فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينShafi'imasa’il 55323 to 55474
-
9/3289/328
وَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَاحِدٌ خَلْفَ وَاحِدٍ فَهَلَكُوا، أَوْ هَلَكَ بَعْضُهُمْ؛ فَلَهُ حَالَانِ:
-
الْأُولَى: أَنْ يَقَعَ الثَّانِي بِغَيْرِ جَذْبِ الْأَوَّلِ؛
-
فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ، فَالثَّانِي ضَامِنٌ؛
-
فَإِنْ تَعَمَّدَ إِلْقَاءَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ،
-
وَمِثْلُهُ يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا لِضَخَامَتِهِ وَعُمْقِ الْبِئْرِ وَضِيقِهَا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ.
-
وَإِنْ تَعَمَّدَهُ لَكِنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.
-
وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وُقُوعَ الْأَوَّلِ؛ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ.
-
ثُمَّ أَطْلَقَ مُطْلِقُونَ أَنَّهُ إِذَا آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ؛ وَجَبَتْ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَلَى الثَّانِي نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَبِوُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ، وَيَكُونُ النِّصْفُ الْآخَرُ عَلَى الْحَافِرِ؛ إِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا؛ وَإِلَّا فَمُهْدَرٌ. وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ.
-
لَكِنْ لَوْ نَزَلَ الْأَوَّلُ إِلَى الْبِئْرِ وَلَمْ يَنْصَدِمْ؛ فَوَقَعَ عَلَيْهِ الثَّانِي؛ تَعَلَّقَ بِوُقُوعِهِ كُلُّ الدِّيَةِ. أَمَّا إِذَا مَاتَ الثَّانِي؛
-
فَإِنْ تَعَمَّدَ إِلْقَاءِ النَّفْسِ فِيهَا، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْحَفْرُ عُدْوَانًا؛ فَهُوَ هَدَرٌ؛ وَإِلَّا تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِعَاقِلَةِ الْحَافِرِ.
-
وَإِنْ مَاتَا مَعًا؛ فَالْحُكْمُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مَا ذَكَرْنَا.
-
وَلَوْ تَرَدَّى فِي الْبِئْرِ ثَلَاثَةٌ؛ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ دِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا ثُلْثَا الدِّيَةِ، وَالثُّلْثُ الْبَاقِي عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ إِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا؛ وَإِلَّا فَهُوَ هَدَرٌ. قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
-
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَ الثَّانِي فِي الْبِئْرِ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ،
-
فَإِذَا تَزَلَّقَ عَلَى طَرَفِ بِئْرٍ، فَجَذَبَ غَيْرَهُ وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، وَوَقْعَ الثَّانِي فَوْقَهُ فَمَاتَا؛ فَالثَّانِي هَلَكَ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ؛ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ إِلَّا أَنَّهُ قَصَدَ
-
9/3299/329
الِاسْتِمْسَاكَ وَالتَّحَرُّزَ عَنِ الْوُقُوعِ؛ فَكَانَ مُخْطِئًا؛ فَيَجِبُ ضَمَانُ الثَّانِي عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ.
-
وَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا فَوَجْهَانِ:
-
أَحَدُهُمَا يُحْكَى عَنِ الْخُضَرِيِّ: أَنَّهُ مُهْدَرٌ، وَأَصَحُّهُمَا: تَجِبُ نِصْفُ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ وَيُهْدَرُ النِّصْفُ، لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبَيْنِ: صَدْمَةُ الْبِئْرِ وَثِقَلُ الثَّانِي مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ؛
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَفْرُ عُدْوَانًا؛ فَالْأَوَّلُ مُهْدَرٌ بِلَا خِلَافٍ، وَلْيَحْمِلْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ إِطْلَاقَ مَنْ أَطْلَقَ إِهْدَارَ الْأَوَّلِ؛ وَقَدْ أَطْلَقَهُ كَثِيرُونَ.
-
وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا، وَمَاتُوا جَمِيعًا فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: تُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ لِجَذْبِهِ الثَّانِي،
-
وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي لِجَذْبِهِ الثَّالِثَ.
-
وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْحَفْرِ مَعَ الْجَذْبِ؛ وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ مَاتَ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: صَدْمَةُ الْبِئْرِ وَثِقَلُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ فَهَدَرَ ثُلْثُ الدِّيَةِ لِجَذْبِهِ الثَّانِي،
-
ثُمَّ يَنْظُرُ إِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا، وَجَبَ ثُلْثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ، وَثُلْثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي بِجَذْبِهِ الثَّالِثِ.
