ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.

  134. • من نقل الإجماع:

  135. ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وممن مذهبه أن الحائض يقع بها الطلاق. . . كل من نحفظ عنه من أهل العلم، إلا ناسًا من أهل البدع لا يقتدى بهم" (١) .

  136. ٢ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "الطلاق يقع في الحيض، ثلاثًا كان أو أقل، وهو مذهب الفقهاء بأسرهم" (٢) .

  137. ٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "الطلاق في الحيض لازم لمن أوقعه، وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار، وجمهور علماء المسلمين، وإن كان عند جميعهم في الحيض بدعة غير سنة، فهو لازم عند جميعهم، ولا مخالف في ذلك إلا أهل البدع" (٣) .

  138. ٤ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الطلاق في الحيض لمدخول بها، والطهر المجامع فيه محرم، إلا أنه يقع" (٤) . ونقله عنه ابن قاسم (٥) .

  139. ٥ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض. . .، فلو طلقها أثِمَ، ووقع طلاقه" (٦) .

  140. ٦ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "إذا طُلِّقت المرأة، وهي حائض، يعتبر ذلك الطلاق، وعليه أجمع أئمة الفتوى من التابعين وغيرهم" (٧) .

  141. وقال أيضًا: "وإذا طلق الرجل امرأته في حال الحيض وقع الطلاق، ويأثم بإجماع الفقهاء" (٨) .

  142. ٣/٤٧٤٣/٤٧٤

    ٧ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: "واتفقوا على تحريم الطلاق في الحيض لمدخول بها، أو في طهر جامع فيه، إلا أنه يقع، مع النهي عن ذلك" (١) .

  143. • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الطلاق في الحيض لازم لمن أوقعه، هو قول الحسن البصري، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي ثور (٢) .

  144. • مستند الإجماع:

  145. ١ - عن ابن سيرين قال: سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته، وهي حائض، فذكر عمر للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "ليراجعها" ، قلت: أتحتسب؟ قال: "فمه؟ " (٣) .

  146. ٢ - عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: حسبت عليّ بتطليقة (٤) .

  147. ٣ - عن نافع أن ابن عمر طلق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمره أن يرجعها،

  148. ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى،

  149. ثم يمهلها حتى تطهر،

  150. ثم يطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء. فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض، يقول: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره أن يرجعها،

  151. ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى،

  152. ثم يمهلها حتى تطهر،

  153. ثم يطلقها قبل أن يمسها (٥) .

  154. • وجه الدلالة: دلت الأحاديث السابقة على وقوع الطلاق في الحيض،

  155. وأن ابن عمر قد اعتد بتلك الطلقة التي طلق زوجته فيها وهي حائض، ولما أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عبد اللَّه بن عمر بالمراجعة، دل على اعتبار الطلاق فى الحيض؛ لأن المراجعة لا تكون إلا بعد طلاق (٦) .

  156. • الخلاف في المسألة: يرى طائفة من أصحاب الإمام أحمد (٧) ، وإليه ذهب ابن

  157. ٣/٤٧٥٣/٤٧٥

    تيمية، وابن القيم (١) ، وداود (٢) ، وابن حزم (٣) ، أن الطلاق في الحيض لا يقع. وهو قول سعيد بن المسيب، وطاوس، وخلاس بن عمرو، وأبي قلابة، وإبراهيم بن إسماعيل بن علية (٤) ، وهشام بن الحكم (٥) ، وهو قول الشيعة والخوارج (٦) .

  158. • أدلة هذا القول:

  159. ١ - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: الآية ١] .

  160. • وجه الدلالة: الوطء في الحيض حرام، والعدة لا تكون إلا من طلاق موطوءة،

  161. فلا يستقيم تحريم الوطء في الحيض،

  162. ثم إباحة الطلاق فيه (٧) .

  163. ٢ - عن أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة سأل ابن عمر قال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ قال: طلق عبد اللَّه بن عمر امرأته، وهي حائض، على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسأل عمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن عبد اللَّه بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد اللَّه: فردها عليّ، ولم يرها شيئًا، وقال: "إذا طهرت؛ فليطلق أو ليمسك" (٨) .

  164. ٣/٤٧٦٣/٤٧٦

    • وجه الدلالة: هذا نص أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم ير الطلقة شيئًا مما يدل على أنه لا يقع،

  165. ولو وقع لرآه شيئًا (١) .

