الباب الخامس: مسائل الإجماع في باب فروض الوضوء وصفته
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٬٢٥٦ إلى ٣٬٢١٢
-
١/٢٣٣١/٢٣٣
التفريق اليسير بين غسل أعضاء الوضوء لا يضر]
-
من توضأ وضوءه للصلاة، وفرّق بين غسل أعضاء الوضوء تفريقًا يسيرًا،
-
فإن هذا لا يضره (١) .
-
• من نقل الإجماع: الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث نقل عنه النووي (٢) حكايته للإجماع في المسألة (٣) .
-
المحاملي (٤١٥ هـ) حيث نقل عنه النووي (٤) حكايته للإجماع في المسألة.
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فالتفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع المسلمين" (٥) . ونقله عنه ابن قاسم (٦) .
-
الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول عن التفريق اليسير:
-
"وأما اليسير، فلا يضر إجماعًا" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨) ، والمالكية (٩) ، والحنابلة (١٠) ، وابن حزم (١١) .
-
• مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هَلَك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (١٢) .
-
١/٢٣٤١/٢٣٤
• وجه الدلالة: حيث إن تحقيق الأوامر مربوط بالاستطاعة، والموالاة الدقيقة فيها مشقة وعسر على الناس، فكان مقتضى التيسير أن يخفف فيها ما دام أنها يسيرة، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
الاقتصار على النية بالقلب مجزئ]
-
إذا نوى مريدُ الوضوء بقلبه، ولم يتلفظ بالنية بلسانه،
-
فإن فعله هذا مجزئٌ (١) .
-
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه لو اقتصر على النية بقلبه أجزأ، بخلاف ما لو نطق بلسانه دون أن ينوي بقلبه" (٢) .
-
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "نية الطهارة من وضوء أو غسل أو تيمم، والصلاة، والصيام، والزكاة، والكفارات، وغير ذلك من العبادات، لا تفتقر إلى نطق اللسان باتفاق أئمة الإسلام" (٣) .
-
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن الاقتصار على النية بالقلب:
-
"ولو اقتصر عليه بقلبه أجزأه إجماعًا" (٤) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٥) ، وهم لا يشترطون النية في الوضوء أصلًا؛ كما وافق المالكية (٦) ، والشافعية (٧) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (٨) .
-
١/٢٣٥١/٢٣٥
• وجه الدلالة: حيث ذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن الأعمال بالنيات، والنيات محلها القلب، ولم يبين في الحديث أنه يجب مع النية التلفظُ، مع الحاجة لبيانه لو كانت لازمة، فدل ترك البيان على عدم لزوم التلفظ، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - عدم وجود نص يُلزم بالتلفظ، أو حتى على استحبابه، فلم ينقل عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-،
-
ولا عن أصحابه، ولا أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا من أمته أن يتلفظ بالنية،
-
ولا علَّم أحدًا من المسلمين (١) ، ولذلك أنكره عدد من أهل العلم، منهم ابن تيمية (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف أبو عبد اللَّه الزبيري من الشافعية في هذه المسألة، فقال: لا بد من الجمع بين نية القلب ولفظ اللسان (٣) .
-
وقال الماوردي عن هذا القول: "وهذا لا وجه له" (٤) .
-
وخالف الشافعية في وجهٍ مشهورٍ عندهم بأن نية الصلاة تجب باللفظ والقلب معًا، وغلّطه النووي، ونَقَل عن الماوردي، أنه أشار إلى جريانه في الوضوء، وقال النووي بعده: "هو أشذّ وأضعف" (٥) .
-
وهذا القول يعني أنه لا يجزئ إلا إذا جمع بين اللفظ بالنية والعزم بالقلب.
-
وليس لهؤلاء دليل، وهو قول شاذ لا يدعمه دليل، وقد صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصحابته بالناس، ولم يذكر أحد عنهم أنهم كانوا يتلفظون بشيء من ذلك،
-
ولو كانوا يفعلونه لنقل، فضلًا عن أن يلتزموا به، ولم يُذكر هذا القول عن أحد من السلف،
-
ولا ممن يعتد بقولهم،
-
ومن نسبه للشافعي فقد غلط، كما قال النووي (٦) .
