الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٨٬٦٩٨ إلى ١١٬٤١٠
-
٢/١٧٢٢/١٧٢
فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة،
-
ولا يجوز أن يخلو زمن عن قائم للَّه بحجته،
-
ولو جاز ذلك في بعض العصر، لجاز في جميعه، ورأي الموافق في زمن الاتفاق، خير من رأيه في الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم، كما هو حجة على غيره] (٤) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [وإجماع التابعين فمن بعدهم على تحريم بيعها. . .، وحينئذ يستدل بهذا الثابت عن عمر بالإجماع على نسخ الأحاديث الثابتة في جواز بيع أم الولد] (٥) .
-
٢/١٧٣٢/١٧٣
• الزركشي (٧٧٢ هـ) لما ذكر الأثر الذي جاء فيه ما وقع لعبيدة السلماني مع علي قال: [وهذا دليل الإجماع] (١) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) لما أورد المسألة، وذكر الأحاديث الدالة على عتق أمهات الأولاد قال بعدها: [إذا كان أقل ما يوجبه اللفظ ثبوت استحقاقه الحرية على وجه لازم، فالمجاز -وهو تحريم بيعها- مراد منه، بالإجماع] (٢) .
-
• الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن أمهات الأولاد لا تباع، وهذا مذهب السلف والخلف من فقهاء الأمصار، إلا ما يحكى عن بعض الصحابة، وقال داود: يجوز بيع أمهات الأولاد] (٣) .
-
• زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول: [وقد قام الإجماع على عدم صحة بيعها] (٤) .
-
• الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [وقد قام الإجماع على عدم صحة بيعها] (٥) .
-
• الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول: [أجمع التابعون فمن بعدهم عليه - أي: تحريم بيعها] (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لأم إبراهيم (٨) حين ولدته:
-
٢/١٧٤٢/١٧٤
"أعتقها ولدها" (١) .
-
• وجه الدلالة: في هذا دليل على استحقاق أم الولد العتق بعد ولادتها، وذلك يمنع البيع (٢) .
-
الثاني: عن عبيدة قال: خطب علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- الناس، فقال: شاورني عمر عن أمهات الأولاد، فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن، فقضى بها عمر حياته، وعثمان حياته، فلما وليت رأيت أن أرقهن. قال عبيدة: فرأى عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأى علي وحده (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن هذا قضاء عمر ومعه علي -رضي اللَّه عنهما-، وكان ذلك في زمان عمر والصحابة متوافرون، وهو قضاء عام للناس، وليس حكما خاصا فيما بينهما، ولم يذكر أن أحدا من الصحابة قد اعترض على هذا القضاء.
-
الثالث: عن بريدة بن الحصيب (٤) -رضي اللَّه عنه- قال: كنت جالسا عند عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- إذ سمع صائحة، فقال: "يا يرفأ! (٥) انظر ما هذا الصوت؟ " فانطلق فنظر،
-
ثم جاء، فقال: جارية من قريش تباع أمها، قال: فقال عمر: "أدع لي" ، أو قال: "عليَّ بالمهاجرين والأنصار" ، قال: فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، قال: فحمد اللَّه عمر وأثنى عليه،
-
ثم قال: "أما بعد: فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- القطيعة؟ " قالوا: لا، قال: "فإنها قد أصبحت فيكم فاشية" ،
-
٢/١٧٥٢/١٧٥
ثم قرأ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) } (١) ثم قال: "وأيُّ قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم، وقد أوسع اللَّه لكم! " قالوا: فاصنع ما بدا لك، قال: فكتب في الآفاق أن لا تباع أم حُر، فإنها قطيعة، وإنه لا يحل (٢) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
قد خالف في هذه المسألة جماعة من الصحابة ومن بعدهم، منهم: أبو بكر وعلي وجابر وأبو سعيد وابن الزبير وابن عباس (٣) ،
-
ثم قتادة (٤) من بعدهم (٥) ، وداود إمام أهل الظاهر (٦) ، ونُقِل هذا عن الشافعي في القديم (٧) ، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية (٨) .
