الفصل الثالث: مسائل الإجماع في باب الخيار في البيع
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ١١٬٦٧٨ إلى ١٣٬٤٠٨
-
٢/٤٨٨٢/٤٨٨
القياس على البيع: فكما أن البيع لا يعتد به إذا نواه صاحبه، فكذلك العتق إذا نواه بعد الشراء لا يعتد به، وذلك أن التصرفات في العقود لا تترتب على النيات وحدها ما لم يقترن بها قول أو عمل.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
٢/٤٨٩٢/٤٨٩
وقوع العتق عند الشراء مع شرط الخيار]
-
• المراد بالمسألة: إذا قال قائل: إن اشتريتُ عبدا فهو حر، وقال ذلك على سبيل المواعدة، فوقع الشراء لكنه كان بشرط الخيار من قِبَله، فإنه العبد يعتق من حين الشراء،
-
ويبطل خياره، ويلزمه دفع الثمن إلى البائع، بإجماع العلماء (١) .
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول:
-
[ولو قال لعبد الغير: إن اشتريتك فأنت حر، فاشتراه على أنه بالخيار ثلاثة أيام، عتق عليه بالإجماع] (٢) .
-
• الحداد (٨٠٠ هـ) يقول: [وأجمعوا أنه إذا قال لعبد الغير: إذا اشتريتك فأنت حر، فاشتراه على أنه بالخيار عتق، وبطل خياره، ولزمه الثمن] (٣) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ (. . . إذا قال: إن اشتريتُ) عبدا فهو حر، فاشتراه بالخيار، يعتق عليه،
-
ويبطل خياره، ويلزمه الثمن بالإجماع] (٤) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [لو قال: إن اشتريت عبدا فهو حر، فاشترى عبدا بشرط الخيار، فإنه يعتق بالاتفاق] (٥) . نقله عنه ابن عابدين (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٧) .
-
٢/٤٩٠٢/٤٩٠
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أنه صار كالمنشئ للعتق بعد الشراء؛ إذ المعلق بالشرط كالمنشَئ عنده،
-
ولو أنشأ العتق بعد الشراء بالخيار عتق، فكذلك هنا (١) .
-
الثاني: أن المشتري ألزم نفسه بأمر علقه على وجوده، فوجب عليه الوفاء به في حال وجوده، ووقوعُه يعد بعد الشراء مباشرة،
-
ولا عبرة بزمن الخيار؛ لأنه لا صلة له بما التزمه.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
عدم لزوم حضور المشتري عند فسخ العقد بالفعل زمن الخيار]
-
• المراد بالمسألة: مسقطات الخيار لمن له حق الخيار منها ما هو صريح، ومنها ما هو دلالة، والدلالة متعلقة بالفعل، وهي: أن يوجد منه تصرف في الثمن يدل على الفسخ، مثل: إعتاق العبد، وبيع العين، ووطء الجارية، وتقبيلها لشهوة، وأشباه تلك التصرفات،
-
فإذا وقعت مثل هذه التصرفات من قبل البائع، والخيار له،
-
فإن العقد ينفسخ، ولا يشترط حضور المشتري، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول:
-
[وأما الفعل: فكما إذا تصرف في المبيع في مدة الخيار تصرف الملاك: كالإعتاق، والبيع، والتقبيل، ونحو ذلك،
-
فإن العقد ينفسخ حكما، حضر المشتري أو لا، بالإجماع] (٢) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول:
-
[وأما الفسخ بالفعل: فيجوز بغير علمه - أي: المشتري- اتفاقا] (٣) .
-
• ابن نجيم (٩٧٠ هـ) لما ذكر الخلاف بين علماء المذهب في حكم الفسخ بالقول قال بعده: [أما إذا فسخ بالفعل، فإنه ينفسخ حكما، اتفاقا في الحضرة والغيبة] (٤) .
-
٢/٤٩١٢/٤٩١
• الحصكفي (١٠٨٨ هـ) يقول: [ (فإن فسخ) بالقول (لا) يصح (إلا إذا علم) الآخر في المدة. . .، قيدنا بالقول، لصحته بالفعل بلا علمه، اتفاقا] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن كل من لم يفتقر رفع العقد إلى رضاه، لم يفتقر رفع العقد إلى حضوره؛ كالزوج في طلاق امرأته (٣)
-
الثاني: أن ما كان فسخا بحضور المتعاقدين، كان فسخا بغيبة أحدهما: كوطء البائع، وقبلته للجارية المبيعة (٤) .
-
الثالث: القياس على عزل الوكيل والمضارب والشريك: فكما لا يشترط علم هؤلاء بالفسخ، فكذلك الطرف الآخر في زمن الخيار، بجامع أن كلا منهما يعتبر فسخا حكميا للعقد (٥) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
استبراء المشتري الجارية بعد إجازة البيع في وقت الخيار]
-
• المراد بالمسألة: إذا باع البائع الجارية بشرط الخيار له،
-
ثم أجاز البيع بعد ذلك، فحينئذ يجب على المشتري أن يستبرئ الجارية بحيضة بعد الإجازة والقبض، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول:
-
[وإن كان الخيار للبائع، ففسخ العقد لا يجب عليه الاستبراء. . .،
-
وإن أجازه فعلى المشتري أن يستبرئها بعد الإجازة والقبض
-
٢/٤٩٢٢/٤٩٢
بحيضة أخرى، بالإجماع] (١) .
-
• الحداد (٨٠٠ هـ) يقول:
-
[وإن كان الخيار للبائع ففسخ لا يجب الاستبراء. . .،
-
فإن أجاز البيع فعلى المشتري أن يستبرئها بعد جواز البيع والقبض بحيضة مستأنفة إجماعا] (٢) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول:
-
[ولو كان الخيار للبائع ففسخ في المدة، فظاهر الرواية أنه لا يجب عليه استبراء. . .،
-
وإن أجازه فعلى المشتري استبراؤها بحيضة بعد الإجازة بالإجماع] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الشافعية على المشهور عندهم، والحنابلة في رواية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن ملك المشتري لها في زمن الخيار ملك ضعيف،
-
فلا يعتد بالحيضة السابقة في الاستبراء (٥) .
-
الثاني: أن المقصود من الاستبراء حفظ الأنساب حتى لا تضيع، فكان من الاحتياط عدم الاعتداد بالحيضة السابقة.
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: المالكية، والشافعية في رواية عندهم، والحنابلة على المشهور عندهم، وقالوا بأنه لا حاجة للاستبراء مرة أخرى بعد إجازة البائع البيع (٦) .
-
٢/٤٩٣٢/٤٩٣
واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو:
-
أن ملك المشتري عليها يعتبر ملكا تاما، ويدل لذلك: أنه لو أعتقها، أو كاتبها، أو وهبها، كان ذلك جائزا،
-
وإذا قيل بتمام الملك كان الاستبراء يبدأ من حين وقوع العقد (١) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
لزوم العقد المترتب على رؤية متقدمة]
-
• المراد بالمسألة: حين يرى المتعاقدان المبيع قبل العقد ويعرفانه معرفة تامة، ويمضي وقت لا تتغير فيه العين؛ كالعقار والأواني والحديد وأشباهها،
-
ثم وقع العقد بينهما،
-
فإن العقد صحيح بناء على الرؤية السابقة،
-
فإن وجدها المشتري على صفتها التي رآها عليها، لزمه البيع،
-
وإن تغيرت ثبت له الخيار، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن العين إذا كانا رأياها وعرفاها،
-
ثم تبايعاها بعد ذلك أن البيع جائز،
-
ولا خيار للمشتري إن وجدها على الصفة التي كان عرفها،
-
فإن تغيرت فله الخيار] (٢) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية على المشهور
-
٢/٤٩٤٢/٤٩٤
عندهم، وهو رأي ابن حزم من الظاهرية (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه" (٢) .
-
وجه الدلالة في الحديث من وجهين:
-
أولًا: الحديث بمنطوقه يدل على إثبات الخيار لمن لم ير المبيع.
-
ثانيًا: الحديث يدل بمفهومه على أن من اشترى العين التي رآها فليس له الخيار (٣) .
-
الثاني: أن العين معلومة عندهما بالرؤية السابقة، فتشبه ما لو شاهداها حال العقد، والمشترط في البيع إنما هو العلم، والرؤية طريق للعلم، ولهذا يكتفى في المبيع بالصفة المحصلة للعلم (٤) .
