فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينShafi'imasa’il 51747 to 51794
-
9/1039/103
إِنَّمَا يُحْكَمُ بِأَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنَ الْأَبِ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ أَصْلًا، وَهُوَ الصَّغِيرُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَالْمَجْنُونُ،
-
فَأَمَّا إِذَا صَارَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ إِذَا افْتَرَقَا، وَيَكُونُ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، وَسَوَاءٌ فِي التَّخْيِيرِ الِابْنُ وَالْبِنْتُ، وَسِنُّ التَّمْيِيزِ غَالِبًا سَبْعُ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانٍ تَقْرِيبًا، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَقَدْ يَتَقَدَّمُ التَّمْيِيزُ عَنِ السَّبْعِ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنِ الثَّمَانِ، وَمَدَارُ الْحُكْمِ عَلَى نَفْسِ التَّمْيِيزِ، لَا عَلَى سِنِّهِ، وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِمَا شُرُوطُ الْحَضَانَةِ، بِأَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ عَاقِلَيْنِ عَدْلَيْنِ مُقِيمَيْنِ فِي وَطَنٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -،
-
9/1049/104
وَأَنْ تَكُونَ الْأُمُّ خَلِيَّةً،
-
فَإِنِ اخْتَلَّ فِي أَحَدِهِمَا بَعْضُ الشُّرُوطِ،
-
فَلَا تَخْيِيرَ، وَالْحَضَانَةُ لِلْآخَرِ،
-
فَإِنْ زَالَ الْخَلَلُ، أُنْشِئَ التَّخْيِيرُ،
-
وَلَوْ وُجِدَتِ الشُّرُوطُ فِيهِمَا، وَاخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةٍ فِي الدِّينِ أَوِ الْمَالِ أَوْ مَحَبَّةِ الْوَلَدِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ أَمْ يَجْرِي التَّخْيِيرُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَيَجْرِي التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ، وَيَجْرِي أَيْضًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ، عَلَى الْأَصَحِّ،
-
وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِهِ الْأُمُّ، وَفِي ابْنِ الْعَمِّ مَعَ الْأُمِّ هَذَانِ الْوَجْهَانِ، إِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا،
-
فَإِنْ كَانَ أُنْثَى، فَالْأُمُّ أَحَقُّ قَطْعًا، وَيَجْرِي الْخِلَافُ أَيْضًا بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُخْتِ وَالْخَالَةِ إِذَا قَدَّمْنَاهَا عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمْيِيزِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -،
-
وَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ،
-
ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، حَوَّلْنَاهُ إِلَيْهِ،
-
فَإِنْ عَادَ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، أَعَدْنَاهُ إِلَى الْأَوَّلِ،
-
فَإِنْ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ سَبَبَهُ نُقْصَانُهُ وَقِلَّةُ تَمْيِيزِهِ، جُعِلَ عِنْدَ الْأُمِّ كَمَا قَبْلَ التَّمْيِيزِ،
-
وَكَذَا لَوْ بَلَغَ عَلَى نُقْصَانِهِ وَخَبَلِهِ.
-
فَرْعٌ
-
إِذَا اخْتَارَ الْأَبَ وَسُلِّمَ إِلَيْهِ،
-
فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا، لَمْ يَمْنَعْهُ الْأَبُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ وَلَا يُحْوِجُهَا إِلَى الْخُرُوجِ لِزِيَارَتِهِ،
-
وَإِنْ زَارَتْهُ، لَمْ يَمْنَعْهَا مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَنْعُ الْأُنْثَى مِنْ زِيَارَةِ الْأُمِّ،
-
فَإِنْ شَاءَتِ الْأُمُّ، خَرَجَتْ إِلَيْهَا لِلزِّيَارَةِ، لِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْخُرُوجِ لِسِنِّهَا وَخِبْرَتِهَا،
-
ثُمَّ الزِّيَارَةُ تَكُونُ فِي الْأَيَّامِ عَلَى الْعَادَةِ، لَا فِي كُلِّ يَوْمٍ،
-
وَإِذَا دَخَلَتْ، لَا تُطِيلُ الْمُكْثَ،
-
وَلَوْ مَرِضَ الْوَلَدُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَالْأُمُّ أَوْلَى بِتَمْرِيضِهِ، فَإِنَّهَا أَشْفَقُ وَأَهْدَى إِلَيْهِ،
-
فَإِنْ رَضِيَ بِأَنْ تُمَرِّضَ فِي بَيْتِهِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيَنْقُلُ الْوَلَدَ إِلَى بَيْتِ الْأُمِّ،
-
وَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْخَلْوَةِ إِذَا كَانَتْ تُمَرِّضُهُ فِي بَيْتِ الْأَبِ،
-
وَكَذَا إِذَا زَارَتِ الْوَلَدَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ثَالِثٌ، خَرَجَ حَتَّى تَدْخُلَ،
-
وَإِذَا مَاتَ، لَمْ تُمْنَعْ مِنْ حُضُورِ غُسْلِهِ وَتَجْهِيزِهِ إِلَى أَنْ يُدْفَنَ،
-
وَإِنْ مَرِضَتِ الْأُمُّ، لَمْ
-
9/1059/105
يَكُنْ لِلْأَبِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ عِيَادَتِهَا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى،
-
وَلَا يُمَرِّضُهَا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: إِلَّا إِذَا أَحْسَنَتِ الْأُنْثَى التَّمْرِيضَ.
-
فَرْعٌ
-
إِذَا اخْتَارَ الْأُمَّ، فَإِنْ كَانَ ابْنًا، أَوَى إِلَيْهَا لَيْلًا، وَكَانَ عِنْدَ الْأَبِ نَهَارًا يُؤَدِّبُهُ وَيُعَلِّمُهُ أُمُورَ الدِّينِ وَالْمَعَاشِ وَالْحِرْفَةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ بِنْتًا، كَانَتْ عِنْدَ الْأُمِّ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَزُورُهَا الْأَبُ عَلَى الْعَادَةِ،
-
وَلَا يَطْلُبُ إِحْضَارَهَا عِنْدَهُ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا كَانَ الْوَلَدُ عِنْدَ الْأُمِّ قَبْلَ سِنِّ التَّخْيِيرِ.
-
فَرْعٌ
-
إِذَا اخْتَارَ الْأُمَّ، فَلَيْسَ لِلْأَبِ إِهْمَالُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِتَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ وَيَتَحَمَّلُ مُؤْنَتَهُ،
-
وَكَذَا الْمَجْنُونُ الَّذِي لَا تَسْتَقِلُّ الْأُمُّ بِضَبْطِهِ يَلْزَمُ الْأَبُ رِعَايَتَهُ، وَإِنَّمَا تُقَدَّمُ الْأُمُّ فِيمَا يَتَأَتَّى مِنْهَا وَمَا هُوَ شَأْنُهَا.
-
قُلْتُ: تَأْدِيبُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَاجِبٌ عَلَى وَلِيِّهِ أَبًا كَانَ أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا، وَتَكُونُ أُجْرَةُ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ،
-
وَقِيلَ: إِنَّ أُجْرَةَ مَا لَا يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ تَكُونُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ مَعَ يَسَارِ الْوَلَدِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
لَوْ خَيَّرْنَاهُ فَاخْتَارَهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا،
-
وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْرَعُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَأَصَحُّهُمَا: الْأُمُّ أَحَقُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ غَيْرَهَا، وَكَانَتِ الْحَضَانَةُ لَهَا فَيَسْتَصْحِبُ، وَبِهِ قَطَعَ فِي «الْبَسِيطِ» .
-
9/1069/106
قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَوْ تَرَكَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي وَقْتِ التَّخْيِيرِ كَفَالَتَهُ لِلْآخَرِ، كَانَ الْآخَرُ أَحَقَّ بِهِ،
-
وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْوَلَدِ، فَإِنْ عَادَ وَطَلَبَ الْكَفَالَةَ، عُدْنَا إِلَى التَّخْيِيرِ، قَالَ:
-
وَلَوْ تَدَافَعَ الْأَبَوَانِ كَفَالَتَهُ، وَامْتَنَعَا مِنْهَا،
-
فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُمَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، كَالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ الْوَلَدُ، وَيُجْبَرُ مَنِ اخْتَارَهُ عَلَى كَفَالَتِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوِ امْتَنَعَا مِنَ الْحَضَانَةِ قَبْلَ سِنِّ التَّمْيِيزِ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُجْبَرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ عَلَى حَضَانَتِهِ، وَالثَّانِي: يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
-
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.