  166. ٣ - أن النكاح المحرّم لا يلزم، والبيع المحرّم لا يلزم كذلك،

  167. فلا يلزم الطلاق المحرّم قياسًا (٢) .

  168. النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الطلاق في الحيض لازم لمن أوقعه؛ وذلك لما يأتي:

  169. ١ - وجود خلاف عن داود، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، وبعض فقهاء الحنابلة، وهو قول سعيد بن المسيب،

  170. ومن معه من السلف، وسعيد معاصر للصحابة -رضي اللَّه عنهم-كما لا يخفى، والذي ترجح عند أهل الأصول: الاعتداد

  171. بخلاف التابعي المجتهد المعاصر للصحابة.

  172. ٢ - يقول ابن القيم: "إن دعوى الإجماع غير صحيحة؛ لأن الخلاف لم يزل قائمًا بين السلف والخلف، وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره. . . كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين" (٣) .

  173. استحباب مراجعة الزوجة إذا طلقها زوجها في طهر قد مسها فيه]

  174. إذا طلق الرجل امرأته في زمن الحيض، أو طلقها في طهر جامعها فيه، فإنه لا يؤمر بمراجعتها، ولكن يستحب له أن يراجعها، استدراكًا لمواقعة المحظور بالإقلاع عنه، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.

  175. • من نقل الإجماع:

  176. ١ - ابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث قال: "واتفقوا. . . أنه لو طلقها في طهر قد مسها فيه لا يؤمر بمراجعتها" (٤) . ونقله عنه ابن حجر (٥) ، والشوكاني (٦) .

  177. ٣/٤٧٧٣/٤٧٧

    ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وأجمع العلماء أنه إذا طلقها في طهر مسها فيه لم يجبر على رجعتها" (١) . وذكره في الاستذكار (٢) ، ونقله عنه ابن قدامة (٣) .

  178. وقال أيضًا: "لم يختلفوا أنها إذا انقضت عدتها لم يجبر على رجعتها، فدل ذلك على أن الأمر بمراجعتها ندب" (٤) .

  179. ٣ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "لا يجبر اتفاقًا فيما إذا طلق في طهر مسها فيه" (٥) . أي: على الرجعة.

  180. ٤ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أنه إذا انتهت عدتها أن لا رجعة، وأنه لو طلق في طهر قد مسها فيه لا يؤمر بمراجعتها" (٦) .

  181. ٥ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "والاتفاق على أنه إذا طلقها في طهر قد مسها فيه لم يؤمر بالمراجعة" (٧) .

  182. • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على استحباب مراجعة الزوجة إذا طلقها زوجها في طهر قد مسها فيه، وافق عليه الحنفية، كما ذكره بعض المشايخ منهم (٨) . وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى (٩) .

  183. • مستند الإجماع:

  184. ١ - قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: الآية ٢٢٩] .

  185. • وجه الدلالة: أن المطلق مخير بين الإمساك أو التسريح، فدل على استحباب المراجعة (١٠) . وقال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البَقرَة: الآية ٢٢٨] .

  186. • وجه الدلالة: علق سبحانه وتعالى حق الرجعة على إرادة الأزواج، فدل على استحبابها (١١) .

  187. ٢ - أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ابن عمر بمراجعة زوجته، وأقل أحوال الأمر الاستحباب؛ حيث إن معصية الطلاق وقت الحيض قد وقعت، فتعذر ارتفاعها (١٢) .

  188. ٣/٤٧٨٣/٤٧٨

    • الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية في الصحيح لديهم (١) ، والإمام مالك (٢) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٣) ، أن الرجعة تجب، وهو قول داود (٤) .

  189. • دليل هذا القول: حملوا الأمر في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمر: "مره فليراجعها" ، على الوجوب، فتكون الرجعة واجبة (٥) .

  190. النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الرجعة مستحبة غير واجبة إذا طلق الرجل امرأته في طهر قد مسها فيه؛ لخلاف الحنفية في الصحيح لديهم، والإمام مالك، والإمام أحمد في رواية عنه، وداود، بوجوب الرجعة.

  191. طلاق الحامل طلاق للسنة]

  192. إذا طلق الرجل امرأته، وهي حامل، وكان هذا الطلاق طلقة واحدة، فإنه موافق للسنة؛ إذ لا بدعة في طلاق الحامل، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.

  193. • من نقل الإجماع:

  194. ١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "الأمة مجمعة على أن الحامل تطلق للسنة إذا استبان حملها من أوله إلى آخره، وأن الحمل كله كالطهر الذي لم يجامع فيه" (٦) . ونقله عنه ابن قدامة (٧) . وقال أيضًا:

  195. "ولا نعلم خلافًا أن طلاق الحامل إذا تبين حملها طلاق سنة، إذا طلقها واحدة، وأن الحمل كله موضع للطلاق" (٨) . وقال أيضًا:

  196. "وأما الحامل فلا خلاف بين العلماء أن طلاقها للسنة من أول الحمل إلى آخره؛ لأن عدتها أن تضع ما في بطنها" (٩) .

  197. ٢ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "طلاق الحامل ليس ببدعة. . . إجماعًا" (١٠) . وقال أيضًا: "وقد اتفق الناس أن طلاق الحامل ليس ببدعة، وإن رأت الدم" (١١) .

  198. • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن عبد البر، وابن القيم من الإجماع على أن

  199. ٣/٤٧٩٣/٤٧٩

    طلاق الحامل، طلاق للسنة، وافق عليه الحنفية (١) ، والشافعية (٢) ، وابن حزم (٣) . وهو قول عبد اللَّه بن مسعود، وجابر -رضي اللَّه عنهما-، وطاوس، والحسن البصري في رواية، وابن المسيب، وابن سيرين، وربيعة، والزهري، وحمّاد بن أبي سليمان، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد (٤) .

  200. • مستند الإجماع: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه طلق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا" (٥) .

  201. • وجه الدلالة: دل الحديث على أن طلاق الحامل جائز في كل وقت، وأنه يقع للسنة (٦) .

  202. • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحسن البصري فى رواية عنه، إلى أن طلاق الحامل مكروه (٧) .

  203. ثانيًا: ذهب بعض المالكية -كما قال القاضي عياض- إلى أن طلاق الحامل حرام (٨) .

  204. • دليل هذين القولين: أن في طلاق الحامل تطويلًا للعدة عليها،

  205. فمن قال بالكراهة، حمل القول بتطويل العدة على الكراهة،

  206. ومن قال بالتحريم، حمله على التحريم (٩) .

  207. النتيجة: تحقق الإجماع على جواز طلاق الحامل، وعدم النظر في خلاف من خالف؛ وذلك لما يأتي:

  208. ١ - رويت الكراهة عن الحسن البصري، والقول بالكراهة لا ينافي القول بالجواز.

  209. ٢ - رُويَ عن الحسن رواية أخرى توافق قول الجمهور القائل بالجواز.

  210. ٣ - ما نقل عن بعض المالكية من التحريم، فما ذكره غير القاضي عياض، ولم

  211. ٣/٤٨٠٣/٤٨٠

    ينسبه القاضي عياض لقائله، ولم أجد هذا القول عند أي من المالكية فيما وقع تحت يدي من كتبهم.

  212. طلاق غير المدخول بها لا سنة ولا بدعة فيه]

  213. إذا نكح رجل امرأة،

  214. ثم طلقها قبل أن يدخل بها،

  215. فإن طلاقه واقع، ولا سنة ولا بدعة فيه، سواء كانت حائضًا أم طاهرًا، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.

  216. • من نقل الإجماع:

  217. ١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن الزوجة إن لم يطأها زوجها في ذلك النكاح، أن كل وقت فهو وقت طلاق لها" (١) .

  218. ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وأجمع العلماء أن طلاق السنة إنما هو في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فليس في طلاقها سنة ولا بدعة" (٢) .

  219. • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن عبد البر، وابن حزم من الإجماع على أن طلاق غير المدخول بها لا بدعة فيه ولا سنة، وافق عليه الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .

  220. • مستند الإجماع: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: الآية ٤٩] .

  221. • وجه الدلالة: المراد بالطلاق للعدة هو طلاق المدخول بها من النساء، أما غير المدخول بها فلا عدة عليها،

  222. فلا بدعة ولا سنة في طلاقها (٦) .

  223. • الخلاف في المسألة: ذهب زفر من الحنفية (٧) ، والمالكية في رواية أشهب (٨) (٩) ،

  224. ٣/٤٨١٣/٤٨١

    إلى القول بمنع طلاق غير المدخول بها، وهي حائض.

  225. • دليل هذا القول: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ابن عمر بمراجعة امرأته؛ لأنه طلقها وهي حائض، فتجري هذه العلة في كل حائض سواء كان مدخولًا بها أو غير مدخول بها (١) .