-
الثالث: أن الخيار ثبت للمشتري في حال تغيُّر المبيع، قياسا على حدوث العيب في العين،
-
فإن للمشتري الخيار، بجامع أن المشتري اشترى السلعة على
-
٢/٤٩٥٢/٤٩٥
صفة لم تكن عليه عند التعاقد (١) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: الشافعية في قول، والحنابلة في رواية، وهو قول الحكم وحماد من التابعين، قالوا: لا يجوز العقد حتى يرياها عند التعاقد. وعند الشافعية في وجه أنه لو جاز البيع، وتبيّن للمشتري تغيره، فإنه لا خيار له، بل البيع باطل؛
-
لتبين انتفاء المعرفة (٢) .
-
واستدل المخالفون بدليل، هو:
-
أن الرؤية لما كانت شرطا في صحة العقد، وجب أن تكون موجودة حال العقد، كالصفة في بيع السلم، والشهادة في النكاح (٣) .
-
أما قول الشافعية فاختاره أبو القاسم الأنماطي (٤) ، وعده الماوردي والنووي من الأقوال الشاذة المردودة (٥) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها
-
منع خيار الرؤية في السلم]
-
• المراد بالمسألة: إذا وقع عقد السَّلَم بين طرفين، فإنه لا يثبت خيار الرؤية بينهما في المُسلم فيه، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [. . .
-
(وكذا لا يثبت فيه) أي: في السلم (خيار
-
٢/٤٩٦٢/٤٩٦
رؤية) بالإجماع] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن خيار الرؤية في هذه الحالة غير مفيد، فهو دين في الذمة، فكلما رده عليه بخيار الرؤية أعطاه غيره؛ لكونه لا يتعين،
-
فلا يفيد (٣) .
-
الثاني: أن إعلام الدين لا يكون إلا بذكر الصفة، فقام ذكر الصفة مقام العين،
-
فلا يتصور خيار الرؤية فيه (٤) .
-
٢/٤٩٧٢/٤٩٧
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
انتقال خيار فوات الوصف إلى الورثة]
-
• المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري السلعة على أن فيها وصفا معينا -كأن يشتري العبد على أنه خباز أو كاتب- فبان خلاف ذلك،
-
فإن الخيار يثبت في حقه،
-
فإذا مات قبل المطالبة بحقه،
-
فإن الخيار من حق الورثة، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول:
-
[ولو مات هذا المشتري - أي: الذي اشترى عبدا على أنه خباز فبان خلاف ذلك فثبت له الخيار- انتقل الخيار إلى ورثته إجماعا] (١) . نقله عنه ابن نجيم، والشلبي (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أنه خيار متعلق بالمال، مقصود منه دفع الضرر عن الوارث، وليس
-
٢/٤٩٨٢/٤٩٨
متعلق بالموروث، وما كان كذلك فإنه يدخل في الميراث، فيرثه الورثة (١) .
-
الثاني: القياس على خيار الرد بالعيب؛ فكما أنه يورث فكذلك الخيار المتعلق بفوات الوصف، بجامع أن كلا منهما ثبت لدفع الضرر عن المال (٢) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
٦١] تحالف وترادُّ المتبايعين المختلفين في الثمن:
-
• المراد بالمسألة: إذا تبايع المتعاقدان السلعة،
-
ثم اختلفا في قدر الثمن، قال البائع: بعتك بألف ريال، وقال المشتري: بل بعتني بسبعمائة ريال، وكانت السلعة قائمة كما هي لم تتغير بزيادة ولا نقصان، ولم تتعرض لتلف، ولم يكن لأحدهما بيّنة على الآخر، فإنه حينئذ يحلف البائع: واللَّه ما بعتك بكذا ولكن بكذا، ويحلف المشتري: واللَّه ما بعتني بكذا ولكن بكذا،
-
فإذا تحالفا ولم يقع النكول من أحدهما، فإنه يتم الفسخ بعد هذا، باتفاق العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا اختلف المتبايعان في الثمن، والسلعة قائمة، أنهما يتحالفان ويترادَّان] (٣) . نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٤) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول:
-
[وإذا اتفق المتبايعان على البيع، واختلفا في مقدار الثمن، ولم تكن هناك بيِّنة، ففقهاء الأمصار متفقون على أنهما يتحالفان، ويتفاسخان بالجملة] (٥) .