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة،
-
وإن كان وجهًا مشهورًا للشافعية، إلا أنه لم يذكر عن السلف خلاف في المسألة، ولم يشتهر الخلاف إلا عند المتأخرين، فخلافهم أتى بعد الإجماع،
-
فلا عبرة به، واللَّه تعالى أعلم.
-
١/٢٣٦١/٢٣٦
النية محلها القلب]
-
النية -التي هي عبارة عن القصد للشيء- محلها القلب، وقد حكي الإجماع على ذلك (١) .
-
• من نقل الإجماع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "نية الطهارة من وضوء أو غسل أو تيمم، والصلاة، والصيام، والزكاة، والكفارات، وغير ذلك من العبادات، لا تفتقر إلى نطق اللسان باتفاق أئمة الإسلام، بل النية محلها القلب باتفاقهم" (٢) .
-
وقال: "محل النية القلب باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا بعض المتأخرين أوجب التلفظ بها، وهو مسبوق بالإجماع" (٣) .
-
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "محل النية القلب إجماعًا" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والشافعية (٧) .
-
• مستند الاتفاق: أن النية عبارة عن القصد للشيء، ومحل القصد هو القلب (٨) .
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
استحباب النية من أول الوضوء واستدامتها]
-
إذا توضأ المتوضئ ناويًا الوضوءَ، وكان ذلك من أول الوضوء،
-
ثم استدام النية إلى أن فرغ من صلاته،
-
فإن فعله مستحب ومحمود.
-
• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "الأفضل أن ينوي من أول الوضوء، ويستديم إحضار النية؛ حتى يفرغ من الوضوء، وهذا الاستحباب متفق
-
١/٢٣٧١/٢٣٧
عليه " (١) .
-
• من نقل الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم (٥) .
-
• مستند الاتفاق: حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى " (٦) .
-
• وجه الدلالة: الحديث فيه أن الأعمال تحتسب بالنيات،
-
فإذا توضأ المسلم ناويًا الوضوء،
-
فإن فعله ذلك محتسب له، ولذا قال الجمهور باشتراط النية في الوضوء،
-
وأن من توضأ بلا نية لا عمل له، ولكن الجميع متفقون على أنه إذا نوى من أول الوضوء إلى آخره فقد فعل المستحب، ويكون مأجورًا على ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
صحةُ طهارةِ من نوى عند المضمضة واستدامها إلى غسل الوجه:
-
إذا نوى المتوضئ عند بداية الوضوء قبل الشروع في غسل الأعضاء، واستدام النية إلى نهاية الوضوء،
-
فإن وضوءه صحيح (٧) .
-
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا نوى عند المضمضة، واستدام النية، واستصحب حكمها إلى غسل أول جزء من الوجه؛ صحت طهارته" (٨) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٩) ، وقد سبق أنهم لا يرون
-
١/٢٣٨١/٢٣٨
وجوب النية في الوضوء، والمالكية (١) ، والشافعية (٢) .
-
• مستند الإجماع: حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لك امرئٍ ما نوى" (٣) .
-
• وجه الدلالة: حيث فيه ذكر أن الأعمال تكون بالنيات،
-
وإذا توضأ المتوضئ بنيةٍ واستدامها، فإنه يكون قد أتى بما عليه، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
صحة وضوء الغالط في تعيين نوع الحدث]
-
إذا توضأ متوضئ وهو يظن حدثه البول،
-
ثم تبين أنه النوم أو غيره من النواقض، فوضوؤه هذا صحيح، ونُقل نفي الخلاف في ذلك (٤) .
-
ويخرج من هذه المسألة من توضأ مجددًا، فبان محدثًا، حيث يوجد فيها خلاف،
-
فمن العلماء من اشترط تحديد نية الفرض (٥) .
-
وعلى هذا نضع قيدًا في المسألة يخرج هذه الصورة: وهو أن يكون الخطأ في تحديد نوع الحدث، لا في سبب الوضوء، فقد يكون سببه التجديد مثلًا.
-
وهذا القيد أيضًا يخرج الطهارة للخبث، فليست داخلة في المسألة التي نحن بصددها (٦) .
-
• من نقل الإجماع: المزني (٢٦٤ هـ) حيث يقول: "ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث، ولو كان عليه معرفة أي الأحداث كان منه، كما عليه معرفة أي الصلوات عليه؛ لوجب لو توضأ من ريح، ثم علم أن
-
١/٢٣٩١/٢٣٩
حدثه بول، أو اغتسلت امرأة تنوي الحيض، وإنما كانت جنبًا، أو من حيض وإنما كانت نفساء؛ لم يجزئ أحدًا منهم حتى يعلم الحدث الذي تطهر منه،
-
ولا يقول بهذا أحد نعلمه " (١) .
