الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٨٬٦٩٨ إلى ١١٬٤١٠
-
٢/٢٥٥٢/٢٥٥
الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها، أو يباع صوف على ظهر، أو سمن في لبن، أو لبن في ضرع" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ذلك، والنهي في الأصل أنه على التحريم، ويقتضي فساد المنهي عنه.
-
الثالث: أن البيع على هذه الصفة فيه جهالة كبيرة في الصفة والمقدار؛ أما الصفة: فانتفاخ الضرع ربما يكون لبنا أو يكون لحيما (٣) ، واللبن قد يكون صافيا وقد يكون كدرا لا ينتفع به. أما المقدار:
-
فإن اللبن في العروق ينصب إلى الضرع وقت الحلب فيختلط المبيع بغيره، وربما الشاة تدر فيستطيع المشتري حلبها، وربما ترفس وتمتنع من الحلب ولا تدر،
-
فلا يتمكن من حلبها، والمشتري ربما يستقصى في الحلب والبائع يطالبه بأن يترك داعية اللبن، كل هذا وغيره من الجهالة التي تفضي إلى المنازعة بينهما، وهو بلا شك غرر ينهى عن مثله
-
٢/٢٥٦٢/٢٥٦
الشارع (١) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في المسألة على عدة أقوال:
-
القول الأول: المالكية: قالوا بجواز بيع اللبن في الضرع بشروط سبعة، هي:
-
١) أن يكون لبن شياهٍ كثيرة، أما إن كان لبن شاة أو شاتين فكرهه مالك إلا أن يكون كيلا، كل قسط بكذا وكذا.
-
٢) أن تكون متساوية في اللبن.
-
٣) أن يكون قد عرف وجه حلابها.
-
٤) أن يشرع في أخذ اللبن بعد العقد.
-
٥) أن يعجل الثمن.
-
٦) أن يكون الشراء في إبان الحلاب.
-
٧) أن يكون الشراء لأجلٍ لا ينقص اللبن قبله (٢) .
-
القول الثاني: وجه عند الشافعية: قالوا بالجواز إذا حلب شيئا من اللبن فأراه إياه،
-
ثم قال: بعتك رطلا مما في الضرع (٣) . وعندهم وجه بجواز ما لو قَبَضَ قدرا من الضرع ثم أحكم شده، وقال: أبيعك هذا القدر المقبوض (٤) .
-
القول الثالث: اختاره ابن تيمية وابن القيم، وقالوا: يجوز بيع اللبن في الضرع إذا كان موصوفا في الذمة، وكان من شاة أو بقرة معينة (٥) .
-
٢/٢٥٧٢/٢٥٧
القول الرابع: قال به سعيد بن جبير (١) ، ومحمد بن مسلمة (٢) ، قالوا: بجواز بيع اللبن في الضرع مطلقا (٣) .
-
القول الخامس: قال به الحسن البصري، وطاوس، ومجاهد، قالوا: بالكراهة لهذا البيع، ونقل عن طاوس الكراهة إلا أن يكون كيلا محددا (٤) .
-
واستدل المخالفون بعدة أدلة (٥) ، منها:
-
الأول: عن أبي البختري (٦) قال: سألت ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن السلم في النخل
-
٢/٢٥٨٢/٢٥٨
فقال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الثمر حتى يصلح، ونهى عن الورق بالذهب نساء بناجز" . وسألت ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- فقال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع النخل حتى يَأكل أو يُؤكل، وحتى يوزن، قلت: وما يوزن؟ قال رجل عنده: حتى يحرز" (١) .
-
• وجه الدلالة: قال: ابن القيم: [وقد دل على جوازه نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه. . .،
-
فإذا أسلم إليه في كيل معلوم، من لبن هذه الشاة، وقد صارت لبونا، جاز، ودخل تحت قوله: ونهى عن بيع ما في ضروعها إلا بكيل أو وزن. فهذا إذنٌ لبيعه بالكيل والوزن معينا أو مطلقا؛ لأنه لم يفصِّل، ولم يشترط سوى الكيل والوزن،
-
ولو كان التعيين شرطا لذكره] (٢) .
-
الثاني: القياس على استئجار الظئر لإرضاع الولد، فكما أنه يجوز فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن كلا منهما معلوم القدر والصفة في العادة.