  226. النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن طلاق غير المدخول بها إذا كانت طاهرًا أنه لا سنة ولا بدعة في طلاقها؛ وذلك لعدم وجود مخالف.

  227. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن غير المدخول بها، إذا كانت حائضًا، أنه لا بدعة ولا سنة في طلاقها؛ وذلك لوجود خلاف عن زفر من الحنفية، والمالكية في رواية أشهب؛ بمنع طلاق الحائض مدخولًا بها، أو غير مدخول بها.

  228. إذا طلق الرجل ثلاثًا مجتمعات، وقعت ثلاثًا:

  229. إذا طلق الرجل امرأته ثلاث طلقات متواليات، فيقع الطلاق ثلاثًا، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.

  230. • من نقل الإجماع:

  231. ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن من طلق زوجته أكثر من ثلاث، أن ثلاثًا منه تحرمها عليه" (٢) .

  232. ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "أما وقوع الثلاث تطليقات مجتمعات بكلمة واحدة، فالفقهاء مختلفون في هيئة وقوعها كذلك، هل تقع للسنة أم لا؟ مع إجماعهم على أنها لازمة لمن أوقعها" (٣) . وقال أيضًا: ". . . وقوع الثلاث مجتمعات غير متفرقات، ولزومها، وهو ما لا خلاف فيه بين أئمة الفتوى بالأمصار، وهو المأثور عن جمهور السلف" (٤) .

  233. وقال أيضًا: ". . . الطلاق الثلاث مجتمعات لا يقعن لسُنّة. . . وهم مع ذلك يلزمونه ذلك الطلاق، ويحرمون به امرأته، إلا بعد زوج، كما لو أوقعها متفرقات عند الجميع" (٥) .

  234. ٣ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: ". . . وليس معناه ما يتوهمه المبتدعة والجهّال من أن طلاق الثلاث إذا قالها الرجل في كلمة لا يلزم، وقد ضربت شرق الأرض

  235. ٣/٤٨٢٣/٤٨٢

    وغربها، فما رأيت ولا سمعت أحدًا يقول ذلك إلا الشيعة الخارجين عن الإسلام " (١) .

  236. ٤ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات في حالة واحدة، أو في طهر واحد يقع؛ ولم يختلفوا في ذلك " (٢) .

  237. ٥ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "وروينا عن عمر -رضي اللَّه عنه- أنه كان لا يؤتى برجل قد طلق امرأته ثلاثًا إلا أوجعه ضربًا، وأجاز ذلك عليه، وكانت قضاياه بمحضر من الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، فيكون إجماعًا منهم على ذلك " (٣) .

  238. ٦ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، فهي ثلاث، وإن نوى واحدة، لا نعلم فيه خلافًا " (٤) .

  239. ٧ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف " (٥) .

  240. ٨ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "الطلاق الرجعي والبائن، فأما البائن، فهو في أربعة مواضع: وهي طلاق غير المدخول بها، وطلاق الخلع، والطلاق بالثلاث، فهذه الثلاثة بائنة اتفاقًا، " (٦) . وقال أيضًا: " وتنفذ الثلاث، سواء طلقها واحدة بعد واحدة اتفاقًا، أو جمع الثلاث في كلمة واحدة " (٧) .

  241. ٩ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "اتفق الأئمة على أن الطلاق في الحيض لمدخول بها، أو في طهر جامع فيه محرّم؛ إلا أنه يقع، وكذلك جمع الطلاق الثلاث يحرم ويقع " (٨) .

  242. ١٠ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق" (٩) .

  243. ٣/٤٨٣٣/٤٨٣

    ١١ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "لما خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع منهم إنكار، صار إجماعًا" (١) .

  244. ١٢ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "إجماعهم ظاهر، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه خالف عمر -رضي اللَّه عنه- حين أمضى الثلاث" (٢) .

  245. ١٣ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال:

  246. "ولا حاجة إلى الاشتغال بالأدلة على رد قول من أنكر وقوع الثلاث جملة؛ لأنه مخالف للإجماع" (٣) .

  247. ١٤ - ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) فذكره، كما قال ابن الهمام (٤) .

  248. ١٥ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "من طلق زوجته ثلاثًا بكلمة واحدة، وقعت الثلاث، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وجماهير العلماء، وحكى ابن رشد إجماع علماء الأمصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة" (٥) .

