الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٨٬٦٩٨ إلى ١١٬٤١٠
-
٢/١٤٠٢/١٤٠
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن]
-
• المراد بالمسألة: البغي: يطلق على جنس من الفساد، يقال: بَغت المرأة، وهي تبغي بِغاءً، إذا فَجَرَتْ، ووقعت في الزنا (١) .
-
والمقصود بمهر البغي: هو ما تعطاه المرأة على الزنا (٢) . وسماه مهرا لكونه على صورة المهر الشرعي (٣) .
-
والحلوان: أصله من الحلو، ويطلق ويراد به: العطية، يقال: حلوت الرجل حُلْوَانا، إذا أعطيته (٤) .
-
والكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر، عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار (٥) .
-
والمقصود بحلوان الكاهن: هو ما يعطاه من الأجر، والرشوة على كهانته (٦) . وسبب تسميته وتشبيهه بالشئ الحلو، من جهة أنه يأخذه سهلا بلا كلفة،
-
ولا في مقابلة مشقة (٧) .
-
والمراد هنا: أن ما تأخذه المرأة على الزنا، وما يأخذه الكاهن على كهانته، هو من الكسب المحرم الذي لا يجوز، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [لا خلاف بين علماء المسلمين في أن مهر البغي حرام، وهو على ما فسره مالك، لا خلاف في ذلك. . .،
-
وكذلك لا خلاف في حلوان الكاهن، أنه ما يعطاه على كهانته] (٨) . ويقول أيضا: [فأما مهر
-
٢/١٤١٢/١٤١
البغي. . .، فمجتمع على تحريمه. . .،
-
وأما حلوان الكاهن، فمجتمع أيضا على تحريمه] (١) . نقله عنه النفراوي (٢) ، ونقل عنه ابن القيم، والزرقاني (٣) الإجماع على حلوان الكاهن (٤) .
-
• البغوي (٥١٦ هـ) يقول: [اتفق أهل العلم على تحريم مهر البغي، وحلوان الكاهن] (٥) . نقله عنه النووي (٦) .
-
• المازري (٥٣٦ هـ) يقول:
-
[ولا خلاف في حرمة ما يأخذه الكاهن] . نقله عنه الأُبّي (٧) ، والزرقاني (٨) .
-
• ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [ومهر البغي،
-
فلا خلاف في تحريمه] (٩) . ويقول أيضا:
-
[وأما حلوان الكاهن. . .، فمحرم بإجماع الأمة] (١٠) .
-
٢/١٤٢٢/١٤٢
• القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن] . ويقول أيضا: [ولم يختلف في حرمة مهر البغي] . نقل عنه العبارة الأولى النووي (١) ، ونقل العبارة الثانية الأُبّي (٢) .
-
• أبو العباس القرطبي (٣) (٦٥٦ هـ) يقول: [المهر والحلوان محرمان بالإجماع] (٤) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة، بالنهي عن إتيان الكهان، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان؛ وهو حرام بإجماع المسلمين] . ويقول أيضا: [أما مهر البغي. . .، وهو حرام بإجماع المسلمين] (٥) .
-
• ابن دقيق العيد (٦) (٧٠٢ هـ) يقول لما تكلم عن حديث أبي مسعود (٧) في
-
٢/١٤٣٢/١٤٣
النهي عن مهر البغي وحلوان الكاهن: [والإجماع قائم على تحريم هذين] (١) .
-
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [وصناعة التنجيم، وأخذ الأجرة عليها، وبذلها، حرام بإجماع المسلمين] (٢) .
-
• الزركشي (٧٧٢ هـ) لما تكلم عن كسب الحجام، وذكر الأدلة على منعه، ومنها حديث رافع بن خديج الذي فيه النهي عن ثمن الكلب والبغي والحجام، ذكر من قرائن المنع أنه اقترن بمهر البغي المتفق على تحريمه فقال: [وقد قارنه بما لا نزاع في تحريمه] (٣) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [فإنا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي. . .، حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع] (٤) . نقله عنه الشوكاني، والمباركفوري (٥) (٦) .
-
٢/١٤٤٢/١٤٤
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ومهر البغي حرام إجماعا] . ويقول أيضا: [مهر البغي. . .، مجمع على تحريمه، لا خلاف فيه بين المسلمين] (١) .
-
• السنوسي الحسيني (٢) (٨٩٥ هـ) يقول لما تكلم عن معنى حلوان الكاهن:
-
[ولا خلاف في حرمته] (٣) .
-
• المناوي (٤) (١٠٣١ هـ) يقول: [ومهر البغي. . .، حرام إجماعا] (٥) .