-
الثالث: أن حلب اللبن معلوم في الغالب مقداره،
-
وإن اختلفت الأيام فيه، فهو اختلاف يسير، والغرر اليسير معفو عنه (٣) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
جواز بيع الحيوان الذي في ضرعه لبن]
-
• المراد بالمسألة: حين يريد البائع بيع الحيوان الذي يملكه، وفي ضرعه لبن لا يُعلم مقداره، ولم يشترطه أو يذكره أحدهما في البيع،
-
فإن البيع صحيح بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [أجمع المسلمون على جواز بيع حيوان في ضرعه
-
٢/٢٥٩٢/٢٥٩
لبن، وإن كان اللبن مجهولا] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن الحديث دليل على جواز بيع بهيمة الأنعام التي يكون في ضرعها لبن؛ إذ المنهي عنه هو حبس اللبن في ضرعها مدة، تدليسا على المشتري (٤) .
-
الثاني: القياس على بيع الثمرة قبل بدو الصلاح مع أصلها،
-
وكذا النوى في التمر مع التمر، وأساسات الحيطان مع الدار، كل هذه جائزة؛ لأنها بيعت مع أصلها، ولم تكن مقصودة في البيع فاغتفرت الجهالة فيها،
-
ثم إنه يغتفر في التبعية
-
٢/٢٦٠٢/٢٦٠
ما لا يغتفر في الاستقلال (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز بيع المسك]
-
• المراد بالمسألة: المسك: لون من ألوان الطيب، يؤخذ من بعض فصائل الغزلان التي لها أنياب، يجتمع في صرتها الدم، فيؤذيها، فتندفع إلى صخور حادة، فتحتك بها، فينفجر منها على تلك الصخور، ويؤخذ من هذه الأماكن بعد جفافه، ويوضع في نوافج تحفظه، ومنهم من يصطاده، ويقطع هذه السرة التي يجتمع فيها، تبقى زمانا حتى تستحيل الرائحة الخبيثة إلى رائحة طيبة، والأول أجود وأذكى رائحة (٢) .
-
والمسك الذي هو الطيب الخالص الذي لم يخلط مع غيره، يجوز بيعه، إذا كان خارجا عن وعائه، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [المسك طاهر،
-
ويجوز بيعه، بلا خلاف، وهو إجماع المسلمين] (٣) . نقله عنه المناوي، وابن عابدين (٤) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [واستقر الإجماع على طهارة المسك، وجواز بيعه] (٥) .
-
٢/٢٦١٢/٢٦١
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [واستقر الإجماع على طهارته، وجواز بيعه] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي موسى -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنما مثل الجليس الصالح، والجليس السوء: كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نص في هذا على أن حامل المسك قد تشتري منه المسك،
-
ولو كان بيعه حراما لما ذكره أو مثَّل به عليه السلام (٤) .
-
الثاني: عن أم سلمة (٥) -رضي اللَّه عنها- قالت: لما تزوجني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إني قد
-
٢/٢٦٢٢/٢٦٢
أهديت إلى النجاشي (١) حُلَّة، وأواقي مسك،
-
ولا أُراه إلا قد مات، وسترد الهدية،
-
فإن كان كذلك فهي لك " قالت: فكان كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مات النجاشي، وردت الهدية، فدفع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، ودفع الحلة، وسائر المسك إلى أم سلمة (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن ما جازت هديته، جاز بيعه، كسائر المملوكات (٣) .
-
الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر امرأة من بني إسرائيل حشت خاتمها مسكا، والمسك أطيب الطيب" (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سماه أطيب الطيب واستعمله، فدل على طهارته، وما كان طاهرا جاز استعماله ومبايعته.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز بيع الصوف المنفصل عن الحيوان]
-
• المراد بالمسألة: الصوف للغنم هو: كالشعر للمعز والوبر للإبل (٥) . إذا جُزَّ وانفصل عن الغنم،
-
فإن بيعه جائز، باتفاق العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على جواز بيع الصوف المنفصل عن
-
٢/٢٦٣٢/٢٦٣
الحيوان] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (٣) .
-
• وجه الدلالة: هذه الآية تفيد أن الأصل في البيع أنه على الحل، ما لم يأت دليل يدل على المنع، فيدخل فيها بيع الصوف المنفصل عن الحيوان.