  249. • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الرجل إذا طلق ثلاث تطليقات مجتمعات، وقعت ثلاثًا وافق عليه ابن حزم (٦) . وهو قول الثوري، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والليث، وعثمان البتي، والحسن بن حي، وإسحاق، وأبي ثور (٧) .

  250. • مستند الإجماع: قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: الآية ٢٢٩] وقال تعالى:

  251. {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: الآية ٢٣٠] وقال تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) } [البقرة: الآية ٢٤١] قال تعالى:

  252. {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: الآية ٢٣٧] .

  253. • وجه الدلالة: لم يفرق اللَّه سبحانه وتعالى بين إيقاع الطلقة الواحدة أو الاثنتين أو الثلاث في هذه الأحكام، فدل على أن من أوقع الطلقات بأي عدد فقد لزمته، وأنه لما جاز جمع

  254. ٣/٤٨٤٣/٤٨٤

    الثنتين في الطلاق دفعة واحدة جاز جمع الثلاث (١) .

  255. عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وسط الناس، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها" ، قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أنا أمسكتها، فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .

  256. • وجه الدلالة: دل الحديث على أن الطلقات الثلاث إذا وقعت بكلمة واحدة، فإنها تقع، وتبين بها الزوجة؛ لأن عويمرًا طلق زوجته ثلاثًا ولم ينكر عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدل على إباحة الطلاق بالثلاث، وأنها تقع (٣) .

  257. عن محمود بن لبيد (٤) قال: أُخبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فغضب،

  258. ثم قال: "أيُلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم؟ " ، حتى قام رجل فقال: يا رسول اللَّه: ألا أقتله؟ (٥) .

  259. • وجه الدلالة: في هذا الحديث دليل على أن الطلاق بالثلاث قد وقع في عصره -صلى اللَّه عليه وسلم- (٦) .

  260. ٣/٤٨٥٣/٤٨٥

    إن ركانة بن عبد يزيد (١) طلق امرأته البتّة، فأخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك، وقال: واللَّه ما أردت إلا واحدة، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واللَّه ما أردت إلا واحدة؟ " ، فقال ركانة: واللَّه ما أردت إلا واحدة، فردها إليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان (٢) .

  261. • وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استحلفه أنه ما أراد إلا واحدة، وفي ذلك دليل على أنه لو أراد ثلاثًا لوقعت، وإلا لما كان لتحليفه معنى (٣) .

  262. • الخلاف في المسألة: أولًا: يقع الطلاق بالثلاث واحدة رجعية، وهو ثابت عن ابن عباس، ونقل عن علي، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير -رضي اللَّه عنهم-، وهو قول طاوس، وعكرمة، وعطاء، وعمرو بن دينار، والحجاج بن أرطاة (٤) ، ومحمد بن إسحاق (٥) في رواية عنهما (٦) .

  263. وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم (٧) ، وهو قول المجد

  264. ٣/٤٨٦٣/٤٨٦

    ابن تيمية، وكان يفتي به سرًّا (١) . وإلى هذا القول مال الصنعاني (٢) ، والشوكاني (٣) ، والشيخ ابن باز من المعاصرين (٤) .

  265. • أدلة هذا القول:

  266. ١ - عن طاوس عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: كان الطلاق على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة،

  267. فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم (٥) .

  268. ٢ - عن طاوس أن أبا الصهباء (٦) قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم (٧) .

  269. ٣ - ذكر ابن القيم أن هذا القول عليه الإجماع قبل عصر عمر -رضي اللَّه عنه- فقال: "كل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى، أو إقرارًا، أو سكوتًا، ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة وللَّه الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا" (٨) .

  270. وقال أيضًا: "وأما أقوال الصحابة: فيكفي كون ذلك على عهد الصديق، ومعه جميع الصحابة، لم يختلف عليه منهم أحد، ولا حكي في زمانة القولان، حتى قال بعض أهل العلم: إن ذلك إجماع قديم، وإنما حدث الخلاف في زمن عمر -رضي اللَّه عنه-، واستمر الخلاف في المسألة إلى وقتنا هذا" (٩) .

  271. وقال أيضًا: "فنحن أحق بدعوى الإجماع منكم؛ لأنه لا يُعرف في عهد الصديق أحد رد ذلك ولا خالفه، فإن كان إجماع فهو من جانبنا أظهر ممن يدعيه من نصف خلافة عمر -رضي اللَّه عنه-، وهلم

  272. ٣/٤٨٧٣/٤٨٧

    جرًّا، فإنه لم يزل الاختلاف فيها قائمًا، وذكره أهل العلم في مصنفاتهم قديمًا وحديثًا " (١) .

