كتاب الوديعة
شرح الوقايةHanafimasa’il 8813 to 8863
-
4/2554/255
(هي أمانةٌ تركتْ للحفظ،
-
فلا يضمنُها المودَعُ إن هَلَكَتْ) : أي بلا تعدٍّ منه.
-
(وله حفظُها بنفسِهِ وعيالهِ (١) ، والسُّفور بها عند عدم النَّهي والخوف): السُّفُور: الخروجُ للسَّفر، فالسُّفورُ (٢) مصدر، والسَّفرُ الحاصلُ بالمصدر، فاختارَ المصدرَ،
-
وإن نُهِي عن السَّفر، أو كان الطَّريق مَخُوفاً، فسافرَ فهَلَكَ المالُ ضَمِن،
-
(ولو حُفِظَ بغيرهم ضَمِنَ إلاَّ إذا خافَ الحرقَ أو الغرقَ فوضَعَها عند جارِه، أو في فُلْكٍ (٣) آخر (٤) .
-
فإن حبسَها بعد طلبِ ربِّها قادراً على التَّسليم، أو جحدَها معه،
-
ثُمَّ أقرَّ بها أو لا): أي جحدَها مع طلب ربِّ الوديعةِ يَضْمَنُ سواء أقرَّ بها بعد الجُحودِ أو لا، وإنِّما قال: مع ربِّ الوديعة؛ لأنَّه إن جحدَها مع غير المالك لا يضمن؛ لأنَّ هذا من بابِ الحفظ،
-
وإن جَهَّلَ المودَعُ الوديعةَ عند الموتِ يصيرُ غاصباً (٥) .
-
4/2564/256
أو خلطَ بمالِه حتى لا يتميَّز، أو تعدَّى المودَعُ فلَبِسَ ثوبَها، أو رَكِبَ دابَّتَها، أو أنفقَ بعضَها ثُمَّ خَلَطَ مثلَهُ بما بقي، أو حفظَ في دارٍ أمر المودَعَ به في غيرِها ضَمِن،
-
وإن اختلطَتْ بلا فعلِهِ اشتركَها،
-
ولو أزالَ التَّعدِّي زالَ ضمانُه
-
(أو خلطَ بمالِه حتى لا يتميَّز) (١) ، فإنِّه إن خَلَطَ
-
بخلافِ الجنسِ ينقطعُ حقُّ المالكِ ويجبُ الضَّمانُ اتِّفاقاً،
-
وكذا إن خلطَهُ بجنسِهِ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -،
-
وكذا عند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - إلاَّ إذا خَلَطَهُ بما هو أكثرُ منه، (يجعل الأقلُّ تابعاً للأكثر) (٢) لا بما هو أقلُّ منه، فإنَّه لا ينقطعُ حقُّ المالك، بل يُثْبِتُ الشركة، وعند محمَّد - رضي الله عنه - لا ينقطعُ حقُّ المالك، بل يثبتُ الشَّركة سواءٌ كان أقلّ أو أكثر.
-
(أو تعدَّى المودَعُ فلَبِسَ ثوبَها، أو رَكِبَ دابَّتَها، أو أنفقَ بعضَها ثُمَّ خَلَطَ مثلَهُ بما بقي (٣) ، أو حفظَ في دارٍ أمر المودَعَ (٤) به في غيرِها ضَمِن): أي حفظَ في دارٍ أمرَ المودَعُ بالحفظِ في غيرِها، فقولُهُ ضَمِنَ جزاءُ الشَّرط، وهو قولُهُ:
-
فإن حبسَها … الخ.
-
(وإن اختلطَتْ بلا فعلِهِ اشتركَها،
-
ولو أزالَ التَّعدِّي زالَ ضمانُه) ، كما إذا وضعَها في دارٍ أخرى،
-
ثُمَّ ردَّها إلى دارٍ أَمَرَ المالكُ بالحفظِ فيها زالَ الضَّمان: أي إن كانت الوديعةُ بحيث لو هَلَكَتْ لكانت مضمونة، فزالَ هذا المعنى، وإنِّما قلنا هذا؛ لأنَّ زوالَ الضَّمانِ حقيقةً غيرُ ممكن؛ لأنَّ حقيقةَ زوالِ الضَّمان بعد الهلاك، وبعدَ الهلاكِ لا يمكنُ إزالةُ التَّعدِّي، وعند الشَّافِعِيِّ (٥) - رضي الله عنه -: إن زالَ التَّعدَّي لا يزولُ الضَّمان.
-
4/2574/257
ولا يدفعُ إلى أحدِ المودعين قسطَهُ بغيبةِ الآخر، ولأحدِ المودعين دفعُها إلى الآخرِ فيما لا يُقْسَم، ودفعُ نصفِها فقط فيما يُقْسَم، وضَمِنَ دافعُ الكلِّ لا قابضه،
-
فلو نُهِيَ عن الدَّفعِ إلى عيالِه، فدفعَ إلى مَن له منه بُدٌّ ضَمِن، وإلى مَن لا بُدَّ له منه كدفع الدَّابة إلى عبدِه، وشيء تحفظُهُ النِّساءِ إلى عرسِه، لا كما لو أُمِرَ بحفظِها في بيتٍ معيَّنٍ من دار، فحفظَ في آخر منها،
-
فإن كانَ له خللٌ ظاهرٌ ضَمِن،
-
ولو أودعَ المودَعُ فهلكَت ضَمِنَ الأوَّل فقط
-
(ولا يدفعُ إلى أحدِ المودعين قسطَهُ بغيبةِ الآخر) ، أمّا إذا كانت الوديعةُ غيرَ المكيلِ والموزون فبالإتفاق،
-
وإن كانت من المكيلِ والموزونِ فكذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - خلافاً لهما؛ لأنَّه ليس للمودعِ ولايةُ القسمة.
-
(ولأحدِ المودعين دفعُها إلى الآخرِ فيما لا يُقْسَم، ودفعُ نصفِها فقط فيما يُقْسَم) : أي إذا كانت الوديعةُ عند رجلين، وهي ممَّا لا يُقْسَم، يحفظُها أحدُهما بإذن الآخر،
-
فإن كانت ممَّا يُقْسَم لا يجوزُ لأحدِهما أن يدفعَها إلى الآخر للحفظ، بل يَقْسِمان فيحفظُ كلُّ واحدٍ نصفَه، وهذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما يجوزُ الدَّفعُ إلى الآخر فيما يُقْسَم، (وضَمِنَ دافعُ الكلِّ لا قابضه) : أي إذا دَفَعَ الكلَّ إلى الآخر فيما يُقْسَم يضمنُ الدَّافعُ النِّصف،
-
ولا يضمنُ القابض؛ لأنَّ مودَعَ المودعِ لا يضمنُ عنده.
-
(فلو نُهِيَ عن الدَّفعِ إلى عيالِه، فدفعَ إلى مَن له منه بُدٌّ ضَمِن (١) ، وإلى مَن لا بُدَّ له منه كدفع الدَّابة إلى عبدِه، وشيء تحفظُهُ النِّساءِ إلى عرسِه، لا كما لو أُمِرَ بحفظِها في بيتٍ معيَّنٍ من دار، فحفظَ في آخر منها): لأنَّ بيوتَ دارٍ واحدةٍ لا تتفاوت،
-
ولا فائدةَ في التَّعيين
-
بخلافِ الدَّار؛ لأنَّ الدَّارين يتفاوتان،
-
(فإن كانَ له خللٌ ظاهرٌ ضَمِن) : أي إذا كانت للبيتِ الذي حفظَها فيه خللٌّ ظاهر، وقد عيَّن بيتاً آخر من هذه الدَّار ضَمِن.
-
(ولو أودعَ المودَعُ فهلكَت ضَمِنَ الأوَّل فقط) ، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وقالا: يُضَمِّنُ أيُّهما شاء،
-
فإن ضَمِنَ (الأوَّل لم يَرْجِعْ على الثَّاني،
-
وإن ضَمِن الثَّاني) (٢) رجعَ على الأَوَّل.
-
4/2584/258
ولو أودعَ الغاصبُ ضَمَّن أيُّهما شاء،
-
ولو ادَّعى كلٌّ من رجلينِ ألفاً مع ثالثٍ أنَّه له أودعَه إيَّاه، فنَكَلَ لهما، فهذا وألف آخر عليه لهما
-
(ولو أودعَ الغاصبُ ضَمَّن أيُّهما شاء) ، هذا بالاتفاق فهما قاسا مُودَعَ المودَعِ على مُودَعِ الغاصب،
-
فإنّ المودَعَ إذا دَفَعَ إلى الأجنبي صارَ غاصباً، وفَرَّقَ (١) أبو حنيفةَ بأن المودَعَ إذا دَفَعَ إلى الغيرِ لا يضمنُ ما لم يفارقْه،
-
فإذا فارقَ تركَ الحفظ فيضمنُ،
-
ولا يضمنُ الآخر؛ لأنَّه صارَ مودَعاً حيث غابَ الآخر ولا صنعَ له في ذلك، كثوبٍ ألقتْهُ الرَّيحُ في حجرِ إنسان.
-
(ولو ادَّعى كلٌّ من رجلينِ ألفاً مع ثالثٍ أنَّه له أودعَه إيَّاه، فنَكَلَ لهما، فهذا وألف آخر عليه لهما) : ادَّعى زيدٌ على عمروٍ أنَّ هذا الألفَ الذي في يدِك أودعتُهُ إيَّاك، وادَّعى بكرٌ على عمرو كذلك،
-
ولا بيِّنةَ لأحد، وعمروٌ منكر، فالقاضي يُحَلِّفَهُ لكلِّ واحدٍ على الإنفراد، ويبدأُ بأيِّهما شاء،
-
فإن تشاحّا أقرع بينهما،
-
وإن نَكَلَ لأحدِهما يُحَلِّفُهُ للآخر،
-
فأن نَكَلَ له أيضاً، فهذا الألفُ مع ألف آخر عليه يكون لهما؛ لأنَّه أوجبَ الحقَّ لكلِّ واحدٍ منهما سواءٌ بالبَذْل، أو بالإقرار، وذلك حجَّةٌ في حقِّه، ويصرفُ الألفُ إليهما، وصارَ قاضياً نصف حقِّ كلٍّ منهما بنصف حقِّ الآخر فيغرمه.
-
واعلم أنَّ النُّكولَ هنا يفارقُ الإقرار، فإنَّه إذا أقرّ لأحدِهما يقضى له،
-
ولا يحلفُ للآخر؛ لأنَّ الإقرارَ حجَّةٌ بنفسِه، والنُّكولُ إنِّما يصيرُ حجَّةً بقضاءِ القاضي، فجازَ تأخير القضاء ليحلفَ للثَّاني حتى إذا نَكَلَ لأحدِهما، وقضى القاضي به، فعلى روايةِ فخرِ الإسلام البَزْدَوِيِّ - رضي الله عنه - يَحْلِفُ للثَّاني،
-
فإن نَكَلَ يقضي بينهما؛ لأنَّ القضاءَ للأوَّلِ لا يبطلُ حقَّ الثَّاني، وعلى روايةِ الخَصَّاف - رضي الله عنه - لا يحلفُ للثَّاني؛ لأنَّ القضاءَ وَقَعَ في مجتهدٍ فيه؛ لأنَّ بعضَ العلماءِ قال: إذا نَكَلَ لأحدِهما يقضى له،
-
ولا يؤخَّر ليحلفَ للثَّاني؛ لأنَّ النُّكول كالإقرار، وفي الإقرار لا يؤخَّر (٢) . (والله أعلم) (٣) .