-
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
-
الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: "كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حي، ما نرى بذلك بأسا" . وفي لفظ: "كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد
-
٢/١٧٦٢/١٧٦
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-،
-
ولا يُنْكر ذلك علينا " (١) .
-
الثاني: أن الأمة مجمعة على أنها تباع قبل أن تحمل بولدها،
-
ثم اختلفوا إذا وضعت، فالواجب بحق النظر ألَّا يزول حكم ما أجمعوا عليه مع جواز بيعها وهي حامل إلا بإجماع مثله إذا وضعت،
-
ولا إجماع ها هنا (٢) .
-
أما ما جاء عن علي -رضي اللَّه عنه- فقد ذكر بعض العلماء رجوعه عن هذا، فقد جاء عن عبيدة السلماني، قال: [بعث إليَّ علي -رضي اللَّه عنه- وإلى شريح، أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أبغض الاختلاف] (٣) .
-
وكذلك ابن عباس وابن الزبير -رضي اللَّه عنهم-، فقد جاء عنهما أنها تعتق وتكون في نصيب ابنها (٤) .
-
وأما أبو بكر: فالذي جاء عنه هو حديث جابر -رضي اللَّه عنه- قال: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا" (٥) .
-
فهذا ليس فيه أنه رأي أبي بكر، وإنما كان في زمانه كما في زمان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومثل هذا يؤيد ما قاله جمع من العلماء بأنه كان في أول الإسلام ثم نسخ، ولذا لم يشتهر النسخ في أول الأمر، حتى جاء عمر ثم بيَّنه للناس.
-
ومعلوم أن زمان أبي بكر كان قصيرا وجلُّه كان في محاربة المرتدين (٦) .
-
وكذلك جابر -رضي اللَّه عنه- ظاهر النص عنه أنه ناقل لما كان في الزمانين، وليس هذا رأيه.
-
٢/١٧٧٢/١٧٧
أما أبو سعيد: فقد ضعف النقل عنه: النسائي (١) ، والعقيلي (٢) .
-
أما ما جاء عن الإمام الشافعي: فالثابت عنه أنه يرى عدم بيعهن، وقد نص على هذا في خمسة عشر موضعا من كتابه (٣) . وما نقل عنه إنما هو مجرد نقل وتمثيل، وليس بقول (٤) .
-
أما ما جاء عن الإمام أحمد: فقد روى ابنه صالح (٥) قال: قلت لأبي: إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال: [أكرهه، وقد باع علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-] . وقال في رواية إسحاق بن منصور (٦) : [لا يعجبني بيعهن] .
-
قال أبو الخطاب: [فظاهر هذا أنه يصح بيعهن مع الكراهة] . فجعل هذه رواية ثانية عن أحمد.
-
٢/١٧٨٢/١٧٨
والظاهر أن هذه ليست برواية مخالفة لقوله: [إنهن لا يبعن] ، في الروايات الأخرى؛ لأمور:
-
الأول: أن السلف رحمة اللَّه عليهم، ومنهم الإمام أحمد، كانوا يطلقون الكراهة على التحريم كثيرا، وهذا اصطلاح كان ظاهرا عندهم،
-
ومن المعلوم أن الاصطلاح المتعارف عليه في التفريق بين التحريم والكراهة لم يستقر إلا بعدهم.
-
الثاني: أنه متى كان التحريم والمنع مصرحا به في سائر الروايات عن الإمام، وجب حمل اللفظ المحتمل، على المصرح به،
-
ولا يجعل ذلك اختلافا، خاصة إذا كان معارضا لقول عامة العلماء (١) .
-
أما ما جاء عن قتادة فلم أجد من نسبه إليه إلا الشوكاني.
-
النتيجة: هذا المسألة من عُضَل المسائل، التي يصعب على الباحث الجزم فيها بشيء، خاصة وأن أئمة كبارا ممن عُنوا بحكاية الإجماع لم يذكروه في هذه المسألة، بل نصوا على الخلاف: كابن المنذر وابن عبد البر (٢) ، والجزم برجوع الصحابة يحتاج إلى يقين، وعلى سبيل المثال: الإمام أحمد استدل بفعل علي،
-
ولو ثبت عنده رجوعه، لم يذكره.