-
• الزرقاني (١١٢٢ هـ) يقول لما تكلم عن معنى مهر البغي: [وهو حرام إجماعا] (٦) .
-
• الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [وأجمع العلماء على تحريم حلوان الكاهن] (٧) .
-
• الشوكاني (١٢٥٠ هـ) يقول: [ومهر البغي. . .، هو مجمع على تحريمه] (٨) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
٢/١٤٥٢/١٤٥
الأول: عن أبي مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" (١) .
-
الثاني: عن رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث" (٢) .
-
• وجه الدلالة من الحديثين:
-
أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن مهر البغي وحلوان الكاهن، وسمى كسبهما كسبا خبيثا، وهذا دليل على التحريم والمنع.
-
وكذلك إذا حرم اللَّه شيئا حرم ثمنه، فالبغاء والكهانة لا شك في تحريمهما في الشرع، فما أخذ عليهما فهو محرم مثلهما.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
اشتراط الانتفاع بالمبيع]
-
• المراد بالمسألة: من شروط العين المباعة: إمكانية الانتفاع بها نفعا حسيا وشرعيا، وهذا الشرط لا خلاف فيه بين العلماء.
-
وقد اختلف تعبير العلماء لهذا الشرط: فالمالكية والشافعية عبروا عنه بما ذكر. والحنفية والحنابلة عبروا عنه بكون العين مالا (٣) .
-
• من نقل الإجماع:
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [شروط المبيع خمسة، إحداها: أن يكون منتفعا به، وهذا شرط لصحة البيع، بلا خلاف] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٥) .
-
٢/١٤٦٢/١٤٦
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (١) .
-
• وجه الدلالة: أن تبايع ما لا منفعة فيه يعتبر من أكل المال بالباطل.
-
الثاني: عن المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه- قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعَ وهات. وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن إضاعة المال،
-
ومن إضاعته إنفاقه فيما لا نفع فيه.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز بيع الحيوان المملوك]
-
• المراد بالمسألة: الحيوان الذي حازه المكلف وملكه، وهو مما ينتفع به منفعة شرعية، سواء كانت المنفعة في الحال أو في المآل: كالصيد والحفظ والحراسة والقتال والركوب ونحوها، فإنه يجوز بيعه بإجماع العلماء، إلا ما استثني، مثل الكلب والنحل والخنزير.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكرخي (٣) (٣٤٠ هـ) يقول: [أما الفيل فأجمعوا على جواز بيعه] . نقله عنه العيني (٤) .
-
٢/١٤٧٢/١٤٧
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع الحيوان المتملك، ما لم يكن كلبا، أو سنورا، أو نحلا، أو ما لا ينتفع به، جائز] (١) . نقله عنه ابن القطان (٢) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [وزعم القائلون بهذا القول -وهو جواز أكل لحم الخيل- أنه ليس في السكوت عن ذكر الإذن في الخيل، دليل على أن ما عدا الركوب والزينة لا يجوز، ألا ترى أنه لم يذكر البيع والتصرف، وإنما ذكر الركوب والزينة لا غير، وجائز بيعها، والتصرف فيها، وفي ثمنها، بإجماع] (٣) .
-
ويقول أيضا: [. . . بدليل إجماعهم على بيع الهر، والسباع، والفهود المتخذة للصيد، والحمر الأهلية] (٤) .
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول:
-
[ويجوز بيع الفيل، بالإجماع] (٥) . نقله عنه ابن نجيم، وابن عابدين (٦) (٧) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وما ذكراه يبطل بالبغل والحمار، فإنه لا خلاف في إباحة بيعهما] (٨) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [قال أصحابنا: الحيوان الطاهر المملوك من غير الآدمي، قسمان: قسم ينتفع به فيجوز بيعه: كالإبل والبقر والغنم والخيل والبغال
-
٢/١٤٨٢/١٤٨
والحمير والظباء والغزلان والصقور والبزاة والفهود والحمام والعصافير والعُقاب، وما ينتفع بلونه: كالطاوس، أو صوته: كالزرزور والببغاء والعندليب،
-
وكذلك القرد والفيل والهرة ودود القز والنحل، فكل هذا وشبهه، يصح بيعه بلا خلاف] (١) . ويقول: [. . . والبغل والحمار الأهلي،
-
فإن أكلها حرام، وبيعها جائز بالإجماع] (٢) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [كل عين مملوكة يجوز اقتناؤها والانتفاع بها في غير حال الضرورة، يجوز بيعها، إلا ما استثناه الشرع. . .، وسواء في ذلك ما كان طاهرا. . .، أو مختلفا فى نجاسته: كالبغل والحمار، لا نعلم في ذلك خلافا] (٣) .