-
الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها، أو يباع صوف على ظهر، أو سمن في لبن، أو لبن في ضرع" (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الصوف، وقيد النهي بما إذا كان على ظهر البهيمة، فدل بمفهومه على جوازه إذا كان منفصلا عنها.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
منع بيع عسب الفحل]
-
• المراد بالمسألة: عَسْب الفحل يطلق في أصل اللغة: على ضرابه وعلى مائه،
-
ثم أُريد به الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، وهذا من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه، وهذا مستعمل عند العرب، كما قالوا للمزادة راوية، وإنما الراوية البعير الذي يستقى عليه. وكأنه سمي عسبا؛ لأن الفحل يركب العسيب إذا سَفِد (٥) .
-
٢/٢٦٤٢/٢٦٤
ويطلق في اصطلاح الفقهاء على معنيين، هما:
-
الأول: كراء الفحل للضراب.
-
الثاني: بيع ضراب الفحل أو مائه (١) .
-
ولعل المراد بالمسألة المعنى الأول دون الثاني؛ إذ لم يحك الإجماع إلا ابن هبيرة وقد فسره بالمعنى الأول.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع عسب الفحل، وهو: أن يستأجر فحل الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو غيرها لينزو على الإناث، مكروه] (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عَسْب الفحل" (٣) .
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض لتحرث" (٤) .
-
الثالث: أن بيع الضراب أو إجارته يترتب عليه عدة محاذير، منها: أن ضرابه غير معلوم،
-
ثم هو غير مقدور على تسليمه،
-
وكذا أيضا غير متقوم، وكل واحدة من هذه كافية في تحريمه (٥) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
هذه المسألة وقع الخلاف فيها بين العلماء على أقوال (٦) :
-
٢/٢٦٥٢/٢٦٥
القول الأول: قول الحنفية، وابن حزم من الظاهرية: أن بيع عسب الفحل وإجارته على التحريم (١) .
-
القول الثاني: قول المالكية: إن كان يعطيه ثمنا على أن يحمل فحله على ناقة المشتري مدة غير محددة، إلى أن تحمل مثلا، فهذا لا يجوز.
-
وإذا استأجره على أن ينزيه على ناقته أكواما معدودة يسيرة تتأتى منه في وقت أو أوقات فلا بأس في هذا. وحملوا النهي الوارد على الحالة الأولى، أو على التنزيه (٢) . والكراهة قال بها من الصحابة: أبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب (٣) (٤) .
-
القول الثالث: قول الشافعية: إن كان الثمن على أنه بيع فهو باطل قطعا،
-
وإن كان على أنه إجارة فعندهم روايتان: الأصح أنه لا يصح. والثانية: أنه يجوز مع الكراهة (٥) .
-
القول الرابع: قول الحنابلة: لا يجوز بيع عسب الفحل وهو ضرابه بلا نزاع عندهم، أما إجارته: فالمشهور والذي عليه أكثر الأصحاب عدم الجواز أيضا، وخرج أبو الخطاب وجها بالجواز، وهو احتمال عند ابن عقيل (٦) . وقال به - أي:
-
٢/٢٦٦٢/٢٦٦
الجواز- من التابعين: الحسن وابن سيرين (١) .
-
استدل من قال بالجواز بعدة أدلة، منها:
-
الأول: أن العقد إنما يكون على منافع الفحل ونزوه، وهذه منفعة مقصودة، والماء يكون تابعا لها،
-
ثم إن الغالب حصوله عقب نزوه، فيكون كالعقد على الظئر لحصول اللبن في بطن الصبي (٢) .
-
الثاني: القياس على الإعارة: فكما أنه تجوز إعارة الفحل للنزو، فكذلك إجارته، بجامع المنفعة في كل منهما (٣) .
-
واستدل من قال بالكراهة بدليل عقلي، وهو:
-
أن الحاجة تدعو إلى هذه المنفعة؛ إذ ليس كل الناس يملك الفحل، وربما لا يجده إلا بأجرة، فأبيح لذلك، وهي منفعة مقصودة (٤) .
-
النتيجة: أما مسألة بيع ماء الفحل فهذه لم يقع فيها خلاف بين العلماء، أما مسألة إجارة ضرابه فهذه لا يصح الإجماع فيها؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
وربما قصد ابن هبيرة بالاتفاق هو على أقل ما قيل في المسألة، وهذا لا يتأتى أيضا لوجود من قال بالجواز.
