باب عتق البعض
شرح الوقايةHanafimasa’il 4296 to 4360
-
3/1433/143
(وإذا أعتقَ بعضَ عبدِه صحّ، وسعى فيما بقي، وهو كالمكاتَب بلا ردٍّ إلى الرِّقّ لو عَجِز، وقالا: عتقَ كلُّه) : هذا بناءً على أن العتقَ لا يتجزّأ، فكذا الاعتاقُ عندهما؛ لأنَّه إثباتُ العتق، كالكسرِ مع الانكسار، فيلزمُ من عدمِ تجزّؤِ اللازم، وهو العتق، عدم تجزّؤِ ملزومِه، وهو الاعتاق، لكنَّ أبا حنيفةَ - رضي الله عنه - يقول: الاعتاقُ إزالة الملك؛
-
لأنَّه ليس للمالك إلاَّ إزالة حقّه، وهو الملك، والملكُ متجزّئ، فكذا إزالتُه، فإعتاقُ البعضِ إثباتُ شطرِ العلَّة،
-
فلا يتحقَّقُ المعلول إلاَّ وأن يتحقَّقَ تمامُ العلَّة،
-
3/1443/144
ولو أعتقَ شريكٌ حظَّهُ أعتقَهُ الآخر، أو استسعاه، أو ضَمِنَ المُعْتِقَ موسراً قيمة حظِّه لا معسراً، والولاء لهما إن أعتق أو استسعى، وللمُعْتِقِ إن ضَمِنَه، ورجعَ به على العبد، وقالا: له ضمانُه غنيِّاً، والسِّعايةُ فقيراً فقط، والولاء للمُعْتِق،
-
ولو شهدَ كلُّ شريكٍ بعتقِ الآخر سعى لهما في حظِّهما، والولاءُ لهما، وقالا: سعى للمعسرين لا للموسرين،
-
ولو تخالفا يساراً سعى للموسرِ لا لضدِّه
-
وهو إزالةُ الملكِ كلِّه.
-
(ولو أعتقَ شريكٌ حظَّهُ أعتقَهُ الآخر، أو استسعاه (١) ، أو ضَمِنَ المُعْتِقَ موسراً (٢) ): أي حال كونِ المُعْتِقِ موسراً، (قيمة حظِّه) ، الضَّميرُ يرجعُ إلى الآخر (٣) ، (لا معسراً (٤) ، والولاء لهما إن أعتق أو استسعى، وللمُعْتِقِ إن ضَمِنَه، ورجعَ به): أي بالضَّمان، (على العبد، وقالا: له ضمانُه غنيِّاً) : أي للآخرِ تضمينُ المعتقِ عندهما كونَهُ غنيَّاً، (والسِّعايةُ فقيراً فقط، والولاء للمُعْتِق) ؛
-
لأنَّ إعتاقَ البعضِ إعتاقُ الكلِّ عندهما.
-
(ولو شهدَ كلُّ شريكٍ بعتقِ الآخر سعى لهما (٥) في حظِّهما، والولاءُ لهما، وقالا: سعى للمعسرين لا للموسرين)؛ لأنَّ على أصلِهما الضَّمانُ مع اليسار، والسِّعايةِ مع العسار،
-
فإن كانا معسرين تجبُ السِّعاية،
-
وإن كانا موسرين فلا سعايةَ ولا ضمانَ أيضاً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يدَّعي إعتاقَ الآخر، والآخرُ ينكرُ ولا بيِّنة،
-
(ولو تخالفا يساراً سعى للموسرِ لا لضدِّه) ؛ لأنَّ عتقَهُ يثبتُ بقولِهما،
-
ثُمَّ الموسرُ يزعمُ أنَّ حقَّه في السِّعاية، والمعسرُ يزعمُ أنَّه لا حقَّ له في السِّعاية؛ لأنَّ المُعْتِقَ موسر،
-
ولا يقدرُ على إثباتِ الضَّمان؛ لأنَّ شريكَه منكرٌ فلا شيءَ له أصلاً.
-
3/1453/145
ووُقِفَ الولاءُ في الأحوال،
-
ولو علَّقَ أحدُهما عتقَهُ بفعلٍ غداً، والآخرُ بعدمِه فمضى الغد، وجُهِلَ شرطُ عتقِ نصفِه، وسعى في نصفِه لهما، وعند محمَّد - رضي الله عنه - سعى في كلِّه،
-
ولا عتقَ في عبدين
-
فإن قلت: ينبغي أن لا تَجِبَ السِّعايةُ في شيءٍ من الأحوال؛ لأنَّ العتقَ إنِّما يثبتُ بإقرارِ كلٍّ منهما بإعتاقِ شريكِه، والشَّريكُ منكر، فصارَ إقرارُ كلِّ واحدٍ منهما إنشاءً للعتق، فلا تجبُ السِّعاية.
-
قلت: العبدُ إنْ كذَّبَ كلُّ واحدٍ منهما فيما زعمَ لا يثبتُ عتقُه،
-
وإن صَدَّقَ فتصديقُهُ كلَّ واحدٍ منهما يكونُ إقراراً بوجوبِ السِّعاية له على أصل أبى حنيفة - رضي الله عنه -،
-
وأمَّا على أصلِهما فتصديقُهُ للموسرينَ لا يكونُ إقراراً، وتصديقُهُ للمعسرينَ يكون إقراراً،
-
وكذا تصديقُهُ الموسرِ إذا كان شريكُهُ معسراً.
-
(ووُقِفَ الولاءُ في الأحوال) (١) : أي حال يسارِهما وعسارِهما، ويسارُ أحدِهما وعسارُ الآخر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما منكراً إعتاقه، فيوقَّفُ الولاءُ إلى أن يتَّفقا على إعتاق أحدِهما.
-
(ولو علَّقَ أحدُهما عتقَهُ بفعلٍ غداً، والآخرُ بعدمِه فمضى الغد (٢) ، وجُهِلَ شرطُ عتقِ نصفِه، وسعى في نصفِه لهما (٣) ، وعند محمَّد - رضي الله عنه - سعى في كلِّه): لأنَّ المَقْضِيَّ عليه بسقوطِ السِّعاية مجهول،
-
فلا يمكنُ القضاءُ على المجهول.
-
قلنا: نصفُ السِّعاية ساقطٌ بيقين، وكلُّ واحدٍ من الشَّريكين، يقولُ لصاحبِه: إنَّ النِّصف الباقي هو نصيبِي، والسَّاقط نصيبُك، فينصَّفُ بينهما.
-
(ولا عتقَ في عبدين) : أي إذا قال رجلٌ: إن دخلَ فلانٌ الدَّارَ غداً، فعبدُه حرّ، وقال الآخر: إن لم يدخلْ فلانٌ الدَّارَ غداً، فعبدُهُ حرّ، فمضى، ولم يدرِ أنَّه دَخَلَ أو
-
3/1463/146
ومَن ملكَ ابنَه مع آخرٍ بشراء، أو هبة، أو وصيَّة، أو اشترى نصفَ ابنِه من سيِّده، أو علَّقَ بشراءِ نصفِه ثُمَّ اشتراهُ مع آخر عتقَ حصَّتَه، ولم يَضْمَنِ الأب، عَلِمَ الشَّريكُ حالَه أو لا كما لو ورثاه، وأعتقَهُ الآخر، أو سعى له، وقالا: في غيرِ الإرثِ ضَمِنَ نصفَ قيمتِهِ غنيَّاً، وسعى له فقيراً
-
لا، لا يعتقُ شيءٌ من العبدين؛ لأنَّ المَقْضِيَّ عليه بالعتق والمَقْضِيَّ له مجهولان، ففحشَت الجهالة (١) .
-
(ومَن ملكَ ابنَه مع آخرٍ بشراء، أو هبة، أو وصيَّة، أو اشترى نصفَ ابنِه من سيِّده (٢) ، أو علَّقَ (٣) بشراءِ نصفِه ثُمَّ اشتراهُ مع آخر عتقَ حصَّتَه، ولم يَضْمَنِ الأب (٤) ، عَلِمَ الشَّريكُ حالَه أو لا): أي عَلِمَ الشَّريكُ أنَّه ابنٌ لشريكه، أو لم يعلم، (كما لو ورثاه) : أي لا يضمنُ الأبُ نصيبَ الشَّريك في الصَّورِ المذكورة، كما لا يضمنُ الأبُ إذا ورثَ هو وشريكُهُ ابنَه، وصورتُهُ: ماتت امرأة، ولها عبد، هو ابنُ زوجِها، فتركَتْ الزَّوج، والأخ، فوَرِثَ الأبُ نصفَ ابنِه، فعتقَ عليه، لا يضمنُ حصَّةَ أخيها اتِّفاقاً؛
-
لأنَّ الأرثَ ضروريٌّ الثبوت،
-
ولا اختيارَ للأب في ثبوتِه.
-
(وأعتقَهُ الآخر، أو سعى له) : أي لمَّا لم يكنْ للشَّريك ولايةُ التَّضمين بقي له أحدُ الأمرين: إمِّا الإعتاق، أو السِّعاية.
-
(وقالا: في غيرِ الإرثِ ضَمِنَ نصفَ قيمتِهِ غنيَّاً، وسعى له فقيراً) ؛ لأنَّ شراءَ القريبِ إعتاق فإن كان موسراً يَجِبُ الضَّمان،
-
وإن كان معسراً سعى العبد.
-
وأبو حنيفة - رضي الله عنه - يقول: إنَّه رضيَ بإفسادِ نصيبهِ فلا يَضْمَنْهُ، كما إذا أذن (٥) بإعتاقِ
-
3/1473/147
وإن اشترى نصفَه، ثُمَّ الأبُ باقيه غنيِّاً ضَمِنَ له، أو سعى، وخالفا فيها،
-
ولو دبَّرَهُ أحدُ الشُّركاء، وأعتقَه الآخر، وهما موسران ضَمَّنَ السَّاكت مدبِّره لا معتقَه، والمُدبِّرُ معتقَهُ ثُلُثَهُ مُدبَّراً لا لما ضَمِنَه
-
نصيبِه حيث شاركَهُ في علَّةالعتق، وهو الشِّراء،
-
وإن جَهِل، فالجهلُ لا يكونُ عذراً (١) .
-
(وإن اشترى نصفَه، ثُمَّ الأبُ باقيه غنيِّاً ضَمِنَ له، أو سعى، وخالفا فيها) ، ففي هذه الصُّورة لم يرضَ الشَّريكُ بإفسادِ نصيبِه، فيخيَّر، وعندهما لا تجب سعايته؛ لأنَّ المعتقَ غَنِيٌّ.
-
(ولو دبَّرَهُ أحدُ الشُّركاء، وأعتقَه الآخر، وهما موسران ضَمَّنَ السَّاكت مدبِّره لا معتقَه، والمُدبِّرُ معتقَهُ ثُلُثَهُ مُدبَّراً لا لما ضَمِنَه) (٢) ، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ وذلك لأنَّ التَّدبيرَ متجزئٌ عنده كالإعتاق، فيقتصرُ على نصيبِه، لكنَّه أفسدَ نصيبَ شريكيه، فأحدُهما اختارَ اعتاقَ حصَّتِه، فتعيَّنَ حقُّه فيه، فلم يبقَ له اختيارَ أمرٍ آخرَ كالتَّضمين وغيرِه،
-
ثُمَّ للسَّاكتِ توجه سببا ضمان: أي ضمانُ التَّدبيرِ والإعتاق (٣) .
-
لكنَّ ضمانَ التَّدبير ضمانُ المعاوضة؛ لأنَّه قابلٌ للانتقال من ملكٍ إلى ملك، وضمانُ المعاوضةِ هو الأصل، فيضمنُ المدبِّر،
-
ثُمَّ للمُدبِّرِ أن يضمِّنَ المُعتِقَ ثُلُثَ قيمةِ
-
3/1483/148
وقالا: ضَمِنَ مدبِّرُهُ لشريكيهِ كان موسراً، أو معسراً،
-
ولو قال: هي أمُّ ولدِ شريكي وأنكرَ تخدمُهُ يوماً، وتوقفُ يوماً،
-
ولا قيمةَ لأمِّ ولد،
-
فلا يضمنُ غنيٌّ أعتقَها مشتركة
-
العبدِ مدبَّراً، وقيمةُ المدبَّرِ ثُلُثا قيمتِه قنِّاً؛ لأنَّ المنافعَ ثلاثةَ أنواع:
-
الوطء
-
والاستخدام
-
والبيع
-
فبالتَّدبيرِ فاتَ البيع، ولا يُضَمِّنُ المدبِّرُ المُعتِقَ الثُّلُثَ الذي ضَمَّنَهُ السَّاكتُ مع أن ذلك الثُلُثَ صارَ ملكاً للمدبِّرِ بسببِ الضَّمان؛ لأنَّه ملكَهُ بأداء الضَّمان ملكاً مستنداً (١) ، وهو ثابتٌ من وجهٍ دون وجه،
-
فلا يظهرُ في حقِّ التَّضمين،
-
وأمَّا الولاءُ للمدبِّر فثلثاهُ للمدبِّر وثُلُثُه للمعتق.
-
(وقالا: ضَمِنَ مدبِّرُهُ لشريكيهِ كان (٢) موسراً، أو معسراً)؛ لأنَّه ضمانُ تملُّكٍ فلا يختلفُ باليسارِ والعسار،
-
بخلافِ ضمانِ الإعتاق إذ هو ضمانُ جناية.
-
(ولو قال: هي أمُّ ولدِ شريكي وأنكرَ تخدمُهُ يوماً، وتوقفُ يوماً) ، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ وذلك لأنَّ المُقِرَّ أقرَّ أن لا حقَّ له عليها، فيؤخذ بإقرارِه،
-
ثُمَّ المنكرُ يزعمُ أنَّها كما كانت،
-
فلا حقَّ له عليها إلاَّ في نصفِها.
-
وأمَّا عندهما فللمنكرِ أن يستعسيَ الجاريةَ في نصفِ قيمتِها،
-
ثُمَّ تكونُ حرَّة؛ لأنَّه لمَّا لم يصدِّقْهُ صاحبُه انقلبَ إقرارُهُ عليه، فكأنَّه استولدها، فتعتقُ بالسِّعاية.
-
(ولا قيمةَ لأمِّ ولد،
-
فلا يضمنُ غنيٌّ أعتقَها مشتركة) (٣) ، اعلم أنَّ أمَّ الولدِ غيرُ متقوِّمةٍ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما متقوِّمة، حتَّى لو كانت أمُّ ولدٍ مشتركةٍ بين شريكين أعتقَها أحدُهما، وهو موسرٌ لا يضمنُ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما يضمن.