Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

كِتَابُ الْقَضَاءِ

روضة الطالبين وعمدة المفتينShafi'imasa’il 62928 to 63609

  1. 11/11311/113

    مَا ذَكَرْتُهُ وَلَا أَقُولُ هَذَا تَبَجُّحًا بَلْ نَصِيحَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَمُنَاصَحَةً لِلدِّينِ، وَهُمَا وَاجِبَانِ عَلَيَّ وَعَلَى سَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ.

  2. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِي جَوَابِهِ عَلَى قَوْلِهِ: فِيهِ قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ، أَوْ خِلَافُ وَنَحْوُ ذَلِكَ،

  3. فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ جَوَابًا صَحِيحًا لِلْمُسْتَفْتِي،

  4. وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ، وَهُوَ بَيَانُ مَا يُعْمَلُ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ بِمَا هُوَ الرَّاجِحُ،

  5. فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الرَّاجِحُ، انْتَظَرَ ظُهُورَهُ، أَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِفْتَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ، كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.

  6. وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى كَانَ قَوْلَانِ قَدِيمٌ وَجَدِيدٌ، فَالْعَمَلُ عَلَى الْجَدِيدِ إِلَّا فِي نَحْوِ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً قَدْ أَوْضَحْتُهَا مُفَصَّلَةً فِي أَوَّلِ شَرْحِ «الْمُهَذَّبِ» مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَيَتَرَتَّبُ بِهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ،

  7. وَإِذَا كَانَ فِي رُقْعَةِ الِاسْتِفْتَاءِ مَسَائِلُ، فَحَسَنٌ أَنْ يُرَتَّبَ الْجَوَابُ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ،

  8. وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ لَمْ يُطْلَقِ الْجَوَابُ، فَإِنَّهُ خَطَأٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ، بَلْ يَذْكُرُ جَوَابَ مَا فِي الرُّقْعَةِ فَإِنْ أَرَادَ الْجَوَابَ عَلَى خِلَافِ مَا فِيهَا، فَلْيَقُلْ،

  9. وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَا، فَجَوَابُهُ كَذَا،

  10. وَإِذَا كَتَبَ الْجَوَابَ، أَعَادَ نَظَرَهُ فِيهِ وَتَأَمَّلَهُ،

  11. وَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِالْإِفْتَاءِ فِي الرُّقْعَةِ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ: فَالْعَادَةُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنْ يَكْتُبَ فِي النَّاحِيَةِ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ.

  12. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَوْ كَتَبَ وَسَطَ الرُّقْعَةِ، أَوْ فِي حَاشِيَتِهَا،

  13. فَلَا عَتَبَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْتُبُ فَوْقَ الْبَسْمَلَةِ بِحَالٍ.

  14. وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِفْتَاءِ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَيُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدَهُ، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُ:

  15. 11/11411/114

    لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَيَقُولُ: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي الْآيَةَ،

  16. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ فِي أَوَّلِ فَتْوَاهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوِ اللَّهُ الْمُوَفِّقُ، أَوْ حَسْبُنَا اللَّهُ، أَوْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، نَقَلَ ذَلِكَ الصَّيْمَرِيُّ عَنْ كَثِيرِينَ، قَالَ: وَحَذَفَهُ آخَرُونَ. قَالَ:

  17. وَلَا يَدَعُ أَنْ يَخْتِمَ جَوَابَهُ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَوْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَنَحْوَهُ.

  18. قَالَ: وَلَا يَقْبُحُ أَنْ يَقُولَ: الْجَوَابُ عِنْدَنَا، أَوِ الَّذِي عِنْدَنَا، أَوِ الَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ كَذَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ:

  19. وَإِذَا كَانَ السَّائِلُ قَدْ أَغْفَلَ الدُّعَاءَ لِلْمُجِيبِ، أَوِ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ الْفَتْوَى، أَلْحَقَ الْمُفْتِي ذَلِكَ بِخَطِّهِ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، وَيَكْتُبُ بَعْدُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَحْوَهُ: كَتَبَهُ فُلَانٌ، أَوْ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، فَيَنْتَسِبُ إِلَى مَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ قَبِيلَةٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا،

  20. ثُمَّ يَنْتَسِبُ إِلَى الْمَذْهَبِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ أَوِ الْحَنَفِيُّ وَنَحْوُهُمَا، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ:

  21. وَإِنْ كَانَتِ الْفَتْوَى تَتَعَلَّقُ بِالسُّلْطَانِ، دَعَا لَهُ، فَقَالَ: وَعَلَى السُّلْطَانِ أَوْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ، أَوْ أَصْلَحَهُ، أَوْ سَدَّدَهُ، أَوْ شَدَّ أَزْرَهُ،

  22. وَلَا يَقُولُ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ السَّلَفِ.

  23. وَقَدْ نَقَلَ النَّحَّاسُ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهِيَةِ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ. وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَيُشْبِهُهَا فِي آخِرِ كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» .

  24. وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصِرَ جَوَابَهُ، وَيَكُونَ بِحَيْثُ يُفْهَمُ لِلْعَامَّةِ فَهْمًا جَلِيًّا، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا:

  25. وَإِذَا سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ: أَنَا أَصْدَقُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَوِ الصَّلَاةُ لَغْوٌ وَنَحْوَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ،

  26. فَلَا يُبَادِرْ بِقَوْلِهِ: هَذَا

  27. 11/11511/115

    حَلَالُ الدَّمِ، أَوْ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، بَلْ يَقُولُ: إِنْ ثَبَتَ هَذَا بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ، اسْتَتَابَهُ السُّلْطَانُ،

  28. فَإِنْ تَابَ، قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَإِلَّا فَعَلَ كَذَا

  29. وَكَذَا وَأَشْبَعَ الْقَوْلَ فِيهِ،

  30. وَإِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا يُكَفَّرُ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ قَالَ: يُسْأَلُ الْقَائِلُ،

  31. فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ كَذَا، فَالْجَوَابُ كَذَا،

  32. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ كَذَا، فَالْجَوَابُ كَذَا.

  33. وَإِذَا سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ أَوْ قَلَعَ سِنًّا أَوْ عَيْنًا، احْتَاطَ فِي الْجَوَابِ، فَيَذْكُرُ الشُّرُوطَ الَّتِي يَجِبُ بِاجْتِمَاعِهَا الْقِصَاصُ،

  34. وَإِذَا سُئِلَ عَمَّنْ فَعَلَ مَا يَقْتَضِي تَعْزِيرَهُ، ذَكَرَ مَا يُعَزَّرُ بِهِ، فَيَقُولُ: ضَرَبَهُ السُّلْطَانُ مَا بَيْنَ كَذَا

  35. وَكَذَا، وَلَا يُزَادُ عَلَى كَذَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْصِقَ الْجَوَابَ بِآخِرِ الِاسْتِفْتَاءِ،

  36. وَلَا يَدَعَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةً مَخَافَةَ أَنْ يَزِيدَ السَّائِلُ شَيْئًا يُفْسِدُ الْجَوَابَ.

  37. وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُ الْجَوَابِ وَرَقَةً مُلْصَقَةً، كَتَبَ عَلَى مَوْضِعِ الْإِلْصَاقِ،

  38. وَإِذَا ضَاقَ آخِرُ الْوَرَقَةِ عَنِ الْجَوَابِ، لَمْ يَكْتُبْهُ فِي وَرَقَةٍ أُخْرَى، بَلْ فِي ظَهْرِ هَذِهِ أَوْ حَاشِيَتِهَا. وَأَيُّهُمَا أَوْلَى؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، ثَالِثُهَا: هُمَا سَوَاءٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ حَاشِيَتَهَا أَوْلَى، وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمِيلَ فِي فَتْوَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ خَصْمِهِ، وَوُجُوهُ الْمَيْلِ مَعْرُوفَةٌ.

