فَصْلٌ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ قَوْلَانِ.
روضة الطالبين وعمدة المفتينShafi'imasa’il 13475 to 13518
-
3/1163/116
أَظْهَرُهُمَا: يَجِبُ. وَالثَّانِي: يُسْتَحَبُّ.
-
وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ قَطْعًا. فَإِنْ تَرَكَهُ جَبْرَهُ بِدَمٍ.
-
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ وَاجِبٌ، كَانَ جَبْرُهُ وَاجِبًا، وَإِلَّا مُسْتَحَبًّا.
-
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا يُجْبَرُ. وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» : أَنَّهُ كَالْوَدَاعِ فِي وُجُوبِ الْجَبْرِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
-
وَإِذَا خَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ، وَقُلْنَا: يَجِبُ الدَّمُ، فَعَادَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ.
-
وَإِنْ عَادَ بَعْدَ بُلُوغِهَا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَسْقُطُ،
-
وَلَا يَجِبُ الْعَوْدُ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ.
-
وَأَمَّا الْأُولَى، فَسَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَلَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ طَوَّافُ وَدَاعٍ.
-
فَلَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ خُطَّةِ مَكَّةَ لَزِمَهَا الْعَوْدُ وَالطَّوَافُ.
-
وَإِنْ طَهُرَتْ بَعْدَ بُلُوغِهَا مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَلَا.
-
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَنَصَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الْعُودُ، وَنَصَّ أَنَّ الْمُقَصِّرَ بِالتَّرْكِ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ.
-
فَالْمَذْهَبُ: الْفَرْقُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ.
-
وَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ الْعَوْدُ، فَالنَّظَرُ إِلَى نَفْسِ مَكَّةَ أَوِ الْحَرَمِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: مَكَّةُ.
-
ثُمَّ إِنْ أَوْجَبْنَا الْعَوْدَ، فَعَادَ وَطَافَ سَقَطَ الدَّمُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعُدْ، لَمْ يَسْقُطْ.
-
وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ، فَلَمْ يَعُدْ فَلَا دَمَ عَلَى الْحَائِضِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُقَصِّرِ.
-
فَرْعٌ
-
يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بَعْدَ جَمِيعِ الْأَشْغَالِ، وَيَعْقُبُهُ الْخُرُوجُ بِلَا مُكْثٍ.
-
فَإِنْ مَكَثَ نُظِرَ إِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ لِشُغْلٍ غَيْرِ أَسْبَابِ الْخُرُوجِ، كَشِرَاءِ مَتَاعٍ
-
3/1173/117
، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ، أَوْ زِيَارَةِ صَدِيقٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الطَّوَافِ.
-
وَإِنِ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاءِ الزَّادِ، وَشَدِّ الرَّحْلِ وَنَحْوِهِمَا، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَتِهِ؟
-
فِيهِ طَرِيقَانِ. قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ. وَفِي النِّهَايَةِ: وَجْهَانِ.
-
قُلْتُ: لَوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّاهَا، لَمْ يُعِدْهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
فَرْعٌ
-
حُكْمُ طَوَافِ الْوَدَاعِ حُكْمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ فِي الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ. وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَبِي يَعْقُوبَ الْأَبِيوَرْدِيِّ: أَنَّهُ يَصِحُّ بِلَا طَهَارَةٍ، وَتُجْبَرُ الطِّهَارَةُ بِالدَّمِ.
-
فَرْعٌ
-
هَلْ طَوَافُ الْوَدَاعِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاسِكِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، قَالَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ: هُوَ مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَلَيْسَ عَلَى الْخَارِجِ مِنْ مَكَّةَ وَدَاعٌ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا. وَقَالَ صَاحِبَا «التَّتِمَّةِ» وَ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُمَا: لَيْسَ طَوَافُ الْوَدَاعِ مِنَ الْمَنَاسِكِ، بَلْ يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مَكَّةَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، سَوَاءٌ كَانَ مَكِّيًّا أَوْ أُفُقِيًّا، وَهَذَا أَصَحُّ؛
-
تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ، وَتَشْبِيهًا لِاقْتِضَاءِ خُرُوجِهِ الْوَدَاعَ بِاقْتِضَاءِ دُخُولِهِ الْإِحْرَامَ؛ وَلِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ إِذَا حَجَّ وَهُوَ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُ بِوَطَنِهِ، لَا يُؤْمَرُ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ،
-
وَكَذَا الْأُفُقِيُّ إِذَا حَجَّ وَأَرَادَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ، لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاسِكِ، لَعَمَّ الْحَجِيجَ.
-
قُلْتُ: وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْمَنَاسِكِ، مَا ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ
-
3/1183/118
نُسُكِهِ ثَلَاثًا» ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يَكُونُ عِنْدَ الرُّجُوعِ، فَسَمَّاهُ قَبْلَهُ: قَاضِيًا لِلْمَنَاسِكِ، وَحَقِيقَتُهُ: أَنْ يَكُونَ قَضَاهَا كُلَّهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
فَرْعٌ
-
اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِلْحَاجِّ إِذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ، أَنْ يَقِفَ بِحِذَاءِ الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالْعَبْدُ عَبْدُكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ، وَبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ، حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ،
-
فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي، فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَالْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ [لِي] غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ،
-
وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، قَالَ: وَمَا زَادَ فَحَسَنٌ، وَقَدْ زِيدَ فِيهِ: وَاجْمَعْ لِي خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ،
-
ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَنْصَرِفُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُتْبِعَ نَظَرَهُ الْبَيْتَ مَا أَمْكَنَهُ،
-
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ زَمْزَمَ،
-
وَأَنْ يَزُورَ بَعْدَ الْفَرَاغِ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
قُلْتُ: يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ دُخُولُ الْبَيْتِ حَافِيًا مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يَتَأَذَّ بِزِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ.
-
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَيَدْعُوَ فِي جَوَانِبِهِ،
-
وَأَنْ يُكْثِرَ الِاعْتِمَارَ وَالطَّوَافَ تَطَوُّعًا قَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : الطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ. وَظَاهِرُ عِبَارَةِ صَاحِبِ «الْمُهَذَّبِ» وَآخِرِينَ فِي قَوْلِهِمْ: أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ أَنَّهَا أَفْضَلُ
-
3/1193/119
مِنْهُ، وَلَا يُنْكَرُ هَذَا. وَيُقَالُ: الطَّوَافُ صَلَاةٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ لَا سِيَّمَا فِي كُتُبِ الْمُصَنِّفِينَ الْمَوْضُوعَةِ لِلْإِيضَاحِ، وَهَذَا أَقْوَى فِي الدَّلِيلِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.