كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
أسنى المطالب في شرح روض الطالبShafi'imasa’il 17413 to 17448
-
4/24/2
وَهِيَ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يُزْهِقُ وَلَا يُبَيِّنُ (الْقَتْلُ ظُلْمًا) وَهُوَ مُرَادُ الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ (أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ) فَقَدْ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قِيلَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَلِصَاحِبِهِ) أَيْ الْقَتْلِ ظُلْمًا (تَوْبَةٌ) كَالْكَافِرِ بَلْ أَوْلَى (وَلَا يَتَحَتَّمُ عَذَابُهُ) بَلْ هُوَ تَحْتَ خَطَرِ الْمَشِيئَةِ (وَلَا يُخَلَّدُ) عَذَابُهُ إنْ عُذِّبَ، وَ (إنْ أَصَرَّ) عَلَى تَرْكِ التَّوْبَةِ فِيهَا كَسَائِرِ ذَوِي الْكَبَائِرِ غَيْرَ الْكُفَّارِ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْعَذَابِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِدُخُولِ النَّارِ (وَيَتَعَلَّقُ بِهِ) يَعْنِي بِالْقَتْلِ غَيْرُ الْمُبَاحِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِهِ ظُلْمًا (الْكَفَّارَةُ وَالْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ أَوْ التَّعْزِيرُ) لِمَا سَيَأْتِي وَيُتَصَوَّرُ التَّعْزِيرُ (فِي صُوَرٍ كَقَتْلِ) نَفْسٍ مِنْ (نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانِهِمْ) وَكَقَتْلِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ (وَالنَّظَرُ) إمَّا (فِي مُوجِبِ الْقِصَاصِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ (وَ) إمَّا فِي (وَاجِبِهِ فَلِلْمُوجِبِ) لَهُ فِي النَّفْسِ (ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ الْأَوَّلُ الْقَتْلُ ظُلْمًا) يَعْنِي عَمْدًا بِقَرِينَةٍ، قَوْلُهُ (وَهُوَ كُلُّ فِعْلٍ عَمْدٍ مَحْضٍ مُزْهِقٍ) لِلرُّوحِ (عُدْوَانٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُزْهِقًا لِلرُّوحِ فَبِقَوْلِهِ كُلُّ فِعْلٍ دَخَلَ الْجُرْحُ وَغَيْرُهُ وَبِقَوْلِهِ عَمْدٍ خَرَجَ الْخَطَأُ وَبِمَحْضٍ خَرَجَ شِبْهُ الْعَمْدِ) وَسَيَأْتِي بَيَانُ الثَّلَاثَةِ.
-
(وَبِعِدْوَانٍ خَرَجَ الْقَتْلُ الْجَائِزُ) كَالْقَتْلِ قَوَدًا أَوْ دَفْعًا لِصَائِلٍ أَوْ بَاغٍ (وَبِمُزْهِقٍ خَرَجَ الْجُرْحُ) كَأَنْ غَرَزَ إبْرَةً بِغَيْرِ مَقْتَلٍ فَمَاتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْقُبَهُ أَلَمٌ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا وَبِإِخْرَاجِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ (وَبِكَوْنِهِ) الْأَوْلَى وَبِحَيْثُ كَوْنُهُ (مُزْهِقًا خَرَجَ مَا خَالَفَ فِيهِ) بِأَنْ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ الْمُسْتَحَقِّ فِي الْقَتْلِ كَأَنْ اسْتَحَقَّ حَزَّ رَقَبَتِهِ قَوَدًا فَقَدَّهُ
-
4/34/3
نِصْفَيْنِ (فَإِنَّهُ عُدْوَانٌ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِزْهَاقِ) بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ الْمُسْتَحَقِّ.
-
(وَالنَّظَرُ) بَعْدَ ذَلِكَ (فِي أَطْرَافٍ) أَرْبَعَةٍ (الْأَوَّلُ فِي) بَيَانِ (الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ وَشِبْهِهِ) وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا فَإِذَا قَتَلَ غَيْرَهُ (فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْفِعْلَ) كَأَنْ زَلِقَ فَوَقَعَ عَلَى غَيْرِهِ فَمَاتَ بِهِ أَوْ تَوَلَّدَ الْمَوْتُ مِنْ اضْطِرَابِ يَدِ الْمُرْتَعِشِ (أَوْ قَصَدَ) الْفِعْلَ لَكِنْ قَصَدَ (بِهِ شَخْصًا) مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (فَأَصَابَ غَيْرَهُ) مِنْ الْآدَمِيِّينَ (فَهُوَ الْخَطَأُ،
-
وَإِنْ قَصَدَهُمَا) أَيْ الْفِعْلَ وَالشَّخْصَ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ قَصَدَهُمَا (بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَعَمْدٌ، وَإِلَّا) بِأَنْ قَصَدَهُمَا بِمَا يَقْتُلُ نَادِرًا كَغَرْزِ إبْرَةٍ بِغَيْرِ مَقْتَلٍ كَعَقِبٍ أَوْ بِمَا يَقْتُلُ لَا غَالِبًا وَلَا نَادِرًا (فَشِبْهُ عَمْدٍ) .
-
(فَرْعٌ:) لَوْ (جَرَحَهُ بِمُحَدَّدٍ مُؤَثِّرٍ) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ نَحْوِهَا (فَمَاتَ) بِذَلِكَ الْجُرْحِ،
-
وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ (وَجَبَ الْقَوَدُ) بِالْإِجْمَاعِ
-
(وَكَذَا) لَوْ جَرَحَهُ (بِإِبْرَةٍ) بِأَنْ غَرَزَهَا (فِي مَقْتَلٍ) بِفَتْحِ التَّاءِ (كَدِمَاغٍ وَعَيْنٍ، وَأَصْلِ أُذُنٍ وَحَلْقٍ وَثُغْرَةٍ) لِنَحْرٍ (، وَأَخْدَعَ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ عِرْقُ الْعُنُقِ (وَخَاصِرَةٍ، وَإِحْلِيلٍ وَأُنْثَيَيْنِ وَمَثَانَةٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ بَعْدَ الْمِيمِ مُسْتَقَرُّ الْبَوْلِ مِنْ الْآدَمِيِّ (وَعِجَانٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَا بَيْنَ الْخُصْيَةِ وَالدُّبُرِ وَيُسَمَّى الْعَضَّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَيَجِبُ الْقَوَدُ فِي ذَلِكَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرٌ لِعِظَمِ الْخَطَرِ فِيهِ.
-
(أَمَّا) لَوْ غَرَزَهَا (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَقْتَلٍ كَفَخِذٍ (فَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ) وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ (فَشِبْهُ عَمْدٍ) ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا بِغَيْرِ سِرَايَةٍ وَتَأَلُّمٍ فَأَشْبَهَ السَّوْطَ الْخَفِيفَ نَعَمْ الْغَرْزُ فِي بَدَنِ الصَّغِيرِ وَالشَّيْخِ الْهَرِمِ وَنَضْوِ الْخَلْقِ عَمْدٌ مُطْلَقًا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الْعَبَّادِيِّ، وَأَقَرَّهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ لَمْ يَشِنْهُ لَا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ أَصْلًا إذْ لَا بُدَّ مِنْ أَلَمٍ مَا غَالِبًا.
-
(وَإِنْ أَوْغَلَ) مِنْ الْإِيغَالِ، وَهُوَ السَّيْرُ السَّرِيعُ وَالْإِمْعَانُ أَيْ أَمْعَنَ فِي الْغَرْزِ (وَبَقِيَ مُتَوَرِّمًا مُتَأَلِّمًا مِنْهُ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ فَعَمْدٌ) لِظُهُورِ أَثَرِ الْجِنَايَةِ وَسِرَايَتِهَا إلَى الْهَلَاكِ،
-
وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّأَلُّمِ كَانَ أَوْلَى فَإِنَّهُ الْمُقْتَضِي لِلْقَوَدِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ، وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الْغَزَالِيُّ لِلْأَلَمِ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ الْوَرَمَ لَا يَخْلُو عَنْ الْأَلَمِ
-
بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْأَلَمِ لَكِنَّ قَوْلَ الرَّافِعِيِّ لَمْ يَضُرَّ أَيْ فِي مُرَادِ الْغَزَالِيِّ، وَإِلَّا فَيَضُرُّ فِي الْحُكْمِ إذْ الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْأَلَمِ،
-
وَإِنْ عُدِمَ الْوَرَمُ (وَلَا أَثَرَ لِغَرْزِهَا فِي جِلْدَةِ الْعَقِبِ) ، وَنَحْوِهَا إذَا لَمْ يَتَأَلَّمْ بِهِ لِعِلْمِنَا بِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِهِ، وَالْمَوْتُ عَقِبَهُ مُوَافَقَةُ قَدْرٍ فَهُوَ (كَمَنْ ضُرِبَ بِقَلَمٍ) أَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ (فَمَاتَ، وَإِبَانَةُ الْفِلْقَةِ الْخَفِيفَةِ) مِنْ اللَّحْمِ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا مَعَ إسْكَانِ اللَّامِ فِيهِمَا، وَهِيَ الْقِطْعَةُ (كَغَرْزِ الْإِبْرَةِ) فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ.
-
(فَرْعٌ:) لَوْ (ضَرَبَهُ بِمُثْقَلٍ يَقْتُلُ غَالِبًا) كَحَجَرٍ وَدَبُّوسٍ كَبِيرَيْنِ (أَوْ أَوَطْأَهُ دَابَّةً أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَيْهِ) عَصْرًا (شَدِيدًا) أَوْ دَفَنَهُ حَيًّا (فَمَاتَ فَعَمْدٌ) فَيَجِبُ الْقَوَدُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقَتَلَهَا فَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» ؛
-
وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ الْقَتْلَ بِالْمُحَدَّدِ؛ وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ الْقَوَدَ لَاُتُّخِذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى إهْلَاكِ النَّاسِ (وَإِنْ ضَرَبَهُ بِجُمْعِ كَفِّهِ) بِضَمِّ الْجِيمِ، وَإِسْكَانِ الْمِيمِ، وَهُوَ قَبْضُ الْكَفِّ أَيْ الْكَفُّ الْمَقْبُوضَةُ الْأَصَابِعِ (أَوْ بِعَصًا خَفِيفَةٍ أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ فِي مَقْتَلٍ أَوْ وَالَى ضَرْبَهُ مَرَّاتٍ بِحَيْثُ يَضْرِبُهُ) الضَّرْبَةَ (الثَّانِيَةَ، وَأَلَمُ الْأُولَى، وَأَثَرُهَا بَاقٍ) كُلٌّ مِنْهُمَا (أَوْ) لَمْ يُوَالِهِ لَكِنْ (كَانَ) الْمَضْرُوبُ (صَغِيرًا أَوْ نَضْوًا) أَيْ نَحِيفَ الْخِلْقَةِ (أَوْ ضَعِيفًا لِمَرَضٍ أَوْ) ضَرَبَهُ (فِي) شِدَّةِ (حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ) فِي غَيْرِهَا لَكِنْ (اشْتَدَّ أَلَمُهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الضَّرْبَةِ (مُدَّةً حَتَّى مَاتَ فَعَمْدٌ) ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ مُهْلِكٌ غَالِبًا سَوَاءٌ قَصَدَ الضَّارِبُ فِي الرَّابِعَةِ الْمُوَالَاةَ أَمْ لَا كَأَنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً، وَقَصَدَ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَيْهَا فَشَتَمَهُ فَضَرَبَهُ ثَانِيَةً وَهَكَذَا،
-
وَلَا حَاجَةَ فِيهَا لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَلَمِ وَالْأَثَرِ (وَإِلَّا) أَيْ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (فَشِبْهُ عَمْدٍ،
-
وَإِنْ خَنَقَهُ) أَوْ وَضَعَ عَلَى فَمِهِ يَدَهُ أَوْ مِخَدَّةً أَوْ نَحْوَهَا (فَأَطَالَ حَتَّى مَاتَ أَوْ لَمْ) يَمُتْ لَكِنْ
-
4/44/4
(انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ أَوْ ضَعُفَ وَتَأَلَّمَ حَتَّى مَاتَ فَعَمْدٌ،
-
وَإِنْ زَالَ الْأَلَمُ ثُمَّ مَاتَ فَلَا شَيْءَ) عَلَى الْفَاعِلِ لِانْقِطَاعِ أَثَرِ فِعْلِهِ (،
-
وَإِنْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ) أَيْ مُدَّةُ الْخَنْقِ أَوْ نَحْوِهِ (بِحَيْثُ لَا يَمُوتُ) مِثْلُهُ (مِنْهَا غَالِبًا فَمَاتَ فَشِبْهُ عَمْدٍ،
-
وَلَوْ سَقَاهُ سُمًّا يَقْتُلُ كَثِيرًا لَا غَالِبًا فَكَغَرْزِ الْإِبْرَةِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ) أَيْ فَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ فَشِبْهُ عَمْدٍ،
-
وَإِنْ بَقِيَ مُتَأَلِّمًا مِنْهُ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ فَعَمْدٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْبَاطِنِ أَغْشِيَةً رَقِيقَةً تَنْقَطِعُ بِهِ فَأَشْبَهَ تَأْثِيرُهُ تَأْثِيرَ الْجَارِحِ فِي ظَاهِرِ الْبَدَنِ أَمَّا إذَا كَانَ يَقْتُلُ غَالِبًا فَهُوَ كَغَرْزِ الْإِبْرَةِ بِمَقْتَلٍ.
-
(فَرْعٌ:) لَوْ (حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ) أَوْ الشَّرَابَ وَالطَّلَبُ لَهُ (مُدَّةً يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا) جُوعًا أَوْ عَطَشًا وَمَاتَ (لَزِمَهُ الْقَوَدُ) لِكَوْنِهِ عَمْدًا لِظُهُورِ قَصْدِ الْإِهْلَاكِ بِهِ وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ بِاخْتِلَافِ الْمَحْبُوسِ قُوَّةً وَضَعْفًا وَالزَّمَانُ حَرًّا وَبَرْدًا فَفَقْدُ الْمَاءِ فِي الْحَرِّ لَيْسَ كَهُوَ فِي الْبَرْدِ
-
(وَكَذَا) يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ (إنْ سَبَقَ) لَهُ (جُوعٌ) أَوْ عَطَشٌ وَكَانَتْ الْمُدَّتَانِ تَبْلُغَانِ الْمُدَّةَ الْقَاتِلَةَ (وَعَلِمَهُ) الْحَابِسُ لِمَا ذُكِرَ (، وَإِلَّا) أَيْ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ (لَزِمَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ) أَيْ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شِبْهُ عَمْدٍ إذْ لَمْ يَقْصِدْ إهْلَاكَهُ،
-
وَلَا أَتَى بِمَا هُوَ مُهْلِكٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ إنْسَانًا دَفْعًا خَفِيفًا فَسَقَطَ عَلَى سِكِّينٍ وَرَاءَهٌ، وَهُوَ جَاهِلٌ لَا يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ النِّصْفُ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ بِالْجَوْعَيْنِ أَوْ بِالْعَطِشَيْنِ وَاَلَّذِي مِنْهُ أَحَدُهُمَا (أَوْ) فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ مُدَّةً (لَا يَمُوتُ) مِثْلُهُ (فِيهَا غَالِبًا،
-
وَلَا جُوعَ بِهِ) ،
-
وَلَا عَطَشَ سَابِقَ وَمَاتَ (فَشِبْهُ عَمْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ أَمْكَنَهُ) أَيْ الْمَحْبُوسُ (سُؤَالَ الطَّعَامِ وَتَرَكَهُ) أَوْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَتَرَاكَهُ خَوْفًا أَوْ حُزْنًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (أَوْ مَنَعَهُ الشَّرَابَ فَتَرَكَ الْأَكْلَ خَوْفَ الْعَطَشِ أَوْ مَاتَ بِانْهِدَامِ السَّقْفِ عَلَيْهِ) قَدْ ذَكَرَ الْمَوْتَ بَعْدُ فَالْأَوْلَى أَوْ انْهَدَمَ السَّقْفُ عَلَيْهِ (وَهُوَ حُرٌّ أَوْ وَجَدَهُ فِي مَفَازَةٍ فَأَخَذَ طَعَامَهُ فَمَاتَ بِذَلِكَ فَهَدَرٌ) ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ صُنْعًا.
-
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنَّهُ لَوْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَيْتًا هُوَ جَالِسٌ فِيهِ حَتَّى مَاتَ جُوعًا لَمْ يَضْمَنْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ إنْ كَانَ التَّصْوِيرُ فِي مَفَازَةٍ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا فَهَذَا مُحْتَمَلٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِطُولِهَا أَوْ لِزَمَانَةٍ،
-
وَلَا طَارِقَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُ الْقَوَدِ كَالْمَحْبُوسِ. انْتَهَى. وَخَرَجَ بِالْحُرِّ الرَّقِيقُ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْيَدِ (وَمَنْعُ الدِّفَاءِ فِي الْبَرْدِ كَمَنْعِ الطَّعَامِ) فِيمَا ذُكِرَ،
-
وَلَوْ قَتَلَهُ بِالدُّخَانِ بِأَنْ حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ وَسَدَّ مَنَافِذَهُ فَاجْتَمَعَ فِيهِ الدُّخَانُ وَضَاقَ نَفَسُهُ فَمَاتَ وَجَبَ الْقَوَدُ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.