  273. ٤ - وقال ابن تيمية: "لم ينقل أحد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بإسناد مقبول أن أحدًا طلق امرأته ثلاثًا بكلمة واحدة فألزمه الثلاث، بل روي في ذلك أحاديث كلها كذب، باتفاق أهل العلم " (٢) .

  274. • ثانيًا: من قال: إن الطلاق بالثلاث مجتمعات لا تقع، بل تُرد لأنها بدعة، والبدعة مردودة -حكاه ابن حزم، وابن القيم، دون أن ينسباه لقائله (٣) .

  275. ونسبه غيرهما لابن إسحاق في رواية، والحجاج بن أرطاه في الرواية المشهورة عنه، وهو قول الرافضة (٤) .

  276. • أدلة هذا القول:

  277. ١ - قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: الآية ٢٢٩] .

  278. • وجه الدلالة: شرط اللَّه سبحانه وتعالى أن تقع الطلقة الثالثة في حال يصح من الزوج فيها الإمساك،

  279. وإذا لم يصح الإمساك إلا بعد مراجعة فلا تصح الثالثة إلا بعد مراجعة أيضًا، وما يلزم في الثالثة يلزم في الثانية (٥) .

  280. ٢ - قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد " (٦)

  281. • وجه الدلالة: الطلاق بالثلاث ليس عليه أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوجب أن يرد (٧) .

  282. ٣ - ما وقع في بعض طرق حديث ركانة، فقد روى ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كيف طلقتها؟ "، قال: طلقتها ثلاثًا فى مجلس واحد، قال: " إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت" (٨) .

  283. • وجه الدلالة: قال ابن إسحاق: أرى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رد على ركانة امرأته؛ لأنه

  284. ٣/٤٨٨٣/٤٨٨

    طلقها ثلاثًا في مجلس واحد؛ لأنه كانت بدعة مخالفة للسنة (١) .

  285. • ثالثًا: التفريق بين المدخول بها وغير المدخول بها، فيقع ثلاثًا بالمدخول بها، وواحدة في غيرها، وهو قول جماعة من أصحاب ابن عباس (٢) .

  286. • أدلة هذا القول: عن طاوس أن رجلًا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر؟

  287. قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أُجيزهن عليهم (٣) .

  288. • وجه الدلالة:

  289. ١ - أن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: أنت طالق مرة واحدة،

  290. فإذا قال: ثلاثًا لغا العدد لوقوعه بعد البينونة (٤) .

  291. ٢ - أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها، وحديث أبي الصهباء في حق غير المدخول بها، ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين، وموافقة القياس (٥) .

  292. النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن من طلق ثلاثًا لزمته، لوجود خلاف كبير في المسألة.

  293. ثانيًا: وقع خلاف كبير بين الفقهاء، وردود وترجيحات كثيرة، حتى نقض ابن القيم دعوى الإجماع في ذلك من عشرين وجهًا، فقال: "فهذه عشرون وجهًا في إثبات النزاع

  294. ٣/٤٨٩٣/٤٨٩

    في هذه المسألة بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب، وإلا فالذي لم نقف عليه من ذلك كثير " (١) .

  295. ثالثًا: لا ينظر لمن لم يوقع شيئًا من طلاق الثلاث؛ لما يأتي:

  296. ١ - هذا القول ليس من أقوال أهل السنة، فقد حكي للإمام أحمد فأنكره وقال: هو قول الرافضة (٢) .

  297. ٢ - هذا القول مبتدع لا يعرف لقائله سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٣) .

  298. ٣ - ما ذهب إليه الحجاج بن أرطاه، وابن إسحاق موافق لقول أهل البدع، وهما ليسا من أهل الفقه، كما قال ابن عبد البر (٤) .

  299. ٤ - اختلف النقل عن الحجاج بن أرطاه، فتارة توصف الرواية عنه بأنه لا يرى وقوع الطلاق بالرواية المشهورة، وتارة توصف الرواية عنه بأنه يرى الثلاث واقعة ثلاثًا بأنها المشهورة (٥) .

  300. طلاق الواحدة، أو الثلاث يقع بغير المدخول بها، وتَبيِن به: