الفصل الثاني مسائل الإجماع في العدة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٤٬١٠١ إلى ٢٥٬٠٧٥
-
٣/٦٩٤٣/٦٩٤
وإن شاء الصداق، فاختار الصداق، وقال: قد حبلتْ، لا حاجة لي فيها (١) .
-
٢ - عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو، فإنها تنتظر أربع سنين ثم تحد أربعة أشهر وعشرا، ثم تحل" (٢) .
-
٣ - عن الزهريّ قال: وقضى بذلك -أي بمثل قضاء عمر- عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- (٣) .
-
٤ - عن علي -رضي اللَّه عنه- قال: "تعتد أربع سنين، ثم يطلقها ولي زوجها، وتعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا، فإن جاء زوجها المفقود بعد ذلك، خير بين الصداق وبين امرأته" (٤) .
-
٣/٦٩٥٣/٦٩٥
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية (١) ، والإمام الشافعي في الجديد (٢) ، والإمام أحمد في رواية عنه (٣) ، وابن حزم (٤) ، إلى أن امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين وفاته، طالت المدة أو قصُرت. وهو قول علي بن أبي طالب فيما صح عنه، وابن مسعود -رضي اللَّه عنه- (٥) ، وأبي قلابة، والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وجابر بن زيد، وحمَّاد بن أبي سليمان (٦) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - عن المغيرة بن شعبة -رضي اللَّه عنه- قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها الخبر" (٧) .
-
٢ - عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال في امرأة المفقود: هي امرأة ابتليت، فلتصبر، لا تنكح حتى يأتيها يقين موته (٨) .
-
ثانيًا: جاءت رواية عن الإمام أحمد بالتوقف، فقال: كنت أقول ذلك، وقد هبتُ الجواب فيها، لما اختلف الناس فيها، وكأني أُحِبُ السلامة (٩) ، وقد أنكر الإمام أحمد على من روى عنه أنه رجع عن القول في هذه المسألة (١٠) .
-
٣/٦٩٦٣/٦٩٦
النتيجة: عدم تحقق ما ذكر من إجماع الصحابة على أن الغائب غيبة ظاهرها الهلاك أن امرأته تتربص أربع سنين،
-
ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا،
-
ثم تحل للأزواج؛ وذلك لوجود خلاف صحيح عن علي، وابن مسعود -رضي اللَّه عنه-، وعمن جاء بعدهما من التابعين، وأئمة المذاهب، بأنها امرأته حتى يأتيها يقين وفاته، طالت المدة، أو قصرت.
-
إذا عاد الغائب بعد أن تزوجت امرأته، خُيِّر في أن تعود إليه، أو يأخذ الصداق:
-
إذا مضت المدة التي تتربص فيها المرأة من غيبة زوجها التي ظاهرها الهلاك، فلها أن تتزوج،
-
فإن عاد زوجها الأول، وقد دخل بها زوجها الثاني،
-
فإن زوجها الأول يُخير في أن تعود إليه، أو أن يأخذ صداقها، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:
-
"وإن قدم بعد دخول الثاني بها، خُيِّرَ الأول بين أخذها، فتكون امرأته بالعقد الأول، وبين أخذ صداقها، وتكون زوجة الثاني. . . لإجماع الصحابة عليه" (١) . وذكره في الكافي (٢) ، ونقله عنه ابن قاسم (٣) . وقال أيضًا: "إن عمر وعثمان قال: إن جاء زوجها الأول، خُيِّرَ بين المرأة وبين الصداق الذي ساق هو، ولم يُعرف لهما مخالف في عصرهم فكان إجماعًا" (٤) .
