باب التدبير والاستيلاد
شرح الوقايةHanafimasa’il 4481 to 4523
-
3/1603/160
(مَن أُعتقَ عن دُبُرٍ مطلقاً بإذا متُّ فأنت حرّ، أو أنت حرٌّ عن دُبُرٍ منِّي، أو أنتَ مدبَّرٌ، أو دَبَّرتُك، أو إن متُّ إلى مئةِ سنة وغَلَبَ موتُهُ قبلَها فمدبَّرٌ) ، فقولُهُ: مَن أُعتق: مبتدأ، وخبرُهُ: مدبَّر.
-
واعلم أنَّه قال في «الهداية» : إنَّ التَّدبيرَ إثباتُ العتقِ عن دُبُر (١) .
-
وإنِّما فسَّرَه بهذا رعايةً لموضعِ اشتقاقِ التَّدبير؛ فلهذا قال «المتن» : مَن أُعْتِقَ عن دُبُر.
-
وإنِّما قال: مطلقاً؛ احتزازاً عن المقيَّد.
-
فالمطلق: أن يُعلِّق العتقَ بموتِ مطلق، أو مقيَّدٍ بقيدٍ يكونُ الغالبُ وقوعَه.
-
والمقيَّد: أن يعلِّقَهُ بموتٍ مقيَّدٍ بقيدٍ لا يكونُ كذلك عادة، نحو: إن متُّ في مرضي هذا فهو حرّ.
-
فقولُهُ: إن متُّ إلى مئة سنة؛ وهو ابنُ ثمانين سنةً مثلاً،
-
وإن كان في الصُّورة مقيَّداً فهو في المعنى مطلقٌ؛ لأنَّ الغالبَ أن يموتَ قبل هذه المدَّة.
-
فقولُهُ: إن متُّ الى مئةِ سنة؛ يكون بمَنْزلةِ قولِهِ: إن متّ، فيكون في حكمِ المطلق.
-
وقولُهُ: إن متُّ إلى مئةٍ سنةٍ تقديرُهُ: إن متُّ في وقتٍ من هذا الزَّمان إلى مئةِ سنة.
-
ثُمَّ شَرَعَ في حكمِ المُدبَّر، فقال: (لا يباعُ ولا يوهب، ويستخدم، ويستأجر، والأمةُ توطأُ وتنكح) : هذا عندنا (٢) ،
-
وأمَّا عند الشَّافِعِيِّ (٣) - رضي الله عنه - فيجوزُ انتقالُهُ من ملكٍ إلى ملك.
-
3/1613/161
فإن ماتَ سيِّدُه عتقَ من ثُلُثِ مالِه، وسعى في ثُلُثَيه إن لم يتركْ غيرُه، وفي كلِّه إن استغرقَ دينُه، وبيعَ إن قال له: إن متُّ في سفري، أو مرضى هذا، أو إلى سنة، أو نحوها ممَّا يمكنُ غالباً، وعُتِقَ إن وُجِدَ شَرْطُهُ كعتقٍ المُدبَّر، وأمةٌ ولدَتْ من سيِّدِها، أو من زوجٍ فملَكَها صارَت أمَّ ولد، وحكمُها كالمُدبِّرة إلاَّ أنَّها تعتقُ عند موتِهِ من كلِّ مالِه، ولم تسعَ لدينِه،
-
ولا يثبتُ نسبُ ولدِها إلاَّ أن يُقِرَّ به،
-
فإن أقرَّ فولدَتْ آخر يثبتُ نسبُه بلا دعوة، وانتفى بنفيه
-
(فإن ماتَ سيِّدُه عتقَ من ثُلُثِ مالِه، وسعى في ثُلُثَيه إن لم يتركْ غيرُه، وفي كلِّه إن استغرقَ دينُه) ؛ لأنَّه لمَّا كان إيجاباً بعد الموتِ كان له حكمُ الوصية.
-
(وبيعَ إن قال له: إن متُّ في سفري، أو مرضى هذا، أو إلى سنة، أو نحوها ممَّا يمكنُ غالباً، وعُتِقَ إن وُجِدَ شَرْطُهُ كعتقٍ المُدبَّر) .
-
فقولُهُ: وبيع: أي صحَّ بيعُهُ،
-
وكذا جميعُ ما يوجبُ الانتقالَ من ملكِ إلى ملك.
-
وقولُهُ: ممَّا يمكنُ غالباً: أي ممَّا لا يكونُ وقوعُه واجباً في الغالب، ذَكَرَ الإمكان وأرادَ التَّردُّد. (١) (وأمةٌ ولدَتْ من سيِّدِها، أو من زوجٍ فملَكَها صارَت (٢) أمَّ ولد، وحكمُها كالمُدبِّرة إلاَّ أنَّها تعتقُ عند موتِهِ من كلِّ مالِه، ولم تسعَ لدينِه،
-
ولا (٣) يثبتُ نسبُ ولدِها إلاَّ أن يُقِرَّ به،
-
فإن أقرَّ فولدَتْ آخر يثبتُ نسبُه بلا دعوة، وانتفى بنفيه).
-
اعلم أنّ الفراشَ: إمِّا ضعيف، أو متوسط، أو قويّ.
-
فالضَّعيفُ: هي الأمةُ فلا يثبتُ نسبُ ولدِها إلاَّ بدعوةِ سيِّدِها،
-
فإذا ادَّعى صارَتْ أمَّ ولد، وهي الفراشُ المتوسط، ويثبتُ نسبُ ولدِها بلا دعوة؛ لكنَّه ينتفي بنفيه، والفراشُ القويُّ هي المنكوحة، فيثبتُ نسبُ ولدِها بلا دعوة،
-
ولا ينتفي بالنَّفي، بل يجبُ اللِّعان (٤) .
-
3/1623/162
وأمُّ ولدِ النَّصرانيِّ إذا أسلمَتْ تسعى في قيمتِها، وتعتقُ بعدها إن عرضَ عليه الإسلام فأَبى. وهي بحالها إن عرضَ فأسلم،
-
فإن ادَّعى ولدَ أمةٍ مشتركة يثبتُ نسبُهُ منه، وهي أمُّ ولدِهِ وضَمِنَ نصفَ قيمتِها، ونصفَ عقرِها لا قيمةَ ولدِها،
-
وإن ادَّعياه معاً، فهو منهما، وهي أمُّ ولدٍ لهما، وعلى كلٍّ نصفُ
-
(وأمُّ ولدِ النَّصرانيِّ إذا أسلمَتْ تسعى في قيمتِها، وتعتقُ بعدها) : أي بعد السِّعاية (١) ، (إن عرضَ عليه الإسلام فأَبى. وهي بحالها إن عرضَ فأسلم) : أي تكون أمَّ ولدٍ له كما كانت.
-
(فإن ادَّعى ولدَ أمةٍ مشتركة) : أي بين المدَّعي وبين آخرٍ (يثبتُ نسبُهُ منه، وهي أمُّ ولدِهِ وضَمِنَ نصفَ قيمتِها، ونصفَ عقرِها (٢) لا قيمةَ ولدِها): لأنَّه لمَّا استولدَ الجاريةَ يثبتُ النَّسبُ في النِّصفِ لمصادفتِهِ ملكَه، فيثبتُ في الباقي ضرورةَ أن النَّسبَ لا يتجزأ؛
-
لأنَّ الولدَ لا يتعلَّقُ من مائين، فيلزمُ تملُّك الباقي، فيجبُ عليه نصفُ قيمتِها، وأيضاً نصفُ عقرها؛ لحرمةِ الوطءِ
-
بخلافِ وطءِ جاريةِ الابن،
-
فإنَّ قولَهُ - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» (٣) لا يرادُ به المعنى الحقيقي، وهو أن يكونَ ملكاً للأب ضرورةَ كونِهِ ملكَ الابن يدلُّ عليه قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» فيرادُ به المعنى المجازي، وهو حلُّ الانتفاع، فتصيرُ قبيل الوطءِ ملكاً للأب؛
-
ليكونَ الوطءُ حلالاً، فلا يجبُ عليه (٤) العقر.
-
وفي مسألتِنا وقعَ الوقاعُ في محلٍّ بعضُهُ ملكُ الغير،
-
ولا سبب لحلِّ الوطء فيحرمُ، فيجبُ العقرُ، والتَّملُّك يثبتُ ضرورةَ ثبوتِ النَّسب منه، فيثبتُ قبيلَ العلوق، لكن بعد ابتداءِ الوطء،
-
فلا يجبُ قيمةُ الولد.
-
(وإن ادَّعياه معاً، فهو منهما) ، خلافاً للشَّافِعيِّ - رضي الله عنه - فإن عنده يُرْجَعَ إلى قولِ القائف، وهو الذي يتبعُ آثار الآباء في الأبناء، (وهي أمُّ ولدٍ لهما، وعلى كلٍّ نصفُ
-
3/1633/163
عقرِها، وتقاصَّا، ويرثُ من كلٍّ إرث ابن، وورثا منه إرثَ أب،
-
وإن ادَّعى ولدَ أمةِ مكاتَبة لزِمَهُ عقرُها، ونسبُ الولدِ وقيمتُه لا الأمة إن صدَّقَه مكاتَبُهُ وإلاَّ لا يثبتُ نسبُه إلاَّ إذا ملكَهماً
-
عقرِها، وتقاصَّا (١) ، ويرثُ من كلٍّ إرث ابن)؛ لأنَّ المقرَّ يؤاخذُ بإقراره، (وورثا منه إرثَ أب) ؛ لأنَّ الأبَ أحدُهما، لكنَّه غير معلومٍ فيوزَّعُ ميراثُ الأبِ عليهما.
-
(وإن ادَّعى ولدَ أمةِ مكاتَبة (٢) لزِمَهُ عقرُها، ونسبُ الولدِ وقيمتُه)؛ لأنَّه وَطِئَ معتمداً على الملك، فيكون ولدُهُ ولدَ المغرور (٣) ، وهو ثابتٌ النَّسب، وهو حرٌّ بالقيمة، (لا الأمة) : أي لا تصيرُ الأمةُ أمَّ ولدٍ له إذ لا ملكَ له فيها حقيقة، (إن صدَّقَه مكاتَبُهُ) : أي إنِّما يثبتُ النَّسبُ إن صدَّقَ المكاتَبُ المولَى، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - لا يشترطُ تصديقُ المكاتَبِ المولَى، (وإلاَّ لا يثبتُ نسبُه إلاَّ إذا ملكَهماً) : أي إن لم يُصدِّقِ المكاتَبُ المولَى لا يثبتُ النَّسب إلاَّ إذا ملكَ المولَى الولدَ يوماً (٤) .
-
(والله أعلم) (٥) .