كتاب الغصب
شرح الوقايةHanafimasa’il 9714 to 9780
-
5/435/43
(هو أخذُ مالٍ مُتَقَوَّمٍ محترمٍ بلا إذنِ مالكِه، يزيلُ يده) ، فالغصبُ لا يتحقَّقُ في الميتة؛ لأنَّها ليست بمال،
-
وكذا في الحرّ، ولا في خمرِ المسلم؛ لأنَّها ليست بمتقوِّمة،
-
ولا في مالِ الحربيّ؛ لأنَّهُ ليس بمحترم. وقوله: بلا إذنِ مالكِه؛ احترازٌ عن الوديعة، وإنَّما قال: يزيلُ يده؛ لأنَّ عند أصحابِنا هو إزالةَ اليدِ المحقَّةِ بإثباتِ اليدِ المبطلة، وعند الشَّافعيّ (١) - رضي الله عنه - هو إثباتَ اليدِ المبطلة،
-
ولا يشترطُ إزالةُ اليد، قلنا: كلامُنا في الفعلِ الذي هو سببٌ للضَّمان، وهو إزالةُ اليد.
-
ويتفرَّعُ على هذا مسائلُ كثيرةٍ منها: إنَّ زوائدَ المغصوبِ لا تكونَ مضمونةً عندنا، خلافاً (٢) له؛ لأنَّ إثباتَ اليد متحقِّقٌ بدونِ إزالةِ اليد.
-
ومنها: الاختلافُ في غصبِ العقار (٣) ، وسيأتي (٤) .
-
ومنها: ما قالَ في المتن: (فاستخدامُ العبد، وحملُ الدَّابة (٥) غصبٌ، لا جلوسُهُ على البساط)؛ إذ في الأوَّلَيْن نقلهما من مكانٍ إلى مكان، وفي الآخر: البساطُ على حالِه، ولم يفعلْ فيه شيئاً، يكونُ إزالةً لليد. وقد فُرَّعَ على هذا الاختلاف: تبعيدُ المالك عن المواشي حتى هلكت، وإمساكُ الغيرِ حتى قلعَ الآخرُ ضرسَه، وليسَ هذا التَّفريعُ بمستقيم؛
-
لأنّ إثباتَ اليدِ لم يوجدْ في هاتَيْن المسئلتَيْن،
-
ثمَّ لا بدَّ أن يزادَ على هذا
-
5/445/44
وحكمُهُ: الإثمُ لمَن عَلِم، وردُّ العينِ قائمة، والغرمُ هالكةً،
-
ويجبُ المثلُ في المثلي: كالمكيل، والموزون، والعددي المتقارب،
-
فإن انقطعَ المثلُ فقيمتُهُ يوم يختصمان
-
التعريف، لا على سبيلِ الخفية ليخرجَ السَّرقة.
-
(وحكمُهُ: الإثمُ لمَن عَلِم، وردُّ العينِ قائمة، والغرمُ هالكةً،
-
ويجبُ المثلُ في المثلي: كالمكيل، والموزون، والعددي المتقارب) ، اعلمْ أنَّهُ جعلَ هذه الأقسامَ الثَّلاثة مثليَّاً مع أنَّ كثيراً من الموزونات ليسَ بمثلى، بل من ذواتِ القيمِ كالقمقمةِ والقدرِ ونحوهما، فأقول: ليس المرادُ بالوزنيِّ مثلاً: ما يوزنُ عند البيع، بل ما يكون مقابلتُهُ بالثَّمنِ مبيَّناً على الكيلِ أو الوزنِ أو العدد ولا يختلفُ بالصَّنعة، فإنَّهُ إذا قيلَ هذا الشَّيءُ قفيزٌ بدرهم، أو مَنٌّ بدرهم، أو عشرةٌ بدرهم، إنَّما يقال: إذا لم يكنْ فيه تفاوت،
-
وإذا لم يكن فيه تفاوتٌ كانَ مثليَّاً. وإنَّما قلنا:
-
ولا يختلفُ بالصَّنعة؛ حتى لو اختلفَ كالقمقمةِ والقدرِ لا يكونُ مثليَّاً،
-
ثمَّ ما لا يختلفُ بالصَّنعة:
-
إمَّا غيرُ مصنوع.
-
وإمَّا مصنوعٌ لا يختلفُ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ والفلوس، فكلُّ ذلك مثلى.
-
وإذا عرفتَ هذا عرفتَ حكمَ المذروعات، فكلُّ ما يقال: يباعُ من هذا الثَّوبِ ذراعٌ بكذا، فهذا إنَّما يقالُ فيما لا يكونُ فيه تفاوت، وهو ما يجوزُ فيه السَّلَم، فإنَّهُ يعرفُ ببيانِ طولِهِ وعرضِهِ ورقعتِه (١) ، وقد فصَّلَ الفقهاءُ المثليَّات وذوات القيم،
-
ولا احتياجَ إلى ذلك، فما يوجدُ له المثلُ في الأسواق بلا تفاوتٍ يعتدُّ به فهو مثليّ، وما ليس كذلك فمن ذوات القيم، وما ذكرَ من الكيليِّ وأخواتِهِ فمبنيٌّ على هذا.
-
(فإن انقطعَ المثلُ فقيمتُهُ يوم يختصمان) ، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ القيمةَ يجبُ يومَ الخصومة، وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه - يجبُ يومَ الانقطاع (٢) ؛ لأنَّه حينئذٍ ينتقلُ إلى القيمة، وعند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - يوم تحقُّقِ السَّبب، وهو الغصب، فإنَّه إذا انقطعَ المثلُ
-
5/455/45
وفي غير المثلي قيمتُهُ يومَ غصبِهِ كالعدديِّ المتفاوت،
-
فإن ادَّعى الهلاكَ حُبِسَ حتَّى يُعْلَمَ أنَّهُ لو بقي لأظهر،
-
ثمَّ قضى عليه بالبدل.
-
وشرطُهُ: كون المغصوبِ نقليَّاً،
-
فلو غصبَ عقاراً وهلكَ في يدِه لم يضمن
-
التحقَ إلى ما لا مثل له، أقول: هذا أعدلُ (١) إذ لم يبقَ شيءٌ من نوعِهِ في يومِ الخصومة، والقيمةُ تعتبرُ بكثرةِ الرَّغبات وقلَّتِها، وفي المعدومِ هذا متعذِّرٌ أو متعسِّر، ويومَ الانقطاعِ لا ضبطَ له، وأيضاً لم ينتقلْ إلى القيمةِ في هذا اليوم، إذ لم يوجدْ من المالكِ طلب، وأيضاً عند وجودِ المثلِ لم ينتقلْ إلى القيمة، وعند عدمِهِ لا قيمةَ له.
-
(وفي غير المثلي قيمتُهُ يومَ غصبِهِ كالعدديِّ المتفاوت) : أي الشَّيءُ الذي يعدّ، ويكونُ أفرادُهُ متفاوتةً،
-
ولا يرادُ هاهنا ما يقابلُ بالثَّمنِ مبنيَّاً على العدد: كالحيوانِ مثلاً، فإنَّهُ يعدُّ عند البيعِ من غيرِ أن يقال: يباعُ الغنمُ عشرةَ بكذا.
-
(فإن ادَّعى الهلاكَ حُبِسَ حتَّى يُعْلَمَ أنَّهُ لو بقي لأظهر،
-
ثمَّ قضى عليه بالبدل (٢) .
-
وشرطُهُ: كون المغصوبِ نقليَّاً،
-
فلو غصبَ عقاراً وهلكَ في يدِه لم يضمن)، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأبي يوسف - رضي الله عنه -، وعندَ محمَّدٍ - رضي الله عنه - والشَّافعيِّ (٣) - رضي الله عنه -: يجري فيه الغصبُ، أمَّا عندَ الشَّافعيّ - رضي الله عنه -؛
-
فلأنَّ حدَّ الغصبِ وهو إثباتُ اليدِ المبطلةِ يصدقُ عليه،
-
وأمَّا عندَ محمَّدٍ - رضي الله عنه -؛ فلأنَّ الغصبَ وإن كانَ عنده ما ذكرنا، لكنَّ إزالةَ اليدِ في العقارِ يكون بما يمكنُ فيه لا بالنَّقل، وهما يقولان: إنَّ الغصبَ إثباتُ اليدِ بإزالةِ يدِ المالكِ بفعلٍ في العين، وهو لا يتصوَّرُ في العقار؛
-
لأنَّ يدَ المالكِ لا تزولُ إلا بإخراجِهِ عنها، وهو فعلٌ فيه لا في العقار، فصارَ كما إذ أُبْعِدَ المالكُ عن المواشي.
-
5/465/46
وضمنَ ما نقص بفعلِه، كسكناه وزرعِه، أو بإجارةِ عبدٍ غصب، وتصدَّقَ بأجرِه، وأجرِ مستعارِه، وربحٍ حصلَ بالتَّصرُّفِ في مودعِه، أو مغصوبِهِ متعيِّناً بالإشارة، أو بالشِّراءِ بدراهمِ الوديعة، أو الغصب، ونقدها،
-
فإن أشارَ إليها ونقدَ غيرها، أو إلى غيرها وأطلق، ونقدها لا، وبه يُفْتَى
-
(وضمنَ ما نقص بفعلِه، كسكناه وزرعِه، أو بإجارةِ عبدٍ غصب) : أي ضمنَ في (١) العقاِر وغيره، أمَّا في العقارِ كالسُّكنى، والزَّرع، وفي غيرِ العقارِ كما إذا غصبَ عبداً فأجَّرهُ فعمل، فعرضَ له مرضٌ أو نحافةٌ ضمنَ النُّقصان.