-
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [. . .
-
بخلاف البغل والحمار، فإن بيعهما جائز، باتفاق المسلمين] (٤) .
-
• الحداد (٥) (٨٠٠ هـ) يقول:
-
[ويجوز بيع الهر، بالإجماع] (٦) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) لما تكلم عن الخلاف في بيع النحل بين أنه على القول بالجواز، لا يؤثر فيه عدم جواز أكلها، وقاسه على بيع الحمار والبغل، فقال: [كالبغل والحمار،
-
فإن بيعهما يجوز، بلا خلاف] (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
٢/١٤٩٢/١٤٩
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه أباح البيع إباحة مطلقة، فيبقى الإطلاق على إطلاقه إلا ما استثناه الدليل، فيدخل في الإباحة جميع الحيوانات المملوكة التي ينتفع بها.
-
الثاني: أن ما لا ينتفع به يعد من أكل المال بالباطل الذي نهانا اللَّه عنه في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (٣) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في بعض أجزاء المسألة بعض العلماء:
-
فالحنفية: خالفوا في الفيل، ففي رواية عن محمد بن الحسن (٤) أنه نجس العين، وعليه فلا يجوز بيعه (٥) .
-
والحنابلة: خالفوا في الفيل، وسباع البهائم: كالفهد والنمر ونحوها، حتى وإن كان فيها منفعة، ففي رواية اختارها أبو بكر (٦) وابن أبي موسى (٧) : أنه لا
-
٢/١٥٠٢/١٥٠
يجوز بيعها (١) .
-
واستدل هؤلاء: بالقياس على الكلب، فكما أنه لا يجوز بيعه، فكذلك السباع، بجامع النجاسة في كل منهما (٢) .
-
واختلف العلماء في الهرة على قولين:
-
القول الأول: عدم جواز بيعها. قال به: أبو هريرة وجابر بن عبد اللَّه وجابر بن زيد (٣) ومجاهد (٤) وطاوس والحسن (٥) ، وهو قول ابن القاص (٦) من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها أبو بكر وابن أبي موسى وابن القيم وابن
-
٢/١٥١٢/١٥١
رجب (١) ، وهو قول الظاهرية (٢) .
-
واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو:
-
ما جاء أن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- سئل عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: "زجر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك" . وفي رواية: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ثمن الكلب والسنور" (٣) .
-
القول الثاني: التفصيل: إن كان المقصود من بيعه الانتفاع بجلده، أو الانتفاع به حيا، فهذا جائز، أما إن قصد الانتفاع بلحمه،
-
فلا يجوز بيعه على القول بتحريم أكله، ومكروه على القول بكراهة أكله. قال به المالكية (٤) .
-
واستدلوا لقولهم: أن مرد الأمر إلى الطهارة وعدمها، فجلده طاهر ينتفع به في اللباس والصلاة به وعليه. أما إن كان المقصود لحمها للأكل فالكراهة؛ لكراهة أكل لحوم السباع على المشهور (٥) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، إلا ما استثني من سباع البهائم والفيل والهرة، وذلك لعدم الاطلاع على المخالف في غيرها.
-
٢/١٥٢٢/١٥٢
جواز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع]
-
• المراد بالمسألة: اتخاذ الكلب المعلَّم لأنْ يَصيد به ما يَقتات به، أو يستفيد منه في حفظ الماشية والحرث -ما لم يكن أسود بهيما أو عقورا- جائز، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول:
-
[وأما الحاجة التي تجوز الاقتناء - أي: اقتناء الكلب- لها، فقد ورد هذا الحديث بالترخيص لأحد ثلاثة أشياء، وهي: الزرع والماشية والصيد، وهذا جائز بلا خلاف] (١) .
-
• ابن القيم (٧٥١ هـ) يقول: [اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة] (٢) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [واتفقوا على أن المأذون في اتخاذه، ما لم يحصل الاتفاق على قتله، وهو الكلب العقور] (٣) . نقله عنه الشوكاني (٤) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول:
-
[وأما اقتناء الكلب للصيد، والزرع، والبيوت، والمواشي، فيجوز بالإجماع] (٥) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول:
-
[وأما اقتناؤه للصيد، وحراسة الماشية، والبيوت، والزرع، فيجوز بالإجماع] (٦) . نقله عنه ابن نجيم، والشلبي (٧) (٨) .
