[[فصل في أحكامه]
شرح الوقايةHanafimasa’il 6359 to 6400
-
4/394/39
ثمَّ اعلمْ أنّ الحكمَ في البيعِ الباطلِ أنّ المبيعَ إن هلكَ في يدِ المشتري، فعند البعض (٤) :
-
4/404/40
فإن قبضَ المشتري المبيعَ بَيْعاً فاسداً برضى بائعِهِ صريحاً، أو دلالةً كقبضِهِ في مجلسِ عقدِه، وكلٌّ من عوضيهِ مالٌ يَمْلِكُهُ، وَلَزِمَهُ مثله حقيقةً أو معنىً، ولكلٍّ منهما فسخَهُ قبلَ القبضِ،
-
وكذا بعدَهُ ما دامَ في مِلْكِ المشتري إن كان الفسادُ في صُلْبِ العقدِ كبيعِ درهمٍ بدرهمينِ
-
أمانةٌ، وعند البعض (١) : مضمونٌ بالقيمةِ كالمقبوضِ على سومِ الشراء.
-
وأمَّا حكمُ البيعِ الفاسدِ ففي المتنِ شرعَ في أحكامِه، فقال:
-
(فإن قبضَ المشتري المبيعَ بَيْعاً فاسداً برضى بائعِهِ صريحاً، أو دلالةً كقبضِهِ في مجلسِ عقدِه، وكلٌّ من عوضيهِ مالٌ يَمْلِكُهُ) فإن قيل: كلامُنا في البيع الفاسد، فيكون كلٌّ من العوضينِ مالاً البتة، إذ لو لم يكن البيع مالاً لكان البيع باطلاً.
-
قلنا: قد يُذْكَرُ الفاسدُ، ويرادُ به الباطلُ، كما أن في أوّل «كتاب القُدُورِيِّ» (٢) جَعَلَ البيعَ بالميتةِ فاسداً، وهو باطلٌ؛ فلهذا قال: وكلُّ من عوضيه مالٌ؛ احتياطاً حتى لو اشتمل الفاسدُ الباطلَ يكون هذا القيدُ مُخْرِجاً له عن هذا الحكم، وهو أن يصيرَ المبيعُ مُلكاً على أنَّه قد يكون البيع فاسداً، مع أنَّه لا يكون كلٌّ من عوضيه مالاً، كما إذا باع وسَكَتَ عن الثَّمنِ، فالبيعُ فاسدٌ عندهما حتى يَمْلِكَ بالقبضِ ويَجِبَ الثَّمنُ، وهو القيمة.
-
(وَلَزِمَهُ مثله حقيقةً أو معنىً) : أي إن هَلَكَ في يدِ المشتري وَجَبَ عليه المثلُ حقيقةً في ذواتِ الأمثالِ، والمثلُ معنىً: وهو القيمةُ وقت القبضِ في ذواتِ القيم.
-
(ولكلٍّ منهما فسخَهُ قبلَ القبضِ،
-
وكذا بعدَهُ ما دامَ في مِلْكِ المشتري إن كان الفسادُ في صُلْبِ العقدِ كبيعِ درهمٍ بدرهمينِ) (٣) ، أرادَ بالفسادِ في صُلْبِ العقدِ،
-
4/414/41
ولِمَن له الشَّرطُ إن كان بشرطٍ زائدٍ، كشرطِ أن يُهْدِى له هديةً،
-
فإن باعَهُ المشتري، أو وهَبَهُ وسَلَّمَهُ، أو أعتقَهُ صحَّ، وعليه قيمتُهُ، وسقطَ حقُّ الفسخ،
-
ولا يأخذُهُ البائعُ حتى يَرُدَّ ثَمَنَهُ،
-
فإن مات هو فالمشتري أحقُّ به حتى يأخذَ ثَمَنَه، وطابَ للبائعِ ربح ثَمَنِهِ بعد التَّقابضِ لا للمشتري ربح مبيعِهِ فيتصدَّقُ به
-
الفسادُ الذي يكونُ في أحدِ العوضينِ، (ولِمَن له الشَّرطُ إن كان بشرطٍ زائدٍ، كشرطِ أن يُهْدِى له هديةً) : ذَكَرَ في «الذَّخيرة» : إنّ هذا قولُ محمدٍ - رضي الله عنه -،
-
وأمَّا عندهما فلكلِّ واحدٍ منهما حقُّ الفسخ؛ لأنَّ الفسخَ لحقِّ الشَّرعِ لا لحقِّ أحد المتبايعين، فإنَّهما راضيانِ بالعقدِ.
-
(فإن باعَهُ المشتري، أو وهَبَهُ وسَلَّمَهُ، أو أعتقَهُ صحَّ، وعليه قيمتُهُ، وسقطَ حقُّ الفسخ) ؛ لأنَّهُ تعلَّقَ به حقُّ العبد، وإنَّما يفسخُ حقَّاً لله تعالى، وإذ اجتمعَ حقُّ الله تعالى، وحقُّ العبدِ يُرجَّحُ حقُّ العبدِ لحاجتِه.
-
(ولا يأخذُهُ البائعُ حتى يَرُدَّ ثَمَنَهُ) : أي البائعُ إذا فسخَ البيعَ الفاسد لا يأخذُ المبيعَ حتى يَرُدَّ الثَّمَن؛ لأنَّ المبيعَ محبوسٌ بالثَّمَنِ بعدَ الفسخ.
