الفصل الثاني مسائل الإجماع في الطلاق
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٢٬٠٩٦ إلى ٢٣٬٥١٦
-
٣/٤٨٩٣/٤٨٩
إذا طلق الرجل امرأته واحدة أو ثلاثًا، وكانت غير مدخول بها؛
-
فإن الطلاق يلحق بها على أي عدد كان، وتصبح بائنًا،
-
فلا تحل له إلا بعقد جديد إن طلقها واحدة، أو بعد زوج إن طلقها ثلاثًا، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن من طلق زوجته ولم يدخل بها طلقة أنها قد بانت منه، ولا تحل له إلا بنكاح جديد، ولا عدة عليها " (٦) .
-
٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وهذا إجماع من العلماء أن البكر والثيب إذا لم يدخل بهما فحكمهما إذا طلقهما قبل الدخول سواء؛ لأن العلة الدخول بها، وبكل واحدة منهما " (٧) . وقال أيضًا: " في طلاق الثلاث أنها لازمة في المدخول بها
-
٣/٤٩٠٣/٤٩٠
وغير المدخول بها أنه لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره، وعلى هذا جماعة العلماء والفقهاء بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب من أهل الفقه والحديث، وهم الجماعة والحجة " (١) .
-
٣ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إذا قال الزوج لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا، طلقت ثلاثًا " (٢) .
-
٤ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قِبَل عدم الدخول، ومن قِبَل عدد التطليقات " (٣) .
-
٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: ". . . فأما غير المدخول بها فلا تطلق إلا طلقة واحدة، ذكره الحكم عن علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود. . . ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا نعلم لهم مخالفًا في عصرهم، فيكون إجماعًا " (٤) .
-
٦ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الزوج إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، طلقت ثلاثًا " (٥) .
-
٧ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا، تطلق ثلاثًا بالاتفاق " (٦) .
-
٨ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: ". . . طلَّق غير المدخول بها ثلاثًا، وقعن، سواء قال: أوقعت عليك ثلاث تطليقات، أو أنت طالق ثلاثًا، ولا خلاف" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من أن طلاق الواحدة، وطلاق الثلاث يلحق غير المدخول بها على الصفة التي قالها المطلِّق، وتبين به وافق عليه ابن حزم (٨) . وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وعائشة، وأم سلمة -رضي اللَّه عنهم-، والحسن البصري في رواية، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعكرمة، والنخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري (٩) .
-
٣/٤٩١٣/٤٩١
• مستند الإجماع: أن المطلق قد أتى بالعدد الذي تصير به المرأة طالقًا، فتصير الصيغة الموضوعة لإنشاء الطلاق متوقعًا حكمها عند ذكر العدد (١) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: إذا طلق الرجل امرأته غير المدخول بها ثلاثا،
-
فلا يقع إلا واحدة. وهو قول الحسن البصري في رواية، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبي الشعثاء (٢) ، وعمرو بن دينار (٣) .
-
• دليل هذا القول: عن طاوس أن رجلًا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر؟
-
قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أُجيزهن عليهم (٤) .
-
• وجه الدلالة: تأول أصحاب هذا القول أن طلاق غير المدخول بها ثلاثًا يقع واحدة، وهو الذي كان على زمان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (٥) .
-
ثانيًا: بالإضافة إلى ما سبق من حكاية الإجماع على أن طلاق الواحدة أو الثلاث تقع على غير المدخول بها، وذكر الخلاف في ذلك، فقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق غير المدخول بها في حالتين؛ بناءً على اختلاف صيغة اللفظ بالطلاق.
-
الحالة الأولى: إذا قال الزوج لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
-
الحالة الثانية: أن يقول لها: أنت طالق، وطالق، وطالق.
-
الحالة الأولى: إذا قال الزوج لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
-
٣/٤٩٢٣/٤٩٢
خلاف بين الفقهاء في اعتبار التلفظ بالطلاق بهذه الصيغة هل يقع واحدة أم ثلاثًا، وهذا الخلاف على قولين:
-
القول الأول: يرى الحنفية (١) ، والشافعية في "الجديد" (٢) ، والحنابلة في المذهب (٣) أن التلفظ بالطلاق بهذه الصيغة لا يقع إلا واحدة، سواء قال ذلك واحدة أو أكثر.
-
وقال به على، وزيد، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهم-، وعكرمة، والنخعي، وحمّاد بن أبي سليمان، والثوري، وأبو عبيد، وابن المنذر (٤) .
-
• دليل هذا القول: أن المرأة غير المدخول بها قد بانت بالطلقة الأولى، فيقع ما بعدها لغوًا؛ لأنه أوقعه على طلاق بائن (٥) .
-
القول الثاني: يرى المالكية (٦) ، والإمام الشافعي في القديم (٧) ، والحنابلة في رواية (٨) ، أنه يقع ما تلفظ به بهذه الصيغة،
-
فإن كانت واحدة وقعت واحدة،
-
وإن كانت اثنتين وقعت اثنتين،
-
وإن كانت ثلاثًا وقعت ثلاثًا، وهو قول الأوزاعي، والليث (٩) .
-
• دليل هذا القول: وقع لفظ الطلاق هنا متصلًا، فيقتضي وقوعه تامًا كما تلفظ به المطلق (١٠) .
-
الحالة الثانية: أن يقول لها: أنت طالق، وطالق، وطالق.
-
إذا وقع الطلاق بهذه الصيغة، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين:
-
٣/٤٩٣٣/٤٩٣
القول الأول: يرى الحنفية (١) ، والشافعية (٢) ، والحنابلة في رواية (٣) أنه لا يقع بها إلا واحدة، وهو قول الثوري، وأبي ثور (٤) .
-
• دليل هذا القول: الطلاق هنا مرتب قدم بعضه على بعض،
-
فإذا وقع ما تقدم منه، منع من وقوع ما تأخر عنه (٥) .
-
القول الثاني: يرى المالكية (٦) ، والحنابلة في رواية (٧) أنه يلزمه الثلاث، وهو قول الأوزاعي والليث، وابن أبي ليلى (٨) .
-
• دليل هذا القول: أن الواو في قوله: "طالق وطالق" ، يقتضي الجمع، فيقع ما تلفظ به، سواء كان اثنتين أم ثلاثًا (٩) .
-
• ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في أن من اعتبر الطلاق واحدة، أن له أن يتزوج المرأة بمهر جديد وعقد جديد، ويكون خاطبًا من الخطاب، أما من اعتبر الطلاق يقع ثلاثًا فإنها لا تحل له إلا من بعد زوج (١٠) .
-
النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن من طلق امرأته غير المدخول بها واحدة فإنه يقع واحدة.
-
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن من تلفظ بالطلاق في غير المدخول بها ثلاثًا أنه يقع ثلاثًا؛ وذلك لوجود خلاف كبير في المسألة.
-
جد الطلاق وهزله سواء]
-
إذا تلفظ الزوج بالطلاق، فإنه مؤاخذ به، سواء تكلم به جادًّا أو هازلًا ونقل
-
٣/٤٩٤٣/٤٩٤
الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال في باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيرهم (١) .
-
٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن طلاق الجد والهزل سواء ". ونقله عنه ابن قدامة (٢) .
-
٣ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن طلاق الهازل يقع " (٣) .
-
٤ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال:
-
"ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلًا أن الطلاق يلزمه " (٤) .
-
٥ - الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث قال: "وهزل إيقاع الطلاق لازم اتفاقًا " (٥) .
-
٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "فدل على وقوع الطلاق من الهازل، وأنه لا يحتاج إلى النية في الصريح، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وحكى غير واحد اتفاق أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به، وإن قال: كنت هازلًا " (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن جد الطلاق وهزله سواء، وأنه يقع وافق عليه الحنفية (٧) . وهو قول عمر، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهما-، وعطاء، وعبيدة السلماني، وأبي عبيد، والثوري (٨) .
-
• مستند الإجماع: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" (٩) .
-
٣/٤٩٥٣/٤٩٥
• الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم إلى أن طلاق الهزل لا يقع،
-
وأن الذي يقع هو ما أوقعه المُطلِّق مختارًا بلسانه، قاصدًا بقلبه (١) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢) .
-
• وجه الدلالة: صح أن كل عمل بلا نية فهو باطل لا يعتد به، فيدخل فيه طلاق الهازل، ما لم ينو (٣) .
-
٢ - قال ابن حزم عن حديث: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" ، إنه خبر موضوع (٤) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن جد الطلاق وهزله سواء؛ وذلك لخلاف ابن حزم في عدم اعتبار طلاق الهازل.
-
طلاق زائل العقل بغير سكر لا يقع]
-
قد يزول عقل الإنسان بسبب عارض من مرض يؤثر في عقله؛ كالأورام ونحوها، أو نوم، أو إغماء، أو جنون دائم، فربما تلفظ بالطلاق، وهو على هذه الحال،
-
فلا يقع طلاقه، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيرهم، أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز" (٥) .
-
٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المجنون، والمعتوه لا يجوز طلاقه" (٦) . وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه أن لا طلاق له" (٧) .
-
٣/٤٩٦٣/٤٩٦
٣ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن طلاق الصبي والمجنون لا يقع" (١) .
-
٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل بغير سكر، أو ما في معناه لا يقع طلاقه" (٢) . وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه، فلا طلاق له" (٣) .
-
وقال أيضًا: "وسواء زال عقله لجنون، أو إغماء، أو نوم، أو شرْب دواءٍ، أو إكراه على شرب خمر، أو شَرِب ما يزيل عقله شربه، ولا يعلم أنه مزيل للعقل، فكل هذا يمنع وقوع الطلاق رواية واحدة، ولا نعلم فيه خلافًا" (٤) .
-
وقال أيضًا: ". . . لا طلاق في إغلاق، ويدخل في هذا المعنى المبرسم (٥) إجماعًا" (٦) .
-
٥ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "ولهذا لم يكن لشيء من أقواله التي تسمع منه في المنام حكم باتفاق العلماء، فلو طلق، أو أعتق، أو تبرع، أو غير ذلك في منامه، كان لغوًا" (٧) . وقال أيضًا:
-
"وأما المجنون الذي رفع عنه القلم، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء، فلا يصح بيعه، ولا شراؤه، ولا نكاحه، ولا طلاقه، ولا إقراره، ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو" (٨) .
-
٦ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال:
-
"فلا ينفذ طلاق مجنون، اتفاقًا" (٩) .
-
٧ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع" (١٠) .
-
٨ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "لو سكر بالبنج والدواء، لا يقع طلاقه بالإجماع، كالنائم" (١١) .
-
٣/٤٩٧٣/٤٩٧
٩ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال: "وفيه دليل على أن الثلاثة (١) لا يتعلق بهم تكليف، وهو في النائم المستغرق إجماع" (٢) .
-
١٠ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع" (٣) .
-
١١ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه لا يقع (٤) من مجنون، ولا نائم" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن من ذهب عقله بلا سكر،
-
فإن طلاقه لا يقع، وافق عليه ابن حزم (٦) . وهو قول عثمان، وعلى -رضي اللَّه عنهما-، وسعيد ابن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وأبي قلابة، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبي ثور (٧) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل طلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (٨) .
-
٢ - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، أو يفيق" (٩) .
-
• وجه الدلالة من الحديثين: دل الحديثان على أن كل طلاق يقع فهو معتبر، إلا ما صدر عن مجنون، أو نائم، أو صغير لا تمييز له.
-
٣/٤٩٨٣/٤٩٨
النتيجة: تحقق الإجماع على أن من زال عقله بسبب جنون، أو نوم، أو إغماء، أو مرض يؤثر في عقله،
-
فإن طلاقه لا يقع؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
طلاق الصبي لا يقع]
-
إذا طلق الصبي امرأته فإن طلاقه لا يقع؛ لما ورد من اشتراط العقل والبلوغ في المطلق حتى يقع طلاقه، ونُقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق: البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن طلاق الصبي والمجنون لا يقع" (١) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره البغوي من الشافعية من الاتفاق على أن طلاق الصبي لا يقع وافق عليه الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٤) ، وابن حزم (٥) . وهو قول الحسن، والنخعي، والزهري، والحكم بن عتيبة، وحمّاد بن أبي سليمان، والثوري، وأبي ثور، وأبي عبيد (٦) .
-
• مستند الاتفاق: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، أو يفيق" (٧) .
-
• وجه الدلالة: دل الحديث على أن كل طلاق يقع فهو معتبر إلا ما صدر عن مجنون أو نائم أو صغير.
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه هي المذهب إلى أن الصبي الذي يعقل معنى الطلاق (٨) يقع طلاقه،
-
وإن لم يبلغ (٩) . وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق (١٠) .
-
٣/٤٩٩٣/٤٩٩
• أدلة هذا القول:
-
١ - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل، فقال: يا رسول اللَّه سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها، قال: فصعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المنبر، فقال: "يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما؛ إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (١) .
-
٢ - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل طلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (٢) .
-
٣ - أن طلاق الصبي الذي يعقل معنى الطلاق وقع من عاقل، أشبه طلاق البالغ، فيقع (٣) .
-
النتيجة: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على أن طلاق الصبي لا يقع؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام أحمد في رواية هي المذهب بوقوعه من الصبي الذي يعقل معنى الطلاق وإن لم يبلغ الحلم.
-
طلاق السفيه لازم له]
-
السفه: ضعف في العقل، وسوء في التصرف، وأصله من الخفة في الحركة، والسفيه: الجاهل الذي قل عقله،
-
فلا يحسن التصرف (٤) .
-
فإذا صدر الطلاق ممن وصف بأنه لا يحسن التصرف؛
-
فإن طلاقه واقع، ونقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن طلاق السفيه لازم له" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية من الإجماع على أن
-
٣/٥٠٠٣/٥٠٠
طلاق السفيه يقع وافق عليه الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والحنابلة (٣) .
-
• مستند الإجماع: أن السفيه مكلف، تصح منه عباداته ونحوها، وهو مالك لمحل الطلاق، فيقع طلاقه كالرشيد (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب أبو يوسف من الحنفية (٥) ، وابن أبي ليلى، وعطاء إلى منع وقوع طلاق السفيه (٦) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - أن السفيه محجور عليه في جميع تصرفاته،
-
فلا يقع طلاقه، كما لا يقع بيعه وشراؤه (٧) .
-
٢ - أن البضع يجري مجرى المال، بدليل أنه يملكه بمال،
-
ويصح أن يزول ملكه عنه بمال، فلم يملك التصرف فيه، كما لا يملكه في المال (٨) .
-
النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن طلاق السفيه يقع؛ وذلك لوجود خلاف عن ابن أبي ليلى، وعطاء بعدم وقوع طلاق السفيه.
-
ثانيًا: لم يرد خلاف أبي يوسف في أي من كتب الحنفية، إنما ذكر هذا الخلاف عنه أحد المالكية، فلا ينظر إليه.
-
طلاق الغضبان لا يقع]
-
إذا طلق الرجل امرأته وهو غضبان، وكان في حالة لا يشعر بما يقول،
-
فإن طلاقه لا يقع، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفي الخلاف: ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "والغضب على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا
-
٣/٥٠١٣/٥٠١
نزاع (١) ، " (٢) .
-
وقال أيضًا: "والغضبان الذي يمنعه الغضب من معرفة ما يقول وقصده، فهذا من أعظم الإغلاق، وهو في هذا الحال بمنزلة المبرسم، والمجنون، والسكران، بل أسوأ حالًا من السكران؛ لأن السكران لا يقتل نفسه، ويلقي ولده من علو، والغضبان يفعل ذلك، وهذا لا يتوجه فيه نزاع أنه لا يقع طلاقه، والحديث يتناول هذا القسم قطعًا (٣) " (٤) .
-
وقال أيضًا: ". . . أن يبلغ به الغضب نهايته، بحيث ينغلق عليه باب العلم والإرادة، فلا يعلم ما يقول ولا يريده، فهذا لا يتوجه خلاف في عدم وقوع طلاقه " (٥) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن القيم من أنه لا خلاف في أن طلاق الغضبان لا يقع، ويُقصَد بالغضبان هنا الذي لا يشعر بما يقول كما قاله ابن القيم، وافق عليه الحنفية (٦) .
-
• مستند نفي الخلاف: عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق (٧) " (٨) .
-
• وجه الدلالة: فسر أبو داود الإغلاق -كما فسره غيره- بأنه الغضب، فلا يقع
-
٣/٥٠٢٣/٥٠٢
عندئذٍ لغضبان طلاق (١) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (٢) ، والشافعية (٣) إلى أن طلاق الغضبان يقع،
-
وإن اشتد غضبه عند المالكية، ولم يفرق الشافعية بين حالات الغضب التي ذكرها ابن القيم. وهو قول ابن عباس، وعائشة، وأفتى به جمع من الصحابة -رضي اللَّه عنه- (٤) .
-
• دليل هذا القول: أن طلاق غالب الناس إنما هو في حال الغضب،
-
ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان؛ لكان لكل أحد أن يقول في كل ما جناه: كنت غضبانًا (٥) .
-
النتيجة: أولًا: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في عدم وقوع طلاق الغضبان، سواء كان في أشد حالات الغضب، أو في أقلها؛ لما يأتي:
-
١ - خلاف المالكية في أن طلاق الغضبان يقع، وإن اشتد غضبه.
-
٢ - خلاف الشافعية في أن طلاق الغضبان يقع، ولم يفرقوا بين حالة وحالة من حالات الغضب.
-
ثانيًا: قال ابن حجر: القول بعدم وقوع طلاق الغضبان لم يوجد إلا عند متأخري الحنابلة، ولم يوجد عند أحد من متقدميهم، إلا ما أشار إليه أبو داود (٦) .
-
طلاق المريض يقع]
-
إذا طلق المريض امرأته،
-
فإن طلاقه يقع، ونُقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه يقع طلاق
-
٣/٥٠٣٣/٥٠٣
المريض " (١) ، وابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: " طلاق المريض نافذ كالصحيح، اتفاقًا " (٢) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره علماء المالكية من الاتفاق على صحة طلاق المريض وافق عليه الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) ، وابن حزم (٦) .
-
• مستند الاتفاق: استدلوا بعموم الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر الطلاق دون أن تفرق بين المريض وغيره في حكم الطلاق؛ مثل قوله تعالى:
-
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" (٧) . أن الظهار والإيلاء يصح من المريض، فأولى أن يصح منه الطلاق (٨) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الشعبي، وعمرو بن عبيد (٩) (١٠) ، إلى أن طلاق المريض غير صحيح، فليس له طلاق، وهي زوجته كما كانت.
-
• دليل هذا القول: لا ينفذ لمريض طلاق؛ لأجل التهمة في الهرب من ميراث زوجته (١١) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن طلاق المريض يصح كما يصح طلاق غير المريض؛ وذلك لوجود خلاف عن الشعبي وغيره.
-
إذا طلق المريض امرأته ثلاثًا، ورثته إن مات،
-
ولا يرثها إن ماتت:
-
إذا طلق المريض امرأته ثلاثًا، ومات في مرضه الذي طلقها فيه، فإنها ترثه، ولا
-
٣/٥٠٤٣/٥٠٤
يرثها إن ماتت، وتسمى هذه المسألة عند الفقهاء طلاق الفارِّ، كأنه طلقها ليفر من أن ترثه، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وقد أجمعوا على أن الزوج لا يرثها إن ماتت في العدة، ولا بعد انقضاء العدة إذا طلقها ثلاثًا وهو صحيح، أو مريض" (١) .
-
٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال بعد أن ذكر الصحابة الذين ورّثوا امرأة المريض منه: ". . . ولا أعلم لهم مخالفًا من الصحابة، إلا عبد اللَّه بن الزبير، فإنه قال: لا أرى أن ترث المبتوتة بحال من الأحوال، وجمهور علماء المسلمين على ما روي عن الصحابة في ذلك" (٢) .
-
٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "إن عثمان -رضي اللَّه عنه- ورَّث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرضه فبتها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعًا" (٣) .
-
٤ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "بإجماع الصحابة توريث امرأة الفارّ" (٤) .
-
٥ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "أما الإجماع: فلأن عثمان -رضي اللَّه عنه- ورّث تماضر بنت الأصبغ بن زياد الكلبية، من عبد الرحمن بن عوف لما بتّ طلاقها، وهي في العدة بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على توريث امرأة المريض منه إذا طلقها في مرضه ومات في ذلك المرض، وهي في العدة، وعدم توريثه منها إن ماتت هي هو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنه-، وقال به عروة، وشريح، والحسن، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، وربيعة الرأي، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري (٦) .
-
• مستند الإجماع: أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة، وهو مريض، فورّثها
-
٣/٥٠٥٣/٥٠٥
عثمان بن عفان منه بعد انقضاء عدتها (١) .
-
• وجه الدلالة: هذا عثمان -رضي اللَّه عنه- ورّث امرأة عبد الرحمن بن عوف منه لما بتّ طلاقها وهو مريض، وكان ذلك بمحضر من الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، ولم ينكره عليه أحد منهم، فصار إجماعًا (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: يرى الإمام الشافعي في الجديد (٣) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٤) ، وابن حزم (٥) أنها لا ترثه. وبه قال عبد اللَّه بن الزبير -رضي اللَّه عنه-، وأبو ثور، وداود (٦) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - استدلوا بظاهر الآيات في توريث الزوجات، قالوا: والمبتوتة ليست بزوجة عند جماعة المسلمين (٧) .
-
٢ - عن ابن أبي مليكة أنه سأل ابن الزبير عن الرجل الذي يطلق المرأة فيبتها ثم يموت وهي في عدتها فقال عبد اللَّه بن الزبير: طلق عبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنه- تماضر بنت الأصبغ الكلبية فبتها ثم مات وهي في عدتها فورثها عثمان -رضي اللَّه عنه-، قال ابن الزبير:
-
وأما أنا فلا أرى أن ترث مبتوتة (٨) .
-
٣ - أنها إذا ماتت في العدة فإن الرجل لا يرثها،
-
فلو كانت زوجة لورثها كما ترثه (٩) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن المرأة إذا طلقت ثلاثًا أنها ترث زوجها إذا
-
٣/٥٠٦٣/٥٠٦
مات في مرضه الذي طلقها فيه؛ للخلاف الوارد عن عبد اللَّه بن الزبير، والإمام الشافعي في الجديد، والإمام أحمد في رواية عنه، وأبي ثور، وابن حزم في عدم توريثها.
-
وعبد اللَّه بن الزبير من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو معاصر لعثمان ومن بعده، ولم ينته عصر الإجماع بعد، حتى يُدعى إجماع الصحابة على توريث امرأة الفارّ.
-
طلاق الأخرس صحيح]
-
إذا طلق الرجل امرأته، وكان أخرس لا يستطيع الكلام،
-
فإن إشارته بالطلاق تقوم مقام الكلام، فتطلق زوجته، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:
-
"ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق إلا في موضعين: أحدهما: من لا يقدر على الكلام، كالأخرس إذا طلق بالإشارة، طلقت زوجته، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم" (١) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في صحة طلاق الأخرس،
-
وأن إشارته بالطلاق تقوم مقام تلفظه به وافق عليه الحنفية في الصحيح لديهم، وعليه الفتوى (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، وابن حزم (٥) .
-
• مستند نفي الخلاف: أن الأخرس لا طريق له إلى تبيين مراده إلا بالإشارة، فيقع طلاقه بالإشارة، فتقوم إشارته مقام كلامه (٦) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: يرى بعض الحنفية (٧) ، والمتولي (٨) من.
-
٣/٥٠٧٣/٥٠٧
الشافعية (١) أن الأخرس إن كان قادرًا على الكتابة فلا يقع طلاقه إلا بالكتابة دون الإشارة. وهو قول النخعي، والثوري، وأبي ثور (٢) .
-
• دليل هذا القول: أن الضرورة في قبول إشارة الأخرس قد اندفعت بقدرته على الكتابة فيصار إليها، وهي أقوى من الإشارة (٣) .
-
ثانيًا: يرى الحسن البصري، وقتادة أن طلاق الأخرس لا يقع، فيطلق عنه وليه (٤) .
-
• دليل هذا القول: أن الأخرس لا يستطيع الكلام، فيقوم وليه مقامه، فيطلق عنه (٥) .
-
النتيجة: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن طلاق الأخرس صحيح؛ وذلك لما يلي:
-
١ - وجود خلاف عن بعض الحنفية، والمتولي من الشافعية، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي ثور -يقيد وقوع طلاق الأخرس فيما إذا لم يقدر على الكتابة،
-
فإن قدر على الكتابة، فلا تعتبر إشارته.
-
٢ - وجود خلاف عن الحسن البصري وقتادة يجعل التطليق لولي الأخرس، وليس له.
-
الطلاق بلفظ الطلاق والفراق والسراح؛ لفظ صريح يقع به الطلاق]
-
إذا تلفظ الرجل بلفظ الطلاق، أو الفراق، أو السراح،
-
فإن هذه ألفاظ صريحة يقع بها الطلاق،
-
ولا تحتاج إلى نية، ونقل الاتفاق على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الاتفاق:
-
١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن ألفاظ الطلاق: طلاق وما تصرف من هجائه مما يفهم معناه" (٦) .
-
٣/٥٠٨٣/٥٠٨
٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "لم يختلف فيمن قال لامرأته: قد طلقتك أنه من صريح الطلاق في المدخول بها، وغير المدخول بها" (١) .
-
٣ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الطلاق والفراق والسراح متى أوقع المكلف لفظة منها، وقع بها الطلاق، وإن لم ينوِه" (٢) .
-
٤ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته: قد طلقتك أنه من صريح الطلاق في المدخول بها، وغير المدخول بها" (٣) .
-
٥ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الطلاق، والفراق، والسراح صريح لا يفتقر إلى نية" (٤) .
-
٦ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن لفظ الطلاق وما تصرّف منه صريح" (٥) .
-
• الموافقون على الاتفاق: أولًا: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على أن لفظ الطلاق لفظ صريح يقع به الطلاق وافق عليه الحنفية (٦) .
-
ثانيًا: ما ذكره قاضي صفد من الشافعية، وابن هبيرة من الحنابلة من الاتفاق على أن لفظ الفراق، ولفظ السراح لفظان يدلان على الطلاق صراحة -وافق عليه المالكية في رواية (٧) .
-
• مستند الاتفاق: قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: الآية ٢٢٩] وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) } [الأحزاب: الآية ٢٨] وقال تعالى:
-
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: الآية ٢٣١] .
-
• وجه الدلالة: أن لفظ الطلاق، والفراق، والسراح ألفاظ ورد بها القرآن، ويراد بها الفرقة بين الزوجين، فتكون صريحة في الطلاق، والفراق، والسراح كلفظ الطلاق تمامًا (٨) .
-
٣/٥٠٩٣/٥٠٩
• الخلاف في المسألة: أولًا: لم يختلف الفقهاء في أن لفظ الطلاق لفظ صريح يدل على الطلاق،
-
ولا يحتاج فيه إلى نية.
-
ثانيًا: وقع خلاف بين الفقهاء في لفظي الفراق، والسراح: هل يفتقران إلى نية حتى يقع بهما الطلاق أم لا؟ .
-
فقد ذهب الحنفية (١) ، والمالكية في رواية (٢) ، وهو القديم عند الشافعية (٣) ، وذكره الغزالي بصيغة التمريض، وقال: لا بأس به (٤) ،
-
والمذهب عند الحنابلة (٥) ، ورجحه ابن قدامة، وابن القيم (٦) ، وهو قول ابن حزم (٧) -إلى أن اللفظ الصريح في الطلاق لفظة واحدة فقط؛ وهي لفظة "الطلاق" وما تصرف منها، نحو: التطليق، وأنت طالق، وأنت الطلاق، وطلقتك، دون لفظ "الفراق، والسراح" ، فهما من ألفاظ الكناية لا تقع إلا بنية.
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - أنه ثبت في عرف الشرع استعمال هذا اللفظ -الطلاق- صراحة، فيدل على الطلاق صراحة (٨) .
-
٢ - أن لفظ الفراق، والسراح يستعملان في غير الطلاق كثيرًا،
-
فلا يدلان على الطلاق إلا بنية (٩) .
-
النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن لفظ الطلاق، وما تصرف منه لفظ صريح في الطلاق يدل عليه؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن لفظ الفراق، والسراح ألفاظ صريحة تدل على الطلاق بلا نية؛ لخلاف الحنفية، والمالكية في رواية، والشافعية في القديم،
-
والمذهب عند الحنابلة، وابن حزم، على أنهما لا يدلان على الطلاق إلا بنية.
-
٣/٥١٠٣/٥١٠
صريح الطلاق يلزم نواه المطلِّق، أم لم ينوه:
-
ثبت في المسألة السابقة الإجماع على أن اللفظ الصريح في الطلاق هو الطلاق وما تصرّف منه، وعلى هذا إذا طلَّق الرجل امرأته باللفظ الصريح وما تصرّف منه فإن طلاقه يقع، سواء نواه أم لم ينوِه، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الخطابي (٣٨٨ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا أو هازلًا، أو لم أنوِ به طلاقًا" (١) . ونقله عنه الشربيني (٢) .
-
٢ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "أجمع المسلمون على أن الطلاق يقع إذا كان بنية، وبلفظ صريح" (٣) .
-
٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "ذكرنا أن صريح الطلاق لا يحتاج إلى نية، بل يقع من غير قصد، ولا خلاف في ذلك" (٤) .
-
٤ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال:
-
"ولا يفتقر إلى النية؛ لأنه صريح فيه لغلبة الاستعمال على الطلاق، وهذا بإجماع الفقهاء" (٥) .
-
٥ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال:
-
"وأما كونه لا يفتقر إلى النية فنقل فيه إجماع الفقهاء" (٦) .
-
٦ - ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث قال: "فمتى أتى بصريح الطلاق وقع، نواه أو لم ينوه، بغير خلاف" (٧) .
-
٧ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: ". . . عدم توقفه على النية، ونقل فيه الإجماع" (٨) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن لفظ "الطلاق" لفظ صريح يدل على الطلاق بلا نية وافق عليه ابن حزم (٩) .
-
٣/٥١١٣/٥١١
• مستند الإجماع:
-
١ - أن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- لما طلق امرأته في حال الحيض، أمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يراجعها (١) ، ولم يسأله هل نوى الطلاق أم لم ينوِ،
-
ولو كانت النية شرطًا لسأله،
-
ولا مراجعة إلا بعد وقوع الطلاق، فدل على وقوع الطلاق من غير نية (٢) .
-
٢ - أن ما يعتبر له القول يكتفى فيه به، من غير نية، إذا كان صريحًا فيه كالبيع (٣) .
-
٣ - أن القصد من النية هو تعيين المبهم،
-
ولا إبهام في الطلاق إذا أتى بلفظه الصريح (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه (٥) ، وداود (٦) إلى أن الطلاق الصريح لا يقع إلا بنية، وزاد الإمام أحمد: أو قرينة غضب، أو سؤال المرأة الطلاق (٧) .
-
• دليل هذا القول:
-
١ - قال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: الآية ٥] .
-
٢ - عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٨) .
-
• وجه الدلالة من النصين السابقين: دل النصّان على أنه لا عمل إلا بنية،
-
وأن الإنسان غير مؤاخذ بما لم ينوِ،
-
وأن العمل إذا لم يقترن بالنية فهو غير مقبول (٩) .
-
٣ - رُفع لعمر بن الخطاب أن امرأة قالت لزوجها: سَمِّني، فسماها الظبية، فقالت: ما قلت شيئًا، قال: فهات ما أسميك به، قالت: سمني خلية طالقًا، قال: أنت خلية طالق، فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها (١٠) .
-
٣/٥١٢٣/٥١٢
• وجه الدلالة: هذا حكم من أمير المؤمنين عمر بعدم الوقوع لمّا لم يقصد الزوج اللفظ الذي يقع به الطلاق، بل قصد لفظًا لا يقع به الطلاق، فكان لا بد من النية (١) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن اللفظ الصريح في الطلاق يقع إذا لم ينوه؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام أحمد في رواية عنه، وداود؛ إذ يريان أنه لا يقع إلا بنية.
-
ألفاظ الكناية في الطلاق لا تقع إلا بالنية]
-
يقسِّم الفقهاء الطلاق من حيث اللفظ إلى صريح وكناية (٢) ، فالصريح كلفظ الطلاق وما تصرّف منه، ولفظ الفراق والسراح على الخلاف السابق في اعتبارهما من الصريح أو من الكناية.
-
والكناية مثل: أنت بائن، أنت خلية، أنت حرة، أمرك بيدك، اختاري، ونحوها من الألفاظ (٣) .
-
فإذا وقع الطلاق بلفظ من ألفاظ الكناية فلا بد فيه من النية، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال:
-
"ولا خلاف أنه لا يقع الطلاق بشيء من ألفاظ الكناية إلا بالنية" (٤) .
-
٢ - الرافعي (٦٢٣ هـ) حيث قال: "وكما يقع الطلاق بالصريح، يقع بالكنايات مع النية، بالإجماع" (٥) .
-
٣/٥١٣٣/٥١٣
٣ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال:
-
"وأما الكناية فيقع بها الطلاق مع النية بالإجماع، ولا يقع بلا نية" (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الكاساني من الحنفية، والرافعي، والنووي من الشافعية من الإجماع على أن كنايات الطلاق لا تقع إلا بنية، هو قول الأوزاعي، وأبي عبيد، وحمّاد بن أبي سليمان (٢) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: إن ابنة الجون (٣) لما أدخلت على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ودنا منها قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال لها: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك" (٤) .
-
٢ - ما ورد في قصة كعب بن مالك (٥) في قصة توبته: جاءه رسول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال كعب: أطلقها أم ماذا أفعل؟
-
قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها (٦) .
-
• وجه الدلالة من الحديثين: أن لفظ: "الحقي بأهلك" ، ولفظ: "الاعتزال" ، من ألفاظ الكناية التي تحتاج إلى نية،
-
فلا تعتبر بغير نية من تلفظ بها (٧) .
-
٣ - كُتب إلى عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- من العراق، أن رجلًا قال لامرأته: حبلك على غاربك، فكتب عمر إلى عامله: أن مرهُ أن يوافيني بمكة في الموسم، فبينا عمر يطوف بالبيت، إذ لقيه الرجل فسلّم عليه، فقال عمر: من أنت؟
-
قال: أنا الذي أمرتَ أن أُجلب عليك، فقال له عمر: أسألك برب هذه البنيّة، ما أردت بقولك: حبلك على
-
٣/٥١٤٣/٥١٤
غاربك؟ فقال له الرجل: أردت بذلك الفراق، فقال عمر: هو ما أردت (١) .
-
• وجه الدلالة: استحلف عمر -رضي اللَّه عنه- الرجل ماذا أراد بما تلفظ به، فلما أخبره الرجل بنيته، قال: هو ما أراد، مما يدل على اعتبار النية في كنايات الطلاق.
-
٤ - أن ألفاظ الكناية قد يراد بها الطلاق عند النطق بها، وقد يراد بها غيره،
-
ولا يفهم المقصود منها من حيث الظاهر،
-
فلا بد من نية المكلف حتى تكون هذه الألفاظ معتبرة في الطلاق (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (٣) ، والحنابلة (٤) ، إلى أن كنايات الطلاق منها ما يقع بلا نية؛ مثل: أنت خلية، وبريّة، وبائن، وبتة، وبتلة. وهذه تسمى كنايات ظاهرة.
-
ومنها ما لا يقع إلا بنية؛ مثل: اخرجي، اذهبي، انصرفي، ذوقي، اغربي. وهذه تسمى كنايات خفية، أو محتملة.
-
ثم اختلف هؤلاء فيما يقع بالكنايات الظاهرة من طلاق:
-
• أولًا: يرى المالكية، والإمام أحمد في رواية عنه، أنها تقع ثلاث تطليقات. وهو قول علي، وابن عمر، وزيد بن ثابت -رضي اللَّه عنهم-، وعمر بن عبد العزيز (٥) .
-
• دليل هذا القول: أن هذا يروى عن علي، وابن عمر،
-
ولا مخالف لهما، فيكون إجماعًا (٦) .
-
• ثانيًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، اختارها أبو الخطاب، أنه يقع ما نواه من عدد، إن واحدة، فواحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا.
-
• دليل هذا القول: أن الكنايات الظاهرة أحد نوعي الطلاق،
-
فإذا نوى واحدة لم يزد عليها،
-
وإن نوى أكثر وقع ما نواه (٧) .
-
٣/٥١٥٣/٥١٥
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن ألفاظ الكنايات في الطلاق لا تقع بغير نية المتلفظ بها؛ وذلك لوجود خلاف عن المالكية والحنابلة، بأن هناك ألفاظ كنايات تقع بلا نية.
-
مجرد النية لا يقع بها طلاق]
-
إذا حدّث الرجل نفسه بطلاق امرأته؛ فنوى طلاقها، فإنه لا يقع، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم: أن الرجل إذا حدِّث نفسه بالطلاق، لم يكن شيئًا حتى يتكلم به" (١) . ونقله عنه الشوكاني (٢) .
-
٢ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: "والإجماع على أن العازم على طلاق زوجته لا يلزمه بعزمه الطلاق" (٣) .
-
٣ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال:
-
"وإذا نوى طلاق زوجته لم يقع طلاق، باتفاق العلماء" (٤) . وقال أيضًا: ". . . وبكل حال لم يكن عزم زيد على الطلاق قادحًا في النكاح في الاستدامة، وهذا مما لا نعرف فيه نزاعًا، وإذًا ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقها في الحال" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكر من الإجماع على أن من نوى طلاق امرأته فلا يقع طلاقه، وافق عليه الحنفية (٦) ، والشافعية (٧) ، وابن حزم (٨) ، وهو قول القاسم بن محمد، والشعبي، والحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وإسحاق (٩) .
-
• مستند الإجماع: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه تجاوز
-
٣/٥١٦٣/٥١٦
عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم " (١) .
-
• وجه الدلالة: هذا نص في عدم مؤاخذة المسلم بما حدّث به نفسه، أو همّ به، ما لم يصاحب ذلك قول أو فعل،
-
فمن همّ بالطلاق، ولم يتلفظ به فلا يؤاخذ به، بنص هذا الحديث (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الإمام مالك في رواية عنه، صححها ابن رشد الجد، وقوّاها ابن العربي (٣) ، إلى أن من نوى الطلاق بقلبه فإنه يقع بمجرد النية. وهو قول الزهري (٤) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - حديث عمر بن الخطاب: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٥) .
-
• وجه الدلالة: من طلَّق في قلبه، فقد نوى الطلاق، فله ما نواه بنص هذا الحديث.