الباب الأول: مسائل الإجماع في باب المياه
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميالفقه المقارنالمسائل ٣٦٣ إلى ١٬٠٨٤
-
١/١٢٦١/١٢٦
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والحنابلة (٣) .
-
• مستند الاتفاق: أن الأصل طهارة الماء،
-
ولا ينتقل منه إلا بدليل ولا يوجد، فتبقى المسألة على هذا الأصل (٤) وقد جعل النووي هذه المسألة كالمسألة الأولى (٥) ، فالأصل الطهارة وهي المتيقنة،
-
فلا ينتقل منها إلى غيرها إلا بناقل متيقن (٦) .
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
المشتبَه عليه في طهور وغيره يتوضأ منهما ويصلي مرةً:
-
إذا اشتبه على المسلم ماء طهور بماء غير مطهر، فإنه يتوضأ من كل واحد منهما وضوءًا، ويصلي صلاة واحدة.
-
في العنوان (طاهر وغيره) ، ولم أقل: ونجس، لأنه ليس مقصودًا،
-
فلو كان كذلك لنجس أحدهما المتوضئ، ولكن المقصود طاهر غير مطهر (٧) .
-
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول:
-
"وإن اشتبه ماء طهور بماء قد بطلت طهوريته، توضأ من كل واحد منهما وضوءًا كاملًا، وصلى بالوضوءين صلاة واحدة، لا أعلم فيه خلافًا" (٨) . ونقله عنه البهوتي (٩) .
-
• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الشافعية (١٠) .
-
أما الحنفية، فلم أستطع الوصول إلى كلام لهم في المسألة، مع طول بحث.
-
• مستند نفي الخلاف: أن من توضأ بالإناءين أمكنه أداء فرضه بيقين، من غير حرج فيه، كما لو كان الإناءان طهورين ولم يكفه أحدهما، فإنه يستعمل الآخر، فكذلك هنا (١١) .
-
١/١٢٧١/١٢٧
• الخلاف في المسألة: إذا كان الماء الذي بطلت طهارته من قبيل الماء المستعمل،
-
فلا شك في انتقاض المسألة به؛ حيث بينا فيما سبق مسألة طهارة الماء المستعمل، أن لأبي حنيفة وأحمد روايتين بأن الماء نجس إذا استعمل في الوضوء (١) ، وهناك رواية لأبي حنيفة أيضًا بأن نجاسته نجاسة مغلظة في هذه الحالة (٢) .
-
فإن كان أحد الماءين من هذا القبيل؛
-
فلا اتفاق في المسألة.
-
وقد خالف المالكية في قول لهم في مسألة الباب (٣) ، فقالوا: يتوضأ وضوءين، ولكن يصلي صلاتين.
-
واستدلوا بالقياس على من نسي صلاة من خمس، فإنه يؤديها كلها (٤) .
-
وخالف المالكية في قول آخر (٥) ، فقالوا: يتحرى أحدهما فيتوضأ به.
-
واستدلوا بالقياس على التحري في الصلاة عندما تشتبه عليه جهة القبلة (٦) .
-
وخالف المالكية في قول آخر (٧) ، فقالوا: يتيمم ويتركها، ولا يتحرى.
-
واستدلوا بالقياس على الأخت من الرضاع إذا اختلطت بأجنبية (٨) .
-
النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
المشتبه عليه بين إناءين ووجد طهورًا توضأ به:
-
إذا اشتبه على المسلم إناءان، ووجد آخر طهورًا، فإنه يلزمه التوضؤ بالطهور،
-
ولا يجوز له التحري والاجتهاد، ولا التيمم.
-
• من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "إذا لم يجد ماء غير الإناءين المشتبهين، فإنه متى وجد ماء طهورًا غيرهما توضأ به، ولم يجز التحري، ولا التيمم، بغير خلاف" (٩) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول بعد ذكر صورة المسألة،
-
وأن فيها وجهين لدى
-
١/١٢٨١/١٢٨
الشافعية: "واتفقوا على أنه إذا جوزنا التحري؛ استحب تركه، واستعمال الطاهر بيقين احتياطًا" (١) .
-
وهو يريد اتفاق الشافعية على الأظهر، ولكن ذكرته للاعتضاد فقط.
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٢) .
-
أما الحنفية، فلم أجد كلامًا لهم في المسألة.
-
• مستند نفي الخلاف:
-
١ - أن اليقين متوفر، وهو الماء الطهور،
-
ولا يجوز العدول عن اليقين إلى الظن.
-
٢ - أن من عمل باليقين فقد أسقط الفرض بيقين،
-
بخلاف العامل بالظن، فوجب إسقاط الفرض بيقين، وبطل الاجتهاد في المسألة (٣) .
-
• الخلاف في المسألة: كلام النووي السابق ينقض كلام ابن قدامة، ولكن فيه اتفاق على أقل ما قيل في المسألة (٤) ، فكلاهما ينص على أن الوضوء من الماء الطاهر بيقين مستحب وأفضل، ولكن الخلاف في لزوم الوضوء به.
-
فقد خالف في هذه المسألة الشافعية في الأصح عندهم، فقالوا: بجواز الاجتهاد في هذه الحال (٥) .
-
واستدلوا بأن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- كان يسمع أحدهم الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من صحابي آخر، فيعمل به،
-
ولا يفيده إلا الظن،
-
ولا يلزمه أن يأتي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيسمعه منه؛ فيحصل له العلم قطعًا (٦) .
-
النتيجة: أن نفي الخلاف فى المسألة غير متحقق؛ لوجود المخالف فى المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
طهارة الماء الذي دون القلتين بالمكاثرة]
-
إذا تنجس ماءٌ، وأراد المسلم تطهيره، فإنه يضيف إليه ماءً ليكاثره، حتى يبلغ به
-
١/١٢٩١/١٢٩
القلتين، ثم يصبح عندئذ طاهرًا (١) .
-
• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أما المسألة الأولى، وهي إذا كاثره -أي الماء المضاف إليه- فبلغ قلتين، فيصير طاهرًا مطهرًا بلا خلاف، سواء كان الذي أورده عليه طاهرًا أو نجسًا، قليلًا أو كثيرًا" (٢) .
-
المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول شارحًا لمتن "المقنع" : "قوله: (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهَّره، إن لم يبق فيه تغير) وهذا بلا نزاع، إذا كان المتنجس بغير البول والعذرة، إلا ما قاله أبو بكر" (٣) .
-
الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول شارحًا لكلامٍ للماتن: "يعني أن الماء إذا تغير بالنجاسة، ثم زال تغيره، فلا يخلو: إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه، أم لا، فالأول طهور باتفاق" (٤) .
-
• مستند الاتفاق: حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" ، وفي لفظ: "لم ينجس" (٥) .
-
• وجه الدلالة: الحديث فيه أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، والماء النجس إذا أضيف إليه ماء طاهر، فأصبح قلتين، وزال التغير منه؛ انطبق عليه الحديث؛ فيكون دليلًا على طهارته، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة فى هذه المسألة في احتمال؛ بأنه يصبح طاهرًا لا طهورًا (٦) .
-
واستدلوا: بأنه استعمل في إزالة النجاسة، فهو ماء مستعمل.
-
وخالف أبو بكر الحنبلي، فقال: إذا انماعت النجاسة في الماء، فهو نجس لا يطهِّر،
-
ولا يطهَّر (٧) .
-
وهذا في حال كون الماء المضاف طاهرًا كثيرًا، والمنجِّس له غير البول والعذرة، كما عبر بذلك المرداوي فيما سبق.
-
١/١٣٠١/١٣٠
أما إذا كان المنجس هو البول والعذرة، فقد اختلف الحنابلة فيه على ثلاثة أقوال:
-
الأول: أنه لا يطهر إلا بإضافة ما لا يمكن نزحه، وهو أكثر من قلتين (١) .
-
الثاني: أنه لا يطهر إلا إذا بلغ المجموع ما لا يمكن نزحه (٢) .
-
الثالث: أن يطهر بإضافة قلتين طهورين (٣) .
-
وبحثت عن رأي الحنفية في ذلك؛ فلم أجدهم يذكرون سوى النزح للماء (٤) ، ولم يذكروا المكاثرة بعد طول بحث،
-
ثم وجدت الكاساني أشار إليها إشارة سريعة، ونسبها إلى الشافعية، ورد عليهم بأنه فاسد (٥) .
-
وهم يفرقون بين المنجس المائع وغيره، فالعذرة وخرء الدجاج -مثلًا- لا يطهر الماء بالنزح كاملًا، إذا كان بئرًا، وإلا فهو نجس (٦) .
-
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود الخلاف في المسألة، وظاهر من عبارة النووي أنها في المذهب،
-
فلو كان المضاف نجسًا كما قال، لزاد الخلاف في المسألة،
-
ولو كان المضاف قليلًا لزاد الخلاف أيضًا، فهو يذكر مذهب الشافعية فقط، وقد خالفهم في ذلك عدد من أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم.
-
الماء الذي دون القلتين لا يطهر بأخذ بعضه]
-
إذا تنجس ماءٌ دون القلتين، فإنه لا يطهر بأخذ بعضه؛ لأنه ينقص عن القلتين التي لا تحمل الخبث.
-
• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن:
-
(وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه (٧) ، إلا بأخذ بعضه، فإنه لا يطهر؛ لأنه ينقص عن قلتين وفيه نجاسة)، قال: "هذا الذي قاله متفق عليه" (٨) .
-
١/١٣١١/١٣١
• مستند الاتفاق: حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" ، وفي لفظ: "لم ينجس" (١) .
-
• وجه الدلالة: الحديث فيه أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، هذا منطوقه، ويدل بمفهومه على أن الماء إذا قلَّ عن ذلك؛ فإنه يحمل الخبث،
-
فإذا نزح منه؛ فبطريق الأولى أنه لا يطهر، وأنه يحمل الخبث (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية (٣) ، والحنابلة، فقالوا: يطهر بذلك (٤) .