-
(فإن مات هو فالمشتري أحقُّ به حتى يأخذَ ثَمَنَه) : أي باعَ شيئاً بيعاً فاسداً ووقعَ التَّقابض،
-
ثم فَسَخَ البيع، ثم ماتَ البائعُ، فللمشتري حقُّ حبسِ المبيعِ حتى يأخذَ الثَّمنَ ولا يكونُ أسوةً لغرماءِ البائعِ.
-
(وطابَ للبائعِ ربح ثَمَنِهِ بعد التَّقابضِ لا للمشتري ربح مبيعِهِ فيتصدَّقُ به) ، صورة المسألة: باعَ جاريةً بيعاً فاسداً بالدَّراهمِ أو بالدَّنانيرِ وتقابضا، فباعَ المشتري الجارية وربحَ، لا يطيبُ له الرِّبح،
-
وإن رَبِحَ البائعُ في الثَّمنِ يطيب له الرِّبح.
-
والفرقُ أن المبيعَ متعيِّنٌ في العقدِ فيكون فيه خبثٌ؛ بسببِ فسادِ الملك، وفي فسادِ الملكِ شبهةُ عدمِ الملك، فالشبهةُ ملحقةٌ بالحقيقةِ في الحرمة؛
-
فإن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «نَهَى عن الرِّبا
-
4/424/42
وَالرَّيْبَةِ» (١) . وأمّا الدَّرَاهمُ والدَّنانيرُ فغيرُ متعيِّنةٍ في العقدِ،
-
ولو كانت فيه متعيِّنةً كانت فيها شُبْهةُ الخبثِ بسببِ الفساد، فعند عدم التَّعيينِ يكونُ في تعلُّقِ العقدِ بها شبهة، فيكون فيها شبهةُ الشُّبْهةِ،
-
ولا اعتبارَ لها، هذا في الخبثِ بسببِ فسادِ الملك.
-
أمَّا الخبثُ بسببِ عدم الملكِ فيشملُ النَّوعينِ هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، يعني: إن رَبِحَ في المغصوبِ لا يَطِيبُ سواءٌ كان المغصوبُ ممَّا يتعيَّنُ كالجاريةِ مثلاً، أو ممَّا لا يتعيَّنُ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، حتى إن باعَ الدَّراهمَ أو الدَّنانير المغصوبةَ، وحصلَ فيها ربحٌ لا يكون طيباً؛
-
لأنَّ في الأوَّلِ حقيقةَ الخبث، وفي الثَّاني شبهةَ، والشُّبهةُ ملحقةٌ بالحقيقة.
-
(كما طابَ ربحُ ما ادَّعاهُ فقضي بالمالِ،
-
ثم ظهرَ عدمُهُ بالتَّصادق) : أي ادَّعَى على رجلٍ مالاً فقضاهُ، فرَبِحَ فيه المُدَّعي،
-
ثمَّ تصادقا على أن هذا المالَ لم يكن على المُدَّعَى عليه، فالرِّبحُ طيّبٌ؛ لأنَّ المالَ المقضي به بَدَلُ الدَّينِ الذي هو حقُّ المُدَّعي، والمُدَّعي باعَ دينَه بما أخذ،
-
فإذا تصادقا على عدمِ الدَّينِ صارَ كأنَّه استحقَّ مِلْكَ البائعِ، وبَدَلُ المستحقِّ مملوكٌ ملكاً فاسداً، فيكونُ البيعُ في حقِّ البدلِ بيعاً فاسداً،
-
فلا يؤثِّرُ الخبثُ فيما لا يتعيَّنُ بالتَّعيين.
-
فإن قيل: ذكرَ في «الهداية» في المسألةِ السَّابقة:
-
ثُمَّ إذا كانت دراهمُ الثَّمنِ قائمةً يأخذُها بعينها؛ لأنَّها تتعيَّنُ بالتَّعيين في البيع الفاسد، وهو الأصحُّ؛ لأنَّه بمَنْزلةِ الغصب (٢) . فهذا يُناقضُ ما قُلْتُم من عدمِ تعيين الدَّراهم والدَّنانير.
-
قلنا: يمكنُ التَّوفيقُ بينهما بأنّ لهذا العقدِ شبهتين:
-
شبهةُ الغصب.
-
وشبهة البيع.
-
فإذا كانت قائمةً اعتبرَ شبهةُ الغصبِ سعياً في رفعِ العقدِ الفاسد،
-
وإذا لم تكنْ قائمةً فاشترى بها شيئاً، يعتبرُ شبهةُ البيع، حتى لا يسري الفسادُ إلى بدلِهِ كما ذكرنا من
-
4/434/43
ولو بَنَى في دارٍ شراها شراءً فاسداً لَزِمَهُ قيمتُها، وشَكَّ أبو يوسف - رضي الله عنه - فيها
-
شبهةِ الشُّبْهة. وأيضاً لتداولِ الأيدي تأثيرٌ في رفعِ الحرمةِ على ما عُرِف (١) .
-
(ولو بَنَى في دارٍ شراها شراءً فاسداً لَزِمَهُ قيمتُها، وشَكَّ أبو يوسف - رضي الله عنه - فيها) : هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعندهما يُنْقَضُ البناء.
-
وهذه المسألةُ من المسائلِ (٢) التي أَنْكَرَ أبو يوسفَ - رضي الله عنه - روايتَها عن أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -،