فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينShafi'imasa’il 31631 to 31680
-
5/3755/375
وَأَمَّا شَرْطُ لُزُومِ الْهِبَةِ، فَهُوَ الْقَبْضُ،
-
فَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ وَالْهَدِيَّةِ إِلَّا بِقَبْضِهِمَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ: يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ كَالْوَقْفِ. وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ: الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ،
-
فَإِنْ قَبَضَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكٌ بِالْعَقْدِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَقْوَالِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، لِمَنْ تَكُونُ؟
-
وَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ، فَوَجْهَانِ.
-
وَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، لِجَوَازِهِ، كَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَنْفَسِخُ، لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ. كَالْبَيْعِ الْجَائِزِ،
-
بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ. فَعَلَى هَذَا، إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ فِي الْإِقْبَاضِ.
-
وَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبَضَ وَارِثُهُ إِنْ أَقْبَضَهُ الْوَاهِبُ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي جُنُونِ أَحَدِهِمَا وَإِغْمَائِهِ.
-
قُلْتُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَقْبِضُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ مِنْهُمَا،
-
وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ فِي حَالِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
الْقَبْضُ الْمُحَصِّلُ لِلْمِلْكِ، هُوَ الْوَاقِعُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ،
-
فَلَوْ قَبَضَ بِلَا إِذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْهُ،
-
5/3765/376
وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، سَوَاءٌ قَبَضَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ.
-
وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ.
-
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ،
-
ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، صَحَّ رُجُوعُهُ،
-
فَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ بَعْدَهُ.
-
وَكَذَا لَوْ أَذِنَ، ثُمَّ مَاتَ الْآذِنُ أَوِ الْمَأْذُونُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الْإِذْنُ.
-
فَرْعٌ
-
بَعَثَ هَدِيَّةً إِلَى إِنْسَانٍ، فَمَاتَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ، بَقِيَتِ الْهَدِيَّةُ لِلْمُهْدِي.
-
وَلَوْ مَاتَ الْمُهْدِي، لَمْ يَكُنْ لِلرَّسُولِ حَمْلُهَا إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ،
-
وَكَذَا الْمُسَافِرُ إِذَا اشْتَرَى لِأَصْدِقَائِهِ هَدَايَا، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِمْ، فَهِيَ لَهُ تَرِكَةٌ.
-
فَرْعٌ
-
كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ. وَحَكَيْنَا هُنَا قَوْلًا، أَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الْمَنْقُولِ قَبْضٌ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا جَرَيَانَ لَهُ هُنَا، لِأَنَّ الْقَبْضَ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ، وَلِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِهِ، فَجُعِلَ التَّمْكِينُ قَبْضًا، وَفِي الْهِبَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ وَلَمْ يَكْتَفَ بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
-
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مَشَاعًا،
-
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ، فَقَبَضَهُ بِالتَّخْلِيَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا، فَقَبَضَهُ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَآخَرُونَ: فَيُقَالُ لِلشَّرِيكِ لِيَرْضَى بِتَسْلِيمِ نَصِيبِهِ أَيْضًا إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، لِيَكُونَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً حَتَّى يَتَأَتَّى الْقَبْضُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ.
-
فَإِنْ فَعَلَ [فَقَبَضَ الْمَوْهُوبُ الْجَمِيعَ، مَلَكَ. وَإِنِ
-
5/3775/377
امْتَنَعَ، قِيلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ: وَكِّلِ الشَّرِيكَ فِي الْقَبْضِ لَكَ.
-
فَإِنْ فَعَلَ] نَقَلَهُ الشَّرِيكُ وَقَبَضَهُ لَهُ.
-
فَإِنِ امْتَنَعَا، نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ لِيَحْصُلَ الْقَبْضُ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمَا.
-
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
فَرْعٌ
-
لَوْ أَتْلَفَ الْمُتَّهِبُ الْمَوْهُوبَ، لَمْ يَصِرْ قَابِضًا،
-
بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إِذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ، وَالْفَرْقُ مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ.
-
وَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي أَكْلِ طَعَامِ الْمَوْهُوبِ، فَأَكَلَهُ، أَوْ فِي إِعْتَاقِ الْمَوْهُوبِ، فَأَعْتَقَهُ، أَوْ أَمَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ بِإِعْتَاقِهِ، فَأَعْتَقَهُ، كَانَ قَابِضًا.
-
فَرْعٌ
-
لَوْ بَاعَ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ، حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ، صَحَّ بَيْعُهُ وَبَطَلَتِ الْهِبَةُ.
-
وَإِنِ اعْتَقَدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ قَوْلَانِ، كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ أَنَّهُ حَيٌّ، فَبَانَ مَيِّتًا.
-
5/3785/378
فَرْعٌ
-
فِي مَسَائِلَ مَحْكِيَّةٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
-
لَوْ قَالَ: وَهَبْتُهُ لَهُ وَمَلَّكَهُ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِلُزُومِ الْهِبَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ، وَالْإِقْرَارُ يُحْمَلُ عَلَى الْيَقِينِ.
-
وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُهُ لَهُ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ مِنْهُ،
-
فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْقَبْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْوَاهِبِ،
-
فَلَا. وَلَوْ قِيلَ لَهُ: وَهَبْتُ دَارَكَ لِفُلَانٍ وَأَقْبَضْتُهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْهِبَةِ وَالْإِقْبَاضِ.
-
الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْهِبَةِ فِي الرُّجُوعِ وَالثَّوَابِ
-
فِيهِ طَرَفَانِ.
-
الطَّرَفُ الْأَوَّلُ: فِي الرُّجُوعِ، فَالْهِبَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى مُقَيَّدَةٍ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، وَمُقَيَّدَةٍ بِإِثْبَاتِهِ، وَمُطْلَقَةٍ. أَمَّا الْمُقَيَّدَةُ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، فَتَلْزَمُ بِنَفْسِ الْقَبْضِ،
-
وَلَا رُجُوعَ فِيهَا إِلَّا لِلْوَالِدِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.