-
• عبد الرحمن المعروف بـ [داماد أفندي] (١٠٧٨ هـ) يقول: [وأما اقتناء
-
٢/١٥٣٢/١٥٣
الكلب للصيد، أو لحفظ الزرع، أو المواشي، أو البيوت، فجائز بالإجماع] (١) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول:
-
[ويحرم اقتناؤه. . .، إجماعا،
-
ولو لحفظ البيوت، إلا كلب صيد، أو ماشية، أو حرث، فيباح] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} (٤) .
-
• وجه الدلالة: أن من الجوارح المكلبة الكلب، وقد أباح اللَّه لنا صيد المعلم منها، وقرن صيده بالحلال الطيب، فدل على إباحة اقتنائه للصيد (٥) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من اتخذ كلبا -إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع- انتقص من أجره كل يوم قيراط" (٦) .
-
الثالث: عن سفيان بن أبي زهير (٧) -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من اقتنى كلبا، لا يغني عنه زرعا، ولا ضرعا، نقص من عمله كل يوم قيراط" قال: آنت سمعت هذا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
-
قال: إي ورب هذا المسجد (٨) .
-
٢/١٥٤٢/١٥٤
• وجه الدلالة: أن الشارع استثنى من اقتناء الكلب هذه الحالات الثلاث، فدل على جوازها، وبقاء ما عداها على الأصل وهو الحرمة.
-
• المخالفون للإجماع:
-
أولًا: خالف في مسألة جواز اقتناء الكلب للزرع: ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، وقال: بتحريمه، وقد نسب ذلك له ابن عبد البر رحمه اللَّه (١) ، وفي هذه النسبة نظر، لأمور:
-
الأول: لم أجد من نسبه إليه غيره، بل لم أجد عن ابن عمر رواية تدل على هذه النسبة.
-
الثاني: لعل ابن عبد البر نسب هذا القول لابن عمر، لمَّا روى الحديث في الباب، ولم يذكر من ضمن الاستثناء كلب الحرث أو الأرض، وكان ينسبها لأبي هريرة، فيقول: [وقال أبو هريرة: أو كلب حرث] وجاء في حديث أبي هريرة السابق، قال الزهري (٢) : فذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: [يرحم اللَّه أبا هريرة!
-
كان صاحب زرع] . وهذا لا يدل على أنه لا يرى استثناء كلب الزرع من التحريم، وإنما يدل على شيئين:
-
١) تَثبُّت ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- في نسبة ذلك إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهو لم يسمعها من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنما من أبي هريرة.
-
٢) مقصود ابن عمر حين نسبه إلى أبي هريرة، أن من كان مهتما بشيء، فإنه سيكون ضابطا له أكثر من غيره، وأبو هريرة كان مهتما بالحرث، ويدل لهذا حين قال: وكان صاحب حرث (٣) .
-
٢/١٥٥٢/١٥٥
وهذا هو الأليق بفقه ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، حتى لا ينسب إلى الشذوذ بمخالفته الإجماع، خاصة أني لم أجد من قال بهذا القول من المتقدمين، ولا من المتأخرين.
-
الثالث: جاء عن ابن عمر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من اتخذ كلبا -إلا كلب زرع أو غنم أو صيد- ينقص من أجره كل يوم قيراط" . فأثبت ابن عمر هنا الزرع في الحديث (١) .
-
ثانيًا: ما ذكره الحنفية: العيني وابن الهمام وغيرهما في الإجماع من ذكر البيوت، واقتناء الكلب لحفظ البيوت والدور، مما اختلف فيه العلماء، فقد قال بمنعه: المالكية في المشهور عنهم، والشافعية في رواية مرجوحة عندهم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢) .
-
واستدل هؤلاء: بأن النص إنما ورد في هذه الثلاثة فقط، دون غيرها، فيبقى غيرها على الأصل وهو التحريم.
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز اقتناء الكلب للأمور الثلاثة، وهي: الصيد وحفظ الماشية والزرع؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم بيع القرد الذي لا ينتفع به]
-
• المراد بالمسألة: القرد من السباع التي مُسِخت أمة على شكله (٣) ، وقد ينتفع به
-
٢/١٥٦٢/١٥٦
للحراسة والحفظ ونحوها، وهو مما يقبل التعليم إذا عُلِّم (١) ،
-
فإذا كان منتفعا به لهذه المنافع ونحوها، فإنه يجوز بيعه وشراؤه،
-
وإذا لم يكن منتفعا به، فإنه لا يجوز بيعه ولا ابتياعه، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الطحاوي (٢) (٣٢١ هـ) يقول: [وقد اتفقوا على أن ما لا منفعة فيه من الحيوان لا يجوز بيعه: كالرخم والحدأة والقرد والذئب والزنابير] (٣) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [ولم يختلفوا في القرد والفأر، وكل ما لا منفعة فيه، أنه لا يجوز بيعه،
-
ولا شراؤه، وأكل ثمنه] (٤) . ويقول أيضًا: [لا أعلم بين العلماء خلافا أن القرد لا يؤكل،
-
ولا يجوز بيعه] (٥) . نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وأبو عبد اللَّه القرطبي، وبرهان الدين ابن مفلح، والمواق (٦) (٧) .
-
٢/١٥٧٢/١٥٧
• ابن رشد الجد (١) (٥٢٠ هـ) يقول:
-
[فأما ما لا يصح ملكه، لا يجوز بيعه بإجماع: كالحُرِّ، والخمر، والخنزير، والقرد، والدم، والميتة، وما أشبه ذلك] (٢) .
-
• المتيطي (٣) (٥٧٠ هـ) يقول: [ما لا يصح ملكه، لا يصح بيعه إجماعا: كالحر، والخمر، والخنزير، والقرد، والدم، والميتة، وما أشبه ذلك] . نقله عنه الحطاب (٤) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [الحيوان الطاهر المملوك من غير الآدمي، قسمان: قسم ينتفع به فيجوز بيعه: كالإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والظباء والغزلان والصقور والبزاة والفهود والحمام والعصافير والعقاب، وما ينتفع بلونه: كالطاوس، أو صوته: كالزرزور والببغاء والعندليب،
-
وكذلك القرد والفيل والهرة ودود القز والنحل، فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف] (٥) .
-
ويقول أيضًا: [الأعيان الطاهرة المنتفع بها، التي ليست حرا،
-
ولا موقوفا، ولا أم
-
٢/١٥٨٢/١٥٨
ولد، ولا مكاتبة، ولا مرهونا،
-
ولا غائبا، ولا مستأجرة، يجوز بيعها بالإجماع. . .، سواء المأكول، والمشروب، والملبوس، والمشموم، والحيوان المنتفع به: بركوبه أو صوته أو صوفه أو دره أو نسله: كالعندليب والببغاء، أو بحراسته: كالقرد، أو بركوبه: كالفيل، أو بامتصاصه الدم وهو العلق] (١) .
-
• مستند الإجماع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (٢) .
-
• وجه الدلالة: هذه الآية قاعدة في هذا الباب، فكل ما لا منفعة فيه ولا فائدة، فأخذ المال عليه من باب أكل أموال الناس بالباطل، الذي نهى اللَّه جل جلاله عنه، فدل على أن القرد إذا كان لا منفعة فيه فيدخل في أكل أموال الناس بالباطل، وإلا فإنه يبقى على الأصل وهو الإباحة.
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: الحنفية وقد اختلفت الرواية عندهم عن الإمام:
-
الرواية الأولى: اختارها الحسن (٣) وصححها عامة علمائهم أنه يجوز بيعه، وقالوا: بأنه إن لم يكن منتفعا به بذاته، فيمكن الانتفاع بجلده.
-
الرواية الثانية: اختارها أبو يوسف (٤) وصححها الكاساني أنه لا يجوز بيعه، وقالوا: بأنه غير منتفع به شرعا، وهو لا يشترى للانتفاع بجلده عادة بل للتلهي به
-
٢/١٥٩٢/١٥٩
وهذا القصد محرم شرعا (١) . ولما ذكر ابن عابدين هذا القول عقب عليه قائلا: [وظاهره أنه لولا قصد التلهي به لجاز بيعه] (٢) .
-
فدل على أن محل الخلاف عندهم ليس محلا واحدا، وإنما هو معلق بوجود النفع عندهم، فمتى وجد جاز بيعه وشراؤه.
-
أما الحنابلة فقد اختلف المذهب عندهم، بناء على الاختلاف في تفسير مقولة الإمام أحمد حين قال: [أكره بيع القرد] .
-
فمنهم من قال بتقييد هذه العبارة، وحمل الكراهة على القرد الذي لا منفعة فيه. وعلى هذا التفسير عامة الأصحاب، ولذا أجازوا مبايعته؛ لأنه ينتفع به في الحراسة.
-
ومنهم من قال بإطلاق الكراهة، سواء كان منتفعا به أم لا، وهذا قياس قول أبي بكر، وابن أبي موسى، واختاره ابن عبدوس (٣) (٤) .
-
وخالف في هذا أيضًا: ابن حزم من الظاهرية، ولم ينص على هذه المسألة بعينها، وإنما ذكر قاعدة في هذا الباب: بأن ما كان محرما أكله فمحرم بيعه (٥) ، وبيّن في موضع آخر: أن القرد محرم أكله، فدل على أن مذهبه تحريم مبايعته مطلقا (٦) .
-
وبهذا التقرير يتبين أن المخالفة، إنما هي رواية عند الحنابلة، وقال به ابن
-
٢/١٦٠٢/١٦٠
حزم.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
إباحة اتخاذ السنور]
-
• المراد بالمسألة: السِّنور، ويسمى: الهر، من الحيوانات الطوافة في بيوت الناس، واتخاذها واستعمالها للحاجة وغيرها، من غير قصد المتاجرة بها بالبيع والشراء، جائز بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن اتخاذ السِّنور مباح] (١) . نقله عنه النووي (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عُذِّبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت النار فيها، لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" (٤) .
-
٢/١٦١٢/١٦١
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنكر عمل هذه المرأة تعذيبها للهرة،
-
ولو كان اتخاذ الهر محرما لأنكره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليها، بل إنه ذكر أن أحد أوجه الإحسان لهذه الهرة إطعامها عند حبسها.
-
الثاني: عن أبي قتادة (١) -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول في الهرة: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تكلم في الحديث عن طهارة سؤر الهرة، وبين أن سبب ذلك هو كثرة دخولها على الناس،
-
ولو كان اتخاذها محرما لبين ذلك لأمته.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم وجود المخالف فيها.
-
جواز شراء المصحف]
-
• المراد بالمسألة: إذا أراد شراء المصحف -وهو المشتمل على كلام اللَّه- من المسلم،
-
فإن شراءه جائز، باتفاق العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن شراء المصحف جائز] (٣) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٤) .
-
• أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [واتفقوا على جواز شراء المصحف] (٥) .
-
٢/١٦٢٢/١٦٢
• الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [واتفقوا على جواز شراء المصحف] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (٣) .
-
• وجه الدلالة: هذه الآية أفادت بعمومها أن الأصل في البيوع أنها على الإباحة، ما لم يأت نص بالتحريم، فيدخل في هذا بيع المصحف،
-
وإذا كان بيعه مباحا فمن باب أولى الشراء (٤) .
-
الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللَّه" (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أن أخذ الأجرة على كتاب اللَّه جائز، وهذا عام فيشمل البيع والشراء جميعا (٦) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
-
القول الأول: أن شراء المصحف مكروه. وهذا قال به: عمر وابن مسعود وأبو هريرة وجابر وعَبيدة السلماني (٧)
-
٢/١٦٣٢/١٦٣
وابن سيرين (١) وشريح ومسروق (٢) وعبد اللَّه بن زيد (٣) وعلقمة (٤) والنخعي (٥) ،
-
٢/١٦٤٢/١٦٤
وهو رواية عند الحنابلة (١) .
-
واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو:
-
أن المقصود من الشراء كلام اللَّه، وواجب صيانته عن الابتذال، وفي إجازة شرائه تسبب لذلك، ومعونة عليه، ولذا قيل بالكراهة (٢) .
-
القول الثاني: أن شراءه محرم. روي عن عمر (٣) ، وهو رواية عند الحنابلة (٤) .
-
ولعلهم يستدلون: بالقياس على البيع، فكما أن البيع محرم، فكذلك الشراء.
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
صحة بيع العين الطاهرة]
-
• المراد بالمسألة: العين الطاهرة التي لم تخالطها النجاسة، يجوز بيعها إذا توفرت معها باقي الشروط، ولم يكن ثمة مانع يمنع البيع، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع العين الطاهرة صحيح] (٥) .
-
• أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [بيع العين الطاهرة صحيح بالإجماع] (٦) .
-
• الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [بيع العين الطاهرة صحيح بالإجماع] (٧) .
-
٢/١٦٥٢/١٦٥
• القونوي (١) (٩٧٨ هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع العين الطاهرة صحيح] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (٤) .
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول اللَّه! أرأيت شحوم الميتة، فإنها: يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: "لا هو حرام" (٥) .
-
• وجه الدلالة من الدليلين: أن اللَّه جل جلاله جعل الأصل في البيوع الحل،
-
ثم جاءت السنة باستثناء بعض أنواع البيوع المحرمة، كما في حديث جابر؛ وذلك لتحقق النجاسة في بعضها، فدل على أن ما كان طاهرا فإنه باق على الأصل وهو الإباحة.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
٢٢] بطلان بيع الحُرِّ:
-
• المراد بالمسألة: معلوم أن الناس إما أحرار وإما عبيد، والعبيد يعتبرون أموالا
-
٢/١٦٦٢/١٦٦
يباعون ويشترون، بخلاف الأحرار فليسوا بأموال،
-
ومن باع حرا من بني آدم، عالمًا متعمدًا، فالبيع باطل بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الحر باطل] (١) .