-
٢ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) ، حيث قال: "وللأول تركها معه، أي مع الثاني، لقول عمر، وعثمان وعلي، وقضى به ابن الزبير، ولم يُعرف لهم مخالف، فكان إجماعًا" (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنابلة، من الإجماع على أن الزوج
-
٣/٦٩٧٣/٦٩٧
الغائب إذا قدم وقد تزوجت امرأته ودخل بها الزوج الثاني؛ أن الزوج الأول يخير بين أن تعود إليه، وبين أن يأخذ صداقها، وافق عليه الإمام الشافعي في القديم، فيما ذكره الكرابيسي (١) عنه (٢) ، وابن حزم (٣) . وهو قول عمر، وعثمان، وابن الزبير -رضي اللَّه عنهم-، والحسن، وعطاء، وخلاس بن عمرو، وقتادة (٤) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - في قصة امرأة المفقود الذي رجع بعدما تزوجت، أن عمر -رضي اللَّه عنه- قال له: إن شئت رددنا إليك امرأتك،
-
وإن شئت زوجناك غيرها (٥) .
-
٢ - أن عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- قضى بمثل قضاء عمر في امرأة المفقود أن تتربص أربع سنين،
-
ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا،
-
ثم تتزوج؛ فإن جاء زوجها الأول، خير بين الصداق وبين امرأته (٦) .
-
٣ - ما روي عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-: أن المفقود إذا جاء بعد زواج امرأته، خير بين الصداق وبين امرأته (٧) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية (٨) ، والإمام الشافعي في الجديد (٩) ، إلى أن الزوج الثاني إن دخل بالمرأة بعد قدوم زوجها الأول، فإنها ترد له، ويفرق بينها وبين الثاني، ولها المهر بما استحل من فرجها،
-
ولا يقربها الأول حتى تنقضي عدتها من الثاني. وهو قول علي -رضي اللَّه عنه-، وإبراهيم النخعي، والثوري، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي (١٠) .
-
٣/٦٩٨٣/٦٩٨
• أدلة هذا القول:
-
١ - قال علي -رضي اللَّه عنه-: ليس الذي قال عمر -رضي اللَّه عنه- بشيء -يعني في امرأة المفقود- هي امرأة الأول حتى يأتيها يقين موته أو طلاقها، ولها الصداق من هذا بما استحل من فرجها، ونكاحه باطل (١) .
-
٢ - عن سعيد بن جبير عن علي -رضي اللَّه عنه- قال: هي امرأة الأول دخل بها الآخر أو لم يدخل بها (٢) .
-
٣ - أن المرأة تزوجت وهي منكوحة، ومنكوحة الغير ليست من المحللات؛ بل هي من المحرمات،
-
فلا يستقيم تركها مع الثاني (٣) .
-
ثانيًا: ذهب المالكية (٤) ، إلى أن الزوج الأول إن قدم بعد دخول الثاني بها فلا مقال له؛ فهي زوجة الثاني، وهو قول ابن تيمية (٥) .
-
• دليل هذا القول: أن المرأة قد بانت من زوجها بحكم الحاكم؛ فقد تربصت أربع سنين، واعتدت أربعة أشهر وعشرًا بحكم من الحاكم،
-
فلا يفرق بينها وبين زوجها الثاني (٦) .
-
النتيجة: عدم تحقق ما ذكر من إجماع الصحابة -رضي اللَّه عنه- في أن الزوج الغائب إن عاد، وقد تزوجت امرأته بآخر، أن الزوج الأول بالخيار بين أن ترجع إليه امرأته، وبين أن يأخذ الصداق؛ وذلك لوجود خلاف في المسألة، وهذا الخلاف على النحو التالي:
-
١ - أنها زوجة الأول، فتعود إليه،
-
ولا يقربها إلا بعد تمام العدة، وهو قول علي -رضي اللَّه عنه-، وتبعه على ذلك بعض أهل العلم من التابعين، وهو قول الحنفية، والإمام الشافعي في الجديد.
-
٢ - أنها زوجة الثاني، فقد بانت من الأول بالتربص أربع سنين، وبالعدة أربعة أشهر وعشرا، وهو قول المالكية، وابن تيمية.