-
بطلان بيع الملامسة والمنابذة]
-
• المراد بالمسألة: هذان البيعان من بيوع الجاهلية التي كانوا يتعاملون بها، وقد اختلف العلماء في تفسيرها على عدة أقوال:
-
الأول: أن يجعلا اللمس والنبذ بيعا من دون صيغة، مثاله في الملامسة: يكون الثوب مطويا، فيقول البائع للمشتري: إذا لمسته فقد وجب البيع، اكتفاء بلمسه عن الصيغة. ومثاله في المنابذة: أيُّ ثوب أنبذه إليك فقد وجب البيع بيننا بعشرة.
-
٢/٢٦٧٢/٢٦٧
وهذا ذكره الحنفية والشافعية والحنابلة (١) .
-
الثاني: أن يبيعه شيئا على أنه متى لمسه أو نبذه إليه لزم البيع، وانقطع خيار المجلس وغيره. وهذا ذكره الشافعية (٢) .
-
الثالث: في الملامسة: أن يلمس ثوبا مطويا، أو في ظلمة،
-
ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، اكتفاء بلمسه عن رؤيته، أو يلمس كل منهما ثوب صاحبه بغير تأمل.
-
وفي المنابذة: أن ينبذ كل واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر،
-
ولا ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه، أو ينبذه إليه بلا تأمل، على جعل النبذ بيعا. وهذا ذكره المالكية والشافعية (٣) .
-
الرابع: أن المراد بالمنابذة: هو بيع الحصاة. وهو تأويل عند الشافعية (٤) .
-
والتفسير الثالث أقعد باللفظين؛ لأنها مفاعلة فتستدعي وجود الفعل من الجانبين، وهو أقرب للتفاسير الواردة عن الصحابة (٥) .
-
وأيًّا كان المراد فإن المعاني الأربعة كلها منهي عنها، فاسدة لو وقعت، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الحصاة، والملامسة، والمنابذة باطل] (٦) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٧) .
-
٢/٢٦٨٢/٢٦٨
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [أما بيع الملامسة: فكانت صورته في الجاهلية أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره، أو يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه، وهذا مجمع على تحريمه] .
-
ثم عدد بيوع الجاهلية وذكر منها المنابذة وقال بعدها: [فهذه كلها بيوع جاهلية متفق على تحريمها] (١) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول لما ذكر كلام الخرقي (٢) في عدم جواز بيع الملامسة والمنابذة: [لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذين البيعين] (٣) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[ولا يجوز بيع الملامسة. . .،
-
ولا بيع المنابذة. . . لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذه المبايعات] (٤) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول لما ذكر معنى الملامسة: [وأجمعوا على تحريمه] . ولما ذكر معنى المنابذة قال: [وأجمع العلماء على تحريمه] (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (٦) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} (٧) .
-
٢/٢٦٩٢/٢٦٩
• وجه الدلالة: أن اللَّه أمر باجتناب الميسر، والميسر هو القمار (١) ، وبيع الملامسة والمنابذة فيه معني القمار، وذلك بأنه لا يدري ما يقع عليه البيع هل هو مساوٍ للثمن أو أقل منه أو أكثر؟ وهذا هو معنى القمار (٢) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الملامسة والمنابذة" (٣) .
-
الثالث: عن أبي سعيد -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لبستين، وعن بيعتين: الملامسة والمنابذة" (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن هاتين البيعتين، والنهي للتحريم، ويقتضي فساد المنهي عنه.
-
• المخالفون للإجماع:
-
على التفسير الأول للملامسة والمنابذة وهو جعل اللمس والنبذ بيعا من دون صيغة، قال بعض الشافعية أنه يجيء في هذه الصورة الخلاف في بيع المعاطاة، فإنهما مع قرينة البيع هي نفس المعاطاة (٥) . وبيع المعاطاة وقع فيه الخلاف على قولين في المذهب:
-
الأول: أنه غير منعقد. وهو المذهب.
-
الثاني: أنه صحيح ومنعقد. وهو المعمول به، وعليه الفتوى (٦) .
-
وبناء على الخلاف في المعاطاة فإنه يُخرَّج عليه الخلاف في صورة المسألة معنا، ويكون الخلاف فيها على القولين السابقين.
-
واستدل هؤلاء: بأن اللَّه أحل البيع، ولم يثبت في الشرع لفظ له، فوجب
-
٢/٢٧٠٢/٢٧٠
الرجوع إلى العرف، فكل ما عدَّه الناس بيعا فهو بيع شرعا (١) .