  39. وَمِنْهَا أَنْ يَكْتُبَ مَا لَهُ دُونَ مَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْلِمَ أَحَدَهُمَا مَا يَدْفَعُ بِهِ حُجَّةَ صَاحِبِهِ،

  40. وَإِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْجَوَابَ خِلَافُ غَرَضِ الْمُسْتَفْتِي، وَأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِكِتَابَتِهِ فِي وَرَقَتِهِ، اقْتَصَرَ عَلَى مُشَافَهَتِهِ بِالْجَوَابِ،

  41. وَيَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّقَاعِ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَسْبَقَ فَالْأَسْبَقَ، كَالْقَاضِي وَهَذَا فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْإِفْتَاءُ،

  42. فَإِنْ تَسَاوَوْا وَجَهِلَ السَّابِقَ، أَقْرَعَ.

  43. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ، وَالْمُسَافِرِ الَّذِي شَدَّ رَحْلَهُ وَيَتَضَرَّرُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ رُفْقَتِهِ إِلَّا إِذَا كَثُرَ الْمُسَافِرُونَ وَالنِّسَاءُ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُ غَيْرُهُمْ تَضَرُّرًا ظَاهِرًا، فَيُقَدِّمُ حِينَئِذٍ بِالسَّبْقِ،

  44. ثُمَّ الْقَرْعَةِ، ثُمَّ لَا

  45. 11/11611/116

    يُقَدِّمُ أَحَدًا إِلَّا فِي فُتْيَا وَاحِدَةٍ. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إِذَا سُئِلَ عَنْ مِيرَاثٍ، فَالْعَادَةُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي الْوَرَثَةِ عَدَمُ الرِّقِّ وَالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَمْنَعُ الْإِرْثَ، بَلِ الْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ

  46. بِخِلَافِ مَا إِذَا أَطْلَقَ الْأُخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ،

  47. وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ: مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ،

  48. وَإِذَا سُئِلَ عَنِ الْمِنْبَرِيَّةِ وَهِيَ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ وَبِنْتَانِ، لَا يَقُولُ: لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ،

  49. وَلَا التُّسُعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلِقْهُ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، بَلْ يَقُولُ: لَهَا الثُّمُنُ عَائِلًا، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا، أَوْ لَهَا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ،

  50. وَإِذَا كَانَ فِي الْمَذْكُورِينَ مَنْ لَا يَرِثُ أَفْصَحَ بِسُقُوطِهِ، فَقَالَ: وَسَقَطَ فُلَانٌ،

  51. فَإِنْ كَانَ سُقُوطُهُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، قَالَ: وَسَقَطَ فُلَانٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَنَحْوَ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِحَالٍ. قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الِاحْتِرَازِ فِي جَوَابِ الْمُنَاسَخَاتِ.

  52. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ: وَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ: تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَعْدَ إِخْرَاجِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ إِنْ كَانَا. قَالُوا:

  53. وَإِذَا رَأَى فِي الرُّقْعَةِ فَتْوَى غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْإِفْتَاءِ، وَخَطُّهُ مُوَافِقٌ لِمَا عِنْدَهُ، كَتَبَ تَحْتَهُ: الْجَوَابُ صَحِيحٌ، أَوْ: جَوَابِي مِثْلُ هَذَا، أَوْ: بِهَذَا أَقُولُ. وَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ بِعِبَارَةٍ أَخْصَرَ مِنْ عِبَارَةِ السَّابِقِ.

  54. وَإِنْ كَانَ فِيهَا خَطُّ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يُفْتِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِلْخَطَأِ، بَلْ يَضْرِبُ عَلَيْهِ، وَيَنْهَرُ الْمُسْتَفْتِي، وَيُعَرِّفُهُ قُبْحَ مَا فَعَلَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ أَهْلِ الْفَتْوَى.

  55. وَإِنْ رَأَى فِيهَا اسْمَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، سَأَلَ عَنْهُ،

  56. فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَلَهُ الِامْتِنَاعُ خَوْفًا مِمَّا قُلْنَاهُ.

  57. وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْمُرَ صَاحِبَهَا بِإِبْدَالِهَا،

  58. فَإِنْ أَبَى، أَجَابَهُ شِفَاهًا،

  59. وَإِذَا خَافَ فِتْنَةً مِنَ الضَّرْبِ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَكُنْ فُتْيَاهُ خَطَأً، امْتَنَعَ مِنَ الْإِفْتَاءِ مَعَهُ.

  60. 11/11711/117

    وَهَلْ يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَخَيَّرَ وَيُقَلِّدَ أَيَّ مَذْهَبٍ شَاءَ، نُظِرَ إِنْ كَانَ مُنْتَسِبًا إِلَى مَذْهَبٍ، بُنِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ لَهُ مَذْهَبٌ أَمْ لَا؟ أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ لِعَارِفِ الْأَدِلَّةِ، فَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ شَاءَ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْقَفَّالِ لَهُ مَذْهَبٌ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.

  61. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَسِبًا، بُنِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ، حَكَاهُمَا ابْنُ بَرْهَانٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ يَلْزَمُهُ التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؟ أَحَدُهُمَا: لَا، فَعَلَى هَذَا هَلْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ أَمْ يَبْحَثَ عَنْ أَسَدِّ الْمَذَاهِبِ، فَيُقَلِّدَ أَهْلَهُ وَجْهَانِ، كَالْبَحْثِ عَنِ الْأَعْلَمِ.

  62. وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْحَسَنِ إِلْكِيَا: يَلْزَمُهُ.

  63. وَهُوَ جَارٍ فِي كُلِّ مَنْ يَبْلُغُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ سَائِرِ الْعُلُومِ، لِئَلَّا يَتَلَقَّطُ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ

  64. بِخِلَافِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ تَكُنْ مَذَاهِبَ مُدَوَّنَةً، فَيَتَلَقَّطُ رُخَصَهَا.

  65. فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَخْتَارَ مَذْهَبًا يُقَلِّدُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ لَهُ التَّمَذْهُبُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي،

  66. وَلَا بِمَا وَجَدَ عَلَيْهِ أَبَاهُ، هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ. وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ، بَلْ يَسْتَفْتِي مَنْ شَاءَ، أَوْ مَنِ اتَّفَقَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَلَقُّطٍ لِلرُّخَصِ.

  67. وَلَعَلَّ مَنْ مَنَعَهُ لَمْ يَثِقْ بِعَدَمِ تَلَقُّطِهِ.

  68. وَإِذَا اسْتَفْتَى وَأَفْتَاهُ الْمُفْتِي، فَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا بِإِلْزَامِهِ، قَالَ:

  69. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُهُ إِذَا أَخَذَ فِي الْعَمَلِ

  70. 11/11811/118

    بِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّتُهُ، قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى الْأَوْجُهِ، وَالْمُخْتَارُ مَا نَقَلَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُفْتٍ آخَرُ، لَزِمَهُ بِمُجَرَّدِ فَتْوَاهُ،

  71. وَإِنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ،

  72. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ آخَرُ لَمْ يَلْزَمْهُ بِمُجَرَّدِ إِفْتَائِهِ، إِذْ لَهُ أَنْ يُسْأَلَ غَيْرَهُ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُخَالِفُهُ، فَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي اخْتِلَافِ الْمُفْتِيَيْنِ، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَبْدَأَ مِنَ الْمُفْتِيَيْنِ بِالْأَسَنِّ الْأَعْلَمِ وَبِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى فَإِنْ أَرَادَ جَمْعَهُمْ فِي رُقْعَةٍ،

  73. وَإِنْ أَرَادَ إِفْرَادَهُمْ فِي رِقَاعٍ، بَدَأَ بِمَنْ شَاءَ، وَتَكُونُ رُقْعَةُ الِاسْتِفْتَاءِ وَاسِعَةً، وَيَدْعُو فِي الْوَرَقَةِ لِمَنْ يَسْتَفْتِيهِ، وَيَدْفَعُ الْوَرَقَةَ إِلَى الْمُفْتِي مَنْشُورَةً، وَيَأْخُذُهَا مَنْشُورَةً، فَيُرِيحُهُ مِنْ نَشْرِهَا وَطَيِّهَا.