-
(وتصدَّقَ بأجرِه، وأجرِ مستعارِه، وربحٍ حصلَ بالتَّصرُّفِ في مودعِه، أو مغصوبِهِ (٢) متعيِّناً بالإشارة، أو بالشِّراءِ بدراهمِ الوديعة، أو الغصب، ونقدها،
-
فإن أشارَ إليها ونقدَ غيرها، أو إلى غيرها وأطلق، ونقدها لا، وبه يُفْتَى): أي تصدَّقَ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ومحمَّدٍ - رضي الله عنه - خلافاً لأبي يوسفَ - رضي الله عنه - بأجرِ عبدٍ غصب، فأجَّرَ وأخذَ الأجرة، فكذا بأجرةِ عبدٍ مستعار قد أجَّرَهُ وأخذَ أجره،
-
وكذا تصدَّقَ بربحٍ حصلَ بالتَّصرُّفِ في المودعِ أو المغصوبِ إذا كان ممَّا يتعيَّنُ بالإشارة،
-
وكذا يتصدَّقُ بربحٍ حصلَ بالشِّراءِ بوديعةٍ أو مغصوب لا يتعيَّنُ بالإشارةِ إذا أشارَ إليها ونقدها، فقوله: أو بالشِّراءِ عطفٌ على التَّصرُّف، أمَّا إن أشارَ إليها، ونقدَ غيرها، أو أشارَ إلى غيرها ونقدها، أو أطلقَ ونقدها: أي لم يشرِ إلى شيءٍ بل قال: اشتريتُ بألفِ درهمٍ ونقدَ من دراهمِ الغصبِ والوديعة، ففي جميعِ هذه الصُّورِ يطيبُ له الرِّبحُ ولا يجبُ له التَّصدُّق.
-
5/475/47
فإن غَصَبَ وغيَّر فزالَ اسمُه وأعظمُ منافعِه ضَمِنَهُ وملكَه بلا حلٍّ قبل أداءِ بدله: كذبحِ شاةٍ وطبخِها أو شيِّها، أو طحنِ بُرٍّ وزرعِه، وجعلِ حديدٍ سيفاً، وصُفْرٍ إناءً، والبناءُ على ساجة ولَبِن،
-
فإن ضربَ الحجرَيْن درهماً وديناراً أو إناءً لم يملكْهُ، وهو لمالكِهِ بلا شيء،
-
فإن ذبحَ شاةَ غيرِهِ طرحَهَا المالكُ عليه، وأخذَ قيمتَها، أو أخذَها وضمَّنَهُ نقصانها،
-
وكذا لو خرقَ ثوباً وفوَّتَ بعضَ العينِ وبعضَ نفعِهِ لا كلَّه، وفي خرق يسيرٍ نقصَهُ ولم يفوتْ شيئاً منها ضمنَ ما نقص.
-
(فإن غَصَبَ وغيَّر فزالَ اسمُه وأعظمُ منافعِه ضَمِنَهُ وملكَه (١) بلا حلٍّ قبل أداءِ بدله: كذبحِ شاةٍ وطبخِها أو شيِّها، أو طحنِ بُرٍّ وزرعِه، وجعلِ حديدٍ سيفاً، وصُفْرٍ إناءً، والبناءُ على ساجة ولَبِن)، السَّاجة بالجيم: خشبةٌ منحوتةٌ مهيَّأةٌ للأساسِ عليها، وهذا عندنا؛
-
لأنَّهُ أحدثَ صنعةً متقوَّمةً صيَّرَ حقَّ المالكِ هالكاً من وجه، وعند الشَّافعيِّ (٢) - رضي الله عنه -: لا ينقطعُ حقُّ المالكِ عنه؛ لأنَّ العينَ باقٍ ولا يعتبرُ فعلُ الغاصبِ؛ لأنَّهُ محظور،
-
فلا يصيرُ سبباً للملك.
-
(فإن ضربَ الحجرَيْن درهماً وديناراً أو إناءً لم يملكْهُ، وهو لمالكِهِ بلا شيء) ، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ لأنَّ الاسمَ باقٍ، ومعناه الأصلي: الثَّمنيّة، وكونُهُ موزوناً وهو باقٍ حتى يجريَ فيه الرِّبا، وعندهما: يصيران للغاصبِ قياساً على غيرهما.
-
(فإن ذبحَ شاةَ غيرِهِ طرحَهَا المالكُ عليه، وأخذَ قيمتَها، أو أخذَها وضمَّنَهُ نقصانها (٣) ،
-
وكذا لو خرقَ ثوباً وفوَّتَ بعضَ العينِ وبعضَ نفعِهِ لا كلَّه)، حتَّى لو فوَّت كلَّ النَّفعِ يضمِّنُهُ كلَّ القيمة، (وفي خرق (٤) يسيرٍ نقصَهُ ولم يفوتْ شيئاً منها ضمنَ ما نقص.
-
5/485/48
ومَن بنى في أرضِ غيرِه، أو غَرَسَ أُمرَ بالقلعِ والرَّدّ، وللمالكِ أن يَضْمَنَ له قيمةَ بناءٍ أو شجرٍ أمرَ بقلعِهِ إن نقصتْ به، فتقوَّمُ بلا شجرٍ وبناء، وتقوَّمُ مع أحدِهما مستحقُّ القَلْعِ فيضمنُ الفضل،
-
فإن حمَّرَ الثَّوب، أو صفَّر أو لَتَّ السَّويقَ بسمنٍ ضمَّنَه أبيض ومثل سويقِه، أو أخذَهُما وغرمَ ما زادَ الصَّبغ والسَّمن،
-
فإن سوَّدَ ضمَّنَه أبيض، أو أخذَهُ ولا شيءَ للغاصب؛ لأنَّه نقصٌ
-
ومَن بنى في أرضِ غيرِه، أو غَرَسَ أُمرَ بالقلعِ والرَّدّ)، هذا في ظاهرِ الرِّواية، وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه -: إن كان قيمةُ البناءِ أو الغرسِ أكثرَ من قيمةِ الأرضِ فالغاصبُ يملكُ الأرضَ بقيمتِها، (وللمالكِ أن يَضْمَنَ له قيمةَ بناءٍ أو شجرٍ أمرَ بقلعِهِ إن نقصتْ به) : أي إن نقصَتِ الأرضُ بالقلع،
-
ثمّ بيَّنَ طريقَ معرفةِ قيمةِ ذلك فقال: (فتقوَّمُ بلا شجرٍ وبناء، وتقوَّمُ مع أحدِهما مستحقُّ القَلْعِ فيضمنُ الفضل) ، قيل: قيمةُ الشَّجرِ المستحقّ للقلعِ أقلُّ من قيمتِه مقلوعاً، فقيمةُ المقلوعِ إذا نقصتْ منها أجرةُ القلع، فالباقي قيمةُ الشَّجر المستحقِّ القلع،
-
فإذا كانت قيمةُ الأرضِ مئةً، وقيمةُ الشَّجر المقلوع عشرةً، وأجرةُ القلعِ درهماً، بقي تسعةُ دراهم، فالأرضُ مع هذا الشَّجرِ تقوَّمُ بمئة وتسعة دراهم، فيضمن المالك التَّسعة.
-
(فإن حمَّرَ الثَّوب، أو صفَّر أو لَتَّ السَّويقَ بسمنٍ ضمَّنَه أبيض ومثل سويقِه، أو أخذَهُما وغرمَ ما زادَ الصَّبغ والسَّمن،
-
فإن سوَّدَ ضمَّنَه أبيض، أو أخذَهُ ولا شيءَ للغاصب؛ لأنَّه نقصٌ) ، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما: التَّسويدُ كالتَّحمير، قيل: هذا الاختلافُ بحسبِ اختلاف العصر، فلينظرْ إن نقصَهُ السَّوادُ كان نقصاناً،
-
وإن زادَه يعدُّ زيادة، وعند الشَّافِعِيّ (١) - رضي الله عنه - المالكُ يمسكُ الثَّوب، ويأمرُ الغاصبَ بقلعِ الصَّبغِ ما أمكن،
-
ولا فرقَ بين السَّواد وغيره،
-
بخلافِ مسألةِ السَّويق، فإن التَّمييزَ غيرُ ممكنٍ، له القياسُ على قلعِ البناء.
-
قلنا: في قلعِ البناءِ لا يتلفُ مالُ الغاصب؛ لأنَّ النِّقض (٢) يكون له، وهنا يتلف، فرعايةُ الجانبين فيما قلنا، والسَّويقُ مثلي فإن طرحَهُ على الغاصبِ يأخذُ المثلَ
-
بخلافِ الثَّوب، فيأخذُ فيه القيمة.