-
وهذه العبارة مطلقة، ليس فيها ما يدل على أنها للمذهب فقط. نقله عنه النووي (٢) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "إذا نوى رفع حدث البول، ولم يكن حدثه البول، بل النوم مثلًا، فإن كان غالطًا، بأن ظن حدثه البول؛ صح وضوؤه بلا خلاف، وقد أشار المزني رحمه اللَّه إلى نقل الإجماع على هذا، فإنه قال في باب التيمم من "مختصره" : ولا نعلم أحدًا منع صحة وضوء هذا الغالط، وذكر إمام الحرمين هنا في باب النية أن المزني نقل الإجماع على ذلك " (٣) .
-
وقال أيضًا: "قال أصحابنا: إذا غلط في نية الوضوء، فنوى رفع حدث النوم، وكان حدثه غيره؛ صح بالاتفاق" (٤) .
-
والنووي في العبارتين لم يرد الإجماع على الأظهر، إلا أن المزني أراده على الأظهر.
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية، وهم لا يرون وجوب النية في الوضوء أصلًا،
-
فمن باب أولى هنا (٥) المالكية (٦) ، والحنابلة (٧) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - أن الحدث لا يتجزأ، بل هو شيء واحد مانع للصلاة،
-
وإذا ارتفع بعضه، ارتفع كله، وزال المانع،
-
فإذا توضأ ونوى، وأخطأ في النية، فقد أخطأ فيما لا اعتبار له، ما دام أن المنوي خطأ في درجة المبطل الحقيقي (٨) .
-
٢ - أن الأحداث التي تنقض الوضوء تتداخل،
-
وإذا قام عدد من المبطلات فإنه يكفيها وضوء واحد، ولم يقل أحد بتعدد الوضوء لها،
-
وكذا ما لو أخطأ الناوي في تعيين الحدث المبطل (٩) .
-
١/٢٤٠١/٢٤٠
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
استحباب التسمية في طهارة الحدث]
-
إذا أراد المسلم الطهارة من الحدث، فإنه يستحب له أن يبدأ بالبسملة.
-
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على استحباب التسمية لطهارة الحدث، ثم اختلفوا في وجوبها" (١) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢) ، والمالكية في روايةٍ عندهم (٣) ، والشافعية (٤) ، وابن حزم (٥) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه" (٦) .
-
٢ - حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وضع يده في الإناء الذي فيه الماء،
-
ثم قال: "توضؤوا باسم اللَّه" ، قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، والقوم يتوضؤون، حتى توضؤوا من عند آخرهم، وكانوا نحو سبعين رجلًا (٧) .
-
• وجه الدلالة: في الحديث الأول نفى الوضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه تعالى عليه، والنفي هنا مختلف فيه؛ هل هو للصحة أو للكمال؟ ولكن على كلا القولين يدل على
-
١/٢٤١١/٢٤١
مسألتنا بأن من لم يذكر اسم اللَّه تعالى عليه، فوضوؤه غير كامل على أقل القولين.
-
أما الحديث الآخر: فقد ربط عليه الصلاة والسلام الوضوءَ بالتسمية، والأمر للاستحباب أو الوجوب، وكلاهما تدل لمسألتنا، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف مالك في روايةٍ عنه، ورأى أن التسمية غير مشروعة (١) .
-
واستدل بأنه غير معروف لدى السلف، ولم يأت به دليل صحيح (٢) .
-
وله رواية ثالثة: أن المتوضئ مخيرٌ بين الفعل والترك، فذكر التسمية مباحٌ إذًا (٣) .
-
ولم يذكروا دليلًا على هذه الرواية.
-
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
غسل الكفين قبل الوضوء غير واجب]
-
غسل الكفين لمن أراد الوضوء غير واجب على المتوضئ، وعلى ذلك حُكي الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول عن غسل اليدين: "وليس ذلك بواجب عند غير القيام من النوم، بغير خلاف نعلمه" (٤) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول أثناء نقاشه لمسألة حكم المضمضة والاستنشاق: "ولأن فيه -حديث وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غسل الكفين والتكرار وغيرهما، مما ليس بواجب بالإجماع" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٨) ، وظاهر كلام ابن حزم (٩) .
-
١/٢٤٢١/٢٤٢
• مستند الإجماع: أن غسل اليدين لم يرد ذكره في آية الوضوء، بينما ورد فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له في أحاديث صفة وضوئه، وسبق عدد منها، من دون أن يأمر به، فدل ذلك على السنية وعدم الوجوب؛ لأن مجرد فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دون أن يأمر به يدل على الاستحباب، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية, فقال بوجوبه، وعدَّه في "الإنصاف" من المفردات (١) .
-
وذكره الحطاب قولًا عند غير المالكية (٢) .
-
ولم يذكروا لهذا القول دليلًا ولكن يمكن أن يستدل له بأنه فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الوضوء، وكونه عليه الصلاة والسلام واظب عليه يدل على الوجوب.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
غسل الوجه فرض]
-
الأعضاء التي تغسل في الوضوء أربعة، منها الوجه،
-
فلا يصح الوضوء بدون غسل الوجه، وهذه مسألة قطعية؛ لأنها واردة في القرآن صراحةً، ولإجماع أهل العلم على ذلك في الجملة، دون الدخول في التفصيلات.
-
• من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء، هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (٣) .
-
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن غسل الوجه من أصل منابت الشعر في الحاجبين (٤) إلى أصول الأذنين إلى آخر الذقن فرضٌ على من لا لحية له" (٥) .
-
وقال أيضًا: "وأما قولنا في الوجه فإنه لا خلاف في أن الذي قلنا فرض غسله قبل خروج اللحية" (٦) .
-
١/٢٤٣١/٢٤٣
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (١) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (٢) .
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء" (٣) .
-
ونقل عنه الحطاب حكايته الإجماع على فرضية الأعضاء الأربعة (٤) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "غسل الوجه واجب بالنص والإجماع" (٥) .
-
وقال أيضًا: "والمفروض من ذلك -فروض الوضوء- بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (٦) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "غسل الوجه واجب في الوضوء بالكتاب، والسنن المتظاهرة، والإجماع" (٧) .
-
ويقول أيضًا: "وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعها بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء؛ فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم" (٨) . ونقله عنه الشوكاني (٩) .
-
الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة " المجمع عليها " أي: على فرضيتها (١٠) .
-
الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "الثاني من الفروض غسل ظاهر وجهه؛ لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} وللإجماع" (١١) .
-
١/٢٤٤١/٢٤٤
الرملي (١٠٠٤ هـ) حيث يقول: "الثاني من الفروض غسل ظاهر وجهه بالإجماع للآية" (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الوجه، والأمر يقتضي الوجوب.
-
٢ - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، حيث فيها ذكر غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لوجهه، ولم يترك في واحدٍ منها غسله لوجهه، مما يدل على فرضيته، ومنها حديث حُمران مولى عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنهما-: "أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضأ نحو وضوئي هذا" (٣) .
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذه المسألة من المسائل المشهورة التي لا مجال للاجتهاد فيها، والإجماع عليها قطعي، واللَّه تعالى أعلم.
-
الوجه حكمه الاستيعاب]
-
إذا أراد المتوضئ أن يغسل وجهه، فيجب عليه أن يستوعب الوجه كله، وعلى ذلك حكي الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن غسل الوجه، من أصل منابت الشعر في الحاجبين (٤) إلى أصول الأذنين إلى آخر الذقن فرضٌ على من لا لحية له" (٥) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، . . " (٦) .
-
١/٢٤٥١/٢٤٥
القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول:
-
"ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعاب وتتبع مواضعه" (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢) ، والشافعية (٣) .
-
• مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الوجه،
-
ولا يكون الإتيان بمقتضى الأمر إلا بغسل الوجه كله، وإلا فإن إتيانه بالأمر غير كامل، فدل على وجوب استيعاب الوجه؛ لأن الأمر مطلق، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
غسل بعض الوجه غير مجزئ]
-
إذا غسل المتوضئ جزءًا من العضو الواجبِ غسلُه في الوضوء - وهو هنا الوجه - وترك جزءًا من العضو،
-
فإن وضوءه غير مجزئ.
-
• من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "فكلٌ قد أجمع أن ما وجب غسله من ذلك؛ فلا بد من غسله كله، ولا يجزئ غسل بعضه دون بعض" (٤) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أنه لا يجوز غسل بعض الوجه في الوضوء، ولا مسح بعضه في التيمم" (٥) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وفي هذا الحديث (٦) أن من ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره، لا تصح طهارته، وهذا متفق عليه" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٨) .
-
١/٢٤٦١/٢٤٦
• مستند الإجماع: حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفرٍ على قدمه، فأبصره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "ارجع فأحسن وضوءك" ، قال: فرجع،
-
ثم صلى " (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنكر على هذا الرجل الذي ترك جزءًا من قدمه لم يغسله، مما يدل على وجوب الإسباغ، وعدم ترك أي جزء مما يجب غسله، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء غير موجبة للإعادة]
-
• من نقل نفي الخلاف: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول عن المضمضة والاستنشاق: "ولم أعلم اختلافًا في أن المتوضئ لو تركهما عامدًا أو ناسيًا، وصلى لم يعد" (٢) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، وأَحمد في رواية في الوضوء (٥) ، وفي المضمضة على رواية أخرى (٦) ، وابن حزم في المضمضة (٧) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - أن المضمضة والاستنشاق لم يصح بها عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر، وإنما هي فعلٌ فعَلَه عليه الصلاة والسلام، وأفعاله -صلى اللَّه عليه وسلم- ليست فرضًا؛ لأن اللَّه تعالى إنما أمرنا بطاعة أمر نبيه عليه الصلاة والسلام، ولم يأمرنا بأن نفعل أفعاله (٨) .
-
٢ - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يواظب في العبادات على ما فيه تحصيل الكمال، كما يواظب على الأركان، وفي كتاب اللَّه تعالى أمر بتطهير أعضاء مخصوصة، والزيادة على النص لا تجوز إلا بما يثبت به النسخ (٩) .
-
١/٢٤٧١/٢٤٧
• الخلاف في المسألة: خالف أحمد على المذهب (١) بأن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء.
-
وخالف أحمد في رواية أخرى (٢) ابن حزم في الاستنشاق (٣) ، فقال بوجوبه،
-
وأن الوضوء لا يصح إلا به.
-
واستدلوا (٤) بحديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:
-
"وإذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر" (٥) .
-
النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
الاستنثار غير واجب]
-
الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بدفع النَّفَس (٦) .
-
فإذا أراد المسلم أن يتوضأ، فإنه لا يجب عليه الاستنثار.
-
• من نقل الإجماع: ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث يقول:
-
"فإن ظن ظان أن في الأخبار التي رويت عن رسول اللَّه، أنه قال: " إذا توضأ أحدكم فليستنثر " (٧) دليلًا على وجوب الاستنثار، فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غير فرض يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله -ما يغني عن إكثار القول فيه" (٨) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول:
-
"فإن التنثر لا يجب بالإجماع" (٩) . ونقله عنه الشوكاني (١٠) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١١) ، والمالكية (١٢) ، والحنابلة في الصحيح من المذهب (١٣) .
-
١/٢٤٨١/٢٤٨
• مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه-، وفيه: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مضمض واستنشق" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن عددًا ممن وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يذكر الاستنثار، فدل على أنه للاستحباب،
-
وأن الاستنشاق يكفي عنه؛ لأنه لم ينقل فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: نقل ابن حجر قولًا لبعض العلماء بوجوب الاستنثار،
-
ثم قال: "وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه" (٢) ، ولعله يريد النووي في قوله.
-
وقد خالف أحمد في رواية عنه، فقال بوجوبه (٣) ، وهو قول ابن حزم (٤) .
-
واستدلوا بحديث: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء؛ ثم ليستنثر" (٥) ؛ حيث فيه الأمر، وهو للوجوب إلا بصارف، ولا صارف عندهم.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
جواز المضمضة والاستنشاق من كف واحدة]
-
إذا تمضمض واستنشق المتوضئ من كف واحدة،
-
فإن فعله هذا جائز بلا خلاف.
-
• من نقل نفي الخلاف: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "قال أبو عمر في حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم: " أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تمضمض واستنشق واستنثر من كف واحدة " (٦) . . وهو أمر لا أعلم فيه خلافًا أنه من شاء فعله" (٧) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٨) ، والشافعية (٩) ، والحنابلة (١٠) .