-
جواز بيع المدبر تدبيرا مقيدا]
-
• المراد بالمسألة: التدبير: تعليق العتق دبر الحياة، سمي تدبيرا من لفظ الدبر،
-
وقيل: لأنه دبَّر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه، وتحصيل أجر عتقه. وهذا عائد إلى الأول؛ لأن التدبير في الأمر مأخوذ من لفظ الدبر أيضًا؛ إذ هو نظر في عواقب الأمور وإدبارها (٣) .
-
والتدبير منه ما هو مطلق، وصورته أن يقول: إذا متُّ فأنت حر، وأشباه هذا اللفظ.
-
ومنه ما هو مقيد، وصورته أن يقول: إن متُّ من مرضي هذا، أو من سفري
-
٢/١٧٩٢/١٧٩
هذا فأنت حر، أو قال: إن مت إلى عشر سنين، أو بعد موت فلان.
-
والمدبر تدبيرا مقيدا إذا باعه سيده،
-
فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ويباع المدبر المقيد، بالإجماع] (١) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [أما المقيد - أي: المدبر منهم- فجواز بيعه، اتفاق] (٢) .
-
• عبد الرحمن المعروف -رضي اللَّه عنهما- [داماد أفندي] (١٠٧٨ هـ) يقول: [قيدنا بالمطلق - أي: عدم جواز بيع المدبر-؛ لأن بيع المقيد جائز اتفاقا] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث" (٥) .
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر،
-
٢/١٨٠٢/١٨٠
لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد اللَّه (١) بثمانمائة درهم، فدفعها إليه (٢) .
-
• وجه الدلالة من الحديثين: الحديث الأول يدل على المنع من بيع المدبر، والثاني يدل على الإباحة، فيفرق بين الحالتين، ويحمل على التفريق بين المطلق فيمنع، والمقيد فيباح (٣) .
-
الثالث: القياس على الموصى بعتقه: فكما أنه يجوز بيعه، فكذلك المدبر تدبيرا مقيدا، بجامع أن كلا منهما معلق على أمر لا يُدرى هل يقع أو لا؟ .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:
-
القول الأول: جواز بيع المدبر عموما، من غير تفريق بين المطلق والمقيد منه. وهذا القول قال به: عائشة -رضي اللَّه عنها- (٤) ومجاهد وطاوس وعمر بن عبد العزيز (٥) وإسحاق وأبو ثور (٦)
-
٢/١٨١٢/١٨١
وداود وعثمان البَتِّي (١) وعمرو بن دينار (٢) وعطاء (٣) (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة في المشهور عنهم (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (٨) .
-
• وجه الدلالة: أن الأصل في البيوع أنها على الإباحة إلا ما دل الدليل على استثنائه.
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باع المدبر (٩) .
-
٢/١٨٢٢/١٨٢
الثالث: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد اللَّه بثمانمائة درهم، فدفعها إليه (١) .
-
القول الثاني: عدم جواز بيع المدبر عموما. قال به: ابن عمر وزيد بن ثابت (٢) وشريح والشعبي وابن المسيب (٣) وسالم (٤) (٥) والنخعي والثوري (٦) والأوزاعي (٧)
-
٢/١٨٣٢/١٨٣
والزهري وابن سيرين (١) ، وهو رواية عند الحنابلة (٢) .
-
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث" (٣) .
-
الثاني: القياس على أم الولد:
-
فلا يجوز بيعها، بجامع أن كلا منهما استحق العتق بموت سيده (٤) .
-
القول الثالث: جواز بيعه إذا احتاج إلى بيعه. قال به: عطاء بن أبي رباح والحسن (٥) ، وقتادة وطاوس (٦) ، وهو رواية عند الحنابلة (٧) .
-
استدل هؤلاء: بحديث جابر الذي في مستند الإجماع، وقالوا: بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- باعه لما كان الرجل محتاجا، ليس له مال غيره (٨) .
-
القول الرابع: التفريق بين العبد والأمة، فالعبد يجوز بيعه دون الأمة. وهذا القول رواية عند الحنابلة (٩) .
-
واستدل هؤلاء: بأن في جواز بيع الأمة إباحة لفرجها، وتسليط مشتريها على وطئها، مع وقوع الخلاف في بيعها وحلها،
-
بخلاف المدبر (١٠) .
-
القول الخامس: لا يباع المدبر إلا من نفسه، أو من رجل يُعَجِّل عتقه. قال به: الأوزاعي (١١) ، وابن سيرين (١٢) ، لكنه لم يذكر إلا الحالة الأولى.
-
٢/١٨٤٢/١٨٤
القول السادس: يكره بيعه، إلا إذا أعتقه الذي ابتاعه، فإنه يجوز حينئذ. قال به الليث بن سعد (١) (٢) .
-
واستدل هؤلاء: بالقياس على بيع الفضولي:
-
فإذا أعتقه المشتري تبين أن البيع صحيح وإلا فلا، فإنه لو بطل البيع من الأول لما صح العتق؛ لأنه لا يكون إلا في ملك،
-
ولو صح من الأول لم ينقلب باطلا بكون المشتري لم يعتقه (٣) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
تحريم بيع العين المتنجسة التي لا تقبل التطهير]
-
• المراد بالمسألة: العين المائعة، غير الدهن، وهي طاهرة في ذاتها،
-
ثم لاقتها النجاسة، ولا يمكن تطهيرها: كالخل واللبن والدبس والعسل والمرق ونحوها، لا يجوز بيعها، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [إذا كانت العين الطاهرة المتنجسة بملاقاة النجاسة مائعة، فينظر: إن كانت لا يمكن تطهيرها: كالخل واللبن والدبس والعسل والمرق ونحو ذلك، لم يجز بيعها بلا خلاف. . .، ونقلوا فيه إجماع المسلمين] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة في المشهور عنهم (٥) .
-
٢/١٨٥٢/١٨٥
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ميمونة (١) -رضي اللَّه عنها- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائبا فلا تقربوه" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بعدم قربان الذائب الذي وقعت عليه النجاسة،
-
ولو جاز بيعه والانتفاع به لما أمر بذلك، الذي يعد إضاعة للمال.
-
الثاني: أنه نجس لا يمكن تطهيره من النجاسة، فلم يجز بيعه، كالأعيان النجسة (٣) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في المسألة على قولين:
-
القول الأول: جواز بيع المائعات المتنجسة. قال به: الحنفية والحنابلة في رواية اختارها ابن تيمية، وقال به الزهري والبخاري (٤) وابن حزم من
-
٢/١٨٦٢/١٨٦
الظاهرية (١) .
-
واستدلوا بما يلي:
-
الأول: عن ميمونة -رضي اللَّه عنها- أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها؟ فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوه" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن سائر المائعات تأخذ حكم السمن،
-
فإذا جاز أكلها، جاز بيعها من باب أولى (٣) .
-
الثاني: القياس على الثوب المتنجس، فكما أنه يجوز بيعه بإجماع، فكذلك هنا (٤) .
-
القول الثاني: جواز بيع المائعات لكافر يعلم نجاستها دون المسلم. وهذا القول رواية عند الحنابلة (٥) .
-
ودليلهم: أن الكفار يعتقدون حله، ويستبيحون أكله،
-
فلا يمنعون من بيعه (٦) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
٢/١٨٧٢/١٨٧
جواز بيع العين الجامدة المتنجسة]
-
• المراد بالمسألة: العين الطاهرة في أصلها، والتي وقعت عليها نجاسة عارضة، ولم يستتر شيء منها بالنجاسة (١) ، وهي جامدة ليست مائعة؛ كالثوب والبساط والجلود والأواني وأشباهها، يجوز بيعها، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [إذا كانت العين متنجسة بعارض، وهي جامدة؛ كالثوب والبساط والسلاح والجلود والأواني والأرض وغير ذلك، جاز بيعها بلا خلاف. . .، ونقلوا فيه إجماع المسلمين] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
٢/١٨٨٢/١٨٨
الأول: أن البيع يتناول الثوب وهو في أصله طاهر، وإنما جاورته النجاسة (١) ،
-
ولا يؤثر ذلك عليه،
-
ولو قيل بالمنع لكان فيه تضييعا للمال، وهو محرم شرع.
