المبحث الثالث مشروعية الإمامة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٧٬٨٩٨ إلى ٢٧٬٩٣٥
-
٥/٥٧٥/٥٧
أجمع سلف الأمة، وأهل السنة، وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام -أي توليته على الأمة- واجب على المسلمين شرعًا (١) لا عقلًا فقط، كما قال الأصم (٢) من المعتزلة، وغيره.
-
ذلك لأن الوجوب يؤخذ من الشرع، إلا أن يُفسر الواجب بالفعل الذي فيه فائدة وفي تركه أدنى مضرة، وعند ذلك لا يُنكر عقلًا وجوب نصب الإمام؛ لما فيه من الفوائد ودفع المضار في الدنيا (٣) .
-
قال ابن حزم: "اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج، على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام اللَّه، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول
-
٥/٥٨٥/٥٨
اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يشاطوا الحق بينهم. . . وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي من الرد عليه وإبطاله: إجماع كل من ذكرنا على بطلانه، والقرآن والسنة قد وردا بإيجاب الإمام " (١) .
-
وقال القرطبي: "ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما رُوي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتَّبعه على رأيه ومذهبه " (٢) .
-
وهذا الإجماع من سائر المسلمين على وجوب الإمامة لا يرتفع به إلى مبادئ العقيدة كما هو الأمر عند معظم فرق الشيعة؛ ولذلك فإنّه لا يتعلق به كفر عند الإخلال التصديقي به كما هو عندهم، ولكنه مجرد عصيان كالعصيان المترتب على الخلل في فروع الأحكام، بل إن هذا الوجوب وجوب كفائي متوجه إلى أهل الحل والعقد باعتبارهم الممثلين للأمة، النائبين عنها في هذه المهمة العظيمة،
-
فإذا تقاعس أهل الحل والعقد عن ذلك لحق الإثم بكل من له قدرة واستطاعة حتى يسعى لإقامة هذا الواجب بحسب وسعه.
-
أدلة وجوب نصب الإمامة: استدلوا على وجوب نصب الإمام بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقواعد الشرعية، وسنقتصر فيما يلي على ذكر بعض أدلة الكتاب والسنة لوضوح الدلالة فيها:
-
أولًا: الأدلة من القرآن الكريم: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (٣) .
-
روى ابن جرير الطبري أقوال السلف في المقصود بأولي الأمر في هذه الآية،
-
ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: هم الأمراء
-
٥/٥٩٥/٥٩
والولاة؛ لصحة الأخبار عن رسول اللَّه بالأمر بطاعة الأئمة والولاة، فيما كان للَّه طاعة، وللمسلمين مصلحة " (١) .
-
وقال ابن كثير: "هذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال -تعالى-: {أَطِيعُواْ اللَّهَ} أي: اتبعوا كتابه، {وَأَطِيعُواْ الْرَّسُولَ} أي: خذوا بسنته، {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} أي: فيما "أمروكم به من طاعة اللَّه لا في معصية اللَّه" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن الأمر بطاعة أولي الأمر -وهم الأئمة- يدل على وجوب نصب ولي الأمر؛ لأن اللَّه -تعالى- لا يأمر بطاعة من لا وجود له،
-
ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده، فدل على أن إيجاد إمام للمسلمين واجب عليهم (٣) .
-
الدليل الثاني: قال اللَّه -تعالى- مخاطبًا رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (٤) .
-
وقال اللَّه -تعالى-: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (٥) .
-
قال ابن كثير: "أي: فاحكم يا محمد بين الناس -عربهم وعجمهم أميهم وكتابيهم- بما أنزل اللَّه إليك من هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك" (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- أمر رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن يحكم بين العباد بما شرعه في كتابه، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قدوة للأمة ومُتَّبَعًا لهم، فأمره ونهيه يكون أمرًا ونهيًا لأمته، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق (٧) ، ويدل لذلك قول اللَّه -تعالى-:
-
٥/٦٠٥/٦٠
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (١) ، ولم يقل: "إذا طلقت النساء فطلقهن" ، فدل على أن خطابه خطاب لأمته، وهنا لم يرد دليل على التخصيص، فيكون خطابًا للمسلمين جميعًا بإقامة الحكم بما أنزل اللَّه إلى يوم القيامة،
-
ولا يعني إقامة الحكم والسلطان إلا إقامة الإمامة؛ لأن ذلك من وظائفها،
-
ولا يمكن القيام به على الوجه الأكمل إلا عن طريقها، فتكون جميع الآيات الآمرة بالحكم بما أنزل اللَّه دليلًا على وجوب نصب إمام يتولى ذلك (٢) .
-
الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) } (٣) .
-
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أخبر أنه أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان لأجل قيام الناس بالقسط، وذكر أنه أنزل الحديد الذي به يُنصر هذا الحق، فالكتاب يهدى والسيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا. ولهذا كان قوام الناس بأهل الكتاب وأهل الحديد، ما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء، والعلماء" (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن مهمة الرسل ومن أتى بعدهم من أتباعهم إقامة العدل بين الناس على وفق ما في الكتاب المنزل، ونصرة ذلك بالقوة، وهذا لا يأتي لأتباع الرسل إلا بتنصيب إمام يقيم فيهم العدل، وينظم جيوشهم المناصرة.
-
ومن الأدلة القرآنية أيضًا: جميع آيات الحدود والقصاص ونحوها من الأحكام التي يلزم القيام بها وجود الإمام، وآيات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها من الآيات.
-
ثانيًا الأدلة من السنة: وردت أحاديث كثيرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها دلالة على
-
٥/٦١٥/٦١
وجوب نصب الإمام، منها: الدليل الأول: حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَة مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (١) . أي: بيعة الإمام.
-
• وجه الدلالة: هذا الحديث واضح الدلالة على وجوب نصب الإمام؛ لأنه إذا كانت البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، فنصب الإمام واجب (٢) .
-
الدليل الثاني: حديث عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-: "لا يَحِلُّ لِثَلاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلاةٍ من الأرْضِ إلا أَمَّرُوا عليهم أَحَدَهُمْ" (٣) .
-
ومثله حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٤) . وحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا كان ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُوَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٥) .
-
قال الشوكاني: "وفيها دليل على أنه يُشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم؛ لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى الإتلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه، ويفعل ما يطابق هواه،
-
٥/٦٢٥/٦٢
فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة " (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شرع ذلك لثلاثة في فلاة من الأرض أو في سفر، فمشروعيته لأهل القرى والأمصار أولى وأحرى؛ لأنهم يحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم، وإقامة العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
-
وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، وإقامة الحج، والجمع والأعياد،
-
ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة.
-
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أوجب -صلى اللَّه عليه وسلم- تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع" (٢) .
-
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الحكام فيما لا معصية فيه، وأحاديث البيعة، ومنها حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (مَنْ أَعْطَى إمَامًا صَفَقةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإنْ جَاءَ آخر يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرَ) (٣) فدلّ ذلك على وجوب تنصيبه (٤) .