الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الرَّهْنِ
الفتاوى الهنديةHanafimasa’il 57659 to 57676
-
6/4296/429
(الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الرَّهْنِ) رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَرْهَنَ نِصْفَ دَارِهِ أَوْ نِصْفَ ضِيَاعِهِ شَائِعًا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ فَإِنْ طَلَبَا حِيلَةً فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ نِصْفَ دَارِهِ أَوْ نِصْفَ ضِيَاعِهِ بِالْمَالِ الَّذِي يُرِيدُ اسْتِقْرَاضَهُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِيهِ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِذَا تَقَابَضَا فَسَخَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ فَيَبْقَى الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ إنْ هَلَكَ هَلَكَ بِالثَّمَنِ وَإِنْ دَخَلَهُ عَيْبٌ ذَهَبَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيَلِهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرَى فِي
-
6/4306/430
خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الْفَسْخِ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ فِي بَابِ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ،
-
وَأَمَّا الْمُشْتَرَى فِي خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ بَعْدَ الْفَسْخِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ لَا بِالثَّمَنِ كَمَا قَبْلَ الْفَسْخِ وَالرَّدُّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءِ نَظِيرِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي.
-
وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي حِيَلِ الْأَصْلِ وَقَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَقْرِضُ نِصْفَ دَارِهِ مِنْ الْمُقْرِضِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إلَى وَقْتِ كَذَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ،
-
فَإِنْ رَدَّ الْمَالَ فِيهِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ فَالْخِيَارُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ. وَقَدْ عُرِفَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَكِنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ لَا تَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ فَنَقَضَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ بَعْدَ مَا تَقَابَضَا فَالْجَوَابُ فِيهِ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ هَذَا الْمَبِيعَ يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ إنْ هَلَكَ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ قِيمَتِهِ وَيُتَرَادَّانِ الْفَضْلَ إنْ كَانَ هُنَاكَ فَضْلٌ.
-
(رَجُلٌ) أَرَادَ أَنْ يَرْتَهِنَ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ بِأَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ أَرْضًا أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يَكُونَ دَارًا أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَسْكُنَهَا؛ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْتَهِنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَيَقْبِضَهُ ثُمَّ يَسْتَعِيرَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الرَّاهِنِ،
-
فَإِذَا أَعَارَهُ إيَّاهُ وَأَذِنَ لَهُ بِالِانْتِفَاعِ طَابَ لَهُ ذَلِكَ وَالْعَارِيَّةُ لَا تَرْفَعُ الرَّهْنَ وَلَكِنْ مَا دَامَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ لَا يَظْهَرُ حُكْمُ الرَّهْنِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الِانْتِفَاعِ يَعُودُ رَهْنًا كَمَا كَانَ،
-
بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يُبْطِلُ الرَّهْنَ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الِانْتِفَاعَ بِالدَّارِ وَفَرَّغَهَا تَعُودُ رَهْنًا فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ مَعَ تَرْكِ الِانْتِفَاعِ التَّفْرِيغَ شَرْطٌ لِيَعُودَ رَهْنًا. وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ: إذَا تَرَكَ الِانْتِفَاعَ بِهِ عَادَ رَهْنًا، فَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَرْهُونُ دَارًا اسْتَعَارَهَا الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ، وَنَقَلَ إلَيْهَا مَتَاعَهُ ثُمَّ تَرَكَ سُكْنَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ أَنَّهَا تَعُودُ رَهْنًا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّغْ الدَّارَ.
-
وَشَرَطَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّفْرِيغَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا مِنْ الْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
-
(رَجُلٌ) فِي يَدَيْهِ رَهْنٌ وَالرَّاهِنُ غَائِبٌ فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُثْبِتَ الرَّهْنَ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى يُسَجِّلَ لَهُ بِذَلِكَ وَيَحْكُمَ بِأَنَّهَا رَهْنٌ فِي يَدَيْهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْمُرَ الْمُرْتَهِنُ رَجُلًا غَرِيبًا حَتَّى يَدَّعِيَ رَقَبَةَ هَذَا الرَّهْنِ وَيَقْدَمَ الْمُرْتَهِنُ إلَى الْقَاضِي فَيُقِيمَ الْمُرْتَهِنُ بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ رَهَنَ عِنْدَهُ فَيَسْمَعَ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ عَلَى الرَّهْنِ وَيَقْضِيَ بِكَوْنِهِ رَهْنًا عِنْدَهُ وَيَدْفَعَ خُصُومَةَ الْغَرِيبِ، فَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنْ الْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّاهِنِ مَقْبُولَةٌ وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ غَائِبًا.
-
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ وَشَوَّشَ فِيهِ الْجَوَابَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ شَرَطَ حَضْرَةَ الرَّاهِنِ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الرَّهْنِ وَالْمَشَايِخُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، بَعْضُهُمْ قَالُوا: مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ وَقَعَ غَلَطًا مِنْ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ، كَمَا لَوْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ أَوْ مُضَارَبَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ إجَارَةً، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَى
-
6/4316/431
الرِّوَايَتَيْنِ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَهَنَهُ فَقَدْ اسْتَحْفَظَهُ فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحِفْظُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَإِثْبَاتِ الْمِلْكِ لِلرَّاهِنِ صَارَ خَصْمًا فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَأَشْبَاهِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ لِإِثْبَاتِ الرَّهْنِ عَلَى الْغَائِبِ وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
-
وَهَذَا؛ لِأَنَّ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ لِإِثْبَاتِ الرَّهْنِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا حَاجَةَ لِصَاحِبِ الْيَدِ إلَى إثْبَاتِ الرَّهْنِ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ وَقَدْ أَجَابَ بِمِثْلِ هَذَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي نَظَائِرِهِ، فَقَالَ: الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ إذَا أُسِرَ وَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَوَجَدَهُ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ وَأَخَذَهُ لَا يَكُونُ هَذَا قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بِالرَّهْنِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الرَّهْنِ فَإِنَّ كَوْنَ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ وَقْتَ الْأَسْرِ كَافٍ لَهُ؛ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَبُولَ الْبَيِّنَةِ لِإِثْبَاتِ الرَّهْنِ عَلَى الْغَائِبِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يُبْطِلَ الدَّيْنَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَشْتَرِيَ مِنْهُ عَبْدًا بِذَلِكَ الدَّيْنِ وَلَا يَقْبِضُهُ فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ لَا يَبْطُلُ دَيْنُهُ وَلَوْ مَاتَ الْمَطْلُوبُ فَالطَّالِبُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ،
-
فَلَوْ قَضَى دَيْنَهُ فِي الْحَيَاةِ أَقَالَهُ الْبَيْعُ،
-
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا يُقْرِضَهُ رَبُّ الْمَالِ إلَّا دِرْهَمًا،
-
ثُمَّ يُشَارِكَهُ بِالدَّرَاهِمِ الْبَاقِيَةِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا ثُمَّ عَمِلَ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.