-
• الطحاوي (٣٢٢ هـ) يقول: [. . . وهذا - أي: بطلان بيع الحر - قول أهل العلم جميعا] (٢) .
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن بيع أحرار بني آدم، في غير التفليس، لا يجوز] (٣) . نقله عنه ابن القطان (٤) .
-
• البيهقي (٥) (٤٥٨ هـ) لما روى حديث سُرَّق (٦) في قصة بيع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له لما إدَّان من الناس وكثر دينه (٧) ، تكلم عن ضعفه وجعل من قرائن ضعفه الإجماع، فقال: [وفي إجماع العلماء على خلافه.
-
. .] (٨) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [من السنة المجتمع عليها: أن لا يباع
-
٢/١٦٧٢/١٦٧
الحر] (١) .
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع الحر، لا يجوز بيعه،
-
ولا يصح] (٢) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[ولا يجوز بيع الحر،
-
ولا ما ليس بمملوك،
-
ولا نعلم في ذلك خلافًا] (٣) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [بيع الحر، باطل بالإجماع] (٤) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[ولا يجوز بيع الحر،
-
ولا ما ليس بمملوك، كالمباحات قبل حيازتها وملكها، لا نعلم في ذلك خلافًا] (٥) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [استقر الإجماع على المنع] (٦) يقصد بيع الحر. نقله عنه الشوكاني (٧) .
-
• الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [. .
-
وكذا بيع الحر، مجمع على تحريمه] (٨) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال اللَّه تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره" (٩) .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه توعد هؤلاء الثلاثة بالوعيد الشديد، ومنهم: الذي باع الحر وأكل ثمنه، وهذا يفيد تغليظ التحريم، بل عده بعض العلماء من كبائر
-
٢/١٦٨٢/١٦٨
الذنوب (١) .
-
والسبب في التغليظ أن المسلمين أكفاء في الحرية،
-
فمن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح اللَّه له، وألزمه الذل الذي أنقذه اللَّه منه، قال ابن الجوزي (٢) : [الحر عبدُ اللَّه،
-
فمن جنى عليه، فخصمه سيده] (٣) .
-
الثاني: ما جاء عن الزهري أنه قال: [كانت تكون على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ديون على رجال، ما علمنا حرًّا بيع في دين] (٤) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
قد حكي الخلاف في المسألة عن بعض الصحابة والتابعين، فممن حكي عنه الخلاف: عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، فقد جاء أن رجلا باع نفسه، فقضى عمر بأنه عبد، وجعل ثمنه في سبيل اللَّه (٥) .
-
وكذا جاء عن علي -رضي اللَّه عنه- أنه قال: [إذا أقر على نفسه بالعبودية، فهو عبد] (٦) .
-
وذكر ابن حزم عن زرارة بن أوفى (٧) أنه باع حرا في دين.
-
٢/١٦٩٢/١٦٩
وأخرج ابن حزم عن إبراهيم النخعي فيمن ساق إلى امرأته رجلا حرا، فقال إبراهيم: [هو رهن بما جعل فيه، حتى يفتك نفسه] .
-
وقال: [وقد روينا هذا القول عن الشافعي، وهي قولة غريبة، لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الحديث والآثار] (١) .
-
هذه الأدلة كلها استدل بها ابن حزم على نقض الإجماع في المسألة، وهو ممن وافق الإجماع ولم يخالفه.
-
ويمكن الإجابة عنها بما يلي:
-
فأما أثر عمر، فعنه عدة أجوبة:
-
١) الأثر فيه إقرار الرجل على نفسه بالبيع، ولأجل هذا حكم عمر عليه بالعبودية؛ لأن الحر لا يباع.
-
٢) ثم إن الرجل هو الذي باع نفسه، ولم يكن أحد اعتدى عليه فباعه، وفرق بين الأمرين.
-
٣) وقد جاء عن عمر ما يخالف ذلك، فقد أخرج مالك في الموطأ أن رجلا من جهينة (٢) كان يسبق الحاج فيشتري الرواحل فيغلي بها،
-
ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فقال: [أما بعد أيها الناس:
-
فإن الأسيفع (٣) -أسيفع جهينة- رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا، فأصبح قد رِينَ به،
-
فمن كان له عليه دين، فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين:
-
فإن أوله هَمٌّ، وآخره حرب] (٤) .
-
٢/١٧٠٢/١٧٠
٤) ومما يدل على ضعف ما جاء عن عمر، ما جاء عن الزهري -وقد مر في مستند الإجماع- وهو يحكي ما عليه الأمر في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنَّى لعمر أن يخالف ما كان عليه الأمر في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وأما ما جاء عن علي -رضي اللَّه عنه-، فعنه عدة أجوبة:
-
١) أن ظاهر الأثر إنما هو في مسألة الإقرار بالعبودية، وليس في مسألة بيع الحر.
-
٢) ويدل لهذا أن ابن أبي شيبة (١) في المصنف بوب عليه بقوله: [الحر يقر على نفسه بالعبودية] (٢) .
-
٣) ثم على التسليم بأنه في بيع الحر، فإنه محمول على عدم العلم بالحرية، وهذا خارج محل النزاع (٣) .
-
٤) وقد أورده ابن حجر بصيغة التمريض، فكأنه مال إلى ضعفه.
-
أما ما ذكر عن ابن أوفى: فلم أجد له إسنادا، وذكره ابن حزم بلا إسناد، ولم أجد من ذكره قبل ابن حزم، فمثل هذا لا يخرق الإجماع، خاصة وأنه نقل عن عالم مشهور، بل عن قاض في بلد من البلاد المعروفة، فَحقُّ مثل هذا أن يروى في الدواوين المشهورة.
-
أما ما جاء عن النخعي:
-
فلا يُفْهم منه ما فهمه ابن حزم، وكأن النخعي حكم بذلك من باب العقوبة لهذا الرجل.
-
أما ما ذكر عن الشافعي: فقد ذكر علماء المذهب العارفين به، بأنها رواية لم يذكرها أكثر الأصحاب (٤) ، فرواية لم يذكرها الأكثر لا يعتبر بها،
-
ولو ثبتت لعدت شاذة.
-
٢/١٧١٢/١٧١
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة،
-
ولا عبرة بما نقل من الخلاف،
-
ولو صح لكان شاذًا، أو يقال: استقر الأمر على الإجماع -كما أشار إليه ابن حجر- (١) .
-
تحريم بيع أمهات الأولاد]
-
• المراد بالمسألة: أم الولد هي: الأمة التي ثبت نسب ولدها من مالك لها، كلها أو بعضها (٢) .
-
ولا يجوز بيعها إذا أصبحت أم ولد، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• محمد بن الحسن (١٨٩ هـ) حين سئل عن قاض حكم بجواز بيع أم الولد بعد موت مولاها؟ فقال: [إني أبطل قضاءه؛ لأن الصحابة كانت اختلفت فيه،
-
ثم أجمع بعد ذلك قضاة المسلمين وفقهاؤهم على أنها حرة لا تباع،
-
ولا تورث، لم يختلف في ذلك أحد من قضاة المسلمين وفقهائهم في جميع الأمصار إلى يومنا هذا، ولم يكن اللَّه تعالى ليَجْمع أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- على ضلالة] (٣) .
-
• الباجي (٤) (٤٧٤ هـ) يقول لما ذكر المسألة: [والدليل على ذلك: إجماع الصحابة، روى الشعبي (٥) عن عَبيدة السلماني قال: خطبنا علي بن أبي طالب
-
٢/١٧٢٢/١٧٢
-رضي اللَّه عنه- فقال: رأى أبو بكر رأيا، ورأى عمر رأيا، عتق أمهات الأولاد، حتى مضيا لسبيلهما،
-
ثم رأى عثمان ذلك،
-
ثم رأيت أنا بعدُ بيعهن في الدين، فقال عَبيدة: فقلت لعلي: رأيك ورأي أبي بكر وعمر وعثمان في الجماعة أحب إلينا من رأيك بانفرادك في الفرقة، فقبل مني وصدقني (١) . فوجه الدليل: أنه أخبره أن رأي أبي بكر وعمر وعثمان بالمنع من بيعهن كان في وقت جماعة، ولم يخالفوا فيه فثبت أنه إجماع، ووجه آخر: أنه قال: رأيي في بيعهن في الدين خاصة، فهذا يقتضي انفراده بهذا القول،
-
ثم صدقه وقبل منه في إثبات القول الأول، فتجدد بذلك الإجماع أيضًا في زمن علي -رضي اللَّه عنه-] (٢) .
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن أم الولد لا يجوز بيعها] (٣) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول لما أثبت رجوع علي وابن عباس: [قد ثبت الإجماع باتفاقهم قبل المخالفة، واتفاقهم معصوم عن الخطأ،