الفصل الثالث: مسائل الإجماع في أبواب اللقطة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٢٩٬٠٩٩ إلى ٢٩٬٧١٥
-
٨/١٣٣٨/١٣٣
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: بعض فقهاء المالكية.
-
فقد ورد عن بعض فقهاء المالكية قولهم: (قيل لا شيء على الملتقط،
-
وقيل يخير ربها بين أخذ القيمة وبين أخذها وما نقصها إذا نقصت نقصًا قويًا بالاستعمال، وإلا فيأخذها مع نقصها،
-
وقيل ليس له إلا نقصها فقط) (٥) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في ضمان اللقطة في مدة التعريف إذا تعدى عليها الملتقط بفعله، أو فرط في حفظها (٦) .
-
٨/١٣٤٨/١٣٤
وأما خلاف بعض فقهاء المالكية فضعيف، وقد أورده الشارح بصيغة التمريض، مما يدل على أنه غير مرضي عندهم.
-
محل تعريف اللقطة أبواب المساجد والأسواق]
-
• المراد بالمسألة: أن اللقطة يجب أن يعرفها الملتقط بالطريقة التي يصل فيها إلى صاحبها، وذلك في الأماكن التي هي مظنة وجود صاحبها، أو من يعرف صاحبها، وفي الوقت الحاضر عبر التقنيات الحديثة من وسائل الاتصال.
-
• من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) قال: [قال العلماء: محل ذلك المحافل كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك] (١) . المرداوي (٨٨٥ هـ) قال: [ويعرف الجميع يعني وجوبًا بالنداء عليه في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات حولًا كاملًا: من ضاع منه شيء أو نفقة، وهذا بلا نزاع في الجملة] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والصنعاني (٥) .
-
قال السرخسي: (ينبغي للملتقط أن يعرفها في الموضع الذي أصابها فيه،
-
وأن يعرفها في مجمع الناس) (٦) .
-
قال ابن قدامة: (. . . في مكانه، وهو الأسواق وأبواب المساجد والجوامع في الوقت الذي يجتمعون فيه، كأدبار الصلوات في المساجد
-
وكذلك في مجامع الناس، لأن المقصود إشاعة ذكرها، وإظهارها) (٧) .
-
٨/١٣٥٨/١٣٥
قال النووي: (ليكن التعريف في الأسواق ومجامع الناس وأبواب المساجد عند خروج الناس من الجماعات) (١) .
-
قال القرافي: (مكان التعريف: وفي التبصرة: هو الموضع الذي التقطت فيه، إن كان المالك يراجعه، والمواضع التي تجتمع الناس إليها، ودبر الصلوات، وعلى أبواب المساجد والجامع) (٢) . قال ابن مفلح: (ويعرف الجميع وجوبًا. . . في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات) (٣) .
-
قال الشربيني: (ثم يعرفها في الأسواق وأبواب المساجد ونحوها) (٤) . قال البهوتي: (ويكون النداء في مجامع الناس كالأسواق والحمامات وأبواب المساجد أدبار الصلوات) (٥) . قال عبد الرحمن ابن قاسم: (ويعرف الجميع وجوبًا. . . في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات) (٦) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: أمر عمر -رضي اللَّه عنه-: (واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد) (٧) .
-
الثاني: لأن المقصود إشاعة ذكرها، وإظهارها، ليظهر عليها صاحبها (٨) .
-
الثالث: لأن القصد بالتعريف إعلام صاحبها بها، والتعريف في هذه المواضع أبلغ من غيرها (٩) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: ابن المنذر (١٠) ، وابن حزم من الظاهرية (١١) .
-
٨/١٣٦٨/١٣٦
وذهبوا إلى أنه لا يخص مكانًا دون مكان. قال ابن حزم: (. . . لكن تعريفه هو أن يقول في المجامع الذي يرجو وجود صاحبه فيها أو لا يرجو. . .) (١) .
-
• دليلهم: واحتج المخالفون لهذا المسألة: بأنه ثبت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر الذي وجد اللقطة أن يعرفها، ولم يخص موضعًا دون موضع (٢) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أنَّ محل تعريف اللقطة أبواب المساجد والأسواق، لوجود الخلاف القوي في المسألة (٣) .
-
تعريف اللقطة يكون بالنداء عليها بنفسه أو وكيله بذكر جنسها دون تفاصيلها]
-
• المراد بالمسألة: أن يقوم الملتقط بتعريف اللقطة في مكان سقوطها، وفي غيره،
-
ولا يشترط أن يعرفها بنفسه، بل يجوز بواسطة وكيله،
-
وأن لا يذكر تفاصيل جنسها، وإنما يعمي كأن يقول من ضاع منه شيء في هذا المكان؟ .