-
ويقال بأن هذا تخريج، والتخريج لا يخرق الإجماع، خاصة وأنه لم يقل به إلا قلة من علماء الشافعية.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
قد يشكل في هذه المسألة أن المعنى لم يتفق عليه العلماء، فكل مذهب له تفسير ربما لا تذكره المذاهب الأخرى؟ !
-
ويقال في الجواب: إنه بالنظر إلى أصول المذاهب في هذه المسألة، نجد أنهم متفقون على علة الحكم، وهي وجود الغرر والجهالة والقمار، وكل هذه المعاني متفق عليها بين الجميع.
-
تحريم بيع ضربة القانص]
-
• المراد بالمسألة: القانص: الصائد، والقنَّاص: الصيَّاد (٢) ، وصورته هنا أن يقول: اضرب هذه الشبكة للاصطياد، فما أخذته، فهو لك بكذا (٣) .
-
ويقال: ضربة الغائص، والغوص: النزول تحت الماء، ويقال للذي يغوص على الأصداف في البحر فيستخرجها: غائص وغوَّاص (٤) .
-
وصورته: أن يقول له: أغوص في البحر غوصة بكذا، فما أخرجته، فهو لك (٥) .
-
وبعض العلماء جعل القانص أعم من الغائص، فيشمل صائد صيد البر والبحر، والغائص صائد صيد البحر فقط، وبعضهم خص القانص بصائد البر، والغائص بصائد البحر (٦) .
-
والمقصود أن هذا اللون من ألوان البيع، لا خلاف بين العلياء على تحريمه.
-
٢/٢٧١٢/٢٧١
• من نقل الإجماع:
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [لا يجوز بيع ما يخرج من ضربة القانص - أي: الصياد بالشبكة - ولا خلاف فيه لأحد] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن من الغرر البيع على ضربة القانص، بل الغرر يتجلى في هذه الصورة في أعلى درجاته، فهو قد يحصل على صيد في هذه الضربة وقد لا يحصل،
-
وإذا حصل فربما يكون قليلا وربما كان كثيرا، فيكون سببا للمنازعة.
-
الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء الغنائم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص" (٤) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
٢/٢٧٢٢/٢٧٢
منع بيع السمك في الماء]
-
• المراد بالمسألة: السمك إذا كان في الماء، وكان الماء كثيرا، بحيث لا يمكن اصطياده وإمساكه بسهولة، فهو ممنوع من بيعه، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• المازري (٥٣٦ هـ) يقول: [أجمعوا على منع بيع الأجنة، والطير في الهواء، والسمك في الماء] (١) . نقله عنه الزرقاني (٢) .
-
• الخرشي (١١٠١ هـ) يقول: [والغرر ثلاثة أقسام: ممتنع إجماعا؛ كطير الهواء، وسمك الماء. . .] (٣) .
-
• النفراوي (١١٢٥ هـ) يقول:
-
[وأما السمك فى الماء، أو الطير في الهواء، فممتنع إجماعا] (٤) .
-
• العدوي (١١٨٩ هـ) يقول:
-
[وأما السمك في الماء، والطير في الهواء، فممتنع إجماعا] (٥) .
-
• الدردير (١٢٠١ هـ) يقول: [ (واغتفر غرر يسير) إجماعا (للحاجة) . . .، فخرج بقيد اليسارة الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء،
-
فلا يغتفر إجماعا] (٦) .
-
• الشوكاني (١٢٥٠ هـ) يقول:
-
[ومن جملة بيع الغرر: بيع السمك في الماء، كما في حديث ابن مسعود،
-
ومن جملته بيع الطير في الهواء، وهو مجمع على ذلك] (٧) .
-
• عليش (١٢٩٩ هـ) يقول: [ (واغتفر) إجماعا (غرر) (يسير)
-
٢/٢٧٣٢/٢٧٣
للضرورة. . .، فخرج بقيد اليسير الكثير: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء،
-
فلا يغتفر إجماعا] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن من بيع الغرر: بيع السمك في الماء، فهو مجهول العاقبة، لا يُدرى عن حصوله شيء.
-
الثاني: عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر" (٤) .
-
الثالث: أن بيع السمك في الماء قد اختل فيه ثلاثة شروط من شروط البيع، وهي: القدرة على تسليمه، فقد يقدر عليه وقد لا يقدر،
-
وكذا الملك إذا لم يكن
-
٢/٢٧٤٢/٢٧٤
يملكه، وكذا العلم بالمبيع، فهو مجهول بالنسبة له كجهالة اللبن في الضرع، والنوى في التمر،
-
فإذا كان كذلك فهو بيع باطل لفقده هذه الشروط (١) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما:
-
القول الأول: يصح بيع السمك في الآجام (٢) . قال به عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى (٣) (٤) .
-
واستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو:
-
أن يقدر على تسليمه ظاهرا، أشبه ما يحتاج إلى مؤنة في كيله ووزنه ونقله (٥) .
-
القول الثاني: يصح بيع السمك في الماء إذا كان مملوكا. قال به ابن حزم من الظاهرية (٦) .
-
واستدل ابن حزم بدليل عقلي، وهو:
-
أن بيع ما لا يملك يعد من الغرر البيِّن،
-
ومن أكل أموال الناس بالباطل المحرم شرعا، أما ما يملكه فله حق التصرف فيه بأي لون من ألوان التصرف، وليس من
-
٢/٢٧٥٢/٢٧٥
شروط البيع أن تكون العين بيده.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها، ومما يؤيد هذا عدم حكاية من عرف عنهم الاهتمام بالإجماع له؛ كابن المنذر وابن عبد البر وابن قدامة والنووي وغيرهم،
-
ولو كان ثابتا عندهم لذكروه.
-
تحريم بيع البيض في الدجاج والنوى في التمر]
-
• المراد بالمسألة: إذا كان عنده دجاج، وأراد أن يبيع البيض الذي تحمله دون الدجاج، أو كان عنده تمر وأراد أن يبيع النوى الذي بداخله دون التمر، فإنه لا يجوز أن يفردهما بالبيع دون أصلهما، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) لما ذكر تحريم بيع ما تجهل صفته، ذكر بعض الأمثلة عليها فقال:
-
[ومن ذلك: البيض في الدجاج، والنوى في التمر، لا يجوز بيعهما. . .،
-
ولا نعلم في هذا خلافا نذكره] (١) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[ولا يجوز بيع النوى في التمر، والبيض في الدجاج. . .،
-
ولا نعلم في هذا خلافا] (٢) . نقله عنه برهان الدين ابن مفلح (٣) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [ (ولا نوى في تمره) بلا خلاف] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذه المسألة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٥) .
-
٢/٢٧٦٢/٢٧٦
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (١) .
-
• وجه الدلالة: أن الرضا لا يمكن أن يوجد مع الجهالة، وإنما يقع التراضي على ما علم وعرف، فإذ لا سبيل إلى معرفة صفات البيض وهو في الدجاج، والنوى وهو في التمر،
-
فلا سبيل إلى التراضي به،
-
وإذا كان كذلك فلا يحل بيعه، فيدخل في أكل أموال الناس بالباطل (٢) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الغرر" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن من صور الغرر وجود الجهالة في المبيع، فالبيض والنوى كلاهما لا تعرف صفته،
-
ولا مقداره، وهما يحتملان الوجود والعدم.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز بيع النوى داخل التمر مع التمر]
-
• المراد بالمسألة: إذا أراد البائع أن يبيع التمر بعد بدو صلاحه، فإنه يجوز له أن يبيعه مع النوى الذي بداخله، من غير أن ينص عليه، أو يفرده بالبيع عنه، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع النوى داخل التمر مع التمر،
-
٢/٢٧٧٢/٢٧٧
جائز] (١) . ويقول أيضا: [وقد أجمعوا وصحت السنن المجمع عليها على جواز بيع التمر، والعنب، والزبيب، وفيها النوى،
-
وأن النوى داخل في البيع] (٢) . نقل عبارته الأولى ابن القطان (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- قال: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع النخل حتى يزهو" . قيل: وما يزهو؟ قال: "يحمارّ ويصفار" (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أباح بيع التمر بعد ظهور الزهو فيه، من غير أن يستثني منه شيء، فدل على إباحة بيع النوى مع التمر.
-
الثاني: أن الناس لا زالوا في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وبعلمه يتبايعون التمر على هذه الصفة، من غير إنكار (٦) .
-
الثالث: أن التمر خلقه اللَّه هكذا مع النوى، فما دام أن النوى بداخله لم يبع استقلالا، فإنه لا محظور فيه، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز الاستثناء من الثمن إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه]
-
• المراد بالمسألة: إذا استثنى البائع من الثمن شيئا، وكان المستثنى من جنس
-
٢/٢٧٨٢/٢٧٨
المستثنى منه، كاستثناء الدنانير من الدنانير ونحوها،
-
فإن هذا جائز بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن للرجل أن يبيع سلعته بدينار إلا قيراطا، وبدينار ودرهم] (١) . نقله عنه ابن القطان (٢) .
-
• الباجي (٤٧٤ هـ) لما تكلم عن جواز استثناء من باع ثوبا بخمسة دنانير غير ربع دينار يقول: [. . . بمنزلة ما لو قال: بعتك هذا الثوب بخمسة دنانير إلا دينارا، فدفع إليه ثلاثة دنانير وأخذ دينارا،
-
فلا خلاف في جواز ذلك] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والحنابلة (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثنيا، إلا أن تعلم" (٥) .
-
٢/٢٧٩٢/٢٧٩
• وجه الدلالة: أن الاستثناء في البيع إذا كان معلوما فإن البيع صحيح، فيدخل في هذا الاستثناء إذا كان من جنس المستثنى منه.
-
الثاني: أن المستثنى يجوز إفراده بالبيع، وما جاز إفراده بالبيع جاز استثناؤه.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز استثناء المبيع المعلوم وتحريم المجهول]
-
• المراد بالمسألة: الاستثناء في البيع لا يخلو من حالين:
-
الأول: أن يكون الاستثناء معلوما، والمبيع بعده معلوما، يمكن فصله عن المستثنى منه بغير ضرر،
-
فإذا كان كذلك، وكان محرزا،
-
فإن هذا جائز. مثل أن يقول: بعتك ثمرة هذا الحائط إلا ثمرة هذه النخلات العشر المعينات، أو يقول: بعتك هذه الدار إلا ربعها.
-
الثاني: أن يكون الاستثناء مجهولا، والمبيع بعده مجهولا، فإنه لا يجوز، مثل أن يقول: بعتك هذه الثمرة إلا قوت سنتي، أو قوت غلماني (١) .
-
وكلا الحالتين مجمع عليها بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) لما أورد عن عطاء جملة من الآثار، منها ما جاء عن ابن جريج (٢) أنه قال: قلت لعطاء: أبيعك حائطي إلا خمسين فرقا، أو كيلا مسمى ما كان؟ قال لا، قال ابن جريج:
-
فإن قلت: هي من السواد سواد الرطب؟ قال: لا. ومنها ما أخرجه عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: أبيعك نخلي إلا عشر نخلات أختارهن؟ قال: لا، إلا أن نستثني أيهن هي قبل البيع تقول هذه وهذه.
-
وكذلك ما أخرجه عن ابن جريج أنه قال لعطاء: أيبيع الرجل نخله أو عنبه أو بره أو عبده أو سلعته ما كانت على أني شريكك بالربع وبما كان من ذلك؟ قال: لا بأس
-
٢/٢٨٠٢/٢٨٠
بذلك. وكذلك ما أخرجه عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: أبيعك ثمر حائطي بمائة دينار، فضلا عن نفقة الرقيق؟ فقال: لا، من قبل أن نفقة الرقيق مجهولة ليس لها وقت،
-
فمن ثم فسد. يقول لما أورد هذه الآثار عن عطاء: [ما قال عطاء من هذا كله كما قال -إن شاء اللَّه- وهو في معنى السنة والإجماع] (١) .
-
• الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [أن يقول: بعتك ثمرة هذا الحائط إلا ثمرة هذه النخلات العشر بعينها، فهذا بيع جائز باتفاق العلماء. . .، أن يكون الاستثناء مجهولا والمبيع بعده مجهولا. . .، فالمشاع: أن يقول: بعتك هذه الثمرة إلا قوت نفسي، أو إلا ما يأكله عبيدي، فهذا باطل باتفاق] (٢) .
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول [الحلال في ذلك: أن يستثني من الجملة إن شاء أيَّ جملة كانت: حيوانا أو غيره، أو من الثمرة: نصف كل ذلك مشاعا، أو ثلثي كل ذلك، أو أكثر، أو أقل، جزءا مسمى منسوبا مشاعا في الجميع.
-
أو يبيع جزءا كذلك من الجملة مشاعا، أو يستثني منها عينا معينة محوزة -كثرت أو قلت- فهذا هو الحق الذي لا خلاف من أحد في جوازه] (٣) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [لا أعلم خلافا بين فقهاء الأمصار أنه لا يجوز لأحد أن يستثني ثمر نخلات معدودات، من حائط رجل، غير معينات، يختارها من جميع النخل،
-
وكذلك لا يجوز ذلك عندهم في ألوان النخيل،
-
ولا في الثياب، ولا في العبيد،
-
ولا في شيء من الأشياء] (٤) . نقله عنه ابن القطان (٥) .
-
• الباجي (٤٧٤ هـ) يقول: [استثناء الرجل من حائطه في البيع عدد نخلات، يكون على ثلاثة أوجه، أحدها: أن يعينها، وذلك لا خلاف في جوازه] (٦) .
-
• القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول بعد أن تحدث عن الثنيا في البيع:
-
[فأما النخلات المعينات، بلا خلاف في جواز استثنائه] (٧) .
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا باع حائطا، واستثنى منه
-
٢/٢٨١٢/٢٨١
نخلة بعينها، جاز] (١) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [وأجمعوا من هذا الباب على جواز بيع الرجل ثمر حائطه، واستثناء نخلات معينات، منه. . .، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يستثني من حائط له عدة نخلات غير معينات، إلا بتعيين المشتري لها بعد البيع] (٢) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [إذا استثنى نخلة، أو شجرة بعينها، جاز ولا نعلم في ذلك خلافا] (٣) .
-
• أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [أن يستثني نخلات مجهولات، أو كيلا مجهولا من الثمرة، على أن يُعيَّن ذلك بعد البيع، فذلك ممنوع فاسد باتفاق] (٤) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول:
-
[فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهما، وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة، صح البيع باتفاق العلماء] (٥) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[فإن استثنى معينا من ذلك جاز. . .، لا نعلم في هذا خلافا] (٦) .
-
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول في معرض كلامه عن الشروط في العقود: [فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع، وجوَّز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، جوز أيضا استثناء بعض التصرفات] (٧) . ويقول أيضا: [أجمع المسلمون -فيما أعلمه- على جواز استثناء الجزء الشائع، مثل: أن يبيعه الدار إلا ربعها أو ثلثها.
-
واستثناء الجزء المعين إذا أمكن فصله بغير ضرر، مثل: أن يبيعه ثمر البستان إلا نخلات بعينها، أو الثياب أو العبيد، أو الماشية التي قد رأياها، إلا شيئا منها قد عيَّناه] (٨) .
-
٢/٢٨٢٢/٢٨٢
• تقي الدين السبكي (١) (٧٥٦ هـ) يقول: [أن يكون الاستثناء معلوما، والمبيع بعده معلوما، وهذا على ضربين: مشاع ومحدد، فالمحدد: بعتك ثمرة هذا الحائط إلا ثمرة هذه النخلات العشر بعينها، فهذا جائز بالاتفاق، أن يكون الاستثناء مجهولا، والمبيع بعده مجهولا، وهو ضربان: مشاع ومحدد، فالمشاع: كقوله: بعتك هذه الثمرة إلا قوت سنتي، أو قوت غلماني، باطل اتفاقا] (٢) .
-
• الأُبِّي (٨٢٧ هـ) يقول لما ذكر أن لبيع الثنيا صورا: [الأولى: أن يستثني من الحائط نخلات معينة، فيجوز باتفاق قَلَّت أو كثرت. . .، الثانية: أن يستثني نخلات يختارها،
-
فلا يجوز باتفاق] . نقله عنه السنوسى (٣) وزاد صورة فقال: [أن يستثني بعضها مجهولا، فكذلك لا يجوز باتفاق] (٤) .
-
• ابن نجيم (٩٧٠ هـ) لما ذكر مسألة استثناء أرطال معلومة عند شراء النخل يقول:
-
[فإن استثنى جزءا: كربع وثلث، فإنه صحيح اتفاقا] (٥) . نقله عنه ابن عابدين (٦) .
-
٢/٢٨٣٢/٢٨٣
• عبد الرحمن المعروف بـ [داماد أفندي] (١٠٧٨ هـ) يقول: