الفصل الثاني مسائل الإجماع في الطلاق
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٢٬٠٩٦ إلى ٢٣٬٥١٦
-
٣/٥١٦٣/٥١٦
٢ - لما وقعت الفرقة بنية الردة، جاز أن يقع الطلاق بها، أي: بالنية (٦) .
-
٣ - من كَفَر في نفسه فهو كافو، فكذلك من نوى الطلاق في نفسه فقد طلّق (٧) .
-
ثانيًا: ثمة من توقف في هذه المسألة، وهو قول ابن سيرين، فقد سئل عمن طلق في نفسه؛ فقال: أليس اللَّه قد عَلِمَ ما في قلبه؟ قال: بلى، قال:
-
فلا أقول فيها شيئًا (٨) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن من طلّق في نفسه ونوى ذلك، لا يقع به طلاق؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام مالك، والزهري من قبله، بوقوع الطلاق بمجرد النية.
-
عدم وقوع الطلاق قبل النكاح]
-
إذا قال رجل لامرأة لم يتزوجها بعد: إن تزوجتك فأنت طالق، أو تلك المرأة طالق إن تزوجتها،
-
فإن طلاقه لا يقع، سواء سمى امرأة بعينها، أو أرضًا تنتمي إليها هذه
-
٣/٥١٧٣/٥١٧
المرأة، أم لم يُسمِّ، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أنه لو نجز طلاق امرأة قبل النكاح. . . أنه لغو" (١) .
-
٢ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن الطلاق يقع على النساء اللاتي في عصمة أزواجهن. . . وأنه لا يقع على الأجنبيات" (٢) .
-
٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "لا طلاق قبل النكاح عن عائشة، وعلي، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فيكون إجماعًا" (٣) .
-
وقال أيضًا: "لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو لأمة الغير: إن دخلت الدار فأنت حرة، ثم تزوج الأجنبية، وملَكَ الأمة، ودخلتا الدار، فإن الطلاق لا يقع، ولا تعتق الأمة، بغير خلاف نعلمه" (٤) .
-
٤ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "خِطاب الأجنبية بطلاق، وتعليقه بنكاح، وغيره، لغو، بالإجماع" (٥) .
-
٥ - الصنعانى (١١٨٢ هـ) حيث قال: "إذا قال المطلِّق: إن تزوجت فلانة فهي طالق، مطلق لأجنبية، فإنها حين أنشأ الطلاق أجنبية، والمتجدد هو نكاحها، فهو كما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت، وهي زوجته، لم تطلق إجماعًا" (٦) .
-
٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) فذكره كما قال الصنعاني (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الطلاق قبل النكاح لا يقع، وافق عليه ابن حزم (٨) ، سواء سمى امرأة، أو أرضًا تنتمي إليها هذه المرأة، أم لم يُسمِّ. وهو قول علي، ومعاذ، وجابر، وابن عباس، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، وابن المسيب، وشريح، والحسن، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وجابر بن زيد،
-
٣/٥١٨٣/٥١٨
ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، وعروة، وقتادة، وعكرمة، وإسحاق، وأبي ثور، وداود (١) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: الآية ٤٩] .
-
• وجه الدلالة: أخبر اللَّه سبحانه وتعالى أن الطلاق بعد النكاح، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن، مما يدل على أنه لا طلاق قبل نكاح (٢) .
-
٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك" (٣) .
-
٣ - عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا طلاق قبل نكاح" (٤) .
-
• وجه الدلالة: هذه نصوص صريحة في عدم اعتبار الطلاق قبل النكاح.
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: يرى الحنفية (٥) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٦) ، أن الرجل إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فهو كما قال، تطلق حين يتزوجها. وهو قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهم-، وأعثمان البتي، والزهري، ومكحول، والأوزاعي في رواية (٧) .
-
ثانيًا: يرى المالكية (٨) أنه إذا لم يُسمِّ امرأة بعينها، أو قبيلة، أو أرضًا،
-
فلا يلزمه ذلك، وإن سمى امرأة، أو أرضًا، أو قبيلة، لزمه ذلك. وهو قول ابن أبي ليلى،
-
٣/٥١٩٣/٥١٩
والحسن بن صالح بن حي، والنخعي، والشعبي، والليث، والأوزاعي في رواية (١) .
-
• أدلة هذين القولين:
-
١ - أن الحديث نقول بموجبه، فإنه لا طلاق قبل نكاح، لكن إن شرط الطلاق عند النكاح، فقد تحقق المشروط، فيقع النكاح (٢) .
-
٢ - أن قول الزوج: أنتِ طالق إن تزوجتك، ليس تطليقًا للحال، بل هو طلاق يتحقق عند الشرط، وهو التزويج، فيقع (٣) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أنه لا طلاق قبل النكاح؛ وذلك لما يأتي:
-
١ - وجود خلاف عن الحنفية، والإمام أحمد في رواية،
-
ومن سبقهم من الصحابة،
-
ومن تلاهم بوقوع الطلاق على هذه الصفة.
-
٢ - وجود خلاف عن المالكية أنه إن سمى أرضًا، أو امرأة بعينها، فإن طلاقه يقع.
-
تكرار الطلاق، لا يقع منه إلا ما نواه]
-
إذا طلَّق الرجل امرأته، بأن قال لها: أنت طالق،
-
ثم كرر ذلك؛ فإن نوى إيقاع طلقة ثانية وقعت طلقة ثانية،
-
وإن نوى التأكيد فلا يقع إلا واحدة، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أنه إذا قال لامرأته المدخول بها: أنتِ طالق مرتين، ونوى بالثانية إيقاع طلقة ثانية، وقعت بها طلقتان بلا خلاف" (٤) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في أن من قال لامرأته: أنتِ طالق،
-
ثم كرر ذلك، فإن نوى إيقاع طلقة ثانية، وقع ما نواه،
-
وإن نوى التأكيد لم يقع إلا ما أوقعه قبل التكرار، وافق عليه الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والشافعية (٧) ، وابن حزم (٨) .
-
• مستند نفي الخلاف: أن التكرار بلفظ الطلاق وقع لغرض الإيقاع، فيقع ما
-
٣/٥٢٠٣/٥٢٠
كرره، فإن نوى التأكيد وقع ما أكده (١) .
-
النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن الرجل إذا طلق امرأته فكرر ذلك،
-
فإن نوى الثانية، أو الثالثة، وقع ما نواه،
-
وإن نوى إفهام المرأة أو التأكيد فيقع واحدة؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
الإشارة بالطلاق]
-
إذا طلق الرجل امرأته، فقال لها: أنتِ طالق هكذا، وأشار بأصابعه،
-
فإن الطلاق يقع بعدد أصابعه التي أشار بها، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفي الخلاف:
-
١ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال:
-
"ومن قال لامرأته: أنتِ طالق هكذا، يشير بالإبهام والسبابة والوسطى، فهي ثلاث، ولا خلاف في المسألة" (٢) .
-
٢ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال:
-
"وإن قال: أنتِ طالق هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثًا، وإن قال: أردت بعدد المقبوضتين قُبِل منه، بلا خلاف أعلمه" (٣) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره العيني من الحنفية، والمرداوي من الحنابلة من أنه لا خلاف أن من قال لامرأته: أنتِ طالق، وأشار بأصابعه، فيقع العدد الذي أشار به، وافق عليه المالكية (٤) ، والشافعية (٥) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" ، يعني: ثلاثين، "وهكذا وهكذا وهكذا" ، يعني: تسعًا وعشرين، يقول مرة ثلاثين، ومرة تسعًا وعشرين (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن قوله: "هكذا وهكذا وهكذا" ، تصريح في العدد،
-
فمن طلق امرأته، وأشار بأصابعه، وقال هكذا، وقع ما أشار به (٧) .
-
٣/٥٢١٣/٥٢١
٢ - أن الإشارة بالأصابع يفيد العلم بالعدد، فهو تصريح في تشبيه الطلاق بعدد الأصابع المشار بها (١) .
-
النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن من تلفظ بطلاق امرأته، وأشار بأصابعه، وقال: هكذا، فيقع الطلاق بعدد ما أشار به من أصابعه؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
الشك في الطلاق]
-
إذا شك الرجل: هل طلق امرأته أم لا؟
-
فلا يلزمه شيء، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "إن كان الشك في أصله: هل طلق أم لا؟ لم يلزمه الطلاق، وهذا متفق عليه" (٢) .
-
٢ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "إذا شك: هل طلق أم لا؟ لم تطلق بلا نزاع" (٣) .
-
٣ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "من شك في طلاقه فلا نحكم بوقوعه، قال المحاملي (٤) بالإجماع" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: أولًا: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن من شك في أصل الطلاق، لم يلزمه شيء، وافق عليه الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، وابن حزم (٨) .
-
٣/٥٢٢٣/٥٢٢
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى:
-
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: الآية ٣٦]
-
• وجه الدلالة: جاء الأمر بعدم اتباع ما لا يعني، ولم يتيقنه الإنسان، فيتركه، ويأخذ بما يعلم (١) .
-
٢ - عن عبد اللَّه بن زيد (٢) -رضي اللَّه عنه- قال: شُكي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشيء، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (٣)
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره أن يبني على اليقين،
-
وأن يطرح ما شك فيه،
-
فلا عبرة لمن شك في أصل الطلاق، أو في عدده، فيبني على ما تيقن (٤) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الشك إذا وقع في أصل الطلاق،
-
فلا اعتبار به، فلا يقع الطلاق؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
الشك في عدد الطلاق]
-
إذا شك الرجل فلم يدر كم طلق امرأته، واحدة، أم اثنتين، أم ثلاثًا،
-
فإن الواحدة تلزمه، ونُقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من شك: هل طلق امرأته مرة أو مرتين أو ثلاثًا، أن الواحدة له لازمة" (٥) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن حزم من الاتفاق على أن من شك هل طلق واحدة، أم اثنتين، أم ثلاثًا، لزمته واحدة، وافق عليه الحنفية (٦) ، والشافعية (٧) ، والحنابلة (٨) . لكن الورع عند الشافعية، والحنابلة هو التزام الأكثر دون الحكم
-
٣/٥٢٣٣/٥٢٣
بوقوعه.
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - قال تعالى:
-
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسَراء: الآية ٣٦] .
-
• وجه الدلالة: جاء الأمر بعدم اتباع ما لا يعني، ولم يتيقنه الإنسان، فيتركه، ويأخذ بما يعلم (١) .
-
٢ - عن عبد اللَّه بن زيد -رضي اللَّه عنه- قال: شُكي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشيء، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره أن يبني على اليقين،
-
وأن يطرح ما شك فيه،
-
فلا عبرة لمن شك في أصل الطلاق، أو في عدده، فيبني على ما تيقن (٣) .
-
٣ - الأقل هو اليقين، والزيادة مشكوك فيها،
-
فلا يزول اليقين بالشك (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: يرى المالكية (٥) أن من شك: هل طلق واحدة، أم اثنتين، أم ثلاثًا، فإنه يلزم بالأكثر،
-
فلو كانت الأكثر هي الثلاث،
-
فلا تحل له المرأة إلا من بعد زوج.
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - عن النعمان بن بشير -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى اللَّه محارمه" (٦) .
-
٢ - عن الحسن بن علي -رضي اللَّه عنه- قال: كان مما حفظت من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٧) .
-
• وجه الدلالة من الحديثين: الدعوة إلى خروج الإنسان من دائرة الشك، فيعمل بما هو أحوط، والاحتياط هو إيقاع الطلاق.
-
٣/٥٢٤٣/٥٢٤
٣ - القاعدة عند المالكية تقول: "الشك في الزيادة كتحققها)، فينزل المشكوك فيه هنا بمنزلة المتحقق، فيقع الطلاق للاحتياط (١) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن من شك هل طلق واحدة أم اثنتين، أم ثلاثًا أنه يبني على الأقل؛ لوجود خلاف عن المالكية في أمره بالأخذ بالأكثر.
-
طلاق الحر ثلاث، وطلاق العبد طلقتان]
-
للحر أن يطلق ثلاث تطليقات، وللعبد أن يطلق طلقتين، ونُقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق:
-
١ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن العدد الذي يوجب البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات إذا وقعت متفرقات " (٢) .
-
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:
-
"ولا خلاف في أن الحر الذي زوجته حرة، طلاقه ثلاث، وأن العبد الذي تحته أمَة، طلاقه اثنتان" (٣) . ونقله عنه ابن قاسم (٤) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن رشد من الاتفاق على أن طلاق الحر ثلاث، وطلاق العبد اثنتان، وما ذكره ابن قدامة، وابن قاسم من الحنابلة، من أنه لا خلاف أن الحر الذي تحته حرة أن طلاقه ثلاث،
-
وأن العبد الذي تحت أمة أن طلاقه اثنتان، وافق عليه الشافعية (٥) ، فالطلاق عندهم معتبر بالرجال، فيطلق الحر ثلاث تطليقات، حرة كانت امرأته أو أمة، ويطلق العبد تطليقتين، حرة كانت امرأته أو أمة. وهو قول عثمان، وزيد، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة -رضي اللَّه عنهم-، وسعيد بن المسيب، والقاسم ابن محمد، وسالم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى الأنصاري، وربيعة الرأي، وأبي الزناد، وسليمان بن يسار (٦) .
-
• مستند الاتفاق: ما ورد من الآيات في ذكر الطلاق؛ نحو: قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: الآية ٢٢٩] وقوله تعالى:
-
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: الآية ٢٣٠] .
-
٣/٥٢٥٣/٥٢٥
• وجه الدلالة: ذكر اللَّه تعالى أن الطلاق مرتان،
-
ثم ذكر أنه إن طلقها ثالثة فلا تحل له إلا من بعد زوج، فيكون طلاق كل زوج ثلاث تطليقات، إلا ما استُثني من الرقيق (١) .
-
٣ - تخصص الآيات الواردة في طلاق الحر، بما ورد في العبد أنه على النصف من الحر في الحدود، وفي العدة، ونحوها، فيكون طلاقه على النصف من طلاق الحر (٢) .
-
٤ - أن مكاتبًا لأم سلمة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طلق امرأة حرة تطليقتين، فاستفتى عثمان بن عفان فقال: حرمت عليك (٣) .
-
٥ - أن ابن عمر كان يقول: إذا طلق العبد امرأته تطليقتين، فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، حرة كانت أو أمة (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية (٥) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٦) ، إلى أن الطلاق معتبر بالنساء، فيملك زوج الحرة ثلاث تطليقات، حرًّا كان أو عبدًا، ويملك زوج الأمة تطليقتين حرًا كان أو عبدًا. وهو قول علي، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهما-، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والنخعي، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والثوري، والحسن بن حي (٧) .
-
• أدلة هذا القول: حملوا ما ورد من الأدلة التي ذكرت الطلاق على أن المراد بها الحرة، لقرائن وردت في كتاب اللَّه؛ منها: قوله تعالى:
-
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: الآية ٢٢٩] . قالوا: الأمة لا تملك الافتداء بغير إذن المولى (٨) ، وقوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: الآية: ٢٣٠] . قالوا: والأمة لا تستيطع أن تنكح نفسها بغير إذن
-
٣/٥٢٦٣/٥٢٦
مولاها (١) ، وقوله تعالى:
-
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: الآية ٢٣٠] . قالوا: أي: يتناكحا بعد طلاق الزوج الثاني، وهذا في الحر والحرة (٢) .
-
استدلوا بما روته عائشة -رضي اللَّه عنها- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان" (٣) .
-
• وجه الدلالة: جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طلاق الإماء اثنتين؛ إذ دخلت لام الجنس على الأَمَة، فيشمل بذلك كل أَمَة، سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا،
-
فلا تطلق سوى طلقتين (٤) .
-
عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء" (٥) .
-
ثانيًا: قال عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- (٦) ، وعثمان البتي: ينظر لحال الزوجين، فأيهما كان رقيقًا كان الطلاق بسبب رقه تطليقتين، فالحر يطلق الأمة تطليقتين، وتعتد بحيضتين، والعبد يطلق الحرة تطليقتين، وتعتد بثلاث حيض (٧) .
-
ثالثًا: يرى ابن حزم أنه لا فرق بين طلاق الحر وطلاق العبد، فالزوج يطلق ثلاث تطليقات، حرًا كان أو عبدًا، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة (٨) . وقواه الزركشي من
-
٣/٥٢٧٣/٥٢٧
الحنابلة (١) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - حملوا الآيات الواردة في الطلاق على كل مطلِّق،
-
فإن اللَّه تعالى سوَّى بين طلاق كل ناكح من حر أو عبد، أو عربي أو عجمي، أو مريض أو صحيح (٢) .
-
٢ - أن الطلاق بيد الناكح، وليس بيد سواه، فيستوي فيه الحر والعبد (٣) .
-
النتيجة: أولًا: صحة ما ذكر من الاتفاق على أن طلاق الحر ثلاث تطليقات، ويحمل ذلك فيما إذا كانت تحته حرة فقط.
-
ثانيًا: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على أن طلاق الحر ثلاث تطليقات مطلقًا، والعبد تطليقتان؛ وذلك لما يأتي:
-
١ - أن الحنفية، والإمام أحمد في رواية عنه جعلوا الطلاق معتبرًا بالنساء، فيملك زوج الحرة ثلاث تطليقات، حرًّا كان أو عبدًا، ويملك زوج الأمة تطليقتين، حرًّا كان أو عبدًا. وهو قول علي، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهما-، والحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، والنخعي، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والثوري، والحسن بن حي.
-
٢ - أن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، وعثمان البتي جعلا طلاق الحر إذا كان تحته أمة تطليقتين.
-
٣ - أن ابن حزم جعل الحر، والعبد يستويان في عدد الطلقات، سواء كان تحت أحدهما حرة، أو أمة.
-
طلاق العبد بيده لا بيد سيده]
-
العبد يملك الطلاق، فله أن يطلق دون إذن سيده؛
-
فإن الطلاق بيده، وليس بيد سيده، ونُفي الخلاف في ذلك.
-
• من نفي الخلاف: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "ولم يختلف في ذلك أئمة الأمصار كلهم يقول: الطلاق بيد العبد، لا بيد السيد" (٤) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن عبد البر من أنه لا خلاف في أن طلاق
-
٣/٥٢٨٣/٥٢٨
العبد بيده لا بيد سيده وافق عليه الحنفية (١) ، والشافعية (٢) ، والحنابلة (٣) ، وابن حزم (٤) .
-
وهو قول عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والنخعي، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول، والزهري، وداود (٥) .
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب: الآية ٤٩] وقال تعالى:
-
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: الآية ٢٣١] .
-
• وجه الدلالة: سوّى اللَّه سبحانه وتعالى بين طلاق كل ناكح من حر أو عبد، فجعل الطلاق له؛ لأن له الإمساك، وهو الرجعة (٦) .
-
٢ - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل، فقال: يا رسول اللَّه، سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها، قال: فصعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المنبر، فقال: "يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (٧) .
-
قال ابن القيم: وإن كان في إسناد هذا الحديث ما فيه، إلا أن القرآن يعضده، وعليه عمل الناس (٨) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: من يرى أن الطلاق بيد السيد وليس بيد العبد؛ وهو قول عبد اللَّه بن عباس، وجابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-، وجابر بن زيد، وعمرو بن دينار (٩) .
-
• دليل هذا القول: تقرر أن العبد لا يجوز له أن ينكح بغير إذن سيده، فللسيد عندئذٍ الخيار بين إجازة النكاح، أو التفريق بينهما (١٠) .
-
٣/٥٢٩٣/٥٢٩
ثانيًا: من يرى أن الطلاق للسيد المشتري،
-
فإذا كان للعبد زوجة فباعه سيده، فالطلاق لسيده الذي اشتراه؛ وهو قول عروة بن الزبير (١) .
-
• دليل هذا القول: أن من اشترى عبدًا وله زوجة يمكن أن يرى في هذا عيبًا يرد به النكاح، وللسيد المشتري التخلص من هذا العيب؛
-
فإن المشتري يملك من العبد ما يملكه البائع من حقوق الخدمة ونحوها، ونكاحه قد يعيق تأدية هذه الخدمة (٢) .
-
النتيجة: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن طلاق العبد بيده لا بيد سيده؛ لخلاف ابن عباس، وجابر -رضي اللَّه عنهم-،
-
ومن قال بقولهما من التابعين،
-
وكذلك خلاف عروة بن الزبير.
-
إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا،
-
فلا تحل له إلا من بعد زوج:
-
نقل الإجماع جمع من أهل العلم على أن الرجل إذا طلق امرأته التي دخل بها ثلاث تطليقات أنها لا تحل له إلا من بعد زوج.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا أنها لا تحل له إلا بعد زوج، على ما جاء به حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (٣) .
-
٢ - الجوهري (٣٥٠ هـ) حيث قال: "وأجمع أهل العصر الأول أن المرأة المطلقة ثلاثًا لا تحل للزوج المطلق لها ذلك الطلاق إلا بعد خروجها من عدتها منه، وبعد زوج يجامعها، ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه" (٤) .
-
٣ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "لا يحل له العقد عليها حتى تنكح زوجًا غيره؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: الآية ٢٣٠] وللإجماع الثابت فيه" (٥) .
-
٤ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من تزوج امرأة، ثم طلقها طلاقًا صحيحًا، فأكملت عدتها، ولم تتزوج، ثم نكحها ابتداء نكاحًا صحيحًا، أو لم تكمل عدتها؛ فراجعها مراجعة صحيحة، ثم طلقها ثانية طلاقًا صحيحًا، فأكملت عدتها،
-
٣/٥٣٠٣/٥٣٠
ولم تتزوج، ثم نكحها ثالثة نكاحًا صحيحًا، أو لم تكمل عدتها؛ فراجعها مراجعة صحيحة،
-
ثم طلقها طلاقًا صحيحًا: فإنها لا تحل له إلا بعد زوج " (١) .
-
٥ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن من طلق امرأته طلقة، أو طلقتين، فله مراجعتها، فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره " (٢) . ونقله عنه القرطبي (٣) .
-
٦ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إذا طلق ثلاثًا، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره " (٤) .
-
وقال أيضًا: "واتفقوا على أن النكاح هاهنا هو الإصابة، واتفقوا على أنه شرط في جواز عودها إلى الأول " (٥) .
-
٧ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "أما البائنة بالثلاث فإن العلماء كلهم متفقون على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول إلا بعد الوطء " (٦) .
-
٨ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:
-
"ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ثلاثًا بعد الدخول، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وفي إجماع أهل العلم على هذا غنية عن الإطالة فيه " (٧) .
-
٩ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "المراد بقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: الآية ٢٣٠] الطلقة الثالثة {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: الآية ٢٣٠] وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه " (٨) .
-
١٠ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "إذا وقع بالمرأة الطلاق الثلاث، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة " (٩) .
-
وقال أيضًا: "والمقصود هنا إذا وقع بها الثلاث، حرمت عليه المرأة بإجماع المسلمين، كما دل عليه الكتاب والسنة" (١٠) .
-
٣/٥٣١٣/٥٣١
١١ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من طلق زوجته ثلاثًا، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها في نكاح صحيح" (١) .
-
١٢ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: ". . . بالإجماع على أن من طلق امرأته ثلاثًا أنها تحرم عليه" (٢) .
-
١٣ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: ". . . وجب الوطء بحديث العسيلة، فإنه خبر مشهور يجوز به الزيادة على النص، وهذا لا خلاف فيه" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول إلا من بعد زوج،
-
ولا بد فيه من الإصابة، هو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، ومسروق، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وأبي عبيد (٤) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى:
-
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: الآية ٢٣٠]
-
• وجه الدلالة: دلت الآية على أنه لا بد أن تنكح المرأة المطلقة زوجًا غير الذي طلقها حتى تحل له،
-
ولا بد أن يجتمع العقد، والوطء؛ لأنه لو عقد عليها دون وطء لا تحل للأول،
-
وإن وطئها دون عقد لا تحل للأول أيضًا، قال الطبري: "لإجماع الأمة جميعًا" ،
-
فلا بد من العقد والوطء (٥) .
-
٢ - أن امرأة رفاعة لما تزوجت عبد الرحمن بن الزبير، أتت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: إن زوجي أبتّ طلاقي، وقد تزوجتُ عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٦) .
-
• وجه الدلالة: دل الحديث على أن المرأة لا تحل لزوجها الذي طلقها إلا بعد أن تتزوج زوجًا غيره، فيطأها وطءًا صحيحًا.
-
• الخلاف في المسألة: ورد خلاف في المسألة -سبقت الإشارة إليه- على النحو التالي:
-
٣/٥٣٢٣/٥٣٢
أولًا: ذهب سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير إلى أنه يكفي حتى تحل المرأة لزوجها الأول مجرد عقد الزوج الثاني.
-
ثانيًا: قال الحسن البصري لا تكفي مجرد الإصابة، بل لا بد من الإنزال.
-
النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن المطلقة ثلاثًا لا تعود لزوجها الأول إلا من بعد أن تنكح زوجًا غيره،
-
ولا بد من الوطء في هذا النكاح.
-
ثانيًا: سبق ذكر قول من خالف في أنه يكفي مجرد العقد، وقد وصف بالشذوذ، وأُعيدُ ما سبق قبل في الجواب عن هذا الخلاف:
-
١ - لعل سعيد بن المسيب، وابن جبير لم يبلغهما حديث العسيلة، أو لم يصح عندهما، فأخذا بظاهر القرآن (١) .
-
٢ - إن هذا القول لم نعلم أحدًا قال به إلا الخوارج؛ كما قال ابن المنذر (٢) .
-
٣ - إنه قول شاذ، صحت السنة بخلافه، وانعقد الإجماع قبله وبعده (٣) .
-
٤ - من عقد نكاحًا على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضى فسخه؛
-
ولا يعتبر فيه خلافه؛ لأنه خارج عن إجماع العلماء (٤) .
-
٥ - ما ورد عن سعيد بن جبير لم يوجد مسندًا عنه في كتاب، إنما نقله أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (٥) .
-
٦ - إن العسيلة التي لابد من ذوقها بين الزوجين هي مجرد التقاء الختانين بينهما، أما الإنزال فيسمى: "الدبيلة" ،
-
فإن الرجل لا يزال في لذة من الملاعبة، حتى إذا أولج فقد عسّل،
-
ثم يتقاطر منه ما فيه عناء نفسه، وإتعاب أعضائه، فالإنزال أقرب إلى الحنظلية منه إلى العسيلية؛ لأنه يبدأ بلذة، ويختم بألم (٦) .
-
٣/٥٣٣٣/٥٣٣
إذا طلقها ثلاثًا فتزوجت غيره،
-
ثم تزوجها الأول، فترجع إليه على ثلاث طلقات:
-
إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا فإنها تحرم عليه،
-
ولا تحل له إلا من بعد زوج،
-
فإن طلقها الثاني وعادت إلى الأول، فإنها ترجع إليه، فيملك الزوج عليها ثلاث تطليقات جديدة، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة ثلاثًا، ثم انقضت عدتها، ونكحت زوجًا غيره، ودخل بها، ثم فارقها وانقضت عدتها، ثم ينكحها الأول، أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات جديدة" (١) .
-
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أن المطلق إذا بانت زوجته منه، ثم تزوجها، فهذه ترجع إليه على طلاق ثلاث، بإجماع أهل العلم" (٢) .
-
٣ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال:
-
"وإن ثلث الطلاق بأن طلقها ثلاثًا، وجدد نكاحها بعد زوج دخل بها وفارقها، وانقضت عدتها منه، عادت بثلاث بالإجماع" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الشافعية، وابن قدامة من الحنابلة من الإجماع على أن المرأة إذا طلقها زوجها الأول بالثلاث، فنكحت غيره،
-
ثم عادت بعد أن طلقها الثاني، عادت إليه بثلاث تطليقات وافق عليه الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، وابن حزم (٦) .
-
• مستند الإجماع: أن طلاق الزوج الثاني للمرأة مثبت لحلها لزوجها الأول، وإثبات الحل يجعله يتسع لثلاث طلقات (٧) .
-
٢ - لا يمكن بناء العقد الثاني على العقد الأول، فيكون نكاحًا مستفتحًا بأحكامه (٨) .
-
٣/٥٣٤٣/٥٣٤
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا،
-
ثم عادت إليه، أنها تعود إليه بثلاث تطليقات؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
إذا طلق امرأته المدخول بها دون الثلاث، تعود إليه برجعة، أو بعقد جديد بعد العدة، وبما بقي عليها من الطلاق]
-
إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة أو طلقتين، فإنها تعود إليه برجعة قبل أن تنتهي عدتها،
-
فإن انتهت عدتها عادت إليه بعقد جديد، وتعود إليه بما بقي عليها من طلاق إن نكحها قبل زوج، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن له الرجعة في المدخول بها ما لم تنقض العدة، فإذا انقضت العدة فهو خاطب من الخطاب" (١) .
-
٢ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "إذا طلقها دون الثلاث، ثم عادت قبل أن تتزوج، فإنها تعود على ما بقي من الطلاق، بلا خلاف" (٢) .
-
٣ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "ما يستبيحه المطلق بالرجعة من غير عقد، وهو ما دون الثلاث في المدخول بها، فيستبيحها الزوج؛ بأن يراجعها في العدة، فإن نكحها قبل زوج، كانت معه على ما بقي من الطلاق، إجماعًا" (٣) .
-
٤ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن الطلاق نوعان: بائن ورجعي، وأن الرجعي هو الذي ملك فيه الزوج رجعتها من غير اختيارها، وأن من شرطه أن يكون في مدخول بها، ولا خلاف في هذا" (٤) .
-
٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: ". . . أن يطلقها دون الثلاث، ثم تعود إليه برجعة، أو نكاح جديد قبل زوج ثانٍ، فهذه ترجع إليه على ما بقي من طلاقها، بغير خلاف نعلمه" (٥) .
-
٦ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال:
-
"ولو طلق دون ثلاث وراجع من طلقها، أو جدد نكاحها. . . عادت ببقية الثلاث، أما إذا لم يكن بعد زوج، فبالإجماع" (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الرجل إذا طلق
-
٣/٥٣٥٣/٥٣٥
امرأته المدخول بها دون الثلاث، أن له رجعتها قبل انتهاء العدة،
-
فإن انتهت العدة تعود إليه بعقد جديد، وتعود بما بقي من الطلاق إن لم تكن تزوجت - وافق عليه الحنفية (١) ، وابن حزم (٢) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: الآية ٢٢٨] وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: الآية ١] وقال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: الآية ٢٢٩] .
-
٢ - ما ورد عن عبد اللَّه بن عمر أنه لما طلق امرأته في الحيض، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمر: "مُرهُ فليراجعها. . . " (٣) .
-
٣ - عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طلق حفصة ثم راجعها (٤) .
-
• وجه الدلالة: دلت هذه النصوص على حق الزوج في الرجعة ما لم تنته العدة،
-
فإن انتهت، كان خاطبًا من الخطاب إن أراد أن ينكحها، إذا كان الطلاق دون الثلاث.
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته دون الثلاث، فله مراجعتها قبل العدة، وله أن يعقد عليها عقدًا جديدًا بعد العدة،
-
فإن كانت لم تتزوج عادت إليه بما بقي من الطلاق، وذلك لعدم وجود مخالف.
-
إذا طلق امرأته غير المدخول بها طلقة واحدة،
-
فلا تحل له إلا بعقد جديد]
-
إذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول طلقة واحدة، فإنها تحرم عليه،
-
ولا يحل له مراجعتها؛ لأن الرجعة على المعتدة، وهذه لا عدة عليها؛
-
وإن أراد أن ينكحها فلا بد من عقد جديد، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - المروزي (٢٩٤ هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا طلق امرأته تطليقة، ولم يدخل بها، أنها قد بانت منه، وليس له عليها رجعة، وليس عليها عدة" (٥) .
-
٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن من طلق زوجته، ولم يدخل
-
٣/٥٣٦٣/٥٣٦
بها طلقة أنها قد بانت منه،
-
ولا تحل له إلا بنكاح جديد،
-
ولا عدة له عليها " (١) .
-
٣ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن التي طُلِّقت ولم تكن وُطِئَت في ذلك النكاح. . . فلا عدة عليها أصلًا، وأن لها أن تنكح من يحل له نكاحها، ولا رجعة للمطلق عليها " (٢) .
-
وقال أيضًا: "واتفقوا أن التي لا عدة عليها لا رجعة له عليها إلا على حكم ابتداء النكاح الجديد " (٣) .
-
٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة، ولا يستحق مطلقها رجعتها، وإن رغب مطلقها فيها؛ فهو خاطب من الخطاب، يتزوجها برضاها بنكاح جديد، وترجع إليه بطلقتين، وإن طلقها اثنتين، ثم تزوجها، رجعت إليه بطلقة واحدة، بغير خلاف بين أهل العلم" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن غير المدخول بها إذا طلقت طلقة واحدة،
-
فلا تحل لزوجها إلا بعقد جديد - وافق عليه الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: الآية ٤٩]
-
• وجه الدلالة: بين سبحانه وتعالى أن لا عدة على غير المدخول بها فتبين بمجرد طلاقها، وتصير كالمدخول بها بعد انقضاء عدتها، لا رجعة عليها،
-
ولا نفقة لها (٧) .
-
٢ - أن الرجعة إنما تكون في العدة،
-
ولا عدة قبل الدخول (٨) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته غير المدخول بها طلقة واحدة أنها لا تحل له إلا بعقد جديد؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
٣/٥٣٧٣/٥٣٧
من طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، فمات أحدهما في العدة، فإنهما يتوارثان:
-
نُقل الإجماع على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقًا يملك رجعتها فيه، ومات أحدهما في العدة، فإنهما يتوارثان.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن من طلق زوجته مدخولًا بها طلاقًا يملك رجعتها، وهو صحيح أو مريض، فمات، أو ماتت قبل أن تنقضي عدتها، فإنهما يتوارثان" (١) .
-
وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن من طلق زوجته طلاقًا يملك فيه رجعتها، ثم توفي قبل انقضاء العدة، أن عليها عدة الوفاة، وترثه" (٢) .
-
٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "اتفقوا أن من طلق امرأته -التي نكحها نكاحًا صحيحًا- طلاق سنة، وهي ممن يلزمها عدة من ذلك الطلاق، فطلقها مرة، أو مرة بعد مرة، فله مراجعتها شاءت أم أبت، بلا ولي ولا صداق، ما دامت في العدة، وأنهما يتوارثان، ما لم تنقض العدة" (٣) .
-
٣ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال:
-
"فإن كانت العدة من طلاق رجعي، فمات أحد الزوجين قبل انقضاء العدة، ورثه الآخر بلا خلاف" (٤) .
-
٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "والرجعية زوجة، يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه، بالإجماع" (٥) . وقال أيضًا: "إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها في عدتها، لم يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة، سواء كان في المرض أو في الصحة، بغير خلاف نعلمه" (٦) .
-
٥ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: "اتفق الناس أن المطلقة الرجعية ترث وتورث في العدة، وقع الطلاق في المرض أو الصحة" (٧) .
-
٦ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "وقيد بالبائن؛ لأن في الرجعي يرثها وترثه في
-
٣/٥٣٨٣/٥٣٨
العدة، وإن طلق في الصحة لقيام النكاح، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في طلاق يملك الرجعة بعد الدخول يتوارثان في العدة " (١) .
-
٧ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "ويتوارثان - أي: الزوج المريض وزوجته- في عدة طلاق رجعي بالإجماع " (٢) .
-
٨ - الرملي (١٠٠٤ هـ) حيث قال: "ويتوارثان، أي: من طلق مرضًا والمطلقة، فى عدة طلاق رجعي إجماعًا " (٣) .
-
٩ - البهوتي (١٠٥١ هـ) حيث قال: "بل يتوارثان في طلاق رجعي، ما دامت فى العدة، سواء كان في المرض أو الصحة، بغير خلاف" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن من طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، فمات أحدهما في العدة أنهما يتوارثان، هو قول أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود -رضي اللَّه عنهم- (٥) .
-
• مستند الإجماع: أن الطلاق الرجعي لا يزيل النكاح، فتبقى زوجته بعد الطلاق، وقبل انتهاء العدة، فيلحقها كل ما يلحق الزوجة قبل الطلاق من ظهار وإيلاء، ولعان، ونحوه (٦) ، فيرثها وترثه بما جاء في آيات المواريث.
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته طلاقًا رجعيًّا،
-
ثم مات أحدهما قبل انقضاء العدة،
-
فإن الآخر يرث صاحبه؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
٣/٥٣٩٣/٥٣٩
من طلق زوجته في صحته طلاقًا بائنًا،
-
فلا يتوارثان، سواء مات أحدهما في العدة أو بعدها:
-
سبق القول فيمن طلق امرأته، وهو مريض،
-
ثم مات في مرضه ذلك أنها ترثه، أما إن طلق امرأته، وهو صحيح، وكان الطلاق بائنًا،