-
• أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [إذا حصل الاختلاف بين المتبايعين في قدر الثمن،
-
ولا بيِّنة، تحالفا بالاتفاق] (٦) .
-
• الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول:
-
[وإذا حصل الاختلاف بين المتبايعين في قدر الثمن،
-
ولا بيِّنة، تحالفا بالاتفاق] (٧) .
-
٢/٤٩٩٢/٤٩٩
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: ما جاء أن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- باع من الأشعث بن قيس (٢) رقيقا من رقيق الإمارة، فاختلفا في الثمن، فقال ابن مسعود: بعتك بعشرين ألفا، وقال الأشعث بن قيس: إنما اشتريت منك بعشرة آلاف، فقال عبد اللَّه: إن شئت حدثتك بحديث سمعته من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: هاته، قال: فإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة، والبيع قائم بعينه، فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع" قال: فإني أرى أن أرد البيع، فردَّه (٣) .
-
٢/٥٠٠٢/٥٠٠
الثاني: أن البائع لم يُقرَّ بخروج السلعة عن ملكه إلا بصفة لا يُصَدِّقه عليها المبتاع،
-
وكذلك المشتري لم يقر بانتقال الملك إليه إلا بصفة لا يُصَدقه عليها البائع، والأصل أن السلعة للبائع،
-
فلا تخرج عن ملكه إلا بيقين من إقرار أو بينة، وإقراره منوط بصفة لا سبيل إلى دفعها؛ لعدم بينة المشتري بدعواه، فيتحالفان ويترادان (١) .
-
الثالث: أما الوجه في التحالف فهو: أن كل واحد منهما مدعى عليه، فيجب على كل واحد منهما اليمين لنفي ما ادعي عليه، وهذا مفهوم من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اليمين على المدعى عليه" (٢) (٣) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال، هي:
-
القول الأول: أن القول قول البائع. قال به ابن مسعود (٤) ، والشعبي (٥) ، وابن سريج من الشافعية (٦) ، ورواية عن الإمام أحمد مال إليها الزركشي من الحنابلة، وزاد أبو داود فيها: "أو يترادان" (٧) . وهذه الرواية عند الحنابلة نصوا فيها على أن القول قوله مع يمينه (٨) .
-
واختار هذا القول الصنعاني (٩) .
-
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
-
٢/٥٠١٢/٥٠١
الأول: ما جاء عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا اختلف المتبايعان، وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول رب السلعة، أو يترادان" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الأمر عند النزاع إلى صاحب السلعة وهو البائع.
-
الثاني: أن السلعة كانت للبائع، والمشتري يدعي نقلها بعوض، والبائع ينكره إلا بالعوض الذي عينه، فالقول قول المنكر (٢) .
-
أما دليل اليمين: فلأن من القواعد المقررة شرعا، أن من كان القول قوله، فعليه اليمين (٣) .
-
القول الثاني: أن القول قول المشتري. قال به: أبو ثور وداود الظاهري، وهو رواية عند الحنابلة (٤) .
-
واستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو:
-
أنهما متفقان على حصول الملك للمشتري، لكن البائع يدعي عليه عوضا، والمشتري ينكر بعضه، فيكون القول قول المنكر، وهو المشتري (٥) .
-
القول الثالث: إن كان الاختلاف في الثمن قبل القبض تحالفا،
-
وإن كان بعده فالقول قول المشتري. وهذا رواية عن الإمام مالك (٦) ، ورواية عند الحنابلة أيضا (٧) .
-
وهؤلاء يستدلون بما كان قبل القبض: بالأدلة التي في مستند الإجماع. وأما ما
-
٢/٥٠٢٢/٥٠٢
كان بعد القبض: فيستدلون بدليل القول الثاني (١) .
-
القول الرابع: إن كانت السلعة المَبيعة معروفة للبائع ببيِّنة، أو بعلم الحاكم -لا فرق في هذا بين أن يكون الثمن أو السلعة في يد البائع أو المشتري- أو كانت غير معروفة إلا أنها في يده، والثمن عند المشتري،
-
فإن القول في كل هذا قول مُبْطِلُ البيع منهما -كائنا من كان- مع يمينه؛ لأنه مُدَّعى عليه عقد بيع لا يُقرُّ به،
-
ولا بينة عليه به، فليس عليه إلا اليمين بحكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باليمين على المدعى عليه.
-
وإن كانت السلعة في يد المشتري، وهي غير معروفة للبائع، وكان الثمن عند البائع بعد، فالقول قول مُصَحح البيع منهما -كائنا من كان- مع يمينه؛ لأنه مدعى عليه نقل شيء عن يده،
-
ومن كان في يده شيء فهو في الحكم له، فليس عليه إلا اليمين.
-
وإن كانت السلعة والثمن معا في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه مدعى عليه.
-
وإن كانت السلعة بيد البائع والثمن بيد المشتري، فهنا كل واحد منهما مدعى عليه، فيحلف البائع باللَّه ما بعتها منه كما يذكر ولا بما يذكر، ويحلف المشتري باللَّه ما باعها مني بما يذكر ولا كما يذكر، ويبرأ كل واحد منهما من طلب الآخر،
-
ويبطل البيع. وهذا التفصيل اختاره ابن حزم، ونقله عن إياس بن معاوية (٢) (٣) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
جواز تراضي المختلفين على رد السلعة]
-
• المراد بالمسألة: إذا تعاقد المتعاقدان،
-
ثم اختلفا على أمر من الأمور المتعلقة بالعقد سواء كان الاختلاف راجعا إلى الثمن أو المثمن،
-
ثم رضي كل منهما على
-
٢/٥٠٣٢/٥٠٣
أن يرد لصاحبه حقه، فهذا أمر جائز لا حرج فيه، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الشوكاني (١٢٥٠ هـ) يقول: [وقد استدل بالحديث - أي: حديث ابن مسعود- من قال: إن القول قول البائع إذا وقع الاختلاف بينه وبين المشتري في أمر من الأمور المتعلقة بالعقد، ولكن مع يمينه -كما وقع في الرواية الآخرة-، وهذا إذا لم يقع التراضي بينهما على الترادّ،
-
فإن تراضيا على ذلك، جاز بلا خلاف] (١) . نقله عنه المباركفوري (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا اختلف البيّعان وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان" (٤) .
-
٢/٥٠٤٢/٥٠٤
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر حكم البيِّعين عند الاختلاف، ومفهوم اللفظ أنه عند التراضي فالأمر لهما.
-
الثاني: القياس على ابتداء العقد بينهما: فكما أنه قائم على التراضي بينهما، فكذلك إنهاء العقد بينهما إذا تراضيا عليه؛ لأن الأمر إليهما لا يعدوهما.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
فسخ البيع الفاسد ورده]
-
• المراد بالمسألة: البيع الباطل والفاسد عند جمهور العلماء بمعنى واحد، وهو: خطاب اللَّه تعالى المتعلق بوصف العقد بمخالفة الشرع (١) : إما بفوات ركن، أو اختلال شرط، أو وجود مانع.
-
أما عند الحنفية فهم يفرقون بين الباطل والفاسد، ويقولون بأن الباطل: ما كان ممنوعا بأصله ووصفه. أما الفاسد: فما كان مشروعا بأصله ممنوعا بوصفه (٢) .
-
والمقصود هنا: أن العقد إذا وقع فاسدًا أو باطلًا، فإنه محرم،
-
وإذا بقي على حاله، من غير تغير بزيادة أو نقصان ونحوها، فإنه يجب فسخه، ورد الثمن إلى البائع، ورد المثمن إلى المشتري، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الباجي (٤٧٤ هـ) يقول: [من ابتاع شيئا من الحيوان، أو العروض، ابتياعا غير جائز - أي: فاسدا- فيرد لأجل فساده،
-
فإن المبتاع يرد على البائع، وهذا يقتضي رد البيع الفاسد،
-
ولا خلاف في ذلك] (٣) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم تفت بإحداث عقد فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق، أن حكمها الرد، أعني: أن يرد البائع الثمن، والمشتري المثمون] (٤) .
-
٢/٥٠٥٢/٥٠٥
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [وقول القائل: إنه شرعي - أي: البيع المنهي عنه- إن أراد أنه يسمى بما أسماه به الشارع، فهذا صحيح.
-
وإن أراد أن اللَّه أذن فيه، فهذا خلاف النص والإجماع.
-
وإن أراد أنه رتب عليه حكمه، وجعله يحصل المقصود،
-
ويلزم الناس حكمه كما في المباح، فهذا باطل بالإجماع] (١) .
-
• ابن جزي (٧٤١ هـ) يقول: [إذا وقع البيع الفاسد، فسخ، ورد البائع الثمن، ورد المشتري السلعة إن كانت قائمة، باتفاق] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} (٤) .
-
• وجه الدلالة: الخبيث: لفظ عام يشمل الخبث في جميع الأمور، ومنه: المحرم من العقود. بيَّن -سبحانه- أنه لا يساوى بالطيب أبدا، بل صاحبه لا يفلح،
-
ولا تحسن عاقبته بسبب مقارفته للمحرم،
-
ثم أمر اللَّه بأن نتقيه في اجتناب الحرام والبعد عنه، وارتكاب الطيب والانتفاع به، فيدخل في ذلك البيع الفاسد (٥) .
-
الثاني: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٦) .
-
٢/٥٠٦٢/٥٠٦
• وجه الدلالة: أن البيع الفاسد مخالف لأمر الدين والشرع، فهو مردود على صاحبه (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
وجوب استبراء الجارية بعد قبض المشتري في البيع المفسوخ وعدم لزومه قبل القبض]
-
• المراد بالمسألة: إذا باع الجارية،
-
ثم فسخ المشتري العقد بأي لون من ألوان الفسخ، سواء كان بإقالة أو بعيب أو نحوها،
-
فإذا كان بعد قبض المشتري الجارية،
-
فلا بد للبائع من استبراء الأمة،
-
وإن كان قبل القبض،
-
فلا يلزمه الاستبراء بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الزيلعي (٧٤٣ هـ) يقول: [. . . لو كان البيع باتًّا،
-
ثم تفاسخا بإقالة أو غيره، فإنه يجب عليه الاستبراء بعد القبض قياسا واستحسانا، وقبل القبض يجب قياسا، وفي الاستحسان لا يجب، إجماعا] (٢) .
-
• البابرتي (٧٨٦ هـ) يقول: [وأجمعوا في البيع البات يفسخ بإقالة أو غيرها، أن الاستبراء واجب على البائع، إذا كان الفسخ قبل القبض قياسا، وبعده قياسا واستحسانا] (٣) . نقله عنه عبد الرحمن المعروف بـ [داماد أفندي] (٤) .
-
• الحداد (٨٠٠ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن العقد لو كان باتا،
-
ثم فسخ العقد بإقالة أو غيرها، إن كان قبل القبض لا يجب على البائع الاستبراء،
-
وإن كان بعده وجب] (٥) .
-
• ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [وأجمعوا أن العقد لو كان باتًّا،
-
ثم فسخ بإقالة أو غيرها، إن كان قبل القبض، فالقياس أن يجب على البائع الاستبراء، وفي
-
٢/٥٠٧٢/٥٠٧
الاستحسان غير واجب، وإن كان بعد القبض، فالاستبراء واجب قياسا واستحسانا] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن الجارية خرجت من ملكه ويده، وثبت حلها للغير، وهو المشتري،
-
فإذا عادت إليه لزمه استبراء جديد، قياسا على استبرائه لها ابتداء (٣) .
-
الثاني: أن الاستبراء في الجارية إنما وجب كي لا يفضي إلى اختلاط المياه، وامتزاج الأنساب، ومظنة ذلك عند تجدد الملك على رقبتها، كما هو حال البائع والمشتري (٤) .
-
الثالث: أما قبل القبض: فالاستبراء إنما هو من أجل إثبات براءة الرحم، وفي هذه الحالة الرحم مأمون الجانب، فلا حاجة إليه.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم بيع الطعام قبل قبضه]
-
• المراد بالمسألة: التصرف في المبيع قبل قبضه معاوضة، والمبيع طعام غير الماء، وهو مما يحتاج إلى توفية -وهو ما كان مكيلا أو موزونا أو معدودا- وأراد بيعه لغير بائعه، لا يجوز، بإجماع العلماء.
-
وإذا كان ذلك بعد القبض،
-
فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء.
-
٢/٥٠٨٢/٥٠٨
• من نقل الإجماع:
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاما، فليس له أن يبيعه حتى يقبضه] (١) . ويقول أيضا: [وثبت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبض، وهذا قول عوام أهل العلم] (٢) .
-
نقل العبارة الأولى ابن قدامة، وابن القطان، والنووي، وابن القيم (٣) .
-
• الطحاوي (٣٢١ هـ) يقول: [ووجه آخر: أنا رأينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد نهى عن بيع الطعام حتى يقبض، وأجمع المسلمون على ذلك] (٤) .
-
• الجصاص (٣٧٠ هـ) يقول: [. . . لا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية - يعني قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (٥) - وإن كان مخرجها مخرج العموم، فقد أريد به الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو بيع ما لم يقبض.
-
. .] (٦) . ويدخل فيه الطعام دخولا أوليًّا.
-
• الخطابي (٣٨٨ هـ) يقول: [أجمع أهل العلم على أن الطعام، لا يجوز بيعه قبل القبض] (٧) .
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن من باع سلعة ملكها بعد أن قبضها، ونقلها عن مكانها، وكالها إن كانت مما يكال؛
-
فإن ذلك جائز] (٨) . نقله عنه ابن القطان (٩) .
-
• ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [لا خلاف فيه بين العلماء في الطعام كله،
-
٢/٥٠٩٢/٥٠٩
والإدام كله، مقتات وغير مقتات، مُدَّخر وغير مدخر، كل ما يؤكل أو يشرب،
-
فلا يجوز بيعه عند جميعهم، حتى يستوفيه مبتاعه] (١) . ويقول أيضا: [ولم يختلف العلماء في كل ما يكال أو يوزن من الطعام كله والإدام، أنه لا يجوز بيعه لمن ابتاعه على الكيل والوزن، حتى يقبضه كيلا أو وزنا] (٢) .
-
وقال في موضع آخر: [أما بيع الفاكهة رطبها ويابسها،
-
فلا أعلم خلافا بين فقهاء العراق والحجاز والشام والمشرق والمغرب أنه لا يباع شيء منها قبل القبض -وهو الاستيفاء-] (٣) . ويقول أيضا: [. . . إجماع العلماء على أنه لو استوفاه بالكيل أو الوزن إلى آخره، لجاز له بيعه في موضعه] (٤) .
-
وفي موضع آخر لما ذكر حديث ابن عمر "من ابتاع طعاما فلا. . . " قال: [هذا حديث صحيح الإسناد، مجتمع على القول بجملته] (٥) . نقل عنه العبارة الثالثة ابن القطان (٦) .
-
• البغوي (٥١٦ هـ) يقول: [اتفق أهل العلم على أن من ابتاع طعاما، لا يجوز له بيعه قبل القبض] (٧) .
-
• ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول: [. . . ما لا يدخل فيه اختلاف. . . كل ما كان من الأطعمة،
-
فلا يجوز بيعه قبل استيفائه] (٨) .
-
• العمراني (٥٥٨ هـ) يقول:
-
[فإن كان طعاما، لم يجز بيعه قبل قبضه بلا خلاف] (٩) .
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن الطعام إذا اشتري مكايلة أو موازنة أو معاددة،
-
فلا يجوز لمن اشتراه أن يبيعه من آخر، أو يعاوض به حتى يقبضه الأول،
-
وأن القبض شرط في صحة هذا البيع] (١٠) .
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول: [لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل
-
٢/٥١٠٢/٥١٠
القبض، بالإجماع] (١) .
-
• ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول:
-
[وأما بيع الطعام قبل قبضه،
-
فإن العلماء مجمعون على منع ذلك، إلا ما يحكى عن عثمان البَتِّي] (٢) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه. . .، ولم أعلم بين أهل العلم خلافا، إلا ما حكي عن البتِّي، أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه] (٣) .
-
نقله عنه العيني (٤) .
-
• ابن شداد (٥) (٦٣٢ هـ) يقول: [وقد اتفق العلماء على أن من ابتاع طعاما، لا يجوز له بيعه قبل القبض] (٦) .
-
• سبط ابن الجوزي (٧) (٦٥٤ هـ) يقول: [واتفقوا على عدم جواز بيع المنقول قبل القبض] (٨) .
-
• النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [أما مذهب عثمان البتِّي فحكاه المازري والقاضي،
-
٢/٥١١٢/٥١١
ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه] (١) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [وكل ما لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه، لا يجوز له بيعه حتى يقبضه. . .، ولم نعلم بين أهل العلم في ذلك خلافا، إلا ما حكي عن البتِّي، أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه] (٢) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [. . . اتفقوا على منع بيع الطعام قبل قبضه] (٣) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [بيع المنقول قبل القبض، لا يجوز بالإجماع] (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه قال: كنا في زمان الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه، إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (٥) .
-
الثاني: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي لفظ "حتى يقبضه" (٦) .
-
الثالث: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله" (٧) .
-
• وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبضه المشتري من البائع، والنهي يقتضي التحريم.
-
• المخالفون للإجماع:
-
حُكي الخلاف في المسألة عن عثمان البَتِّي، وعطاء بن أبي رباح، ونقل عنهم أنهم كانوا يقولون بجواز بيع كل شيء قبل قبضه (٨) .
-
٢/٥١٢٢/٥١٢
ولعلهم يستدلون: بأن الأصل في البيوع أنها على الإباحة، والملك للسلعة يتحقق بالعقد الذي هو قائم على الإيجاب والقبول،
-
فإذا تحقق ذلك فله حق التصرف بها كيفما شاء.
-
أما قول عثمان: فقد جزم بشذوذه جماعة من العلماء، منهم: ابن عبد البر، والنووي، وابن القيم (١) ، ولعله لم يبلغه الخبر في هذا، أو لم يصح ذلك عنه.
-
أما قول عطاء فلم أجد من نسبه إليه إلا ابن حزم، وهذا يشهد لضعف هذه النسبة إليه، خاصة وأن عطاء أشهر من عثمان، فكيف يحكي عامة العلماء الخلاف عن عثمان دونه، وينفرد ابن حزم بنسبته إليه! ! ويضاف إلى هذا أن عطاء هو راوي الحديث عن حكيم بن حزام (٢) ، والذي جاء فيه النهي صريحا في المسألة،
-
ثم إنه رَوى ابن أبي شيبة في مصنفه عن عطاء ما يخالف ما ذكر ابن حزم (٣) ،
-
ولو ثبت ما ذكر ابن حزم لحُكم بشذوذه.
-
النتيجة: ثبوت الإجماع في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه؛ وذلك لشذوذ الأقوال المخالفة، أو عدم ثبوتها. أما ما ذكره الحنفية -الكاساني والعيني وسبط ابن الجوزي- من حكاية الإجماع على المنقول عموما فهو غير صحيح؛ لأن من العلماء من خالف فقال: إن المحرم المفسد للبيع هو بيع الطعام دون غيره من الأشياء قبل قبضه، وما عداه فيبقى على الجواز.
-
قال به المالكية وهو رواية عند الحنابلة (٤) . واختار هذا القول ابن المنذر (٥) .
-
٢/٥١٣٢/٥١٣
بيع المشتري السلعة قبل قبضها على البائع أو توكيله في بيعها]
-
• المراد بالمسألة: المشتري إذا أراد أن يبيع السلعة التي لم يقبضها على البائع،
-
فإن البيع باطل وينقض البيع الأول،
-
ولو وكله في البيع لم تصح الوكالة،
-
ولا ينقض البيع الأول، أما البيع الثاني فغير صحيح، كل هذا مجمع عليه.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) لما تكلم عن صور بيع المبيع قبل قبضه، قال:
-
[ولو قال المشتري - أي: بعد شرائه للسلعة، وقبل قبضه لها - للبائع: بعه لي، لم يكن نقضا بالإجماع.
-
وإن باعه لم يجز بيعه.