  74. وَإِذَا لَمْ يَجِدْ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ مُفْتِيًا فِي بَلَدِهِ وَلَا غَيْرِهِ،

  75. وَلَا مَنْ يَنْقُلُ حُكْمَهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو: هَذِهِ مَسْأَلَةُ فَتْرَةِ الشَّرِيعَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ،

  76. وَالصَّحِيحُ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنْ لَا تَكْلِيفَ وَلَا حُكْمَ فِي حَقِّهِ أَصْلًا،

  77. فَلَا يُؤَاخَذُ إِذَا صَاحَبَ الْوَاقِعَةَ شَيْءٌ بِصُنْعِهِ.

  78. فَهَذَا آخِرُ النُّبَذِ الَّتِي يَسَّرَ اللَّهُ الْكَرِيمُ إِلْحَاقَهَا وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْمُخْتَصَرِ فَهِيَ قَصِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ فِي شَرْحِ «الْمُهَذَّبِ» ، وَمَوْضِعُ بَسْطُهَا وَالزِّيَادَاتُ وَالْفُرُوعُ هُنَاكَ. وَهَذَا الْفَصْلُ مِمَّا يَكْثُرُ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ، فَلِهَذَا بَسَطْنَاهُ أَدْنَى بَسْطٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  79. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْقَاضِي فِي الِاسْتِخْلَافِ،

  80. فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَلَهُ حَالَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطْلِقَ التَّوْلِيَةَ،

  81. وَلَا يَنْهَاهُ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ،

  82. فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِمَا تَوَلَّاهُ، كَقَضَاءِ بَلْدَةٍ صَغِيرَةٍ، فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ عَلَى الْأَصَحِّ،

  83. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ كَقَضَاءِ بَلْدَتَيْنِ أَوْ بَلَدٍ كَبِيرٍ، فَلَهُ الِاسْتِخْلَافُ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ، وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ فِي الْمُمْكِنِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْقِيَاسُ فِيمَا إِذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَدْرِ

  84. 11/11911/119

    الْمُسْتَخْلَفِ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالِاسْتِخْلَافِ فِي الْجَمِيعِ، وَقَطَعَ ابْنُ كَجٍّ بِالْجَوَازِ فِي الْكُلِّ عِنْدَ مُطْلَقِ الْإِذْنِ.

  85. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ،

  86. فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ، فَإِنْ كَانَ مَا فَوَّضَهُ إِلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هَذَا النَّهْيُ كَالْعَدَمِ، وَالْأَقْرَبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إِمَّا بُطْلَانُ التَّوْلِيَةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ،

  87. وَإِمَّا اقْتِصَارُهُ عَلَى الْمُمْكِنِ، وَتَرْكِ الِاسْتِخْلَافِ.

  88. قُلْتُ: هَذَا أَرْجَحُهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  89. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ الْعَامِّ، أَمَّا فِي الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ، كَتَحْلِيفِ وَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ، فَقَطَعَ الْقَفَّالُ بِجَوَازِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ.

  90. فُرُوعٌ

  91. أَحَدُهَا: يُشْتَرَطُ فِي الَّذِي يَسْتَخْلِفُهُ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ:

  92. فَإِنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرًا خَاصًّا، كَفَاهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ حَتَّى إِنَّ نَائِبَ الْقَاضِي فِي الْقُرَى إِذَا كَانَ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهِ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ وَنَقْلُهَا دُونَ الْحُكْمِ، كَفَاهُ الْعِلْمُ بِشُرُوطِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ.

  93. الثَّانِي: قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي «التَّجْرِبَةِ» : نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي «الْمَبْسُوطِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ الشَّافِعِيَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُخَالِفُهُ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَعْمَلُ بِاجْتِهَادِهِ حَتَّى لَوْ شَرَطَ عَلَى النَّائِبِ أَنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ، وَيَحْكُمَ بِاجْتِهَادِ الْمُنِيبِ لَمْ يَجُزْ،

  94. وَكَذَا إِذَا جَوَّزْنَا تَوْلِيَةَ الْمُقَلِّدِ لِلضَّرُورَةِ، فَاعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ فِي حَقِّهِ كَاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ،

  95. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِخِلَافِ اعْتِقَادِ مُقَلِّدِهِ،

  96. 11/12011/120

    فَلَوْ خَالَفَ وَشَرَطَ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ عَلَى النَّائِبِ الشَّافِعِيِّ الْحُكْمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَهُ الْحُكْمُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْإِمَامَانِ دُونَ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَهَذَا حُكْمٌ مِنْهُ بِصِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ، لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبَا «الْمُهَذِّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُمْ: لَوْ قَلَّدَ الْإِمَامُ رَجُلًا الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ بِمَذْهَبٍ عَيْنِهِ، بِطَلَ التَّقْلِيدُ.

  97. وَمُقْتَضَى هَذَا بُطْلَانُ الِاسْتِخْلَافِ هُنَاكَ، وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ الْإِمَامَ الْحَنَفِيَّ لَوْ وَلَّى شَافِعِيًّا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْضِيَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ،

  98. وَلَا عَلَى غَائِبٍ، صَحَّتِ التَّوْلِيَةُ، وَلَغَا الشَّرْطُ، فَيَقْضِي بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يُرَاعَى الشَّرْطُ هَنَاكَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ:

  99. وَلَوْ لَمْ تَجْرِ صِيغَةُ الشَّرْطِ، بَلْ قَالَ الْإِمَامُ: قَلَّدْتُكَ الْقَضَاءَ، فَاحْكُمْ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ،

  100. وَلَا تَحْكُمْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، صَحَّ التَّقْلِيدُ، وَلَغَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، قَالَ:

  101. وَلَوْ قَالَ: لَا تَحْكُمْ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ، جَازَ، وَقَدْ قَصَرَ عَمَلَهُ عَلَى بَاقِي الْحَوَادِثِ، وَحَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَا تَقْضِ فِيهِمَا بِقِصَاصٍ أَنَّهُ يَلْغُو أَمْ يَكُونُ مَنْعًا لَهُ فِي الْحُكْمِ فِي الْقِصَاصِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.

  102. الثَّالِثُ: حَيْثُ مَنَعْنَا الِاسْتِخْلَافَ، فَاسْتَخْلَفَ فَحُكْمُ الْخَلِيفَةِ بَاطِلٌ، لَكِنْ لَوْ تَرَاضَى خَصْمَانِ بِحُكْمِهِ، كَانَ كَالْمُحَكِّمِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي إِنْفَاذُ حُكْمِهِ، بَلْ يَسْتَأْنِفُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا،

  103. وَإِذَا جَوَّزْنَا الِاسْتِخْلَافَ، فَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ أَيْضًا، وَلَا يَجُوزُ إِنْفَاذُهُ.

  104. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا نَصَّبَ الْإِمَامُ قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، نُظِرَ إِنْ خَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِطَرَفٍ مِنْهُ، أَوْ بِزَمَانٍ، أَوْ جَعَلَ أَحَدَهُمَا قَاضِيًا فِي الْأَمْوَالِ، وَالْآخِرَ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ، جَازَ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ:

  105. وَكَذَا لَوْ وَلَّاهُمَا عَلَى أَنْ يَحْكُمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْوَاقِعَةِ الَّتِي يَرْفَعُهَا الْمُتَخَاصِمَانِ إِلَيْهِ،

  106. وَإِنْ عَمَّمَ وِلَايَتَهُمَا مَكَانًا وَزَمَانًا وَحَادِثَةً،

  107. فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمَا الِاجْتِمَاعَ

  108. 11/12111/121

    فِي الْحُكْمِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ يَكْثُرُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَتَتَعَطَّلُ الْحُكُومَاتُ،

  109. وَإِنْ أَثْبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ الِاسْتِقْلَالَ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، فَعَلَى هَذَا إِنْ وَلَّاهُمَا مَعًا، بَطَلَتْ تَوْلِيَتُهُمَا،

  110. وَإِنْ وَلَّاهُمَا مُتَعَاقِبَيْنِ، صَحَّتْ تَوْلِيَةُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَأَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ، الْوَكِيلَيْنِ وَالْوَصِيَّيْنِ.

  111. فَعَلَى هَذَا لَوْ تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي إِجَابَةِ دَاعِي الْقَاضِيَيْنِ يُجَابُ مَنْ سَبَقَ دَاعِيهِ،

  112. فَإِنْ جَاءَا مَعًا أُقْرِعَ،

  113. وَإِنْ تَنَازَعَا فِي اخْتِيَارِ الْقَاضِيَيْنِ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ يُقْرَعُ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ دُونَ الْمَطْلُوبِ،

  114. فَإِنْ تَسَاوَيَا، حَضَرَا عِنْدَ أَقْرَبِ الْقَاضِيَيْنِ إِلَيْهِمَا،

  115. فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُقْرِعُ،

  116. وَقِيلَ: يُمْنَعَانِ مِنَ التَّخَاصُمِ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى أَحَدِهِمَا.

  117. وَإِنْ أَطْلَقَ نَصَّبَ قَاضِيَيْنِ، وَلَمْ يَشْرُطِ اجْتِمَاعَهُمَا،

  118. وَلَا اسْتِقْلَالَهُمَا، قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : يُحْمَلُ عَلَى إِثْبَاتِ الِاسْتِقْلَالِ تَنْزِيلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى مَا يَجُوزُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّوْلِيَةُ بَاطِلَةٌ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالِاسْتِقْلَالِ.

  119. قُلْتُ: قَوْلُ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» أَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  120. الْخَامِسَةُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحَكِّمَ الْخَصْمَانِ رَجُلًا غَيْرَ الْقَاضِي، وَهَلْ لِحُكْمِهِ بَيْنَهُمَا اعْتِبَارٌ، قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَعَمْ، وَخَالَفَهُمُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، فَرَجَّحَا الْمَنْعَ،

  121. وَقِيلَ الْقَوْلَانِ فِي الْأَمْوَالِ فَقَطْ،

  122. فَأَمَّا النِّكَاحُ وَاللَّعَّانُ، وَالْقِصَاصُ، وَحَدُّ الْقَذْفِ وَغَيْرُهَا،

  123. فَلَا يَجُوزُ فِيهَا التَّحْكِيمُ قَطْعًا،

  124. وَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ،

  125. وَلَا يُجْزِئُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمَذْهَبِ، إِذْ لَيْسَ لَهَا طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِ مَا يَقْضِي ذَهَابَ بَعْضِهِمْ إِلَى طَرْدِ الْخِلَافِ فِيهَا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ،

  126. وَقِيلَ الْقَوْلَانِ فِي التَّحْكِيمِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مَخْصُوصَانِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ،

  127. فَإِنْ كَانَ لَمْ يَجُزْ،

  128. وَقِيلَ: هُمَا إِذَا كَانَ

  129. 11/12211/122

    قَاضٍ وَإِلَّا فَيَجُوزُ قَطْعًا وَالْمَذْهَبُ طَرْدُهُمَا فِي الْحَالَيْنِ،

  130. فَإِذَا جَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ اشْتُرِطَ فِي الْمُحَكِّمِ صِفَاتُ الْقَاضِي،

  131. وَلَا يُنَفَّذُ حُكْمُهُ إِلَّا عَلَى مَنْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ حَتَّى لَا تُضْرَبَ دِيَةُ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِذَا لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِهِ،

  132. وَلَا يَكْفِيَ رِضَى الْقَاتِلِ،

  133. وَقِيلَ: يَكْفِي، وَالْعَاقِلَةُ تَبَعٌ لَهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.

  134. قَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْخِلَافُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِنَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْجَانِي،

  135. ثُمَّ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِرِضَاهُمْ قَطْعًا وَهَذَا حَسَنٌ.

  136. قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُتَحَاكِمَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا الْقَاضِي نَفْسَهُ،

  137. فَإِنْ كَانَ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ رِضَا الْآخَرِ؟ فِيهِ اخْتِلَافُ نَصٍّ،

  138. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَلْيَكُنْ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ إِنْ جَازَ، فَالْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ نَائِبُ الْقَاضِي.

  139. قَالَ: وَيُشْتَرَطُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَوْنُ الْمُتَحَاكِمَيْنِ بِحَيْثُ يَجُوزُ لِلْمُحَكَّمِ أَنْ يَحْكُمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،

  140. فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ، لَمْ يَجُزْ.

  141. وَلَيْسَ لِلْمُحَكَّمِ الْحَبْسُ، بَلْ غَايَتُهُ الْإِثْبَاتُ وَالْحُكْمُ وَقِيلَ: يَحْبِسُ وَهُوَ شَاذٌّ وَهَلْ يُلْزِمُ حُكْمَهُمَا بِنَفْسِ الْحُكْمِ كَحُكْمِ الْقَاضِي أَمْ لَا يُلْزِمُهُ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَيُقَالُ: وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا الْأَوَّلُ،

  142. وَمَتَى رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ، امْتَنَعَ الْحُكْمُ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِيَ شَاهِدِينَ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: عَزَلْتُكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ.

  143. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنْ أَحَسَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ فَرَجَعَ، فَفِي تَمْكِينِهِ مِنَ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا،

  144. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِذَا جَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ، فَخَطَبَ امْرَأَةً، وَحَكَّمَا رَجُلًا فِي التَّزْوِيجِ، كَانَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتِيَارُ الْأُسْتَاذَيْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَأَبِي طَاهِرٍ الزِّيَادَيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَشَايِخِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ

  145. 11/12311/123

    خَاصٌّ مِنْ نَسِيبٍ أَوْ مُعْتِقٍ، وَشُرِطَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ قَاضٍ، وَحَكَى صَاحِبُ الْعُدَّةِ الْقَاضِي أَبُو الْمَكَارِمِ الطَّبَرَيُّ ابْنُ أُخْتِ الرُّويَانِيِّ وَجْهَيْنِ فِي اشْتِرَاطِهِ. وَلْيَكُنْ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُفَرَّقُ فِي التَّحْكِيمِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ أَمْ لَا،

  146. وَإِذَا رُفِعَ حُكْمُ الْمُحَكِّمِ إِلَى الْقَاضِي، لَمْ يَنْقُضْهُ إِلَّا بِمَا يُنْقِضُ قَضَاءَ غَيْرِهِ.

  147. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِي أَحْكَامٍ مَنْثُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالتَّوْلِيَةِ.

  148. يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ نَصْبُ الْقَاضِي فِي كُلِّ بَلْدَةٍ وَنَاحِيَةٍ خَالِيَةٍ عَنْ قَاضٍ،

  149. فَإِنْ عَرَفَ حَالَ مَنْ يُوَلِّيهِ عَدَالَةً وَعِلْمًا، فَذَاكَ، وَإِلَّا أَحْضَرَهُ، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ لِيَعْرِفَ عِلْمَهُ، وَيَسْأَلَ عَنْ سِيرَتِهِ جِيرَانَهُ وَخُلَطَاءَهُ،

  150. فَلَوْ وَلَّى مَنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُ، لَمْ تَنْعَقِدْ تَوْلِيَتُهُ،

  151. وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَوْنَهُ بِصِفَةِ الْقُضَاةِ،

  152. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ نَصْبَ الْقَاضِي إِلَى وَالِي الْإِقْلِيمِ وَأَمِيرِ الْبَلْدَةِ،

  153. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَجْعُولُ إِلَيْهِ صَالِحًا لِلْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَكَيْلٌ مَحْضٌ،

  154. وَكَذَا لَوْ فَوَّضَ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتِيَارَ قَاضٍ،

  155. ثُمَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَالِدَهُ وَلَا وَلَدَهُ، كَمَا لَا يَخْتَارُ نَفْسَهُ.