-
وأما الحنفية، فيقولون: لو سقطت فأرة فقط في بئر، فإنه لا يطهر إلا بنزح عشرين دلوًا وجوبًا، فهم يطهرون الماء بالنزح،
-
ولا يذكرون نقصه عن القلتين وزيادته (٥) .
-
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهذه من المسائل التي تؤكد أن النووي يستخدم عبارة: الاتفاق في المذهب، إلا أن تدل قرينة أو تصريح بأنه يريد الإجماع في الحكاية، واللَّه تعالى أعلم.
-
التطهر بالماء المسخن جائز]
-
إذا كان الماء ساخنًا، وأراد المسلم الوضوء منه،
-
فإن تسخينه له جائز.
-
وقال الإمام الشافعي: "لأن الماء له طهارة النار، والنار لا تنجس الماء" (٦) .
-
• من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول عن أثر الوقود في الماء:
-
"فأما الطاهر كالخشب والقصب والشوك، فلا يؤثر باتفاق العلماء" (٧) .
-
ويقول أيضًا: "وأما إذا تيقن طهارته؛ فلا نزاع فيه" (٨) .
-
ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول:
-
"وأما مسألة التطهر بالماء المسخن، فاتفقوا على جوازه إلا ما روي عن مجاهد" (٩) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق: عمر، وابن عمر، وابن عباس،
-
١/١٣٢١/١٣٢
وسلمة بن الأكوع -رضي اللَّه عنهم-، والحسن (١) ، والحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، وابن حزم (٤) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - أن الماء المسخن لا يخرج عن كونه ماءً مطلقًا، فيكون على الأصل، وهو كونه طهورًا (٥) .
-
٢ - أن عمر -رضي اللَّه عنه-، أنه كان يتوضأ بالحميم (٦) ،
-
ولا شك أن مكانة عمر معروفة،
-
ولو كان تسخين أثر لبلغه من كثرة ملازمته للمصطفى عليه الصلاة والسلام.
-
• الخلاف في المسألة: سبق ذكر مخالفة مجاهد، وأنه كره الوضوء بالماء المسخن (٧) ، ولم يُفصل هل الكراهة للتنزيه أو للتحريم.
-
وقال ابن المنذر: "وليس لكراهيته لذلك معنى" (٨) .
-
ولم أجد من تابعه في ذلك أبدًا، ولم أجد له دليلًا، إلا أن يقال: أن الماء المسخن جدًّا قد يعوق المتوضئ من إسباغ الوضوء.
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، ومخالفة مجاهد لا تضر، إذ هي شذوذ، ولم يتابعه عليها أحد، واللَّه تعالى أعلم.
-
الماء المسخن بالنجاسة]
-
إذا سخن الماء بنجاسة، ولكن لا يتحقق وصول شيء منها للماء،
-
فإن الماء ليس بنجس بالاتفاق.
-
وقد اختلف في هذه المسألة، من حيث الكراهة وعدمها (٩) ، ولكن هذه ليست مسألتنا. والمسخن بالنجاسة ثلاثة أقسام:
-
١ - أن يتحقق وصول شيء من النجاسة إلى الماء.
-
١/١٣٣١/١٣٣
٢ - أن لا يتحقق وصول شيء منها، ولكن الحائل غير حصين.
-
٣ - أن لا يتحقق وصول شيء منها، والحائل حصين (١) ، وهذه مسألتنا.
-
• من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول:
-
"وأما المسخن بالنجاسة، فليس بنجس باتفاق الأئمة، إذا لم يحصل له ما ينجسه" (٢) . ونقله عنه ابن قاسم (٣) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والشافعية (٦) .
-
• مستند الاتفاق:
-
١ - أن الماء المطلق طهور، ما لم يتيقن أنه نجس، فالأصل في المياه أنها طهورة، ما لم يأت ناقل متيقن منه، وفي هذه المسألة لم يأت هذا الناقل؛ فنبقى على الأصل أن الماء طهور، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - أن النجاسة هنا قد استحالت، وأصبحت دخانًا، وهي كالميتة إذا أصبحت ملحًا أو ترابًا لا أثر لها (٧) .
-
النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، ولكن يأتي هنا الخلاف في المسألة السابقة المحكي عن مجاهد، فهو يكره الماء المسخن مطلقًا، وقد ذكرت هناك أنه شذوذ منه رحمه اللَّه، واللَّه تعالى أعلم.
-
النهي عن غمس يد المستيقظ في الإناء قبل غسلها]
-
إذا استيقظ المسلم من نومه، وأراد الوضوء، فإنه لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا.
-
• من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول عن فوائد حديث أبي هريرة الآتي بالمستند: "هذه فوائد من الحديث غير الفائدة المقصودة هنا، وهي النهي عن غمس
-
١/١٣٤١/١٣٤
اليد في الإناء قبل غسلها، وهذا مجمع عليه " (١) . ونقله عنه ابن قاسم (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والحنابلة (٥) .
-
• مستند الإجماع: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٦) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر المستيقظ من النوم بغسل اليدين قبل إدخالها الإناء، والأمر يتضمن النهي عن مخالفته، فدل على النهي عن غمس اليد بالإناء قبل غسلها (٧) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.