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَفْرُ عُدْوَانًا، أُهْدِرَ ثُلْثٌ آخَرُ وَوَجَبَ ثُلْثٌ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: مَاتَ بِالْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ وَبِجَذْبَةِ الثَّانِي؛ فَيُهْدِرُ نِصْفَ دِيَةٍ،
-
وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ، وَأَعْرَضَ عَنْ تَأَثُّرِهِ بِثِقَلِ الثَّالِثِ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي فَمَاتَ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ، وَبِثِقَلِ الثَّالِثِ؛ وَثِقَلُ الثَّالِثِ حَصَلَ بِفِعْلِهِ؛ فَيُهْدَرُ نِصْفٌ وَيَجِبُ نِصْفٌ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ.
-
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَتَجِبُ جَمِيعُ دِيَتِهِ عَلَى الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ،
-
وَقِيلَ: عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ وَالْمُرَادُ عَاقِلَتُهُمَا.
-
وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ بِحَالِهَا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا وَمَاتُوا؛ وَجَبَ جَمِيعُ دِيَةِ الرَّابِعِ بِلَا خِلَافٍ. وَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِالثَّالِثِ وَحْدَهُ أَمْ بِالثَّلَاثَةِ؟ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
-
وَأَمَّا دِيَاتُ الثَّلَاثَةِ فَفِيهَا أَوْجُهٌ؛ أَصَحُّهَا: أَنَّ الْأَوَّلَ مَاتَ بِأَرْبَعَةِ أَسْبَابٍ: صَدْمَةُ الْبِئْرِ، وَثِقَلُ الثَّلَاثَةِ؛ فَيُهْدَرُ رُبُعُ دِيَتِهِ لِجَذْبِهِ الثَّانِي،
-
9/3309/330
وَيَجِبُ الرُّبْعُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ إِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا.
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُدْوَانًا أُهْدِرَ أَيْضًا.
-
وَيَجِبُ رُبُعٌ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي، وَرُبُعٌ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلَا أَثَرَ لِلْحَفْرِ فِي حَقِّهِ وَقَدْ مَاتَ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ، وَثِقَلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ؛ فَيُهْدَرُ ثُلْثُ دِيَتِهِ،
-
وَيَجِبُ ثُلْثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ وَثُلْثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ.
-
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَمَاتَ بِجَذْبِ الثَّانِي وَثِقَلِ الرَّابِعِ؛ فَيُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ،
-
وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي.
-
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَجِبُ لِلْأَوَّلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِجَذْبِ الثَّانِي وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ،
-
وَأَمَّا الثَّانِي فَيُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ،
-
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي؛ وَمُقْتَضَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ لَا يَجِبَ لِلْأَوَّلِ فِي صُورَةِ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ أَصْلًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَاكَ.
-
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ تُجْعَلُ دِيَةُ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا؛ فَيُهْدَرُ ثُلْثُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ،
-
وَيَجِبُ الثُّلْثَانِ مِنْ دِيَةِ الْأَوَّلِ عَلَى عَاقِلَتَيِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَالثُّلْثَانِ مِنْ دِيَةِ الثَّانِي عَلَى عَاقِلَتَيِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، وَالثُّلْثَانِ مِنْ دِيَةِ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَتَيِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
-
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي: يَجِبُ لِلْأَوَّلِ رُبُعُ الدِّيَةِ إِنْ كَانَ الْحَافِرُ مُتَعَدِّيًا، وَلِلثَّانِي الثُّلْثُ، وَلِلثَّالِثِ النِّصْفُ لِلْقِصَّةِ الْمَرْوِيَّةِ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذَا وَإِمْضَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ؛ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا وَقَعَ الثَّلَاثَةُ أَوِ الْأَرْبَعَةُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ؛
-
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْبِئْرُ وَاسِعَةً وَجَذَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَكِنْ وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَاحِيَةٍ؛ فَدِيَةُ كُلِّ مَجْذُوبٍ عَلَى عَاقِلَةِ جَاذِبِهِ وَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ إِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا.
-
وَمَنْ وَجَبَتْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ دِيَةُ بَعْضِهِمْ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ. وَيَقَعُ النَّظَرُ فِي أَنَّهَا هَلْ تَتَجَزَّأُ؟
-
وَمَنْ أُهْدِرُ دَمُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ لِفِعْلِهِ؛ فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟
-
9/3319/331
الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي اجْتِمَاعِ سَبَبَيْنِ مُتَقَاوِمَيْنِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
-
إِحْدَاهَا: إِذَا اصْطَدَمَ حُرَّانِ مَاشِيَانِ، فَوَقَعَا وَمَاتَا؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ؛ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْقَتْلَيْنِ؛ فَفِعْلُهُ هَدَرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَضْمُونٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّ فِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَجَزَّأُ،
-
وَأَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
-
وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَتَسْقُطُ نِصْفُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ،
-
وَيَجِبُ نِصْفُهَا؛ ثُمَّ إِنْ لَمْ يَقْصِدَا الِاصْطِدَامَ بِأَنْ كَانَا أَعْمَيَيْنِ، أَوْ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ مُدْبِرَيْنِ، أَوْ غَافِلَيْنِ؛ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ؛ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ.
-
وَإِنْ تَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاصِلَ عَمْدٌ مَحْضٌ،
-
وَيَجِبُ فِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ؛ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ؛ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» : أَنَّ الْحَاصِلَ شِبْهُ عَمْدٍ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الِاصْطِدَامَ لَا يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ؛
-
فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعَمْدُ الْمَحْضُ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ فَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ مُغَلَّظَةً.
-
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الْمُصْطَدِمَانِ رَاكِبَيْنِ؛ فَحُكْمُ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا؛
-
فَلَوْ تَلِفَتِ الدَّابَّتَانِ؛ فَفِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ صَاحَبِهِ؛
-
وَلَوْ غَلَبَتْهُمَا الدَّابَّتَانِ، فَجَرَى الِاصْطِدَامُ وَالرَّاكِبَانِ مَغْلُوبَانِ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَغْلُوبَ كَغَيْرِ الْمَغْلُوبِ كَمَا سَبَقَ. وَفِي قَوْلٍ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّ هَلَاكَهُمَا وَهَلَاكَ الدَّابَّتَيْنِ هَدَرٌ؛ إِذْ لَا صُنْعَ لَهُمَا وَلَا اخْتِيَارَ؛ فَصَارَ كَالْهَلَاكِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ غَلَبَتِ الدَّابَّةُ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا، وَأَتْلَفَتْ مَالًا، هَلْ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ؟
-
فَرْعٌ
-
سَوَاءٌ فِي اصْطِدَامِ الرَّاكِبَيْنِ اتَّفَقَ جِنْسُ الْمَرْكُوبَيْنِ وَقُوَّتُهُمَا، أَمِ
-
9/3329/332
اخْتَلَفَ، كَرَاكِبِ فَرَسٍ، أَوْ بَعِيرٍ مَعَ رَاكِبِ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ، وَسَوَاءٌ فِي اصْطِدَامِ الرَّجُلَيْنِ اتَّفَقَ سَيْرُهُمَا، أَوِ اخْتَلَفَ؛ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَمْشِي وَالْآخَرُ يَعْدُو، وَسَوَاءٌ كَانَا مُقْبِلَيْنِ، أَمْ مُدْبِرَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُقْبِلًا وَالْآخَرُ مُدْبِرًا.
-
قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنْ لَوْ كَانَتْ إِحْدَى الدَّابَّتَيْنِ ضَعِيفَةً بِحَيْثُ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِحَرَكَتِهَا مَعَ قُوَّةِ الدَّابَّةِ الْأُخْرَى؛ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِحَرَكَتِهَا حُكْمٌ؛ كَغَرْزِ الْإِبْرَةِ فِي جِلْدَةِ الْعَقِبِ مَعَ الْجِرَاحَاتِ الْعَظِيمَةِ؛ وَسَوَاءٌ وَقَعَ الْمُصْطَدِمَانِ مُقْبِلَيْنِ أَوْ مُسْتَلْقِيَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْتَلْقِيًا وَالْآخَرُ مُكِبًّا.
-
وَعَنِ الْمُزَنِيِّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ أَحَدُهُمَا مُكِبًّا وَالْآخَرُ مُسْتَلْقِيًا؛ فَالْمُكِبُّ مُهْدَرٌ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ ضَمَانُ الْمُسْتَلْقِي، وَعَنِ ابْنِ الْقَاصِّ مِثْلُهُ تَخْرِيجًا؛
-
وَعَنْهُ أَنَّ الْمُكِبَّيْنِ مُهْدَرَانِ.
-
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
-
وَلَوِ اصْطَدَمَ مَاشٍ وَرَاكِبٌ لِطُولِ الْمَاشِي وَهَلَكَا؛ فَالْحُكْمُ مَا سَبَقَ.
-
فَرْعٌ
-
تَجَاذَبَ رَجُلَانِ حَبْلًا؛ فَانْقَطَعَ فَسَقَطَا وَمَاتَا؛ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، وَيُهْدَرُ النِّصْفُ؛ سَوَاءٌ وَقَعَا مُكِبَّيْنِ أَوْ مُسْتَلْقِيَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا هَكَذَا وَالْآخَرُ كَذَاكَ؛ لَكِنْ قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ أَكَبَّ أَحَدُهُمَا، وَاسْتَلْقَى الْآخَرُ؛ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَلْقِي نِصْفُ دِيَةِ الْمُكِبِّ مُغَلَّظَةً، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُكِبِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْتَلْقِي مُخَفَّفَةً.
-
وَهَذَا إِنْ صَحَّ اقْتَضَى أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي الِاصْطِدَامِ؛ هَذَا إِذَا كَانَ الْحَبْلُ لَهُمَا أَوْ مَغْصُوبًا؛
-
فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ ظَالِمٌ؛ فَدَمُ الظَّالِمِ هَدَرٌ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ دِيَةِ الْمَالِكِ.
-
وَلَوْ أَرْخَى أَحَدُ الْمُتَجَاذِبَيْنِ؛ فَسَقَطَ الْآخَرُ، وَمَاتَ فَنِصْفُ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُرْخِي وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا.
-
وَلَوْ قَطَعَ الْحَبْلَ قَاطِعٌ فَسَقَطَا وَمَاتَا؛ فَدِيَتَاهُمَا جَمِيعًا عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ.
-
9/3339/333
فَرْعٌ
-
مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُهْدَرُ نِصْفُ قِيمَةِ الدَّابَّةِ وَيَجِبُ النِّصْفُ الْآخَرُ هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ لِلرَّاكِبِ؛
-
فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَعَارَةً أَوْ مُسْتَأْجَرَةً لَمْ يُهْدَرْ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ،
-
وَكَذَا الْمُسْتَأْجَرُ إِذَا أَتْلَفَهُ الْمُسْتَأْجِرُ.
-
الثَّالِثَةُ: إِذَا اصْطَدَمَ صَبِيَّانِ أَوْ مَجْنُونَانِ نُظِرَ؛ إِنْ كَانَا مَاشِيَيْنِ، أَوْ رَاكِبَيْنِ رَكِبَا بِأَنْفُسِهِمَا؛ فَهُمَا كَالْبَالِغِينَ إِلَّا أَنَّا إِذَا أَوْجَبْنَا هُنَاكَ دِيَةً مُغَلَّظَةً؛ فَهِيَ هُنَا مُخَفَّفَةٌ؛ إِلَّا إِذَا قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَمْدٌ.
-
وَإِنْ أَرْكَبَهُمَا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا؛ لَمْ يُهْدَرْ شَيْءٌ مِنْ دِيَتِهِمَا،
-
وَلَا مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّتَيْنِ،
-
وَلَا شَيْءَ عَلَى الصَّبِيَّيْنِ،
-
وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِمَا؛ بَلْ إِنْ كَانَ الْمُرَكِّبُ وَاحِدًا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الدَّابَّتَيْنِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الصَّبِيَّيْنِ؛
-
وَإِنْ أَرْكَبَ هَذَا وَاحِدٌ وَذَاكَ آخَرُ؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ دَابَّةٍ.
-
وَكَذَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ دَابَّةُ مَنْ أَرْكَبَهُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَتَيِ الصَّبِيَّيْنِ؛ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
-
وَقَالَ الدَّارَكِيُّ وَابْنُ الْمَرْزُبَانِ: يَلْزَمُ عَاقِلَةُ كُلِّ مُرَكِّبٍ دِيَةُ مَنْ أَرْكَبَهُ؛ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا غَلَطٌ، قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» :
-
فَلَوْ تَعَمَّدَ الصَّبِيُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ احْتُمِلَ أَنْ يُحَالَ الْهَلَاكُ عَلَيْهِ إِذَا قُلْنَا: عَمْدُهُ عَمْدٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّسَبُّبِ؛ وَهَذَا احْتِمَالٌ حَسَنٌ.
-
فَإِنْ قِيلَ بِهِ؛ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ رَكِبَا بِأَنْفُسِهِمَا، وَالِاعْتِذَارُ عَنْهُ تَكَلُّفٌ،
-
وَلَوْ وَقَعَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ؛ فَقَدْ أَطْلَقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُرَكِّبِ الضَّمَانُ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ وَلَمْ يَشُدَّهُ؛ وَجَبَ الضَّمَانُ؛
-
وَإِنْ كَانَ يَسْتَمْسِكُ؛ فَإِنْ كَانَ يَنْقُلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ فَلَا ضَمَانَ؛ سَوَاءٌ أَرْكَبَهُ الْوَلِيُّ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ غَالِبًا.
-
وَإِنْ أَرْكَبَهُ لِيَتَعَلَّمَ الْفُرُوسِيَّةَ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّبَّاحِ. وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّفْصِيلِ نَظَرٌ.
-
أَمَّا إِذَا أَرْكَبَهُمَا وَلِيَّاهُمَا لِمَصْلَحَتِهِمَا فَوَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَلِيِّ؛ كَمَا لَوْ
-
9/3349/334
رَكِبَا بِأَنْفُسِهِمَا إِذْ لَا تَقْصِيرَ، وَالثَّانِي قَالَهُ الْقَفَّالُ: يَجِبُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِرْكَابِ خَطَرًا؛ هَكَذَا أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ الْوَجْهَيْنِ، وَخَصَّهُمَا الْإِمَامُ بِالْإِرْكَابِ لِزِينَةٍ أَوْ حَاجَةٍ غَيْرِ مُهِمَّةٍ؛ قَالَ:
-
فَأَمَّا إِذَا مَسَّتْ حَاجَةٌ أَرْهَقَتْ إِلَى إِرْكَابِهِ لِلِانْتِقَالِ إِلَى مَكَانٍ؛
-
فَلَا ضَمَانَ قَطْعًا، ثُمَّ الْوَجْهَانِ مَخْصُوصَانِ بِمَا إِذَا ظَهَرَ ظَنُّ السَّلَامَةِ؛
-
فَأَمَّا إِذَا أَرْكَبَهُ الْوَلِيُّ دَابَّةً شَرِسَةً جَمُوحًا؛
-
فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ.
-
الرَّابِعَةُ: اصْطِدَامُ الْمَرْأَتَيْنِ كَالرَّجُلَيْنِ؛
-
فَإِنِ اصْطَدَمَ حَامِلَانِ فَمَاتَتَا وَمَاتَ جَنِينَاهُمَا؛ وَجَبَ فِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَعَدَمُ تَجْزِئَةِ الْكَفَّارَةِ؛
-
فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَجَبَ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ.
-
وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّجْزِئَةِ؛ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ كَفَّارَةٍ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ دِيَةِ صَاحِبَتِهَا وَنِصْفُ غُرَّةِ كُلِّ جَنِينٍ.
-
الْخَامِسَةُ: اصْطَدَمَ عَبْدَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا؛ وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِهِ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ الْحَيِّ،
-
وَإِنْ مَاتَا فَمُهْدَرَانِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ جِنَايَةِ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ؛ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ قِيمَتُهُمَا، أَمِ اخْتَلَفَتْ.
-
وَإِنِ اصْطَدَمَ حُرٌّ وَعَبْدٌ وَمَاتَ الْعَبْدُ؛ فَنِصْفُهُ هَدَرٌ، وَتَجِبُ نِصْفُ قِيمَتِهِ.
-
وَهَلْ تَكُونُ عَلَى الْحُرِّ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ فِي تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛
-
وَإِنْ مَاتَ الْحُرُّ؛ وَجَبَ نِصْفُ دِيَتِهِ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ؛
-
وَإِنْ مَاتَا مَعًا. فَإِنْ قُلْنَا: قِيمَةُ الْعَبْدِ لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ؛ وَجَبَ نِصْفُهَا فِي تَرِكَةِ الْحُرِّ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ رَقَبَتِهِ.
-
وَإِنْ قُلْنَا: تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْقِيمَةَ؛ فَنِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ؛ فَيَأْخُذُ السَّيِّدُ مِنَ الْعَاقِلَةِ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَيَدْفَعُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِلَى وَرَثَةِ الْحُرِّ؛ إِمَّا مِنْ عَيْنِ الْمَأْخُوذِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ.
-
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ أَنْ يَثْبُتَ لِوَرَثَةِ الْحُرِّ مُطَالَبَةُ عَاقِلَتِهِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ؛
-
وَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ السَّيِّدُ لِيَتَوَثَّقُوا بِهِ.
-
9/3359/335
وَكَذَا إِذَا تَعَلَّقَ أَرْشٌ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ فَقَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ؛ ثَبَتَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ قَاتِلِ الْجَانِي بِالْقِيمَةِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ مُطَالَبَةُ قَاتِلِ الْمَرْهُونِ بِالْقِيمَةِ لِيَتَوَثَّقَ بِهَا، وَلْيَكُنْ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ هَلْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْجَانِيَ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ؛ الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُخَاصِمَ وَيَأْخُذَ؛
-
فَإِنْ لَمْ يَصِرِ الْمَأْخُوذُ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ لَمْ يَصِحَّ التَّوَثُّقُ.
-
وَإِنْ صَارَ فَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ نَائِبًا عَنْهُ قَهْرًا بَعِيدٌ.
-
السَّادِسُةُ: اصْطَدَمَ مُسْتَوْلِدَتَانِ لِرَجُلَيْنِ فَمَاتَتَا؛ أُهْدِرَ نِصْفُ قِيمَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَوَجَبَ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى سَيِّدِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ ضَمَانَ جِنَايَةِ الْمُسْتَوْلَدَةِ عَلَى سَيِّدِهَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَضْمَنُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَقِيمَةِ مُسْتَوْلَدَتِهِ؛
-
وَإِنْ كَانَتَا حَامِلَيْنِ فَمَاتَتَا وَأَجْهَضَتَا جَنِينَهُمَا، فَحُكْمُ الْقِيمَةِ مَا ذَكَرْنَا.
-
وَأَمَّا ضَمَانُ الْجَنِينَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ؛ فَعَلَى سَيِّدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ الْأُخْرَى نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهَا لِنِصْفِ جَنِينِهَا.
-
وَإِنْ كَانَتَا حَامِلَيْنِ بِحُرَّيْنِ مِنْ شُبْهَةٍ؛ فَعَلَى كُلِّ سَيِّدٍ مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ الْأُخْرَى نِصْفُ غُرَّةٍ لِجَنِينِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَنِصْفُ غُرَّةٍ لِجَنِينِ الْأُخْرَى.
-
وَإِنْ كَانَتَا حَامِلَيْنِ بِحُرَّيْنِ مِنَ السَّيِّدَيْنِ؛ فَنِصْفُ كُلِّ جَنِينٍ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْلَدَةَ إِذَا جَنَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَأَلْقَتْ جَنِينًا؛ كَانَ هَدَرًا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّيِّدَيْنِ نِصْفُ غُرَّةِ جَنِينِ الْأُخْرَى، وَتَصِيرُ الصُّورَةُ مِنْ صُوَرِ التَّقَاصِّ؛
-
وَإِذَا فَضَلَ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ أَخَذَهُ.
-
وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حَامِلًا؛ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا؛ فَنِصْفُ الْغُرَّةِ عَلَى سَيِّدِ الْحَامِلِ؛
-
فَإِنْ كَانَ لِلْجَنِينِ أُمٌّ أَمْ وَارِثَةٌ؛ فَلَهَا نِصْفُ سُدْسِ الْغُرَّةِ، وَالْبَاقِي لِسَيِّدِ الْحَامِلِ، وَعَلَيْهِ لِلْجَدَّةِ نِصْفُ سُدْسٍ أَيْضًا لِيُكْمِلَ لَهَا سُدْسُ الْغُرَّةِ.
-
السَّابِعَةُ: إِذَا اصْطَدَمَ سَفِينَتَانِ، وَغَرِقَتَا بِمَا فِيهِمَا؛ فَإِمَّا أَنْ
-
9/3369/336
يَحْصُلُ الِاصْطِدَامُ بِفِعْلِهِمَا، وَإِمَّا لَا؛ فَهُمَا حَالَانِ.
-
الْأَوَّلُ بِفِعْلِهِمَا؛ فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَتِ السَّفِينَتَانِ وَمَا فِيهِمَا مِلْكًا لِلْمَلَّاحَيْنِ الْمُجْرِيَيْنِ لَهُمَا؛ فَنِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ سَفِينَةٍ وَمَا فِيهِمَا مُهْدَرٌ، وَنِصْفُ قِيمَتِهَا وَنِصْفُ قِيمَةِ مَا فِيهَا عَلَى صَاحِبِ الْأُخْرَى؛
-
فَإِنْ هَلَكَ الْمَلَّاحَانِ أَيْضًا؛ فَهُمَا كَالْفَارِسَيْنِ يَمُوتَانِ بِالِاصْطِدَامِ.
-
وَإِنْ كَانَتِ السَّفِينَتَانِ لَهُمَا وَحَمَلَا الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ تَبَرُّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ، نُظِرَ إِنْ تَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ بِمَا يَعُدُّهُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مُفْضِيًا إِلَى الْهَلَاكِ؛ تَعَلَّقَ بِفِعْلِهِمَا الْقِصَاصُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي كُلِّ سَفِينَةٍ عَشْرَةُ أَنْفَسٍ مَثَلًا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ لِمَوْتِهِمْ مَعًا؛
-
فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، قُتِلَ بِهِ الْمَلَّاحَانِ. وَفِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَاتِ الْبَاقِينَ؛ فَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ تِسْعُ دِيَاتٍ وَنِصْفٌ مَعَ الْقِصَاصِ، وَفِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ بِعَدَدِ مَنْ فِي السَّفِينَتَيْنِ مِنَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَةِ مَا فِي السَّفِينَتَيْنِ لَا يُهْدَرُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَنِصْفُ قِيمَةِ سَفِينَةِ صَاحِبِهِ، وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا، وَيَجْرِي التَّقَاصُّ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَشْتَرِكَانِ فِيهِ.
-
وَإِنْ تَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ بِمَا لَا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا وَقَدْ يُفْضِي إِلَيْهِ؛ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُغَلَّظَةً،
-
وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ بَلْ ظَنَّا أَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ عَلَى الرِّيحِ؛ فَأَخْطَأَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنَّ بِقُرْبِ سَفِينَتِهِ سَفِينَةَ الْآخَرِ؛ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
-
وَإِنْ كَانَتِ السَّفِينَتَانِ لِغَيْرِ الْمَلَّاحَيْنِ، وَكَانَا أَجِيرَيْنِ لِلْمَالِكِ، أَوْ أَمِينَيْنِ، لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ ضَمَانِ السَّفِينَتَيْنِ بَلْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ سَفِينَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكِينَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ قِيمَةِ سَفِينَتِهِ مِنْ أَمِينِهِ،
-
ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ بِنِصْفِهَا عَلَى أَمِينِ الْآخَرِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهَا مِنْهُ وَنِصْفَهَا مِنْ أَمِينِ الْآخَرِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْمُجْرِيَانِ عَبْدَيْنِ؛ فَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِمَا.
-
9/3379/337
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ الِاصْطِدَامُ لَا بِفِعْلِهِمَا؛
-
فَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمَا تَقْصِيرٌ بِأَنْ تَوَانَيَا فِي الضَّبْطِ؛ فَلَمْ يَعْدِلَاهُمَا عَنْ صَوْبِ الِاصْطِدَامِ مَعَ إِمْكَانِهِ، أَوْ سَيَّرَا فِي رِيحٍ شَدِيدَةٍ لَا تَسِيرُ فِي مِثْلِهَا السُّفُنُ، أَوْ لَمْ يُكْمِلَا عِدَّتَهُمَا مِنَ الرِّجَالِ وَالْآلَاتِ، وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
-
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا تَقْصِيرٌ، وَحَصَلَ الْهَلَاكُ بِغَلَبَةِ الرِّيَاحِ وَهَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ؛ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ كَالْفَارِسَيْنِ إِذَا غَلَبَتْهُمَا دَابَّتَاهُمَا؛ وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِمَا، كَمَا لَوْ حَصَلَ الْهَلَاكُ بِصَاعِقَةٍ
-
بِخِلَافِ غَلَبَةِ الدَّابَّةِ؛ فَإِنَّ ضَبْطَهَا مُمْكِنٌ بِاللِّجَامِ.
-
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا فِعْلٌ؛ بِأَنْ كَانَتِ السَّفِينَةُ مَرْبُوطَةً بِالشَّطِّ أَوْ مِرْسَاةٍ فِي مَوْضِعٍ؛ فَهَاجَتْ رِيحٌ فَسَيَّرَتْهَا فَأَمَّا إِذَا سَيَّرَاهُمَا،
-
ثُمَّ غَلَبَتِ الرِّيحُ، وَعَجَزَا عَنْ ضَبْطِهِمَا؛ فَيَجِبُ الضَّمَانُ قَطْعًا.
-
وَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ؛
-
فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الضَّمَانُ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ فَرَطَا، وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِدَا الِاصْطِدَامَ.
-
وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: لَمْ يَجِبْ ضَمَانُ الْأَحْرَارِ،
-
وَلَا ضَمَانَ الْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ فِيهِمَا وَلَا ضَمَانَ الْأَمْوَالِ الْمَحْمُولَةِ بِالْأُجْرَةِ إِنْ كَانَ مَالِكُهَا أَوْ عَبَدُهُ مَعَهَا يَحْفَظُهَا.
-
وَإِنِ اسْتَقَلَّ الْمُجْرِيَانِ بِالْيَدِ؛ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ يَدَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ هَلْ هِيَ يَدُ ضَمَانٍ؟
-
وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا عَبِيدٌ؛
-
فَإِنْ كَانُوا أَعْوَانًا أَوْ حُفَّاظًا لِلْمَالِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُمْ؛ وَإِلَّا فَهُمْ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفَ صَاحِبُ الْمَالِ وَالْمَلَّاحَانِ؛ فَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ: كَانَ الِاصْطِدَامُ بِفِعْلِكُمَا، وَقَالَا: بَلْ بِغَلَبَةِ الرِّيحِ، صَدَقَا بِيَمِينِهِمَا؛
-
وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا مُفَرِّطًا أَوْ عَامِدًا دُونَ الْآخَرِ؛ خُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْحُكْمِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَالُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا،
-
وَلَوْ صَدَمَتْ سَفِينَةٌ السَّفِينَةَ الْمَرْبُوطَةَ بِالشَّطِّ فَكَسَرَتْهَا؛ فَالضَّمَانُ عَلَى مُجْرِي السَّفِينَةِ الصَّادِمَةِ.
-
فَرْعٌ
-
إِذَا خَرَقَ وَاحِدٌ سَفِينَةً؛ فَغَرِقَ مَا فِيهَا مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ؛ وَجَبَ ضَمَانُهُ،
-
9/3389/338
ثُمَّ إِنْ تَعَمَّدَ الْخَرْقَ بِمَا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا كَالْخَرْقِ الْوَاسِعِ الَّذِي لَا مِدْفَعَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ فِي مَالِهِ.
-
وَإِنْ تَعَمَّدَهُ بِمَا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْهَلَاكُ غَالِبًا؛ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ،
-
وَكَذَا لَوْ قَصَدَ إِصْلَاحَ السَّفِينَةِ؛ فَنَفَذَتِ الْآلَةُ فِي مَوْضِعِ الْإِصْلَاحِ فَغَرِقَتْ بِهِ السَّفِينَةُ،
-
وَإِنْ أَصَابَتِ الْآلَةُ غَيْرَ مَوْضِعِ الْإِصْلَاحِ، أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ حَجَرٌ، أَوْ غَيْرُهُ؛ فَخَرَقَتِ السَّفِينَةَ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ.
-
فَرْعٌ
-
لَوْ كَانَتِ السَّفِينَةُ مُثْقَلَةً بِتِسْعَةِ أَعْدَالٍ، فَوَضَعَ آخَرُ فِيهَا عَدْلًا آخَرَ عُدْوَانًا؛ فَغَرِقَتْ؛ فَهَلْ يَغْرَمُ جَمِيعَ الْأَعْدَالِ التِّسْعَةِ أَمْ بَعْضَهَا؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَمِيعُهَا؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ تَرَتَّبَ عَلَى فِعْلِهِ؛ وَأَصَحُّهُمَا: الْبَعْضُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: النِّصْفُ، وَالثَّانِي: قِسْطُهُ إِذَا وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْدَالِ، وَهُوَ كَالْخِلَافِ فِي الْجَلَّادِ إِذَا زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، وَلَهُ نَظَائِرُ مُتَقَدِّمَةٌ.