-
• من نقل الإجماع: المرداوي (٨٨٥ هـ) قال: [ويعرف الجميع يعني وجوبًا عليه في مجامع الناس؛ كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات حولًا كاملًا، من ضاع منه شيء أو نفقة، وهذا بلا نزاع في الجملة] (٤) .
-
٨/١٣٧٨/١٣٧
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (١) ، المالكية (٢) ، والشافعية (٣) .
-
قال الماوردي: (وينبغي أن يكون المعرف لها مأمونًا غير مشهور بالخلاعة والمزاح، حتى لا ينسب عند التعريف إلى الكذب والمجون،
-
فإن وجد متطوعًا بالتعريف فهو أولى،
-
وإن لم يجد إلا مستجعلًا،
-
فإن تطوع الواجد ببدل جعله من ماله كان محسنًا،
-
وإن دفعه دينًا على صاحبها استأذن فيه حاكمًا ليصح له الرجوع به) (٤) .
-
قال الجويني: (ليس على الواجد أن يتولى التعريف بنفسه، وله أن يستنيب فيه متبرعًا أو مستأجرًا) (٥)
-
قال ابن قدامة: (وللملتقط أن يتولى ذلك بنفسه، وله أن يستنيب فيه،
-
فإن وجد متبرعًا بذلك، وإلا احتاج إلى أجر، فهو على الملتقط) (٦) .
-
قال النووي: (ثم إذا التقط في بلدة أو قرية،
-
فلا بد من التعريف فيها. . .
-
فإن حضره سفر، فوّض التعريف إلى غيره،
-
ولا يسافر بها) (٧) .
-
قال القرافي: (فيمن يتولى التعريف، قال اللخمي: هو مخير بين تولي التعريف بنفسه، أو يدفعها للسلطان إذا كان عدلًا، أو يدفعها لمأمون يقوم مقامه فيها، أو يستأجر عليها من يعرفها) (٨) .
-
قال البهوتي: (ويكون التعريف بالنداء عليه أي الملتقط بنفسه أي الملتقط، أو بنائبه) (٩) . قال الدردير: (. . . بنفسه، أو بمن يثق به لأمانته. .. أو يعرفها غيره بأجرة) (١٠)
-
٨/١٣٨٨/١٣٨
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة, منها:
-
الأول: عن زيد بن خالد -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (اعرف عفاصها ووكاءها) (١) .
-
• وجه الاستدلال: أن فيه وجوب معرفة أوصافها حتى يقع التعريف صحيحًا.
-
الثاني: قول عمر -رضي اللَّه عنه- لواجد الذهب: (قل الذهب) بطريق الشام.
-
قال ابن قدامة: (ولا يصفها، لأنه لو وصفها لعلم صفتها من يسمعها،
-
فلا تبقى صفتها دليلًا على ملكها، لمشاركة غير المالك في ذلك، ولأنه لا يأمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها) (٢) .
-
الثالث: قالوا: لأن ذكر جنسها الخاص ربما أدّى بعض أذهان الحذاق إلى ذكر عفاصها ووكائها باعتبار العادة (٣) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: ابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
قال: (تعريفه هو أن يقول في المجامع الذي يرجو وجود صاحبه فيها أو لا يرجو: من ضاع له مال فليخبر بعلامته،
-
فلا يزال كذلك سنة قمرية) (٥) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن تعريف اللقطة يكون بالنداء عليها بنفسه أو وكيله بذكر جنسها دون تفاصيلها، وذلك لخلاف ابن حزم الذي يشترط عدم ذكر جنسها (٦) .
-
٨/١٣٩٨/١٣٩
من ادعى اللقطة ولم يعرف العفاص والوكاء لا تدفع إليه]
-
• المراد بالمسألة: أن للملتقط رد اللقطة إلى صاحبها بعد أن يصفها وصفًا صحيحًا، ويتعرف عليها بذكر علاماتها من: العفاص (١) ، والوكاء (٢) ، والعدد والوزن،
-
فإذا ادعاها ولم يصفها،
-
فلا تدفع إليه، ولا يحتاج الأمر إلى بينة، فيكفي الوصف (٣) .
-
• من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [اتفقوا على أنها لا تدفع إليه إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء] (٤) .
-
القرطبي (٦٧١ هـ) قال: [وأجمع العلماء: أن عفاص اللقطة ووكاءها من إحدى علاماتها وأدلتها عليها،
-
فإذا أتى صاحب اللقطة بجميع أوصافها
-
٨/١٤٠٨/١٤٠
دفعت له] (١) . عبد الرحمن ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [اتفق الأئمة الأربعة على أنها لا تدفع إليه إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، وابن حزم من الظاهرية (٥) .
-
قال ابن حزم: (فإن جاء من يقيم عليه بينة، أو من يصف عفاصه، ويصدق في صفته، ويصف وعاءه ويصدق فيه، دفعها إليه) (٦) .
-
قال الماوردي: (وصورتها في رجل ادعى لقطة في يد واجدها،
-
فإن أقام البينة العادلة على ملكها وجما تسليمها له،
-
وإن لم يقم بينة لكن وصفها فإن أخطأ في وصفها لم يجز دفعها إليه) (٧) .
-
قال ابن قدامة: (فإذا جاء صاحبها فنعتها، غلب على ظنه صدقه، فيجوز الدفع إليه حينئذ) (٨) . قال ابن الهمام:
-
(وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم تدفع إليه حتى يقيم البينة) (٩) . قال القرافي: (إذا وصف عفاصها، ووكاءها، وعدتها، أخذها وجوبًا) (١٠) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة, منها:
-
الأول: اليد حق مقصود كالملك فلا يستحق إلا بحجة وهو البينة اعتبارًا بالملك إلا أنه يحل له الدفع عند إصابة العلامة لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-:
-
(فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه) (١١) .
-
٨/١٤١٨/١٤١
الثاني: لم يذكر البينة في شيء من الحديث ولو كانت شرطًا للدفع لم يجز الإخلال به ولا الأمر بالدفع بدون. ولأن إقامة البينة على اللقطة تتعذر، لأنها إنما تسقط حال الغفلة والسهو، فتوقف دفعها عليها منع لوصولها إلى صاحبها أبدًا، وهذا يفوت مقصود الالتقاط، ويفضي إلى تضييع أموال الناس، وما هذا سبيله يسقط اعتبار البينة فيه (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع على أن اللقطة لا تدفع إلى مدعيها إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء، وذلك لعدم المخالف (٢) .
-
جواز رد اللقطة بعوض]
-
• المراد بالمسألة: أن صاحب اللقطة إن جَعل (٣) لمن وجدها شيئًا معلومًا، فللملتقط أخذ الجعل إن كان التقطه بعد أن بلغه الجعل.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [الجعالة في رد الضالة والآبق وغيرهما جائزة، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي،
-
ولا نعلم فيه مخالفًا] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٥) والشافعية (٦) ، والمالكية (٧) .
-
قال السرخسي: (وإن عوضه صاحبه شيئًا فهو حسن، لأنه يحسن إليه
-
٨/١٤٢٨/١٤٢
في إحياء ملكه، ورده عليه، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (١) .
-
قال النووي: (الجعالة: هي أن يقول: من رد عبدي الآبق، أو دابتي الضالة، ونحو ذلك فله كذا، وهي عقد صحيح للحاجة) (٢) .
-
قال الشربيني: (فلو رده من علم بإذنه قبل رده استحق الجعل الملتزم سواء أعلمه بواسطة أم بدونها) (٣) .
-
قال الدردير: (ولمن لم يسمع قول الجاعل: من أتاني بعبدي أو بعيري أو نحو ذلك، فله كذا، وهو صادق بصورتين: أن يقع من الجاعل قول بذلك، ولم يسمعه هذا الذي أتى به من القائل ولا بالواسطة، وبما إذا لم يقع منه قول أصلًا، ففي الصورتين جعل مثله إن اعتاده.
-
. . فالمعنى: أن من اعتاد جلب ما ضل إذا أتى بشيء منها، فله جعل مثله إذا لم يسمع ربها،
-
فإن سمعه فله ما سمى) (٤) .
-
قال عبد الرحمن بن قاسم: (والجماعة إذا فعلت المجاعل عليه يقتسمون الجعل بينهم بالسوية، إذا شرعوا في العمل بعد القول، ما لم يكن الجعل لمعين، فله وحده) (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة, منها:
-
الأول: قال سبحانه وتعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) } .
-
• وجه الاستدلال: أن حمل البعير مجهول فيصح أن يكون جعلًا لأنه يؤول إلى العلم، والزعيم الكفيل والغارم (٦) .
-
٨/١٤٣٨/١٤٣
الثاني: حديث اللديغ الوارد في قصة أبي سعيد -رضي اللَّه عنه- قال: (. . فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) } فكأنما نشط من عقال.
-
. فقدموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكروا له، فقال: (وما يدريك أنها رقية؟ ) .
-
ثم قال: (قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهما) (١) .
-
• وجه الاستدلال: إقرار النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الصحابة على أخذ الجعل دليل على جوازه.
-
الثالث: لأن الحاجة تدعوا إلى ذلك فإن العمل قد يكون مجهولًا كرد الآبق والضالة ونحو ذلك،
-
ولا تنعقد الإجارة فيه، والحاجة داعية إلى ردهما، وقد لا يجد من يتبرع به، فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه مع جهالة العمل، لأنها غير لازمة
-
بخلاف الإجارة (٢) .
-
الرابع: أن العمل الذي يستحق به الجعل هو عمل مقيد بمدة، إن أتى به فيها استحق،
-
ولا يلزمه شيء آخر،
-
وإن لم يف به،
-
فلا شيء عليه، إذا ثبت هذا، فإنما يستحق الجعل من عمل العمل بعد أن بلغه ذلك، لأنه عوض يستحق بعمل،
-
فلا يستحقه من لم يعمل كالأجر في الإجارة (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز رد اللقطة بعوض.
-
رد اللقطة بغير عوض لا يستحق صاحبه شيء]
-
• المراد بالمسألة: أن من وجد لقطة أو ضالة فقام بردها إلى صاحبها،
-
ثم طلب منه عوضًا، وصاحبها لم يذكر جعلًا لمن يأتيه بها، أو أن الملتقط لم
-
٨/١٤٤٨/١٤٤
يعلم بالجعل إلا بعد ردها،
-
فإن الملتقط فلا يستحق عوضًا.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال:
-
[ومن ردّ لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملًا غير رد الآبق بغير جعل لم يستحق عوضًا لا نعلم في هذا خلافًا] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) وابن المنذر (٥) .
-
قال ابن المنذر: (إذا وجد الرجل ضالة فجاء بها إلى صاحبها، وطلب جعلًا،
-
فلا جعل له، كان ممن يعرف بطلب الضوال أو لا يعرف، وهذا على مذهب الشافعي وأصحاب الرأي) (٦) .
-
قال الماوردي: (وليس يخلو من رد آبقًا أو ضالة من أحد أمرين: إما يردها بأمر مالكها أو بغير أمره،
-
فإن رد ذلك بغير أمر المالك فقد كان ضامنًا باليد، وسقط عنه الضمان بالرد،
-
ولا أجرة له سواء كان معروفًا بطلب الضوال ومن لا يعرف) (٧) .
-
قال ابن رشد: (ملتقط اللقطة متطوع بحفظها فلا يرجع بشيء من ذلك
-
٨/١٤٥٨/١٤٥
على صاحب اللقطة) (١) .
-
قال الموصلي: (وليس في رد اللقطة والضالة والصبي الحر شيء واجبا لأنه متبرع في الرد،
-
فإن أعطاه المالك شيئًا فحسن) (٢) .
-
قال عبد الرحمن بن قاسم:
-
(ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملًا بغير جعل ولا إذن لم يستحق عوضًا) (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة, منها:
-
الأول: عن عمرو بن يثربي الضمري -رضي اللَّه عنه- قال: شهدت خطبة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمنى، فكان فيما خطب به أن قال: (لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيب نفس منه) (٤) .
-
• وجه الاستدلال: أن عمله من قبيل التبرع، وطلبه الجعل من أكل المال بالباطل.
-
الثانى: ولأن المنافع كالأعيان بل أضعف، فلما كان لو استهلك أعيانًا في رد ضالة من طعام أو علف لم يستحق به عوضًا؛
-
فإذا استهلك منافع نفسه فالأولى أن لا يستحق بها عوضًا (٥) .
-
الثالث: لأنه عمل يستحق به العوض مع المعاوضة،
-
فلا يستحق مع عدمها كالعمل في الإجارة (٦) .
-
الرابع: ولأنه عمل لغيره عملًا من غير أن يشرط له عوضًا فلم يستحق
-
٨/١٤٦٨/١٤٦
شيئًا.
-
الخامس: ولا يستحق أخذ الجعل بردها، لأن الرد واجب عليه من غير عوض، فلم يجز أخذ العوض عن الواجب كسائر الواجبات (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أنَّ رد اللقطة بغير عوض لا يستحق صاحبه شيء.
-
يجوز الانتفاع بيسير اللقطة]
-
• المراد بالمسألة: أن يسير اللقطة، وهي التي لا تتبعها همة أوساط الناس يجوز الانتفاع بها،
-
ولو من دون تعريف.
-
• من ذكر الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به، (٢) .
-
القرطبي (٦٧١ هـ) قال: [أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن تافهًا يسيرًا أو شيئًا لا بقاء لها فإنها تعرف حولًا كاملًا] (٣) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) قال: [أن التمرة ونحوها من محقرات الأموال. . لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا الحكم متفق عليه] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٥) ، وابن المنذر (٦) .
-
قال ابن المنذر: (اختلف أهل العلم في اللقطة اليسيرة يجدها المرء،
-
٨/١٤٧٨/١٤٧
فرخصت طائفة فيها إذا كانت يسيرة أن ينتفع بها، ويدع تعريفها) (١) .
-
قال السرخسي: (ثم ما يجده نوعان، أحدهما: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشور الرمان والنوى، والثاني: ما يعلم أن مالكه يطلبه، فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به) (٢) قال العمراني:
-
(فإن كانت يسيرة بحيث يُعلَم أن صاحبها لو علم أنها ضاعت منه لم يطلبها، كزبيبة أو تمرة وما أشبهها، لم يجب تعريفها، وله أن ينتفع بها في الحال) (٣) .
-
قال ابن رشد: (. . . أن يكون يسيرًا لا بال له،
-
ولا قدر لقيمته، ويعلم أن صاحبه لا يطلبه لتفاهته، فهذا لا يعرّف عنده، وهو لمن وجده) (٤) .
-
قال ابن الهمام: (وإن كانت اللقطة شيئًا يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف) (٥) .
-
قال الموصلي: (وإن كانت حقيرة كالنوى وقشور الرمان ينتفع به من غير تعريف) (٦) .
-
قال القرافي: (وقال (أي الإمام مالك) : لا أحب أخذ اللقطة إلا أن يكون لها قدر) (٧) . قال عبد الرحمن بن قاسم:
-
(فأما الرغيف والسوط. . . ونحوهما كشسع النعل، فيملك بالالتقاط بلا تعريف،
-
ويباح الانتفاع به) (٨) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة, منها:
-
الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: (رخص لنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في العصا
-
٨/١٤٨٨/١٤٨
والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به) (١) .
-
• وجه الاستدلال: فيه دليل على الإذن بالانتفاع باليسير مما يلتقطه الإنسان.
-
الثاني: عن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: مرَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بتمرة في الطريق فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها) (٢) .
-
• وجه الاستدلال: فيه دليل على جواز التقاط الشيء اليسير من دون تعريف، كالتمرة ونحوها.
-
الثالث: ما ورد عن جملة من الصحابة أنهم تمتعوا بيسير اللقطة من دون تعريف وهم:
-
١ - ابن عمر -رضي اللَّه عنه- أنه رأى تمرة مطروحة في السكة فأخذها فأكلها (٣) .
-
٢ - وعلي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-: التقط حب رمان فأكله (٤) .
-
٣ - وعن ميمونة أم المؤمنين أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: (لا يحب اللَّه الفساد) (٥) .
-
٤ - وعن سلمى بنت كعب قالت: وجدت خاتمًا من ذهب في طريق مكة،
-
٨/١٤٩٨/١٤٩
فسألت عائشة عنه، فقالت: (تمتعي به) (١) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذا المسألة: الحنفية (٢) ، والشافعية (٣) ، والشوكاني (٤) ، فذهبوا إلى تعريف يسير اللقطة وكثيرها.
-
قال ابن المنذر: (وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكثيرها) (٥) .
-
وقال النووي: (وعندنا أن القليل إذا كان يطلب في العادة وجب التعريف به كالكثير مدة التعريف المنصوص عليها وهي سنة) (٦) .
-
• دليلهم: احتج المخالفون بما يلي:
-
١ - عموم الأحاديث الواردة في التعريف،
-
ولا فرق بين ما له قيمة، وما لا قيمة له (٧) .
-
٢ - قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: (من التقط لقطة يسيرة حبلًا أو درهمًا أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام،
-
فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام) وفي رواية:
-
(فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها) (٨) .
-
٨/١٥٠٨/١٥٠
• وجه الاستدلال: أنه نص على تعريف القليل والكثير من دون فرق (١) .
-
٣ - عن أبي سعيد -رضي اللَّه عنه- أن عليًا -رضي اللَّه عنه- جاء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بدينار وجده في السوق، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: (عرّفه ثلاثًا، فلم يجد أحدًا يعرفه، فقال: كله) (٢) .
-
• وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره أولًا بتعريف الدينار فدل على عدم جواز الاتفاع بيسير اللقطة.
-
٤ - عن ابن عباس: (من وجد لقطة من سقط المتاع سوطًا أو نعلين أو عصا أو يسيرًا من المتاع فليستمتع به ولينشده،
-
فإن كان ودكًا فليأتدم به ولينشده،
-
فإن جاء صاحبه فليغرم له) (٣) .
-
• وجه الاستدلال: أنها فتوى صحابي في وجوب تعريف اليسير والكثير،
-
وأن من استمتع باليسير ثم ظهر صاحبه غرمه.
-
قال الشوكاني: (وينبغي أيضًا أن يقيد مطلق الانتفاع المذكور في حديث الباب بالتعريف بالثلاث المذكور فلا يجوز للملتقط أن ينتفع بالحقير إلا بعد التعريف به ثلاثًا حملًا للمطلق على المقيد، وهذا إذا لم يكن ذلك الشيء
-
٨/١٥١٨/١٥١
الحقير مأكولًا، فإن كان مأكولًا جاز أكله ولم يجب التعريف به أصلًا كالتمرة ونحوها) (١) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في جواز الانتفاع بيسير اللقطة، وذلك لوجود الخلاف في المسألة (٢) .
-
لا يحتاج الملتقط إلى إذن الحاكم]
-
المراد بالمسألة: لا يفتقد التقاط اللقطة وتملكها إلى حكم حاكم،
-
ولا إلى إذن السلطان، بل الملتقط إذا سلك بها المسلك الشرعي جاز له تملكها من دون إذن (٣) .
-
• من ذكر الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: [التقاط اللقطة وتملكها لا يفتقر إلى حكم حاكم ولا إلى إذن السلطان، وهذا مجمع عليه] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والحنابلة (٧) ، وابن حزم من الظاهرية (٨) .
-
قال الماوردي: (إذا استكمل تعريفها حولًا كان بعده بالخيار بين أن
-
٨/١٥٢٨/١٥٢
يتملكها، وبين أن تكون في يده أمانة، وبين أن يدفعها إلى الحاكم ليحفظها على مالكها بأن يضعها في بيت المال أو على يد أمين) (١) .
-
قال ابن حزم: (. . . فهو عند تمام السنة مال من مال الواجد غنيًا كان أو فقيرًا، يفعل فيه ما شاء ويورث عنه) (٢) .
-
قال القرافي: (الحكم الرابع: التمليك، وفي الجواهر: هو جائز بعد انقضاء مدة التعريف. . .
-
فإن اختار تملكها ثبت ملكه عليها) (٣) .
-
قال ابن مفلح: (إذا تصرف فيها الملتقط بعد الحول ببيع أو هبة أو نحوهما صح) (٤) .
-
قال البهوتي: (الضرب الثالث: سائر الأموال: ويلزمه أي الملتقط حفظ الجميع. . . ويلزمه تعريفه على الفور. . . سواء أراد الملتقط تملكه أو حفظه لصاحبه) (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة, منها:
-
الأول: حديث فلد بن خالد الجهني -رضي اللَّه عنه-، وفيه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-:
-
(فإن لم تعرف فاستنفقها) ، وفي لفظ: (وإلا فهي كسبيل مالك) ، وفي لفظ:
-
(ثم كلها) ، وفي لفظ: (فانتفع بها) ، وفي لفظ: (فشأنك بها) ، وفي حديث أبي ابن كعب: (فاستنفقها) ، وفي لفظ: (فاستمتع بها) (٦) .
-
الثاني: قال جمهور الفقهاء: يجوز للملتقط أن يتملك اللقطة، وتكون كسائر أمواله سواء أكان غنيًا أو فقيرًا، لأنه مروي عن جماعة من الصحابة؛ كعمر، وابن مسعود، وعائشة، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم- (٧) .
-
٨/١٥٣٨/١٥٣
الثالث: ولأن الالتقاط والتعريف سبب للتملك،
-
فإذا تم وجب أن يثبت به الملك حكمًا كالإحياء والاصطياد (١) .
-
الرابع: ولأن سبب التملك هو التعريف،
-
فإذا وجد السبب حصل الملك كالاصطياد، والاحتشاش، وإحياء الموات (٢) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أنه لا يحتاج الملتقط إلى إذن الحاكم.
-
ضمان اللقطة في السنة التي يتم تعريفها خلالها]
-
• المراد بالمسألة: أن اللقطة التي تبقى عينها وتدوم في السنة التي يتم التعريف خلالها تكون أمانة في يد الملتقط،
-
فإن تلفت من غير تعد أو تقصير فلا ضمان، وإلا ضمن الملتقط.
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [وأجمعوا أن يد الملتقط لها لا تنطلق على التصرف فيها بوجه من الوجوه قبل الحول، إن كانت مما يبقى مثلها حولًا دون فساد يدخلها] (٣) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [أن اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط، إن تلفت بغير تفريطه أو نقصت فلا ضمان عليه، كالوديعة،
-
ومتى جاء صاحبها فوجدها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة، لأنها نماء ملكه،
-
وإن أتلفهما الملتقط، أو تلفت بتفريطه ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل، لا أعلم في هذا خلافًا] (٤) .
-
القرطبي (٦٧١ هـ) قال: [وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها] (٥) .
-
٨/١٥٤٨/١٥٤
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (١) ، والشافعية (٢) ، وابن حزم من الظاهرية (٣) .
-
قال الماوردي: (واجد اللقطة وإن كان مخيرًا في أخذها فعليه بعد الأخذ القيام بها والتزام الشروط في حفظها على مالكها) (٤) . قال العمراني (٥٥٨ هـ) : إذا أخذ لقطة بنية التعريف، لم يلزمه ضمانها بالأخذ، ولكن يلزمه حفظها مدة التعريف (٥) .
-
قال الموصلي: (وهي أمانة إذا أشهد أنه يأخذها ليردها على صاحبها. . .
-
فإن لم يشهد ضمنها) (٦) . قال القرافي:
-
(وأن من أخذها ليعرفها سنة،
-
ثم يتصدقها أو يتملكها، فهي أمانة في السنة لأنها ممسوكة لحق ربها كالوديعة) (٧) .
-
قال البهوتي: (ويلزمه أي الملتقط حفظ الجميع من حيوان وغيره، لأنه صار أمانة في يده بالتقاطه ويلزمه تعريفه على الفور) (٨) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة, منها:
-
الأول: عن زيد بن خالد الجهني -رضي اللَّه عنه-، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:
-
(فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك،
-
فإن جاء طالبها يومًا من الدهر، فادفعها إليه) (٩) .
-
• وجه الاستدلال: التعبير عنها بالوديعة، والوديعة مضمونة إذا تعدى عليها الوديع أو فرط؛ لأنها أمانة؛ كذلك اللقطة.
-
٨/١٥٥٨/١٥٥
الثاني: ولأنها عين يلزم ردها لو كانت باقية، فيلزمه ضمانها إذا أتلفها كما قبل الحول، ولأنه مال معصوم فلم يجز إسقاط حقه منه مطلقًا، كما لو اضطر إلى مال غيره (١) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: ابن المنذر، قال: (قال كثير من أهل العلم: لا ضمان عليه) (٢) .
-
• أدلتهم: يستند الخلاف إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن عياض بن حمار -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (من وجد لقطة فليُشهد ذا عدل أو ذوي عدل ثم لا يغيره ولا يكتم،
-
فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهي مال اللَّه يؤتيه من يشاء) (٣) .
-
• وجه الاستدلال: قال ابن قدامة: فجعله مباحًا (٤) .
-
الثاني: عن سويد بن غفلة -رضي اللَّه عنه- قال: لقيت أبي بن كعب -رضي اللَّه عنه- فقال: أخذت صرة مائة دينار، فأتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: (عرفها حولًا، فعرفتها حولًا، فلم أجد من يعرفها،
-
ثم أتيته فقال: عرفها حولًا، فعرفتها فلم أجد،
-
ثم أتيته ثلاثًا، فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها،
-
فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها. فاسمتمتعت بها، فلقيته بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال، أو حولًا واحدًا) (٥) .
-
• وجه الاستدلال: فيه عدم الضمان لمن استمتع بالوديعة أثناء الحول.
-
النتيجة: صحة الإجماع في ضمان اللقطة في السنة التي يتم تعريفها
-
٨/١٥٦٨/١٥٦
خلالها، وإذا تأملنا في أدلة المخالفين لا نجد فيها ما يدل على أنها أثناء الحول.
-
ضمان هلاك اللقطة إذا جاء صاحبها بعد أن تملكها الملتقط]
-
• المراد بالمسألة: أن صاحب اللقطة إن ظهر يومًا من الدهر وقد استهلكها الملتقط، له أن يضمن الملتقط.
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [وقد أجمع علماء المسلمين في اللقطة أن واجدها يغرمها إذا استهلكها بعد الحول إن جاء صاحبها طالبًا لها] (١) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [وأجمعوا على أنه إذا أكلها بعد الحول ملتقطها فأراد صاحبها أن يضمنه أن ذلك له وأنه إن تصدق بها ملتقطها بعد الحول فصاحبها مخير بين التضمين، وبين أن تكون له على أجرها، فأي ذلك تخير كان له ذلك بإجماع] (٢) .
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وكلهم متفقون على أنه إن أكلها ضمنها لصاحبها] (٣) .
-
القرطبي (٦٧١ هـ) قال: [وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمنه فإن ذلك له،
-
وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها، فأي ذلك تخير كان ذلك له بإجماع] (٤) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) قال: [وقد نقل القاضي وغيره إجماع المسلمين على
-
٨/١٥٧٨/١٥٧
أنه إذا جاء صاحبها بعد التمليك ضمنها المتملك] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الصنعاني (٢) ، والشوكاني (٣) .
-
قال الماوردي: (فإذا صار مالكها فقد ضمنها لصاحبها،
-
فمن جاء طالبًا لها رجع بها إن كانت باقية، وليس للمتملك أن يعدل به مع بقائها إلى بدلها،
-
وإن كانت تالفة رجع ببدلها،
-
فإن كانت ذا مثل رجع بمثلها،
-
وإن كانت غير ذي مثل رجع بقيمتها حيق تملكها لأنه إذ ذاك صار ضامنًا لها) (٤) .
-
قال الموصلي: (. . .
-
فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها إن شاء،
-
وإن شاء أمسكها، فإن جاء وأمضى الصدقة فله ثوابه، وإلا له أن يضمنه، أو يضمن المسكين أو يأخذها إن كانت باقية) (٥) .
-
قال الموداوي: (وإن تلفت، أو نقصت قبل الحول لم يضمنها،
-
وإن كان بعده ضمنها ولو لم يفرط) (٦) .
-
قال الدردير: (وله أي الملتقط حبسها أي اللقطة عنده بعدها أي بعد السنة لعله أن يظهر صاحبها، أو التصدق بها عن ربها أو التملك لها بأن ينوي تملكها) (٧) .
-
قال الشوكاني: (وقد اختلف العلماء فيما إذا تصرف الملتقط في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها، هل يضمنها له أم لا؟ فذهب الجمهور إلى وجوب الرد إن كانت العين موجودة أو البدل إن كانت استهلكت) (٨) .
-
٨/١٥٨٨/١٥٨
• مستند الإجماع: الأول: عن زيد بن خالد الجهني -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (. . ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها) (١) .
-
• وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل اللقطة في حكم الوديعة في يد ملتقطها، ويد الوديع يد أمانة. يقول النووي: (والمراد أنه لا ينقطع حق صاحبها بالكلية) (٢) .
-
الثاني: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-:
-
(فإن جاء صاحبها فلا تكتم فهو أحق بها) وفي رواية للبخاري: (فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها،
-
فإن جاء صاحبها فأدها إليه) أي بدلها؛ لأن العين لا تبقى بعد أكلها (٣) ، وفي رواية:
-
(فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها،
-
فإن جاء باغيها فأدها إليه) (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: داوود، وابن حزم الظاهريان (٥) .
-
وقد رد ابن حزم الإجماع بقوله:
-
(فإن ادعوا إجماعًا على الصدقة بها كُذبوا لما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أن زيد بن الأخنس الخزاعي أخبره أنه قال لسعيد بن المسيب وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال: لا تؤجر أنت ولا صاحبها، قلت: أفأدفعها إلى الأمراء؟
-
قال: إذًا يأكلونها أكلًا سريعًا، قلت: فكيف تأمرني؟ قال: عرفها سنة فإن اعترفت وإلا
-
٨/١٥٩٨/١٥٩
فهي لك) (١) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في ضمان الملتقط اللقطة بعد تملكهما، وهو مرور الحول، وذلك لوجود خلاف في المسألة.
-
لا يجوز إعطاء اللقطة لغني]
-
• المراد بالمسألة: أن الملتقط لا يعطي اللقطة بعد تملكها غنيًا غيره،
-
فإن اللقطة إذا أراد أن يتملكها الملتقط فيشترط أن لا يكون غنيًا،
-
وإذا أراد أن يتصدق بها فلا يتصدق على غني، وذلك للنص.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [قول بعضهم: قد صح الإجماع على أنه لا يعطيها غنيًا غيره] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) .
-
قال الكاساني: (. . .
-
ولو أراد أن ينتفع بها،
-
فإن كان غنيًا لا يجوز أن ينتفع بها عندنا) (٤) . قال ابن الهمام:
-
(وإن كان الملتقط غنيًا لم يجز له أن ينتفع بها) (٥) .
-
قال الموصلي: (ولا يتصدق بها على غني) (٦) .
-
٨/١٦٠٨/١٦٠
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة, منها:
-
الأول: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (لا تحل اللقطة فمن التقط شيئًا فليعرفه سنة،
-
فإن جاءه صاحبها فليردها عليه،
-
وإن لم يأت فليتصدق) (١) .
-
• ووجه الاستدلال بهذا الحديث من وجهين:
-
أحدهما: أنه نفي الحل مطلقًا، وحالة الفقر غير مراده بالإجماع، فتعين حالة الغني.
-
ثانيهما: أنه أمر بالتصدق، ومصرف الصدقة هو الفقير دون الغني،
-
وأن الانتفاع بمال المسلم بغير إذنه لا يجوز إلا لضرورة،
-
ولا ضرورة إذا كان غنيًا (٢) .
-
الثاني: أنه مال الغير فلا يباح الانتفاع به إلا برضاه؛ لإطلاق النصوص والإباحة للفقير (٣) .
-
الثالث: النصوص المطلقة مثل: قوله سبحانه وتعالى:
-
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} . وقوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} . كلها تفيد حرمة أكل المال بالباطل، والغني في هذه الصورة إنما يأكل المال بالباطل (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الشافعية (٥) ،
-
٨/١٦١٨/١٦١
والمالكية (١) ، والحنابلة (٢) ، وابن عبد البر (٣) .