-
الثاني: أن الأصل في البيع أنه على الإباحة، ما لم يثبت التحريم، والتحريم ثبت في النجسة، ولم يثبت في المتنجسة، فتبقى على أصل الإباحة، وهو إنما باع الثوب المتنجس، لا النجاسة التي فيه.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم بيع الدم المسفوح]
-
• المراد بالمسألة: المراد بالدم هنا: هو الدم المسفوح، وهو محرم البيع، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على تحريم ما حرم اللَّه: من الميتة والدم والخنزير] (٢) . ويقول أيضًا: [وثبت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ثمن الدم، وأجمع أهل العلم على القول به] (٣) . نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة (٤) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [وجميع العلماء على تحريم بيع الدم والخمر] (٥) .
-
• ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول:
-
[فأما ما لا يصح ملكه،
-
فلا يصح بيعه بإجماع: كالحر والخمر والخنزير والدم والميتة، وما أشبه ذلك] (٦) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [وهو حرام إجماعا - أعني: بيع الدم، وأخذ
-
٢/١٨٩٢/١٨٩
ثمنه -] (١) . نقله عنه الشوكاني (٢) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) لما ذكر من أسباب الفساد في العقد، كون أحد العوضين محرما، ذكر نماذج، منها: بيع الدم،
-
ثم استدل على التحريم بالنص، وبعده قال:
-
[وأما الإجماع - أي: على: تحريم بيعها- فظاهر] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه عز وجل قد حرم هذه الأشياء، وظاهر التحريم أنه في الأكل والشرب،
-
فإذا كان هذا محرما،
-
فإن من لازمه تحريم ثمنه كما دل على ذلك صريح السنة، وقد جاء في حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جالسا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء، فضحك، فقال: "لعن اللَّه اليهود - ثلاثا - إن اللَّه حرم عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن اللَّه إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه" (٦) .
-
الثاني: عن أبي جحيفة (٧) -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثمن الدم، وثمن
-
٢/١٩٠٢/١٩٠
الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور" (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم وجود المخالف فيها.
-
تحريم بيع الميتة]
-
• المراد بالمسألة: الميتة: بفتح الميم، هي ما زالت عنها الحياة لا بذكاة شرعية (٢) .
-
والمقصود هنا: الميتة التي زالت عنها الحياة، ولم تكن مما أباحها الشارع: كالسمك والجراد،
-
ولا مما لا تحله الحياة منها: كالشعر والصوف والوبر والأعظم والسن والقرن، فإنه لا يجوز بيعها، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على تحريم بيع الميتة] ، وقال بعده كذلك: [وأجمعوا على تحريم ما حرم اللَّه من الميتة والدم والخنزير] (٣) . نقله عنه: ابن بطال، وابن قدامة، وابن القطان، والنووي، وشمس الدين ابن قدامة، وابن حجر، والشوكاني (٤) .
-
• ابن بطال (٤٤٩ هـ) يقول: [أجمعت الأمة على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام] (٥) . نقله عنه العيني (٦) .
-
• الغزالي (٥٠٥ هـ) لما ذكر أن من شروط المعقود عليه: الطهارة، تكلم عن الخلاف في بيع السرجين،
-
ثم قال: [ومعتمد المذهب: الإجماع على بطلان بيع
-
٢/١٩١٢/١٩١
الخمر والجيفة. . .] (١) .
-
• ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول:
-
[فأما ما لا يصح ملكه،
-
فلا يصح بيعه بإجماع: كالحر والخمر والخنزير والدم والميتة، وما أشبه ذلك] (٢) .
-
• ابن رشد الحفيد (٣) (٥٩٥ هـ) يقول: [والنجاسات على ضربين: ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها: وهي الخمر. . .، والميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة] (٤) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) لما ذكر من أسباب الفساد في العقد، كون أحد العوضين محرما، ذكر نماذج منها: بيع الميتة،
-
ثم استدل على التحريم بالنص، وبعده قال:
-
[وأما الإجماع - أي: على تحريم بيعها- فظاهر] (٥) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [ (والميتة لا يصح بيعها) بالإجماع] (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عام الفتح وهو
-
٢/١٩٢٢/١٩٢
بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول اللَّه، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام" ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عند ذلك: "قاتل اللَّه اليهود، إن اللَّه لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (١) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه" (٢) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم بيع الخمر]
-
• المراد بالمسألة: إذا تولى المسلم بيع الخمر بنفسه، سواء كان لنفسه أو لغيره،
-
فإن فعله محرم، وبيعه غير صحيح، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الخمر، غير جائز] (٣) . نقله عنه ابن قدامة، والنووي، وشمس الدين ابن قدامة، وابن حجر (٤) .
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) حكاه بعد أن ذكر صفة البيع الصحيح المتفق عليه، وذكر قيوده قال في ضمنها: [ولم يكن المبيع. . . محرما] (٥) فيدخل في المحرم الخمر.
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [هذا إجماع من المسلمين كافة عن كافة، أنه لا يحل لمسلم بيع الخمر،
-
ولا التجارة في الخمر] (٦) . وقال أيضًا: [وجميع
-
٢/١٩٣٢/١٩٣
العلماء على تحريم بيع الدم والخمر] (١) .
-
• الباجي (٤٧٤ هـ) لما ذكر أثر ابن عمر في رجال من أهل العراق سألوه فقالوا: إنا نبتاع من ثمر النخيل والعنب فنعصره خمرا فنبيعها فمنع من ذلك عبد اللَّه بن عمر (٢) يقول:
-
[ولا خلاف نعلمه في منعه] (٣) .
-
• الغزالي (٥٠٥ هـ) حين تكلم عن اشتراط الطهارة في المعقود عليه، ذكر الخلاف في مسألة بيع الأعيان النجسة، وجعل من أدلة المذهب عليها هذا، فقال: [ومعتمد المذهب: الإجماع على بطلان بيع الخمر والجيفة] (٤) .
-
• ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول:
-
[فأما ما لا يصح ملكه،
-
فلا يصح بيعه بإجماع: كالحر والخمر والخنزير والدم والميتة، وما أشبه ذلك] (٥) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [والنجاسات على ضربين: ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها: وهي الخمر، وأنها نجسة إلا خلافا شاذا في الخمر أعني: في كونها نجسة] (٦) . نقله عنه ابن الشاط (٧) (٨) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [فيه - أي: حديث أبي سعيد الذي في مستند الإجماع- تحريم بيع الخمر، وهو مجمع عليه] (٩) .
-
٢/١٩٤٢/١٩٤
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول لما ذكر أن من أسباب الفساد في العقد كون أحد العوضين محرما ذكر نماذج، منها: الخمر،
-
ثم استدل على التحريم بالنص ثم قال:
-
[وأما الإجماع - أي: على تحريم بيعها- فظاهر] (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها، خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "حرمت التجارة في الخمر" (٢) .
-
الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب بالمدينة، قال: "يا أيها الناس، إن اللَّه تعالى يُعرِّض بالخمر، ولعل اللَّه سيُنْزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شيء؛ فليبعه، ولينتفع به" .
-
قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع" قال: فاستقبل الناس بما كان عنده منها في طريق المدينة، فسفكوها (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم بيع الخنزير وشراؤه]
-
• المراد بالمسألة: الخنزير حيوان من الحيوانات النجسة، المحرم أكلها،
-
فلا يصح بيعه ولا شراؤه، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن بيع الخنزير وشراءه حرام] (٤) . نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، والنووي، وشمس الدين ابن قدامة (٥) .
-
٢/١٩٥٢/١٩٥
• ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول:
-
[فأما ما لا يصح ملكه،
-
فلا يصح بيعه بإجماع؛ كالحر والخمر والخنزير والدم والميتة، وما أشبه ذلك] (١) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [والنجاسات على ضربين: ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها: وهي الخمر. . .، والميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة،
-
وكذلك الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل الحياة] (٢) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [وأجمعوا على تحريم بيع الميتة، والخمر، والخنزير] (٣) . نقله عنه الشوكاني (٤) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) لما ذكر أن من أسباب الفساد في العقد كون أحد العوضين محرما، ذكر نماذج منها: بيع الخنزير،
-
ثم استدل على التحريم بالنص، وبعده قال:
-
[وأما الإجماع - أي: على تحريم بيعها- فظاهر] (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٦) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (٧) .
-
الثاني: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عام الفتح بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. . . " (٨) .
-
الثالث: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه حرم الخمر
-
٢/١٩٦٢/١٩٦
وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه " (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم بيع شعر الخنزير]
-
• المراد بالمسألة: شعر الخنزير إذا جُزَّ جزا ولم يُقْطع، فإنه لا يجوز بيعه، باتفاق الأئمة.
-
• من نقل الإجماع:
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ (ولا يجوز بيع شعر الخنزير) باتفاق الأئمة] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية في رواية عندهم، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (٤) .
-
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " (٥) .
-
الثالث: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعن اللَّه اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، وأن اللَّه -تبارك وتعالى- إذا حرم أكلة شيء حرم ثمنه" (٦) .
-
٢/١٩٧٢/١٩٧
وجه الدلالة من الأدلة السابقة: أن الشارع الحكيم قد حَرَّم الخنزير، وجعله رجسا نجسا، فيبقى التحريم على عموم أجزائه كلها، والشعر منها، وما كان حراما فإن ثمنه حرام أيضًا،
-
فلا يجوز بيعُ ولا ابتياع أي جزء من أجزائه (١) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما:
-
القول الأول: جواز بيع شعر الخنزير. هذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢) .
-
واستدل هؤلاء: بالقياس على صوف الميتة: فكما أنه يجوز بيعه والانتفاع به، فكذلك شعر الخنزير، وذلك أن كلا منهما نجس، وأمكن الانتفاع بجزء منه لا أثر للنجاسة فيه (٣) .
-
القول الثاني: الترخيص في شرائه وكراهة بيعه. قال به الأوزاعي (٤) ، وأبو الليث (٥) من الحنفية (٦) .
-
واستدل هؤلاء: بالحاجة إليه، وذلك أن الأساكفة (٧) يستفيدون منه؛ إذ خرز
-
٢/١٩٨٢/١٩٨
النعال والخفاف لا يتأتى إلا به، فكان موضع حاجة، فجاز شراؤه، دون بيعه؛ لانعدام الحاجة فيه (١) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
تحريم بيع هوام الأرض]
-
• المراد بالمسألة: الهوام: جمع هامَّة، والهامَّة: الدابة. والهميم: دواب هوام الأرض.
-
والهوام: ما كان من خشاش الأرض، نحو: العقارب وما أشبهها، الواحدة هامة؛ لأنها تَهم، أي: تدب.
-
وتطلق الهوام على الحيات، وكل ذي سم يقتل سمه.
-
وأما ما لا يقتل ويسم، فهو السوام، مثل: الزنبور، والعقرب، وأشباهها.
-
وتطلق الهامة: على غير ذوات السم القاتل، ويدل عليه قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لكعب ابن عجرة (٢) : "أيؤذيك هوام رأسك" (٣) أراد بها: القمل. سماها هوام؛ لأنها تدب في الرأس، وتهم فيه.
-
وتطلق الهوام على غير ما يدب من الحيوان،
-
وإن لم يقتل: كالحشرات (٤) .
-
• والمقصود بالمسألة: أن كل ما يطلق عليه هوام الأرض، وهي مما ثبت عدم نفعها،
-
فإن بيعها محرم، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكرخي (٣٤٠ هـ) يقول: [وأجمعوا أن بيع هوام الأرض لا يجوز:
-
٢/١٩٩٢/١٩٩
الحيات، والعقارب، والوزغ، والعظاية، والقنافذ، والجعل، والضب، وهوام الأرض كلها]. نقله عنه العيني، والشلبي (١) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [والاتفاق على عدم جواز بيع ما سواهما - أي: النحل ودود القز- من الهوام: كالحيات، والعقارب، والوزغ، والعظاية، والقنافذ، والجعل، والضب] (٢) .
-
• ابن نجيم (٩٧٠ هـ) يقول: [قيد بالنحل والدود؛ لأن ما سواهما من الهوام: كالحيات، والعقارب، والوزغ، والقنافذ، والضب، لا يجوز بيعه اتفاقا] (٣) .
-
• الحصكفي (١٠٨٨ هـ) يقول: [ (ويباع دود القز) أي: الإبريسم (وبيضه) أي: بزره، وهو بزر الفيلق الذي فيه الدود (والنحل) المحرز. . .،
-
(بخلاف غيرهما من الهوام) فلا يجوز اتفاقا: كحيات وضب] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن أخذ العوض على ما لا منفعة فيه، يعد من أكل أموال الناس بالباطل، وهو ضرب من ضروب السفه التي ينهى عنها، ومنها بيع هوام الأرض (٧) .
-
٢/٢٠٠٢/٢٠٠
الثاني: عن المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه- عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعَ وهات، وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن من أعظم أوجه إضاعة المال، إنفاقه فيما لا منفعة فيه، ومنها مبايعة هوام الأرض.
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: الشافعية، فقالوا بالتفصيل: يجوز بيع الحشرات التي يباح أكلها؛ كالضب واليربوع وأم حبين وابن عرس والدلدل والقنفذ والوبر. أما التي يحرم أكلها،
-
فلا يجوز (٢) .
-
ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بأن الأكل منفعة من المنافع، بل هي أعظم المنافع، فما دام أن له منفعة فيصح مبايعته، وما عداه فيبقى على التحريم؛ لانعدامها.
-
النتيجة: صحة الإجماع في طرف من المسألة، وهو المنع من الحشرات التي لا يحل أكلها؛ وذلك لعدم وجود المخالف فيها، أما ما يحل أكلها فلا يصح فيها الإجماع؛ لثبوت الخلاف عند الشافعية.
-
تحريم بيع جلود الميتة قبل الدبغ وإباحته بعدها]
-
• المراد بالمسألة: الدبغ: ما يدبغ به الجلد، وهو: معالجته بمادة ليلين ويزول ما به من رطوبة ونتن (٣) .
-
وجلد الميتة - وهي: ما زالت حياتها بغير ذكاة شرعية- قبل دباغته لا يجوز بيعه، أما بعدها فيجوز، وهذان أمران أجمع عليهما العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) لما ذكر الخلاف عن الزهري، وأجاب عنه: بأنهما
-
٢/٢٠١٢/٢٠١
قولان متكافئان فيسقطان، قال بعده: [. . . ويثبت تحريم الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ باتفاق أهل العلم، إذ لا نعلم أحدا أرخص في ذلك، إلا ما اختلف فيه عن الزهري] (١) .
-
ومن وجوه الانتفاع البيع.
-
• الطحاوي (٣٢١ هـ) يقول: [لم نجد عن أحد من العلماء جواز بيع جلود الميتة قبل الدباغ] (٢) .
-
• الجصاص (٣٧٠ هـ) يقول: [اتفقوا أنه لا ينتفع بالجلود قبل الدباغ] (٣) .
-
ومن صور الانتفاع البيع.
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [لا يجوز بيع الجلد النجس بالاتفاق] (٤) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[ولا يجوز بيعه قبل الدبغ، لا نعلم فيه خلافا] (٥) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ (ولا بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ) أي:
-
ولا يجوز بيعها قبل الدباغة. وقيد بقوله: قبل أن تدبغ؛ لأن بعد الدبغ يجوز، بلا خلاف بين الفقهاء] (٦) .
-
٢/٢٠٢٢/٢٠٢
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [ (ولا بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ) . . .،
-
ولا خلاف في هذا] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه عز وجل حرم الميتة في كتابه، فكان ذلك واقعا على اللحم والجلد جميعا، وجاءت سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالترخص في جلد الشاة الميتة بعد الدباغ، فوجب استثناء ذلك من جملة التحريم، وبقي حكم الجلد قبل الدباغ على الأصل وهو التحريم (٤) .
-
الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة (٥) -رضي اللَّه عنها- فقالت: يا رسول اللَّه ماتت فلانة، تعني الشاة، قال: "فلولا أخذتم مَسْكها؟ " . فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما قال اللَّه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} (٦) الآية، فإنه لا بأس بأن تدبغوه فتنتفعوا به" .