-
وجوب النفقة لامرأة المفقود، حتى تخرج من العدة]
-
إذا غاب الرجل عن امرأته،
-
فإن النفقة لها واجبة في غيبته كوجوبها في حضرته،
-
٣/٦٩٩٣/٦٩٩
فإن أمرها الحاكم بأن تتربص أربع سنين،
-
ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، فلها النفقة حتى تخرج من العدة، ونُقل الإجماع على ذلك:
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث قال: "جعل الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على الزوج نفقة امرأته، وحكم اللَّه -عز وجل- بين الزوجين أحكامًا منها: اللعان، والظهار، والإيلاء، ووقوع الطلاق، فلم يختلف المسلمون فيما علمته في أن ذلك لكل زوجة على زوج غائب، أو حاضر" (١) .
-
٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المفقود عليها زوجها ينفق عليها من ماله في العدة بعد الأربع سنين، أربعة أشهر وعشرا" (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الشافعية من الإجماع على وجوب النفقة لامرأة المفقود ما دامت في العدة، وافق عليه الحنفية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم (٥) ، وهو قول ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - أن الزوجة حبست نفسها من أجل زوجها الغائب؛ فتجب لها النفقة (٧) .
-
٢ - أن في الإنفاق على الزوجة إبقاءً لحياتها، وليس لها مال سواه، فتنفق على نفسها من ماله كما لو كان موجودًا (٨) .
-
٣ - لو امتنع الزوج عن النفقة على امرأته، وهو حاضر، لحَكَم القاضي عليه بالنفقة، فكذلك إن كان غائبًا (٩) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (١٠) إلى أن النفقة لزوجة المفقود تكون في الأربع سنين فقط،
-
فإذا انتقلت للعدة أربعة أشهر وعشرا،
-
فلا نفقة لها من ماله.
-
• دليل هذا القول: أن الزوج أصبح ميتًا حكمًا، فانتقلت امرأته بعد التربص إلى
-
٣/٧٠٠٣/٧٠٠
العدة من وفاته، ولا نفقة لمعتدة من وفاة ما لم تكن حاملًا (١) .
-
النتيجة: أولًا: أن الجميع متفقون على وجوب النفقة لامرأة المفقود في مدة التربص؛ وهي أربع سنين، فيمكن حمل الإجماع على هذا.
-
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أنه ينفق عليها في العدة أي بعد الأربع سنين؛ لوجود خلاف عن المالكية، يقضي بأنه لا نفقة لها في العدة.
-
لا يرث أحد الزوجين الآخر إذا غاب أحدهما، ما لم يأتِ يقين وفاته:
-
إذا غاب أحد الزوجين فلا يرثه الآخر حتى يأتي يقين وفاته، ونُقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق:
-
١ - الشافعي (٢٠٤ هـ) ، حيث قال: "لم أعلم مخالفًا في أن الرجل، أو المرأة، لو غابا، أو أحدهما، برًّا أو بحرًا، عُلِمَ مغيبهما أو لم يُعلم، فماتا، أو أحدهما، فلم يسمع لهما بخبر، أو أسرهما العدو، فصيروهما إلى حيث لا خبر عنهما، لم نورث واحدًا منهما من صاحبه إلا بيقين وفاته قبل صاحبه" (٢) .
-
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) ، حيث قال:
-
"فأما ماله فاتفقوا على أنه لا يقسم حتى تمضي مدة لا يعيش في مثلها" (٣) .
-
• الموافقون على الاتفاق:
-
ما ذكره الإمام الشافعي، وابن قدامة من الحنابلة، أن الغائب من الزوجين لا يرثه صاحبه ما لم يأتِ يقين وفاته، وافق عليه الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، وابن حزم الظاهري (٦) .
-
واختلف الفقهاء في القدر الذي يحكم بيقين وفاته فيها (٧) .
-
٣/٧٠١٣/٧٠١
• مستند الاتفاق: أن الشك قد وقع في موت المفقود، والأصل أنه حي،
-
فلا يثبت الميراث بالشك والاحتمال؛ لأن الأصل أن الثابت بيقين لا يزول بالشك، وغير الثابت بيقين لا يثبت بالشك (١) .
-
النتيجة: تحقق ما ذكر من الاتفاق على أن الغائب من الزوجين لا يرثه الآخر ما لم يأتِ يقين وفاته؛ لكن الفقهاء اختلفوا -كما بيّنت- في المدة التي يُتيقن أن المفقود قد مات فيها.