-
١/٢٤٩١/٢٤٩
• مستند نفي الخلاف: حديث عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه- في وصف وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ حيث فيه: "فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات" (١) .
-
وفي لفظ: "من كفٍّ واحدة" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن قوله في وصف وضوئه عليه الصلاة والسلام: "بثلاث غرفات" يدل على أنه يأخذ الماء مرة واحدة، ويأتي بالأفعال الثلاثة مرة واحدة، وهذا يعني أنه يفعلها بكف واحدة، واللفظ الآخر صريح في ذلك (٣) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
غسل داخل العين غير واجب]
-
الواجب على المتوضئ غسل وجهه، وبما أن العين من الوجه،
-
فإن العلماء قد أجمعوا على أنه لا يجب عليه غسل داخلها (٤) .
-
• من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "فلم أعلم مخالفًا في أن الوجه المفروض غسله في الوضوء ما ظهر دون ما بطن، وأن ليس على الرجل أن يغسل عينيه، ولا أن ينضح فيهما" (٥) .
-
ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث يقول مستدلًّا على أن ما تحت اللحية والشارب لا يغسل بعد نباتهما،
-
ثم قال: "لإجماع جميعهم على أن العينين من الوجه، ثم هم مع إجماعهم على ذلك؛ مجمعون على أن غسل ما علاهما من أجفانهما دون إيصال الماء إلى ما تحت الأجفان منهما مجزئ" (٦) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول:
-
"فلا يجب غسل داخل العين بالاتفاق" (٧) .
-
١/٢٥٠١/٢٥٠
سند بن عنان (٥٤١ هـ) ، أنه قال: "لا خلاف بين أرباب المذاهب أنه لا يشرع غسل داخل العينين" . نقله عنه الحطاب (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢) ، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٣) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - أن جميع من ذكر وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يذكروا أنه عليه الصلاة والسلام غسل داخل عينيه،
-
ولو كان واجبًا لغسله عليه الصلاة والسلام، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - أن في ذلك ضررًا على الإنسان، فقد ذُكر عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه عمي بسببه، والإسلام لا يأمر بضرر، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية بأنه يجب (٤) .
-
وهو ظاهر كلام "المقنع" ، كما قال المرداوي، وذكره من المفردات (٥) .
-
وعنه رواية أخرى بأنه واجب في الغسل فقط (٦) .
-
وذكره المرداوي من المفردات أيضًا (٧) .
-
ولم أجد له دليلًا ولكن نُقل فعله عن ابن عمر (٨) ، وابن عباس (٩) -رضي اللَّه عنهم-.
-
وقد يقال: إنه من ظاهر الوجه؛ فيلزمه ما يلزم الوجه.
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
غسل اليدين فرض]
-
اليدان من الأعضاء الأربعة الواردة في آية الوضوء، وقد نقل الإجماع على فرضية غسلها عددٌ من أهل العلم.
-
١/٢٥١١/٢٥١
• من نقل الإجماع: ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث يقول: "اختلف أهل التأويل في المرافق، هل هي من اليد الواجب غسلها، أم لا؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب" (١) ، يريد غسل اليد إلى المرافق.
-
الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء، هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (٢) .
-
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن غسلَ الذراعين إلى مشدّ المرفقين فرضٌ في الوضوء" (٣) .
-
وأقره ابن تيمية في نقده "للمراتب" ، وذكر خلافًا في مسألة دخول المرفقين، وستأتي (٤) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس؛ فرض ذلك كله، لا خلاف علمته في شيء من ذلك؛ إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (٥) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (٦) .
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء" (٧) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "لا خلاف بين علماء الأمة في وجوب غسل اليدين في الطهارة" (٨) .
-
ويقول أيضًا: "ثم يغسل يديه إلى المرفقين، وهو فرض بالإجماع" (٩) .
-
وقال أيضًا: "والمفروض من ذلك -من فروض الوضوء- بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (١٠) .
-
١/٢٥٢١/٢٥٢
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعها بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء؛ فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم" (١) .
-
وقال أيضًا: "فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع" (٢) .
-
ابن مفلح (٧٦٣ هـ) حيث يقول:
-
"ثم يغسل يديه إلى المرفقين، وهو فرض إجماعًا" (٣) .
-
الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "هذه هي الفريضة الثانية، وهي غسل اليدين مع المرفقين، وهي ثابتةٌ أيضًا بالكتاب والسنة والإجماع" (٤) .
-
وقال أيضًا: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة المجمع عليها" أي على فرضيتها (٥) .
-
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول جوابًا على إشكال قد يرد بوجوب غسل يد واحدة ورجل واحدة فقط: "وجوب واحدة بالعبارة، والأخرى بالدلالة لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع القطعي على افتراضهما، بحيث صار معلومًا من الدين بالضرورة" (٦) .
-
ونقله عنه الحصكفي في "الدر المختار" ، وعلق عليه ابن عابدين بقوله: "أي على افتراض غسل كل واحدة من اليدين والرجلين" (٧) .
-
ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل يديه من كفيه وذراعيه، واليد مؤنثة مع مرفقيه. . .، ودل على دخولهما الاتباع والإجماع؛ بل والآية أيضًا" (٨) .
-
الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "الثالث من الفروض: غسل يديه من كفيه وذراعيه؛ للآية والإجماع" (٩) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} .
-
١/٢٥٣١/٢٥٣
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل اليدين إلى المرافق، والأمر يقتضي الوجوب.
-
٢ - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيها ذكر غسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليديه، ولم يترك في واحدٍ منها غسلَه ليديه، مما يدل على فرضية غسلهما، ومنها حديث حُمران مولى عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنهما-، وفيه: "ويديه إلى المرفقين ثلاثًا" (١) .
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم المخالف في المسألة، وهي من مسائل الإجماع القطعي التي لا مجال للاجتهاد فيها، واللَّه تعالى أعلم.
-
دخول المرفقين في غسل اليدين]
-
سبق ذكر مسألة فرضية غسل اليدين، ولكن هل المرفقان يدخلان في اليدين،
-
فلا يصح الوضوء من دون غسلهما؟ نقل الإجماع في هذه المسألة عددٌ من أهل العلم بأن المرفقين تدخل في اليدين.
-
• من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "فلم أعلم مخالفًا في أن المرافق مما يغسل. . . ولا يجزي في غسل اليدين أبدًا إلا أن يُؤتى على ما بين أطراف الأصابع إلى أن تُغسل المرافق" (٢) . ونقله عنه ابن حجر (٣) ، وابن نجيم (٤) ، والصنعاني (٥) ، وابن عابدين (٦) .
-
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن غسل الذراعين إلى مشدِّ المرفقين؛ فرض في الوضوء" (٧) .
-
وفي نقد ابن تيمية لهذه العبارة، نقلها بلفظ: "منتهى المرفقين" (٨) ، وهي أوضح في مسألتنا.
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (٩) .
-
١/٢٥٤١/٢٥٤
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وهذا الذي ذكره المصنف (١) من وجوب غسل المرفقين، هو مذهبنا ومذهب العلماء كافة؛ إلا ما حكاه أصحابنا عن زفر، وأبي بكر ابن داود" (٢) .
-
زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل اليدين مع المرفقين. . .، ودل على دخولها الآيةُ، والإجماعُ" (٣) .
-
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول:
-
"وأما غسل المرافق والكعبين؛ ففرضيته بالإجماع" (٤) .
-
ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل يديه، من كفيه وذراعيه، واليد مؤنثة مع مرفقيه. . .، ودل على دخولهما الاتباع والإجماع؛ بل والآية أيضًا" (٥) .
-
الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "الثالث من الفروض: غسل يديه من كفيه وذراعيه؛ للآية، والإجماع (مع) بفتح العين وتسكن بقلة (مرفقيه) . .؛ لما روى مسلم (٦) عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه. .، وللإجماع" (٧) .
-
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول عن غسل المرفقين: "واتفق العلماء على وجوب غسلهما، ولم يخالف في ذلك إلا زفر، وأبو بكر بن داود الظاهري" (٨) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عطاء، وإسحاق (٩) ، والحنفية (١٠) ، والمشهور من مذهب المالكية (١١) ،
-
والمذهب عند الحنابلة (١٢) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
-
١/٢٥٥١/٢٥٥
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} .
-
• وجه الدلالة: قوله: {إِلَى الْمَرَافِقِ} ، و "إلى" هنا تحتمل معنيين: إما أنها بمعنى مع، وهي بهذا تدل بالمطابقة على المسألة،
-
وإما أنها بمعنى الغاية، فالغاية تدخل إذا كان التحديد شاملًا للحد والمحدود؛ كقولك: قطعت أصابعه من الخنصر إلى المسبحة، أو بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه،
-
فإن الأصبعين والشجرتين داخلان في القطع والبيع بلا شك؛ لشمول اللفظ (١) .
-
٢ - حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، "أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد. . .، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضأ" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن أبا هريرة -رضي اللَّه عنه- غسل اليد حتى شرع في العضد، مما يعني أنه غسل المرفقين وزيادة، وقد قال: "هكذا رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضأ" ، وفعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له يدل على السنة المأمور بفعلها في الوضوء (٣) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف زفرُ من الحنفية في هذه المسألة (٤) ، وهي رواية عن مالك أنكر صحتها بعض المالكية (٥) ، ورواية عن أحمد (٦) ، وهو قول أبي بكر بن داود الظاهري (٧) ، فقالوا بأن المرفقين لا يدخلان في غسل اليدين.
-
ونقد ابن تيمية هذا الإجماع
-
بخلاف زفر، وبعض المالكية، وداود (٨) .
-
واستدلوا بأنه غاية في كتاب اللَّه تعالى، والغاية حد،
-
فلا يدخل تحت المحدود، واستدلالًا بقوله تعالى:
-
{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (٩) ، فإن الليل لا
-
١/٢٥٦١/٢٥٦
يدخل في وجوب الصيام فكذلك هنا.
-
وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام الشافعي ثم علق على قول زفر بقوله: "فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا من قال ذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالكٍ صريحًا" (١) .
-
وخالف ابن حزمٍ؛ فقال بأن غسل اليدين من دون المرفقين مجزئ (٢) .
-
واستدل بأن "إلى" في لغة العرب تكون بمعنى الغاية، وبمعنى مع، قال اللَّه تعالى:
-
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} بمعنى مع أموالكم، فلما كانت تقع على هذين المعنيين وقوعًا صحيحًا مستويًا، لم يجز أن يقتصر بها على أحدهما دون الآخر، فيكون ذلك تخصيصًا لما تقع عليه بلا برهان، فوجب أن يجزئ غسل الذراعين إلى أول المرفقين بأحد المعنيين (٣) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، أما كلام ابن حجر السابق، فغير دقيق لأمرين:
-
الأول: أن الخلاف منقولٌ عن زفر بن الهذيل، وهو متوفى سنة ١٥٨ هـ رحمه اللَّه، فهو سابقٌ للشافعي بكثير، وعدم علم الشافعي بخلافه لا يعني عدمه.
-
الثاني: أن الخلاف منقولٌ عن أحمد أيضًا، وهو من معاصري الشافعي، فلم يثبت الإجماع، واللَّه تعالى أعلم.
-
الكمال والتمام بغسل المرفقين مع اليدين]
-
هذه المسألة تأتي وكأنها استكمالٌ للمسألة السابقة، فبعد أن ناقشنا دخول المرفقين من اليد في الوضوء، وأنه لم يثبت الإجماع فيها، أتت هذه المسألة لتجمع الفُرَقاء، فهم كلهم مجمعون على أن من غسل المرفقين؛ فقد أدى الكمال والتمام.
-
• من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه إن غسلهما وغسل مرفقيه وخلل أصابعه بالماء، وما تحت الخاتم فقد تم ما عليه في الذراعين" (٤) .
-
١/٢٥٧١/٢٥٧
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، والظاهرية (٥) .
-
• مستند الاتفاق: ما سبق أن ذُكر في مستند المسألة السابقة.
-
٣ - الاحتياط في الدين،
-
فإذا فعل الإنسان الأحوط له، فقد دفع الخلاف، واستبرأ لدينه، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
عدم دخول العضد في غسل اليدين]
-
آية الوضوء حددت الأعضاء التي يجب غسلها، ومنها اليدان بأنهما يغسلان إلى المرفقين، فما بعد المرفقين لا يدخل في حكم ما قبله (٦) .
-
• من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول في سياق استدلاله لدخول المرفقين في غسل اليد عن حرف (إلى) في آية الوضوء:
-
"فإن كانت بمعنى مع، فدخول المرفق ظاهر، وإنما لم يدخل العضد للإجماع" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨) ، والمالكية (٩) ، والحنابلة (١٠) .
-
• مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} .