  156. وَلَوْ قَالَ لِأَهْلِ بَلَدٍ: اخْتَارُوا رَجُلًا مِنْكُمْ، وَقَلَّدُوهُ الْقَضَاءَ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.

  157. وَيُشْتَرَطُ فِي التَّوْلِيَةِ تَعْيِينُ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ مِنْ قَرْيَةٍ، أَوْ بَلْدَةٍ، أَوْ نَاحِيَةٍ،

  158. وَيُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَوْلَى، فَلَوْ قَالَ: وَلَيْتَ أَحَدُ هَذَيْنِ أَوْ مَنْ رَغِبَ فِي الْقَضَاءِ بِبَلْدَةِ كَذَا مِنْ عُلَمَائِهَا، لَمْ يَجُزْ.

  159. وَلَوْ قَالَ: فَوَّضْتُ الْقَضَاءَ إِلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهَذَا نَصْبُ قَاضِيَيْنِ. وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْقَاضِي الْمَاوَرْدِيِّ: إِنَّ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ تَنْعَقِدُ بِمَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْوِكَالَةُ، وَهُوَ الْمُشَافَهَةُ بِاللَّفْظِ، وَالْمُرَاسَلَةُ، وَالْمُكَاتَبَةُ عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَيَجِئُ فِي الْمُرَاسَلَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ خِلَافٌ كَمَا سَبَقَ فِي الْوِكَالَةِ،

  160. وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ الصِّحَّةَ كَمَا ذَكَرَهُ. وَفِيهِ أَنَّ صَرِيحَ اللَّفْظِ: وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّفْوِيضَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، كَقَوْلِهِ: اقْضِ بَيْنَ النَّاسِ، أَوِ احْكُمْ بِبَلْدَةِ كَذَا، وَهُوَ

  161. 11/12411/124

    مُلْحَقٌ بِالصَّرَائِحِ، كَمَا فِي الْوِكَالَةِ.

  162. وَفِيهِ أَنَّ الْكِنَايَاتِ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ فِي الْقَضَاءِ، أَوْ رَدَدْتُهُ إِلَيْكَ، أَوِ اعْتَمَدْتُ، أَوْ فَوَّضْتُ، أَوْ وَكَّلْتُ، أَوْ أَسْنَدْتُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يُلْحِقُهَا بِالصَّرَائِحِ وَلَا يَكَادُ يَتَّضِحُ فَرْقٌ بَيْنَ: وَلَّيْتُكُ الْقَضَاءَ، وَفَوَّضْتُهُ إِلَيْكَ.

  163. قُلْتُ: الْفَرْقُ وَاضِحٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَلَّيْتُكَ مُتَعَيَّنٌ لِجَعْلِهِ قَاضِيًا، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يُرَادَ تَوْكِيلُهُ فِي نَصْبِ قَاضٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  164. وَفِيهِ أَنْ عِنْدَ الْمُشَافَهَةِ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ، وَفِي الْمُرَاسَلَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ لَا يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ خِلَافٌ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ، وَأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَطَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْفَوْرُ فَلْيَكُنْ هَكَذَا هُنَا.

  165. فَرْعٌ

  166. يَجُوزُ تَعْمِيمُ التَّوْلِيَةِ وَتَخْصِيصُهَا، إِمَّا فِي الْأَشْخَاصِ بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ بَيْنَ سُكَّانِ مَحَلَّةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ، أَوْ فِي خُصُومَاتِ شَخْصَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أَوْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ بَيْنَ مَنْ يَأْتِيهِ فِي دَارِهِ أَوْ فِي مَسْجِدِهِ مِنَ الْخُصُومِ،

  167. وَإِمَّا فِي الْحَوَادِثِ بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ فِي الْأَنْكِحَةِ دُونَ الْأَمْوَالِ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ فِي قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْمَالِ،

  168. وَإِمَّا فِي طَرَفِ الْحُكْمِ بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ بِالْإِقْرَارِ دُونَ الْبَيِّنَةِ أَوْ عَكْسِهِ،

  169. وَإِمَّا فِي الْأَمْكِنَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ،

  170. وَإِمَّا فِي الْأَزْمِنَةِ بِأَنْ يُوَلِّيَهُ سَنَةً أَوْ يَوْمًا مُعَيَّنًا، أَوْ يَوْمًا سَمَّاهُ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ.

  171. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: وَلَّيْتُكَ سَنَةً، بَطَلَتِ التَّوْلِيَةُ كَمَا فِي الْإِمَامَةِ،

  172. 11/12511/125

    وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ كَالْوَكَالَةِ، وَلَوْ كَانَ كَالْإِمَامَةِ لَمَا جَازَ بَاقِي التَّخْصِيصَاتِ.

  173. وَمَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ مُطْلَقًا، اسْتَفَادَ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ وَالتَّحْلِيفَ، وَفَصْلَ الْخُصُومَاتِ بِحُكْمٍ بَاتٍّ أَوْ إِصْلَاحٍ عَنْ تَرَاضٍ، وَاسْتِيفَاءَ الْحُقُوقِ وَالْحَبْسَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالتَّعْزِيرِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَتَزْوِيجَ مَنْ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ، وَالْوَلَايَةَ فِي مَالِ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ وَالنَّظَرَ فِي الضَّوَالِّ وَفِي الْوَقْفِ حِفْظًا لِلْأُصُولِ، وَإِيصَالًا لِلْغَلَّاتِ إِلَى مَصَارِفِهَا بِالْفَحْصِ عَنْ حَالِ الْمُتَوَلِّي إِذَا كَانَ لَهَا مُتَوَلٍّ، وَبِالْقِيَامِ بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ.

  174. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَعُمُّ نَظَرُهُ فِي الْوُقُوفِ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ؛ لِأَنَّ الْخَاصَّةَ سَتَنْتَهِي إِلَى الْعُمُومِ. وَالنَّظَرُ فِي الْوَصَايَا وَتَعْيِينُ الْمَصْرُوفِ إِلَيْهِ إِنْ كَانَتْ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ بِالْقِيَامِ بِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ، وَبِالْفَحْصِ عَنْ حَالِهِ إِنْ كَانَ، وَالنَّظَرُ فِي الطُّرُقِ، وَالْمَنْعُ مِنَ التَّعَدِّي فِيهَا بِالْأَبْنِيَةِ وَإِشْرَاعِ مَا لَا يَجُوزُ إِشْرَاعُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ: وَنَصْبُ الْمُفْتِينَ وَالْمُحْتَسِبِينَ وَأَخْذُ الزَّكَوَاتِ.

  175. وَفَصَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ أَمْرَ الزَّكَوَاتِ، فَقَالَ: إِذَا أَقَامَ الْإِمَامُ لَهَا نَاظِرًا خَرَجَتْ عَنْ عُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَطَّرِدَ هَذَا التَّفْصِيلُ، فِي الْمُحْتَسِبِينَ،

  176. وَكَذَا الْقَوْلُ فِي إِقَامَةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ نَصْبُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي جِبَايَةُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ بِالتَّوْلِيَةِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.

  177. الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْعَزْلِ وَالِانْعِزَالِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ عَمِيَ أَوْ خَرِسَ أَوْ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الضَّبْطِ وَالِاجْتِهَادِ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ، وَكَذَا لَوْ

  178. 11/12611/126

    فَسَقَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ، فَفِي عَوْدِ وَلَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، الْأَصَحُّ، لَا يَعُودُ، وَقَطَعَ السَّرَخْسِيُّ بِعَوْدِهَا فِي صُورَةِ الْإِغْمَاءِ.

  179. وَلَوْ أُخْبِرَ الْإِمَامُ بِمَوْتِ الْقَاضِي أَوْ فِسْقِهِ، فَوَلَّى قَاضِيًا،

  180. ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ، لَمْ يَقْدَحْ فِي تَوْلِيَةِ الثَّانِي.

  181. الثَّانِيَةُ: فِي الْحَالِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ عَزْلُهُ،

  182. فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ، فَلِلْإِمَامِ عَزْلُهُ، قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : وَيَكْفِي فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ.

  183. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ خَلَلٌ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لَمْ يَجُزْ عَزْلُهُ،

  184. وَلَوْ عَزَلَهُ لَمْ يَنْعَزِلْ،

  185. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ صَالِحٌ، نُظِرَ إِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ جَازَ عَزْلُهُ وَانْعَزَلَ الْمَفْضُولُ بِالْعَزْلِ،

  186. وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ،

  187. فَإِنْ كَانَ فِي الْعَزْلِ بِهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ تَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهَا، فَلِلْإِمَامِ عَزْلُهُ بِهِ،

  188. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، لَمْ يَجُزْ،

  189. فَلَوْ عَزَلَهُ، نُفِّذَ عَلَى الْأَصَحِّ مُرَاعَاةً لِطَاعَةِ السُّلْطَانِ،

  190. وَمَتَى كَانَ الْعَزْلُ فِي مَحَلِّ النَّظَرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ،

  191. فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْإِمَامِ فِيهِ، وَيُحْكَمُ بِنُفُوذِهِ. وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ تَوْلِيَةَ قَاضٍ بَعْدَ قَاضٍ هَلْ هِيَ عَزْلٌ لِلْأَوَّلِ؟ وَجْهَانِ، وَلْيَكُونَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ قَاضِيَانِ.

  192. فَرْعٌ

  193. هَلْ يَنْعَزِلُ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ خَبَرُ الْعَزْلِ؟ قِيلَ: قَوْلَانِ كَالْوَكِيلِ،

  194. وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَهُ، لِعِظَمِ الضَّرَرِ فِي نَقْضِ أَقْضِيَتِهِ،

  195. ثُمَّ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا عَزَلَهُ لَفْظًا، أَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنْتَ مَعْزُولٌ، أَوْ عَزَلْتُكَ،

  196. فَأَمَّا إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ: إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا، فَأَنْتَ مَعْزُولٌ،

  197. فَلَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَهُ الْكِتَابُ قَطْعًا،

  198. وَإِنْ كَتَبَ إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَنْتَ

  199. 11/12711/127

    مَعْزُولٌ، لَمْ يَنْعَزِلْ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ،

  200. ثُمَّ إِنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ انْعَزَلَ،

  201. وَكَذَا إِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إِعْلَامُهُ بِصُورَةِ الْحَالِ.

  202. وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي أُمِّيًّا وَجَوَّزْنَاهُ، فَقُرِئَ عَلَيْهِ، فَالِانْعِزَالُ أَوْلَى.

  203. فَرْعٌ

  204. لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ، كَالْوَكِيلِ وَفِي «الْإِقْنَاعِ» لِلْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَ نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ إِلَّا بِعِلْمِ مَنْ قَلَّدَهُ.

  205. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِيمَنْ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَانْعِزَالِهِ، فَيَنْعَزِلُ بِهِ كُلُّ مَأْذُونٍ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ، كَبَيْعٍ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ، وَسَمَاعِ شَهَادَةٍ فِي حَادِثَةٍ مُعَيَّنَةٍ،

  206. وَأَمَّا مَنِ اسْتَخْلَفَهُ فِي الْقَضَاءِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: يَنْعَزِلُ كَالْوَكِيلِ، وَالثَّانِي: لَا، لِلْحَاجَةِ، وَأَصَحُّهَا يَنْعَزِلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي مَأْذُونًا لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ فِي هَذَا لِحَاجَتِهِ، وَقَدْ زَالَتْ بِزَوَالِ وَلَايَتِهِ،

  207. وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ لَمْ يَنْعَزِلْ إِنْ كَانَ قَالَ: اسْتَخْلِفْ عَنِّي فَامْتَثَلَ،

  208. وَإِنْ قَالَ: اسْتَخْلِفْ عَنْ نَفْسِكَ، أَوْ أَطْلَقَ، انْعَزَلَ،

  209. وَلَوْ نَصَبَهُ الْإِمَامُ نَائِبًا عَنِ الْقَاضِي، قَالَ السَّرَخْسِيُّ: لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَانْعِزَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ لَهُ عَزْلُ خَلِيفَتِهِ.

  210. فَرْعٌ

  211. الْقُوَّامُ عَلَى الْأَيْتَامِ وَالْأَوْقَافِ جَعَلَهُمُ الْغَزَالِيُّ كَالْخُلَفَاءِ،

  212. وَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُمْ لَا يَنْعَزِلُونَ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَانْعِزَالِهِ، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ أَبْوَابُ الْمَصَالِحِ وَهُمْ كَالْمُتَوَلِّي مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ.

  213. فَرْعٌ

  214. الْقُضَاةُ وَالْوُلَاةُ لَا يَنْعَزِلُونَ بِمَوْتِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَانْعِزَالِهِ لِشِدَّةِ

  215. 11/12811/128

    الضَّرَرِ فِي تَعْطِيلِ الْحَوَادِثِ.

  216. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إِذَا قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ الِانْعِزَالِ: كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ مَعَ آخَرَ؟ وَجْهَانِ. قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: نَعَمْ،

  217. وَالصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ مَعَ غَيْرِهِ أَنَّ حَاكِمًا جَائِرَ الْحُكْمِ حَكَمَ بِكَذَا، وَلَمْ يُضِفْ إِلَى نَفْسِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ شَهِدَتِ الْمُرْضِعَةُ بِرَضَاعٍ مُحَرِّمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلَهَا.

  218. وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَوَجَبَ الْبَيَانُ، لِيَزُولَ اللَّبْسُ، وَالْوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، قُبِلَتْ وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَعْرُوفُ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

  219. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ،

  220. فَإِنْ عَلِمَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَضَافَ.

  221. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُمَا إِذَا عَلِمَ،

  222. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قُبِلَ قَطْعًا لِجَوَازِ إِرَادَةِ غَيْرِهِ.

  223. وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لَوْ شَهِدَ الْمَعْزُولُ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ بِكَذَا، وَشَهِدَ مَعَهُ آخَرُ أَنَّ الْمَعْزُولَ حَكَمَ بِهِ، وَجَبَ أَنْ نَقْبَلَ، لِأَنَّا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا نَعْتَنِي إِلَّا بِتَصْحِيحِ الصِّيغَةِ.

  224. قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  225. وَلَوْ شَهِدَ الْمَعْزُولُ أَنَّهُ مِلْكُ فُلَانٍ، أَوْ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ حُكْمِي بِكَذَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى فِعْلِهِ، وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ: حَكَمْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا، كَقَوْلِ الْمَعْزُولِ.

  226. وَأَمَّا إِذَا قَالَ قَبْلَ الْعَزْلِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، فَيُقْبَلُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْشَاءِ فِي الْحَالِ وَحَتَّى لَوْ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ: نِسَاءُ الْقَرْيَةِ طَوَالِقُ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، قُبِلَ قَوْلُهُ،

  227. وَلَا حَاجَةَ إِلَى حُجَّةٍ.

  228. 11/12911/129

    فَرْعَانِ

  229. ذَكَرَهُمَا الْهَرَوِيُّ، أَحَدُهُمَا: قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ هَذَا الْأَمِينِ دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ أَيَّامَ قَضَائِي لِيَحْفَظَهُ لِزَيْدٍ، وَقَالَ الْأَمِينُ: إِنَّهُ لِعَمْرٍو، وَمَا قَبَضْتُهُ مِنْكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ،

  230. وَإِنْ وَافَقَهُ عَلَى الْقَبْضِ مِنْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي. وَالثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدَانِ بِحُكْمِ الْقَاضِي هُمَا اللَّذَانِ شَهِدَا عِنْدَهُ، وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى فِعْلِ الْقَاضِي. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ: وَعَلَى هَذَا تَفَقَّهْتُ، وَأَدْرَكْتُ الْقُضَاةَ.

  231. الْخَامِسَةُ: لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَتَبُّعُ أَحْكَامِ الْقَاضِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا السَّدَادُ، وَلَهُ التَّتَبُّعُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ احْتِيَاطًا.

  232. وَإِذَا جَاءَهُ مُتَظَلِّمٌ عَلَى الْقَاضِي الْمَعْزُولِ، وَطَلَبَ إِحْضَارَهُ، لَمْ يُسَارِعْ إِلَى إِجَابَتِهِ، فَقَدْ يَقْصِدُ ابْتِذَالَهُ، بَلْ يَسْأَلُهُ عَمَّا يُرِيدُ مِنْهُ،

  233. فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ عَيْنًا، أَوْ دَيْنَ مُعَامَلَةٍ، أَوْ إِتْلَافًا أَوْ غَصْبًا، أَحْضَرَهُ، وَفَصَلَ خُصُومَتَهُمَا، كَغَيْرِهِمَا.

  234. وَلَوْ قَالَ: أَخَذَ مِنِّي كَذَا عَلَى سَبِيلِ الرِّشْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، أَوْ أَخَذَ مِنِّي مَالًا بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى فُلَانٍ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَخْذَ كَالْغَصْبِ،

  235. وَأَمَّا فُلَانٌ الَّذِي ادَّعَى الدَّفْعَ إِلَيْهِ،

  236. فَإِنْ قَالَ: أَخَذْتُهُ بِحُكْمِ الْمَعْزُولِ لِي، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ،

  237. وَلَا قَوْلُ الْمَعْزُولِ لَهُ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى حُكْمِ الْمَعْزُولِ لَهُ أَيَّامَ قَضَائِهِ،

  238. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةً، انْتَزَعَ مِنْهُ الْمَالَ،

  239. وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ لِي، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْآخِذُ مِنَ الْمُدَّعِي لِحُكْمِ الْمَعْزُولِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ،

  240. وَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُتَظَلِّمُ لِلْآخِذِ، بَلْ قَالَ: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ وَنَحْوِهُمَا، فَقَدْ حَكَى الْغَزَالِيُّ وَجْهًا أَنَّ دَعْوَاهُ لَا تُسْمَعُ،

  241. وَلَا يُصْغَى إِلَيْهِ وَهَذَا الْوَجْهُ خَطَأٌ لَا نَعْرِفُهُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، بَلِ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنْ دَعَوَاهُ مَسْمُوعَةً، وَبَيِّنَتُهُ مَحْكُومٌ بِهَا، وَلَكِنْ هَلْ يَحْضُرُ الْمَعْزُولُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا:

  242. 11/13011/130

    نَعَمْ كَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي: لَا يُحْضِرْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ بِمَا يَدَّعِيهِ، أَوْ عَلَى إِقْرَارِ الْمَعْزُولِ بِمَا يَدَّعِيهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ جَرَيَانُ أَحْكَامِهِ عَلَى الصَّوَابِ، فَيَكْفِي هَذَا الظَّاهِرُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ، وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقَامُ فِي غَيْبَتِهِ، وَيُحْكَمُ بِهَا لَكِنَّ الْغَرَضَ أَنْ يَكُونَ إِحْضَارُهُ ثَبَتَ فَيُقِيمُ الْمُدَّعِي شُهُودًا يَعْرِفُ الْقَاضِيَ بِهِمْ أَنَّ لِدَعْوَاهُ أَصْلًا وَحَقِيقَةً،

  243. ثُمَّ إِذَا حَضَرَ الْمَعْزُولُ ادَّعَى الْمُدَّعِي، وَشَهِدَ الشُّهُودُ فِي وَجْهِهِ،

  244. فَإِنْ أُحْضِرَ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَأَقَرَّ، طُولِبَ بِمُقْتَضَاهُ،

  245. وَإِنْ أَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالرُّويَانِيُّ كَالْمُوَدِّعِ وَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ،

  246. وَقِيلَ: يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ، وَالْإِصْطَخْرِيُّ، وَصَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ، وَالْبَغَوِيُّ.

  247. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ فِي مَالٍ أَوْ دَمٍ حَتَّى إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ ظُلْمًا بِالْحُكْمِ جَرَى الْخِلَافُ فِي أَنَّ إِحْضَارَهُ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيِّنَةٍ، وَأَنَّهُ إِذَا أَنْكَرَ هَلْ يُحَلَّفُ؟

  248. وَلَوِ ادَّعَى عَلَى نَائِبِ الْمَعْزُولِ فِي الْقَضَاءِ، فَهُوَ كَالدَّعْوَى عَلَى الْمَعْزُولِ،

  249. وَأَمَّا أُمَنَاؤُهُ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ فَلَوْ حُوسِبَ بَعْضُهُمْ فَبَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: أَخَذْتُ هَذَا الْمَالَ أُجْرَةَ عَمَلِي، فَصَدَّقَهُ الْمَعْزُولُ، لَمْ يَنْفَعْهُ تَصْدِيقُهُ، بَلْ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا يَزِيدُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَهَلْ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، بَلْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِجَرَيَانِ ذِكْرِ الْأُجْرَةِ.

  250. وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ مَجَّانًا. قَالَ الْإِمَامُ: وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُسَمِّ أُجْرَةً، هَلْ يَسْتَحِقُّهَا؟

  251. فَرْعٌ

  252. لَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْقَاضِي الْبَاقِي عَلَى قَضَائِهِ، نُظِرَ إِنِ ادَّعَى مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِيفَتُهُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ،

  253. وَإِنِ ادَّعَى ظُلْمًا فِي الْحُكْمِ، وَأَرَادَ تَغْرِيمَهُ، لَمْ يُمْكِنْ،

  254. وَلَا يَحْلِفُ الْقَاضِي وَلَا تُغْنِي

  255. 11/13111/131

    إِلَّا الْبَيِّنَةُ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى عَلَى الشَّاهِدِ أَنَّهُ شَهِدَ بِالزُّورِ، وَأَرَادَ تَغْرِيمَهُ، لِأَنَّهُمَا أَمِينَانِ شَرْعًا.

  256. وَلَوْ فَتَحَ بَابَ تَحْلِيفِهِمَا لَتَعَطَّلَ الْقَضَاءُ، وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ،

  257. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ لِلْقَاضِي: قَدْ عُزِلْتَ، فَأَنْكَرَ وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ التَّحْلِيفُ فِي جَمِيعِ هَذَا كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ إِذَا ادُّعِيَتْ خِيَانَتُهُمْ.

  258. الْبَابُ الثَّانِي فِي جَامِعِ آدَابِ الْقَضَاءِ فِيهِ أَطْرَافٌ

  259. الْأَوَّلُ: فِي آدَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَهِيَ عَشْرَةٌ.

  260. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكْتُبَ الْإِمَامُ كِتَابَ الْعَهْدِ لِمَنْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ، وَيَذْكُرَ فِيهِ مَا يَحْتَاجُ الْقَاضِي إِلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَيَعِظُهُ فِيهِ،

  261. فَإِنْ كَانَ يَبْعَثُهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، نُظِرَ إِنْ كَانَ بَعِيدًا لَا يَنْتَشِرُ الْخَبَرُ إِلَيْهِ، فَلْيُشْهِدْ شَاهِدَيْنِ عَلَى التَّوْلِيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ وَيَقْرَآنِهِ، أَوْ يَقْرَؤُهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِمَا،

  262. فَإِنْ قَرَأَ غَيْرُ الْإِمَامِ، فَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْظُرَ الشَّاهِدَانِ فِيهِ،

  263. ثُمَّ يَخْرُجُ الشَّاهِدَانِ مَعَهُ، فَيُخْبِرَانِ بِالْحَالِ هُنَاكَ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْسَ هَذَا عَلَى قَوَاعِدِ الشَّهَادَاتِ، إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ قَاضٍ يُؤَدِّي عِنْدَهُ الشَّهَادَةَ.

  264. وَلَوْ أَشْهَدَ وَلَمْ يَكْتُبْ، كَفَى،

  265. فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الشُّهُودِ وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا يَنْتَشِرُ الْخَبَرُ إِلَيْهِ وَيَسْتَفِيضُ،

  266. فَإِنْ أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ يَخْرُجَانِ مَعَهُ كَمَا ذَكَرْنَا، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ كَالْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ، وَأَصَحُّهُمَا الِاكْتِفَاءُ، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنِ الْخُلَفَاءِ الْإِشْهَادُ،

  267. وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْبَلَدِ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ خِلَافٌ، وَيَكُونَ التَّعْوِيلُ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ،

  268. وَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ مُجَرَّدِ الْكِتَابَةِ بِغَيْرِ اسْتِفَاضَةٍ،

  269. وَلَا إِشْهَادٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي اعْتِمَادِهِ وَجْهَيْنِ.

  270. 11/13211/132

    الْأَدَبُ الثَّانِي: إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى بَلَدِ قَضَائِهِ، سَأَلَ عَنْ حَالِ مَنْ فِيهِ الْعُدُولِ وَالْعُلَمَاءِ،

  271. فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ، سَأَلَ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَى عِلْمٍ بِحَالِ الْبَلَدِ،

  272. فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ، سَأَلَ حِينَ يَدْخُلُ،

  273. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.

  274. قُلْتُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: فَإِنْ تَعَسَّرَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ فَالْخَمِيسُ، وَإِلَّا فَالسَّبْتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  275. وَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ،

  276. وَأَنْ يَنْزِلَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ أَوِ النَّاحِيَةِ، لِئَلَّا يَطُولَ الطَّرِيقُ عَلَى بَعْضِهِمْ،

  277. وَإِذَا دَخَلَ، فَإِنْ رَأَى أَنْ يَشْتَغِلَ فِي الْحَالِ بِقِرَاءَةِ الْعَهْدِ، فَعَلَ،

  278. وَإِنْ رَأَى أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَهُ، وَيَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِي يَوْمًا فَأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى حَسَبِ صِغَرِ الْبَلَدِ أَوْ كِبَرِهِ أَنَّ فُلَانًا جَاءَ قَاضِيًا، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ يَوْمَ كَذَا لِقِرَاءَةِ الْعَهْدِ،

  279. فَمَنْ أَحَبَّ، فَلْيَحْضُرْ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا، قَرَأَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ،

  280. وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شُهُودٌ شَهِدُوا،

  281. ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَيَسْتَحْضِرُ النَّاسُ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنِ الشُّهُودِ وَالْمُزَكَّيْنَ سِرًّا وَعَلَانِيَةً.

  282. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ وَهُوَ مَا كَانَ عِنْدَ الْقَاضِي قَبْلَهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ، وَحُجَجِ الْأَيْتَامِ وَالْأَوْقَافِ، وَحُجَجِ غَيْرِهِمُ الْمُودَعَةِ فِي الدِّيوَانِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ الْأَوَّلِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَقَدِ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَيْهِ،

  283. ثُمَّ إِذَا أَرَادَ النَّظَرَ فِي الْأُمُورِ نَظَرَ أَوَّلًا فِي الْمَحْبُوسِينَ هَلْ يَسْتَحِقُّونَهُ أَمْ لَا؟ وَيَأْمُرُ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ لِلنَّظَرِ فِيهِمْ مَنْ يُنَادِي يَوْمًا فَأَكْثَرَ عَلَى حَسَبِ الْحَاجَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي الْمَحْبُوسِينَ يَوْمَ كَذَا،

  284. فَمَنْ لَهُ مَحْبُوسٌ، فَلْيَحْضُرْ، وَيَبْعَثُ إِلَى الْحَبْسِ أَمِينًا لِيَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوسٍ وَمَا حُبِسَ بِهِ،

  285. وَمَنْ حُبِسَ لَهُ فِي رُقْعَةٍ.

  286. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ يَبْعَثُ أَمِينَيْنِ وَهُوَ أَحْوَطُ.

  287. فَإِذَا جَلَسَ فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَحَضَرَ النَّاسُ، صُبَّتِ الرِّقَاعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْخُذُ رُقْعَةً

  288. 11/13311/133

    وَيَنْظُرُ فِي الِاسْمِ الْمُثْبَتِ فِيهَا، وَيَسْأَلُ عَنْ خَصْمِهِ فَمَنْ قَالَ: أَنَا خَصْمُهُ بَعَثَ مَعَهُ ثِقَةً إِلَى الْحَبْسِ لِيَأْخُذَ بِيَدِهِ وَيُحْضِرَهُ، وَهَكَذَا يَحْضُرُ مِنَ الْمَحْبُوسِينَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْمَجْلِسَ يَحْتَمِلُ النَّظَرَ فِي أَمْرِهِمْ وَفِي «أَمَالِي» السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ لِلِابْتِدَاءِ.

  289. وَإِذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ الْمَحْبُوسُ وَخَصْمُهُ، سَأَلَ الْمَحْبُوسَ عَنْ سَبَبِ حَبْسِهِ، وَجَوَابُهُ يُفْرَضُ عَلَى وُجُوهٍ، مِنْهَا أَنْ يَعْتَرِفَ أَنَّهُ حُبِسَ بِحَقٍّ،

  290. فَإِنْ كَانَ مَا حُبِسَ بِهِ مَالًا، أُمِرَ بِأَدَائِهِ،

  291. فَإِنْ قَالَ: أَنَا مُعْسِرٌ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّفْلِيسِ،

  292. فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ وَلَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ، رُدَّ إِلَى الْحَبْسِ،

  293. وَإِنْ أَدَّى أَوْ ثَبَتَ إِعْسَارُهُ نُودِيَ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّ لَهُ خَصْمًا آخَرَ،

  294. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ خُلِّيَ،

  295. وَإِنْ كَانَ مَا حُبِسَ بِهِ حَدًّا، أُقِيمَ عَلَيْهِ، وَخُلِّيَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.

  296. وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: شَهِدْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ، فَحَبَسَنِي الْقَاضِي لِيَبْحَثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ، فَفِي جَوَازِ الْحَبْسِ بِهَذَا السَّبَبِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،

  297. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُحْبَسُ بِهِ، أَطْلَقَهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، وَبَحَثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: حُبِسْتُ بِخَمْرٍ أَوْ كَلْبٍ أَتْلَفْتُهُ عَلَى ذَمِّيٍّ، وَهَذَا الْقَاضِي لَا يَعْتَقِدُ التَّغْرِيمَ بِذَلِكَ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُمْضِيهِ، وَالثَّانِي: يَتَوَقَّفُ، وَيَسْعَى فِي اصْطِلَاحِهِمَا عَلَى شَيْءٍ.

  298. وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: حُبِسْتُ ظُلْمًا،

  299. فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ مَعَهُ، فَعَلَى الْخَصْمِ الْبَيِّنَةُ، وَيُصَدَّقُ الْمَحْبُوسُ بِيَمِينِهِ،

  300. فَإِنْ ذَكَرَ خَصْمًا غَائِبًا، فَقِيلَ: يُطْلَقُ قَطْعًا،